|
|
|
د.اعتدال الكثيري |
||||||||||||
|
|
أثر التصوف في شعر
محمد نعمان
الحكيمي
|
|||||||||||
|
![]() الجزء الاول
أثر التصوف في شعر محمد نعمان الحكيمي
(الجزء الثاني) كنت تكلمت في الجزء الأول من هذه القراءة على الأثر الموضوعي للتصوف في شعر الحكيمي ، وذكرت أولاً : العشق الصوفي ، وهأنا أكمل الجوانب المتبقية من هذا الأثر، على أن أعود فأفرد جزأين من هذه القراءة المتواضعة للأثر الفني . 2) وصف الشيوخ والمريدين وأحوالهم: إذا كان متقدمو المتصوفة قد عبروا في أشعارهم عن الحب الإلهي وحب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد زاد متأخروهم ذكر الشيوخ وخصالهم ووصف أحوالهم . وشاعرنا الحكيمي يفرغ قصيدة كاملة لوصف حال هذا الصوفي الذي ملأ خياله، وأعني قصيدة (من حطام المسافات)(بوابة الشجن : 88و 89) وعاد فأكده قصيدة ( خندريس الغيم) ، ويلاحظ في العنوان استعمال لفظ الخندريس وهو يعني (الخمر القديمة) وهو لفظ موحٍ، إذ لطالما تغنى الصوفيون بالخمر بوصفها رمزاً لشدة الوله بالذات الإلهية. ويكتمل العنوان بلفظ (الغيم) الذي لا يعدّ رمزاً صوفياً خالصاً بل هو أكثر التصاقاً بمعجم الطبيعة، وأشدّ تعبيراً عن الرحمة الإلهية التي تنذر بالمطر الوشيك استجابة للصلوات وهو ما تؤكده كلمة (مبكر) في مطلع القصيدة ، وتعني: أول المطر ، يقول: المُريدونَ من كوانينَ جاؤوا يُقرِئونَ الشجونَ إهلالَ (مُبْكِرْ) كان وقعُ الشتاءِ فيهم فظيعاً غير أنَّ انسيابَهم ما تَخَثَّرْ ويحتلّ (باهوت) بين شيوخ المتصوفة مركز الصدارة في شعر الحكيمي ، وإن كان يحترس بقوله إن " الباهوت: لفظ يطلق على المتصوف الكبير العارف بالله الشيخ أحمد بن علوان اليماني..وقصدتُ به هنا كل داعية متجرد لحب الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم)" ولكن تكرار ذكره في أكثر من قصيدة يؤكد أنه متأثر به أيما تأثر، وهو أيضاً يذكر ديوانه الفتوح في قصيدة من (حطام المسافات ) مما يدلّ على أنه قرأه وتأثر به، وهو يقتبس منه كما أسلفت في أكثر من موضع. وثمة قصيدة تحمل هذا الاسم (باهوت) يتجلى فيها عمق عاطفة الشاعر واستمداده نور حياته من تلك الإشراقات التي تأتي مع أهزوجة الضوء ، وهي الكلمات التي افتتح بها هذه القصيدة والتي تحيلنا فوراً إلى قوله في قصيدة (خندريس الغيم) واصفاً إقباله على مقام الباهوت : زَمَّلَ الطالعُ البهيُّ التياعي = كنتُ بالبرد والدياجي مُدَثَّرْ فَازْيَأنَتْ آفاق وجدي وروحي = وإذا بي ضوءاً من الوجد أخضرْ فهنا الشاعر الملتف بالبرد والظلام يستمد الضياء من إقباله على الباهوت، فإذا الروح مزيـّنة ، وإذا شخص الشاعر ضوءاً أخضر من الوجد. وأعود إلى قصيدة (باهوت) لأجد صدى هذين البيتين في قوله: مـازلـتَ تنـساب فــي تـصـريـعِ أبـيـاتـي ضــوءًاً، فتمـتـدُ فــي كـــل امـتـداداتـي من هنا يصعد الفهم وإن كان بطيئاً إلى استجلاء مضامين تعلقه بالباهوت أو لنستعمل تعبير الشاعر نفسه " الداعية المتجرد لحب الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم)" ، إذ يرى فيه المربي والقائد الأولى بالاتباع:
فهنا يرى الشاعر في مثل هذا الداعية المثل الأعلى الواجب اتباعه والحرص على أن تكون سيرة المرء كسيرته، و يجده بديلاً عن زعامات زرعت في الشعوب الخذلان والتمسك بالأوهام والأوثان. وهنا تتضح شخصية الشاعر وإعلانه الثورة بطريقته الخاصة، إذ يتخذ من (باهوت) رمزاً للاتصال بالله، والترفع عن الدنايا ، وهي دعوة تنسجم وما عرف عن المتصوفه من احتقارهم ملذات الحياة من باب الزهد "فللصوفية مفاهيمهم الأخلاقية الخاصة القائمة على الإلزام الحاد للذات باحتقار الدنيا والترفع فوق مباهج الحياة والذهاب إلى أن اللذة الحقيقية إنما تكمن في الاتصال بحقائق الكون الجوهرية" (1) غير أن الفارق الجوهري بين غرض الشاعر من الترفع عن ملذات الحياة وغرض المتصوفين السابقين يكمن في أن الحكيمي أكثر التصاقاً بمجتمعه وهمومه. فهو لا يتخذ موقفه من خضوع عامة الشعب لزعمائه من منطلق فهمه للزهد في ملذات الحياة، بل من منطلق إحساسه القوي بمعاناة الأمة العربية والإسلامية جمعاء، وحرصه على أن تثور هذه الأمة مطالبة بحقوقها، وهذا ما تترجمه كثير من أشعاره التي منها: (أحاحات قدسية)، و(انفري يا بلاد في الجهاد). (بوابة الشجن: 54 ـ 59) . ولا بدّ من تتبع معاني كلمة (باهوت) ، التي لا نقف عليها في معاجم اللغة، فهي شأنها شأن كثير من المفردات التي ابتكرها الشيخ أحمد بن علوان(3) تعدّ رمزاً أشاعه في شعره، فمما قاله في وصف إسراء الرسول صلى الله عليه وسلم ومعراجه : وغاب عن العيون إلى مقام من الجبروت باهوتٌ جليل(الفتوح : 217). والبحث في دلالة هذه اللفظة يردنا إلى الجذر (بهت ) الذي من معانيه: الانقطاع والحيرة، قال تعالى : }بَلْ تـَأتـِيْهـِمْ بَغـْتـَةً فـَتـَبْهَتـُهُمْ {. فإن الدهشة والتعجب ليأخذان بلب المرء حتى يعجز عن الكلام , وهذا هو قمة ما يصل إليه المتحيـّر في خلق الله وعظيم أمره. واشتقاق (فاعول) من هذا الجذر لم أعرفه عند أحد قبل الشيخ أحمد بن علوان ، فبهذا تكون (باهوت ) كلمة مولـّدة ، وإنما كان صوغها على هذا الوزن لما تحمله هذه الصيغة من معاني المبالغة ، ومنها وصفهم سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالفاروق، ولذا فإنه يأتي من هذه الصيغة اسم الآلة ، لما فيه من دلالة على تكرار حدوث الفعل بوساطتها، ومنه: الناقور ، قال تعالى : }فإذا نـُقـِرَ في النـَّاقـُورِِ {[ المدثـّر 8], فاشتقاق فاعول من بهت يحمل المبالغة في وصف شدة الحيرة والتعجب من عظمة مقام الله عزّ وجلّ. أما تطور دلالة هذه الكلمة لتصبح صفة للشيخ أحمد بن علوان نفسه ، فلربما لورودها في شعره، أطلقها عليه الناس لقباً عليه. 3) التوبة والاستعطاف والاستغاثة والتوسل: لا يخلو شعر المتصوفين من التوبة والاستعطاف والاستغاثة بالله عزّ وجل والتوسـّل إليه من أجل تقبل الطاعات ، ودفع الشيطان ، فهذا ابن الفارض يعبر عن ذلك أبلغ تعبير في شعره ، فيقول: وارحم تعثـّر آمالي ومرتجعي إلى خداع تمني الوعد بالفرج واعطف على ذل أطماعي بهل وعسى وامنن عليّ بشرح الصدر من حرج ولعلّ أكثر ما بدا من تأثر الحكيمي بهذا المسلك هو إكثاره من الالتجاء إلى الله إما طلباً للرحمة؛ نحو قوله في (ألحان الرجعى ) : فهل يا رب ترحمني هنا بشر عجوز مسه التفريط لا الكبر وفيه النفس يا (رحمن) عاقرة كهذا الشعر أصرخ : من سينقذني؟ وأدعو: من سيرحمني ؟ وليس سواك يا (ألله) ملتحدي (بوابة الشجن:19) أو خوفاً من العقاب على الضلال والغواية ، وهما مفردتان تتكرران في شعره ، وتوحيان بما يجده من عقبات في سبيل الوصول إلى الغاية المثلى ، وهي رضا الله عز وجلّ والوصول إلى بر الأمان ، وهذا ما تجسـّده قصيدة ( هصيص الهجر) التي يقول فيها: وغدوت أجأر كالغريق أنا الذي ترك الطريق شططاً رغبت عن الأحبة في الضلال ولا أطيق فمتى أبوء بما اقترفت وأخلع الشطط العتيق وأنيب للملك الكريم بتوبة الكلف العشيق؟(بوابة الشجن : 23). ولا يخفى ما في البيتين الأخيرين من اختلاف في مفهوم التوبة بينه وبين متقدمي المتصوفة ، إذ لا يحول شيء بينهم وبين الخضوع الكامل والإقرار بالذنب، في حين يبدو استعمال أسلوب الاستفهام بغرض التمني في قول شاعرنا: "فمتى أبوء ..؟!" تردداً في إعلان التوبة،وهو المعنى الذي يكرره أكثر من مرة ، فمثلاً يقول في قصيدة (رباعيات حكيمية) : متى تصل الشواطئَ بعد هذا التيه قافلة الرشاد ؟ ثم يعطف عليها مقراً بالتوبه قائلاً : رباه عدنا ولا إلاك موئلنا أنت الذي لا سواك اليوم ترحمنا (بوابة الشجن:33 و 34) ويحلّ هذا الإشكال أن شاعرنا يستعمل لغة خاصة به، يلوّن فيها الأساليب بين خبر وإنشاء، مبتعداً عن التقريرية والمباشرة، ليترك أثراً أشد وقعاً ، ويحمل المرء على التساؤل معه ، ثم الإقرار بالذنب الذي يقوده إلى التوبة .ذلك أن لهذا التردد بين نية التوبة وإعلانها إنما يترجم الصراع الدائر في النفس البشرية، التي لا تلبث أن تسلم أمرها إلى الله ضارعة بحرارة ، على نحو ما يفعل شاعرنا في قصيدته (باكورة الجلحاب): هذا أنا في حضرة علوية أبكي من الأعماق والوجدان أبكي على ريع الجوى وصعيده عمري التليد السادم الخسران وعلام يبكي الشاعر ، أعلى ذنب سلف أم على حظ من الدنيا بخس لم يكن له فيه أي يد: حرضٌ تأتـّى مثقلاً بذنوبه يحتاج يا رحمن للإحسان في وجهه آثار ظلم فاحش متعدد الأشكال والألوان هو عمره المشؤوم والندب الذي في روحه قد شطّ بالعدوان (بوابة الشجن: 78 و 79) هاهو يعود بعد سفح دموعه متحرراً من ربقة الشيطان آملاً في عفو الرحمن: هاقد ظلفت النفس من شيطانها دون الرجاء فسالت العينان وفي هذا البيت استعمل ظلف بمعنى: ابتعد، متعدياً بمن ، والصواب أنه يتعدى بعن (اللسان: (ظلف) ). ويتضح لديه أصدق وأروع مظاهر التوسـّل بالنبي صلى الله عليه وسلم في قوله:
ولعلّ أسطع ما يتضح فيه تجديد الشاعر في هذا اللون القديم في شعر التصوف هو أنه كثيراً ما استعمل التوسل والاستغاثة بغرض كشف كرب الدنيا ، وآلامها، وأيضاً للدفع عن الأمة ضد الأعداء المتربصين بها من كل جانب ، وهنا يتجلى التجديد، واختلاف الرؤيا بينه وبين المتصوفين الأوائل، فيفترق في طرحه عنهم ، ويصبح له معجمه الخاص ، وتتضح شخصيته ، ويقوى تأثيره في المتلقي الذي يجد نفسه أمام شاعر يعبر عن هموم الأمة وآمالها وآلامها الراهنة ، فيمتزج في شعره التراث الصوفي بالواقع الإنساني ، ويأتي شعره معبراً عن ثورة ضد الأوضاع القائمة اعتماداً على الاستعانة بالله والتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ثم بالأولياء الصالحين، ففي قصيدة ( خندريس الغيم ) يخاطب باهوت (الشيخ أحمد بن علوان) شاكياً له آلام الأمة : وَيْكَ (باهوتُ)..حين هاتفتَ قلبي سَبَّح الوجدُ طائعاً..ثم كبَّرْ طابِعُ الدمعِ في أسارير بوحي ليس إلا دُخَان قلبٍ تفجَّرْ مُطْرِقٌ للبلاءِ ..عَمَّ البرايا هل قضى اللهُ ذا الشقاء وقدَّر ْ!؟ ما عساني أقولُ يا رَوْحَ رُوحي عن جبينٍ في نعل وغدٍ تَعَفَّرْ 4) الحزن: يعدّ الحزن صفة ملازمة للشعر الصوفي ، فالشاعر يغترف من الحزن معيناً يسكب عبره آلامه وعبراته، توقاً للاتصال بمحبوبه الأعلى، وخشية من ألا يحظى منه بما جاهد في سبيله ، فهذا الحلاج مثلاً يعبر عن امتزاج الحزن بنفسه أبلغ تعبير فيقول: الحزن في مهجتي والنار في كبدي والدمع يشهد لي فاستشهدوا بصري ولا عجب أن يحتل الحزن موقعاً أثيراً في تجربة الشاعر محمد الحكيمي ، ولكنه حزن نابع من واقع الأمة العربية المغرقة في النكسات ، ومن واقع نكبات شخصية مني بها الشاعر نفسه ، حتى أصبح يرى الحزن توأماً له، وهذا ما يعبر عنه في قصيدة (هي محنتي):
هي مِحنتي..فالآه توأم ذاتي والحزن أصلٌ في مسار حياتي ونراه بهذه النبرة الحزينة يخاطب ابنه البريء في قصيدة (جليبيب) قائلاً: إن للحزن في أبيك جبالاً راسيات بثقلهنّ المتين(بوابة الشجن:95) وذلك بعد أن استهل قصيدته بالأسى على نفسه وعلى عمره الذي أتى عليه العذاب والشقاء، وختمها بالتأسي على ابنه من مستقبل أشد ظلاماً من ماضيه في ظل واقع عربي قاتم: بعتَ بالعيش عمرك الغضَّ يا من باعك الظالمون بيع الرهين خانك الحاكمون حين استباحوا ظئرك الحرّ وارتضوا بالحنين ويخلص إلى تقرير السبب في ما آلت إليه الأمة، وهو تفريطها في الدين الصحيح، يقول: إنه الظلم والنوى يا صغيري ضعف قوم من بعد هجر لديني (بوابة الشجن: 97) 5) النصح والإرشاد : إن إغراق شعراء التصوف في تصوير الحب الإلهي ومدح الذات العلية ، ومدح النبي صلى الله عليه وسلم ، فضلاً عن وصف أشواقهم ومشاعرهم ، لم يعزلهم تماماً عن محيطهم، فلذا وجدنا لدى عدد منهم اهتماماً بمجتمعاتهم، واتجاهاً نحو الوعظ والإرشاد ، ونصح ولاة الأمر كي يعودوا عن الظلم، على نحو ما نجده عند الشيخ ابن علوان في قصائده في وعظ الملك عمر بن علي رسول، التي يزهده فيها في الدنيا ويدعوه إلى التأمل والاعتبار(3). ونرى هذا الاتجاه بارزاً في شعر الحكيمي ، تارة على نحو مباشر لا يخاطب فيه ولاة الأمر كما فعل المتصوفون السابقون، ربما لأنه فاقد الأمل : هاهو يصرح بخيبة أمله تلك في قوله: كيف أرضى وفي البلاد خنوع والقيادات راخيات الإزار كم ستبقى الحبيبة القدس ثكلى في انتظار إلى متى في انتظار(بوابة الشجن:56،57). لذا فقد اختطّ لنفسه درباً آخر ، هو الاتجاه نحو الجماهير، يستنهضهم قائلاً: هرولوا للجهاد لا للحوار أعلنوا الحرب في وضوح النهار(بوابة الشجن : 54). وخلاصة القول في الأثر الموضوعي الذي تركه التصوف في شعر محمد نعمان الحكيمي أننا نرى بينه وبين شعراء المتصوفة اشتراكاً في عدد من الأغراض ، ولكنها الأغراض العامة، إذ لا نجده يغوص في مفاهيم التصوف ، فلا يتكلم مثلاً على الطريق إلى الله، والسماح والوصول والفناء والمعرفة الصوفية، أو يتغنى بالكرامات، ولا نجد عنده شعر الأدعية والأوراد ، وهذا ما قادنا في المقام الأول إلى التنبيه إلى أننا لا نراه شاعراَ متصوفاً ، بل مجرد شاعر تأثر بشعر التصوف ، وترك هذا التأثير في موضوعات شعره اتجاهاً خاصاً ، لكنه ليس فعل المقلـّد ؛ فقد لاحظنا في غير موضع أنه انماز بتفرّده في معالجته للموضوعات المعنية، فضلاً عن تطويره اتجاهات خاصة به . المراجع: 1) شعر عمر بن الفارض دراسة أسلوبية. ص 19. 2) من المفردات الغريبة في شعره على سبيل المثال : سمستار، هاسون، ياسون، جونية ويظنها بعضهم ألفاظاً أعجمية أو من مبتكرات الشيخ ، ينظر في ذلك الشعر الصوفي في اليمن حتى نهاية القرن التاسع الهجري. ص 72 و 154 ، و الفتوح ص 123. 3) ينظر الشعر الصوفي في اليمن ص 19.
أثر التصوف في شعر محمد نعمان
الحكيمي
ثانياً: الأثر الفني: لا يقتصر تأثر الشاعر محمد نعمان الحكيمي بالتصوف وبشعرائه على الاشتراك في عدد من الموضوعات ، بل يتعداه إلى الاشتراك في جوانب فنية عديدة، مع الأخذ بنظر الاعتبار ما بين الشاعر الحديث والشاعر القديم من فوارق في الزمان تؤدي في كثر من الأحيان إلى استبعاد تأثيرات معينة ، من نحو المحسنات البديعية التي نجدها كثيرة عند متقدمي المتصوفة ، وهي تقل في الشعر الحديث ، وإذا جاءت فإنما تأتي عفو الخاطر ، ذلك أن الشاعر المعاصر لا يلتفت كثيراً إلى مثل هذه الحيل اللفظية. ولعلّ أكثر ما يبدو فيه تأثر الشاعر الحكيمي فنياً بشعر التصوف هو النواحي الآتية: 1) المعجم الشعري: إن أبدع ما يكتسبه الشاعر من وسيلة في التأثير في المتلقي هو اللغة الشعرية ، فلولاها كانت القصيدة موضوعاً لا يختلف عن سائر الموضوعات النثرية العلمية، ولذا فإن على الشاعر أن يكون متمكناً من لغته ، لأنها الأداة التي يوصل بها أفكاره إلى المتلقين ، ويستطيع الثأثير بها فيهم. وتنماز لغة شعر المتصوفة بالخروج عن مـألوف اللغة الشعرية لسائر الشعراء ؛ لأن " وظيفة اللغة تختلف عند كل من الشاعر والصوفي تبعاً للتباين في رؤياهما ، ففي حال من للاوعي تفقد الأشياء خصائصها السابقة في ذهن الصوفي ، وتكتسب مدلولات جديدة ، بحيث يبدو العالم تبعاً لذلك شيئاً جديداً تقصر الرموز اللغوية عن التعبير عن هذا التغير الهائل الذي طرأ على العالم".(1) ومن هنا وجدنا لدى شعراء المتصوفة معجماً خاصاً يتسم بالروحانية الشديدة ، والإكثار من استعمال الكلمات القرآنية والدينية عامة: أ) الرموز الدينية : تشيع في شعر الحكيمي الألفاظ الخاصة بالدين الإسلامي ومنها ألفاظ بالذكر و الدعاء والتهليل والتسبيح والتقديس والسجود ، ويقتبس ألفاظاً وردت في القرآن الكريم ، ولاسيما ما جاء منها على وزن (فاعل) ، ومنها :(القارعة) وهي من أسماء القيامة ، إذ يستعمل هذا اللفظ مجموعاً وبمدلول هو أقرب إلى التحذير منه إلى المصير في قوله : إنما العمر ههنا قارعاتٌ تمزج الذنب بالشقاء المبين (بوابة الشجن: 94). ولذا فإننا نستشعر هذا التأثر بأسلوب القرآن الكريم ومفرداته حتى عندما يستعمل كلمات غير قرآنية على وزن (فاعل ) مجموعة جمع مؤنث سالماً : نحو (حاطمات) في هذا البيت: والحاطمات الفاقرات وجورها شطر الحياة الأكلف الشيطاني (بوابة الشجن:79) ومما يؤنس بذلك وصف الحاطمات بـ (الفاقرات) الذي يحيلنا على الاستعمال القرآني لمفردها وهو (فاقرة ) قال تعالى :" تـَظـُنُّ أنْ يـُفـْعـَلَ بِها فاقـِرَةٌ " (سورة القيامة: الآية 25) والفاقرة :هي الداهية الكاسرة للفقار ( اللسان: مادة (فقر) ). وشاعرنا الحكيمي يستعملها هنا بالمعنى القرآني نفسه. وعندما يقتبس اللفظ القرآني فهو غالباً ما يستعمله بمدلوله القرآني نفسه ، ونادراً ما يمنحه مدلولاً خاصاً كما فعل حين اقتبس من قوله تعالى على لسان امرأة العزيز تخاطب نبي الله يوسف عليه السلام : "هَيـْتَ لـَكَ" (سورة يوسف : الآية 23) مستعملاً إياه في السياق نفسه (سياق الإغراء) ، ولكن بجعل الكلام للرجل والخطاب للمرأة ! حيث يقول في قصيدة(بني حماد): يقول : هَيْـتَ لـكِ ..يـا هَيْـتَ لامـرأةٍ تحـرشـت باشتـهـاءٍ كاشتـهـاءاتـي ! والصلاة على النبي التي ترد في قصيدة (أشبه بالظلال): وصلِّ يا إلهي كل طــرف على طــه ، وآل خير آلِ كما ترد في قصيدة (أحجية احتضار): وأختم بالسلام وبالصلاة ِ(بوابة الشجن: 75) ومن أقوال الصحابة كلمة بلال رضي الله عنه الشهيرة :"أحد أحد" التي استجلى بها قول الحق تعالى :" قـُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ" (سورة الإخلاص: الآية 1) . إذ يورد الشاعر الحكيمي هذه المقالة في قصيدته (أحد.. أحد): عفـّر جبينك لاهجاً :أحدٌ أحد فالكلّ سلّم بالهوان المبرم ب) الرموز الصوفية: يكثر شعراء المتصوفة من استعمال الرموز ، فعندهم يعدّ " الإبهام والغموض عنصر الشعر الأساسي وبدونهما يصبح الشعر كلاماً عادياً مألوفاً".(2) وشاعت لديهم مصطلحات بعضها فلسفي خاص كالحلول والاتحاد ، والإشراق والتجلي والحدس والفيض، وهي تتصل بمفهوم التصوف. والقارئ لشعر الحكيمي يجد كثيراً من مفردات التصوف كالصوفي والعارف والمريد ، فضلاً عن مفرداتهم ومنها: الظل والفيض، ففي قصيدة (أشبه بالظلال) يقول:
و الظل ذو معنيين عام وهو : صورة الشيء والنور ، وصوفي ويقصد به الوجود الإضافي الظاهر بتعيينات الأعيان الممكنة وهي ما سوى الله ، أو العلم المادي المحسوس.(3) والفيض ملازم للإشراق والتجلي وهي مفاهيم تدور حول فكرة الإشراق أو النور الذي هو مبدأ الخلق أو مبدأ ظهور التعيينات في الذات الإلهية (4). إذ " يرى العرفاء أنه " ليس هناك سوى موجود واحد هو الله وأن العالم هو تجلٍّ لذلك الموجود الواحد ، وهو فيض عن ذلك الموجود".(5) ومن هنا يمكن أن نعدّ الظل انعكاساً لهذا الإشراق أو النور الإلهي في ذوات الموجودات. ويعزّز الشاعر إدراكه الحقيقة الإلهية معتمداً على الحدس أو الفيض بقوله في قصيدة (باهوت):
ويسفر النور (نور الإشراق ) في كثير من قصائد الحكيمي معبراً عن غاية ما يطمح إليه المتصوف من الاتصال بالذات الإلهية ، حيث يـُسبـَغ عليه النور ، يقول واصفاً حال الصوفي: وهو الذي في جبة الأنوار بالرجعى لأسعد من عروس ... ويهيم بالنور المشعشع في الورى شمس الشموس (بوابة الشجن: 89) ولكن هذه الدرجة لا يصل إليها إلا من ينقي نفسه من التعلق بشواغل الحياة ويصل بوساطة الإشراق والفيض إلى الحقائق الجوهرية للكون، وما كان للشاعر أن يصل إلى هذه الدرجة إلا بعد معاناة ، ورحلة شاقة ، يعبر عنها باستعمال ألفاظ تتعلق بالرحلة ، ومنها: القافلة : متى تصل الشواطئ بعد هذا التيه قافلة الرشاد (بوابة الشجن : 33) والطير الذي يستعين به ليحمله إلى مكان آخر، يقول في قصيدة (آفل): وحسبي ارتحال جديد الشقاء وأصداء قحط شديد شديد دعيني فقد طار حلم الصبا وفي ناظريه الهوى يهدل كطير ترنحت بالأمنيات ولما أجد منزلاً أنزل (بوابة الشجن: 63) ومثل استعارة الطير للإشارة إلى النفس التائقة للرحيل ، فقد أفاد الشاعر الحكيمي كما أفاد المتصوفه من ألفاظ أخرى لها دلالة معجمية محددة ، وأضفوا عليها مدلولاتهم الخاصة ، وهي رموز عذرية وخمرية ، وأحياناً رموز غير مفهومة. فأما الرموز العذرية فقد قدمت الكلام عليها في مبحث( الحب الإلهي )، و أتكلم الآن على الرمز الخمري، وهو سمة بارزة في شعر التصوف، ويستعمله الحكيمي واضحاً تارة ، خفياً تارة أخرى ، فمن أمثلة الأول قوله واصفاًَ حالة الصوفي : وتراه سكراناً بحبِّ اللهِ يشربُ من كؤوسِ (بوابة الشجن: 89) ويصف حال نفسه هو في زيارة إلى مقام الباهوت في قصيدة (خندريس الغيم) قائلاً: يستقي من حديثِكَ العذبِ قلبي خَنْدَرِيْساً ، ومِنْ معانيكَ يَسْكَر ومن نماذج استعماله الرمز الخمري متوارياً قوله في قصيدة (عاصفة الشوق ) وهي قصيدة ظاهرها التشوق إلى حبّ بعيد: كؤوسٌ من علاقمَ واغتراب ٍ وشربٌ من حناظلكم ورشفُ (بوابة الشجن: 84). فهنا جعل الكؤوس مترعة بالعلقم ، وأكد باستعمال الجمع هنا معاناته ، وضاعف من همومه وأحزانه ، وأتبع الكؤوس بالشرب ، وهو هنا ليس شرباً للخمر الإلهية ، لأن الطريق أبعد من أن يوصله إلى ذلك ، وهو في هذه الحال من الاغتراب، لذا فشرابه الحناظل . وعطفه بالرشف على الشرب يدلّ على عمق العاطفة ، ذلك أنه عندما لا يبقى في الكأس من الحناظل ما يمكن أن يشرب، فإنه يرشف الكأس رشفاً متأملاً المزيد ، فما أقوى هذه الصورة التي تصوره مقبلاً على الألم على الرغم مما يصنعه به. ثم يمضي في هذه القصيدة متذكراً ومتأسياً على أيام حب ووصل مضت ، فيقول: وداد كم تسرمد ليل جرحي وحبي بالوفاء هوىً يحفُّ ودهراً في منادمتي هواكم ألا ليت الفؤاد لديك يغفو (بوابة الشجن: 84). فالمنادمة هنا توحي بالخمر ، حيث يجتمع الندامى على الكأس ، ولكن هنا الدلالة الظاهرة اجتماع المحبين على النهل من كأس العشق، ويؤكد استعماله ضمير المخاطب المجموع(كُمْ) في (هواكم) أنه ليس عشقاً عادياً ، فضمير المخاطب المجموع كثيراً ما يستعمل للتفخيم ، حين يكون المقصود به عظيم الشأن ، ولا يمنعنا تصريحه باسم (وداد) من الظن بأن في هذه القصيدة نفساً صوفياً ، فلطالما أكثر المتصوفة من ذكر النساء (هند ، وليلى ) وغيرهما، وعنوا بهما الحب الإلهي. ونخلص مما سبق إلى أن الحكيمي استعمل الرمز الخمري بمعناه لدى المتصوفه ، وهو الغياب عن الوجود المادي ، والشهوات الدنيوية، وتغييب الوعي، للذوبان في حب الذات الإلهية. ومن مفرداتهم أيضاً: الغزال ، ويعنون بها الشمس، ويرمزون بها إلى قدرة الله في خلقه للجمال.(6) ويرد هذا المفهوم عند الحكيمي في قصيدة (قل لها: هيت لك)؛ يقول: سخَّرْ لها قبل الأنامل روضة الوجدان
واحملها
على ج) الإكثار من استعمال الضمائر : يتسم شعر المتصوفة بالإكثار من استعمال الضمائر مما يخلق في بعض الأحيان غموضاً مبعثه عوائد هذه الضمائر، وبنحو عام فإننا نجد عند الحكيمي هذا الاتجاه ، وأكثر ما يستعمل أسلوب الخطاب الذي كثيراً ما نلمس منه نه أنه موجـّه إلى نفسه أولاً ، ففي قصيدة (امتداد): أسرج شعورك ما استطعت إنابة أخرى تنير لك الطريق واجعل إيابك رجعة بيضاء صادقة الشجون (بوابة الشجن: 14، 15) وفي أحيان أخرى يكون الخطاب بلفظ المفرد المذكر ويبدو عاماً شاملاً المخاطبين كلهم رجالاً ونساء ، وذلك عندما يلجأ إلى التقريع والسخرية ليشرّح الواقع الأليم على نحو قوله في قصيدة( أحد .. أحد):
عَفّر جبينكَ في الترابِ المضرمِ *** والحقْ بركبِ
العالمِ المستسلمِ ويلجأ إلى أسلوب الالتفات في كثير من قصائده ؛ إذ يتنقل في القصيدة الواحدة من الغيبة إلى التكلم ، ويتجلى ذلك في قصيدتي (باكورة الجلحاب) (بوابة الشجن : 76 ـ 79).و (من حطام المسافات ) التي سيرد بعض أبياتها في المبحث التالي. 2) الشكل الموسيقي : وجد شعراء المتصوفة المتقدمون أنفسهم أمام مثال شعري ، كان لا بد لهم من احتذائه والنظم على منواله ، ألا وهو شكل العمود الشعري التقليدي، ولكن بدا عند متأخريهم، ولا سيما الشيخ أحمد بن علوان نزوع نحو التخلص من القالب القديم، ويلخص الدكتور المقالح ذلك في هذا النص:" ولم يقف تأثير شعراء المتصوفة عند اللغة الشعرية وإنما تعدّاهما إلى الشكل الشعري نفسه ، فقد ضاق بهم عمود الشعر كما ضاقت بهم عباراته". (7) ولكن تجديدهم بقي خاضعاً للوزن ، ولم يتعدّ القافية والروي ، من نحو قول الشيح أحمد بن علوان في الفتوح: جاءتك هاسون أغصان ياسون جنوية الجون بيضاء لا جون حوراء عينا تمشي الهوينا من طور سينا بالسر مكنون ونجد نظير هذا التجديد في الشعر عند الحكيمي في قصيدة (أحجية احتضار) التي ينظمها رباعيات تتفق كل أربعة أشطر منها في القافية ما عدا الشطر الثالث في كل منها، وتختلف كل أربعة أشطر عن الأخرى في قافيتها . ولا شك في أن التلون الموسيقي الذي حظي به شعراء الحداثة والمعاصرة ، والأشكال المتعددة التي أوجدوها ، مكنت شاعرنا الحكيمي من التعبير بحرية عن كل ما يجول في خاطره، ويتجاوز حدود التجديد الموسيقي الذي وقف عنده المتقدمون. فقد نظم من مختلف الأشكال الشعرية ، من نمط الشعر العمودي إلى الحر إلى الشعر المنثور ، بل وتنقل في قصائده المنتمية إلى الشعر العمودي بين أكثر من قافية ، بحيث يحيلها في النهاية إلى نمط الشعر الحر، من مثال فعله في قصيدة (من حطام المسافات): وأحاح صوفي يقيم الروح بالتهليل حيناً والحسيس ويكاد من خفر وزرة مهجة يكوى بتبريح ضروس (بوابة الشجن:88) ويمضي في وصف حاله إلى أن يذكر مدى اتصال هذا الصوفي بحب الله: وتراه سكراناً بحب الله يشرب من كؤوس ويهيم بالنور المشعشع في الورى شمس الشموس كلف بهم لا يهدأ مستوقف لا يفتأ خلدت نهاه إلى (الفتوح) فأبصرت سبل الحقيقة في حناياه العميقة ورأت قلوب العارفين الخضر تنهل من رحيقه أرأيتَ أنى يستطيع الغرّ أن ينأى ويرغب عن طريقه وهو الذي يستوقف الألباب تعظيماً لحبه " ولي وجهان: مكنونٌ وبادٍٍ ولي: علمان جزئيٌّ وكلـّي" (بوابة الشجن:89) في هذه القصيدة تتلون الموسيقى في إيقاع بحر الكامل بين شعر العمود والشعر الحر، فيمزج الحكيمي بينهما ببراعة ، ولا نحس بانتقال بين الأبيات الأولى والأخيرة، وهذا يدلّ على مبلغ انفعاله وتعبيره عن الحال التي يصل إليها الصوفي حين يبصر شمس المعرفة، فيخرج على العروض التقليدي ، ذلك أنه تنتابه حالة لاشعوريه ترتقي به إلى مقام يذهب بالعقل ويستحضر الروح. وقمة ذلك أنه يخلص في البيت الأخير من القصيدة إلى التضمين من بحر آخر وهو الوافر ، غير عابئ بالتباين بين البحرين : الكامل والوافر . وأجرأ من ذلك صنيعه في (رباعيات حكيمية ) التي نظمها من أربعة عنوانات أولها :(الجهد الضائع) وهو من بحر المتدارَك الذي يتفق إيقاعه المتسارع مع معنى الهروب الذي يجسده في أول بيت: من حقي أعجب يا قلبي إن أضحى الشعر هو المهرب (بوابة الشجن: 32) وثانيها : (ولو يا زمن ) وهو من بحر البسيط، الذي يتناسب بروعة مع مقام الحزن الذي تتضمنه الأبيات : ياللحياة وهذا الغدر يا زمن هيهات أن توصف الآلام والمحنُ(بوابة الشجن:33) وثالثها: (أيان أظفر بالرشاد) وفيها اضطراب في الوزن فمطلعها من بحر الوافر ، ويليه بيت مضطرب الوزن ، وآخر من بحر الرجز ، ويختمها ببيت من الوافر: متى تصل الشواطئ بعد هذا التيه قافلة الرشاد أيان لاح الشيب على الحياة بلونه المر الرمادي واليوم أقضي عامي العشرين ممتشق المذلة والعناد هنا الحسرات قارعة من الحسرات همت باصطيادي(بوابة الشجن:33) ولعل هذا الاضطراب أصدق تعبير عن قلق الشاعر من مصير مظلم يقوده إليه تخبط في الضلالة. ورابعها بعنوان : ( حنين أيب) وهو من بحر البسيط الذي يعود ليتناسب بدقة ومقام الاستغفار والتضرع: رباه عدنا ولا إلاك موئلنا أنت الذي لا سواك اليوم ترحمنا( بوابة الشجن:34) وإذا انظلقنا مع الشاعر في رحاب الشعر الحر والشعر المنثور فإننا نجده يترك نفسه على سجيتها ويعبر بحرية عن المعاني القائمة في نفسه بلا تكلف ، ومع ذلك لا تتفوق قصائده الصوفية المنتمية إلى الشعر الحر أو المنثور على قصائده التقليدية من وجهة نظري المتواضعة، وذلك لأنه لفرط الحرية يجنح أحياناً إلى الخطابية ، وتخفت الصورة الشعرية ، واللفظة الموحية . ولعل قصائد (امتداد ) و( وقع الجوى) (ألحان الرجعى ) من ديوان (بوابة الشجن) خير مثال على ذلك. ولا يكتفي الشاعر الحكيمي في تأثره بشعر التصوف بالموسيقى الخارجية ، بل نرى ذلك جلياً في الموسيقى الداخلية ، فكما عرف عن شعراء التصوف تكرار الحروف ، وهو بادٍ بقوة في أبيات الشيخ أحمد بن علوان التي افتتحت بها هذا المبحث، فإن الشاعر الحكيمي يستعين هو أيضاً بالموسيقى الداخلية التي تبرز عنده من خلال التكرار سواء أكان تكراراً للألفاظ ، أو للحروف ، فمن الأول قوله في قصيدة (وقع الجوى): العمر ضاع وما كسبت سوى الضياع فامنح روائع وجدك المحمود للوطر الودود واجنح لقلبك من جديد اجنح لقلبك من جديد (بوابة الشجن: 17) ومن تكرار الحروف الذي يضفي على البيت إيقاعاً داخلياً رائعاً يوازي جودة الشكل الخارجي إن لم يتفوق عليه قوله في قصيدة ( غريب لا قريب ولا حبيب): إلى أيان يا وطري تغيب وفي هجري تطيب وتستطيب(بوابة الشجن: 90) فقد منح تكرار الحروف ( الياء والتاء والطاء والباء ) للأبيات إيقاعاً خاصاً غطى على الجناس بين (تغيب وتطيب) الذي بدا في محله وليس فيه ثمة تكلف . والخلاصة : إن الشاعر محمد نعمان الحكيمي قد أفاد من شعر التصوف عن إدراك وسابق تصور منه، وذلك لاشتراكه والمتصوفة في نواح عديدة موضوعية وفنية ، وما هذا البحث المتواضع إلا إشارة إلى بعض ملامح هذا التأثر ، وأملي أن أكون قدمت فيه ما يفيد ، وأرجو أن أكون قد وفقت فيما سعيت إليه . مراجع البحث:
1) الشعر الصوفي . د.عدنان
العوادي . 31. 3) ينظر معجم مصطلحات التصوف الفلسفي . 149 و 150. 4) ينظر معجم مصطلحات التصوف الفلسفي . 25. (5) شعر عمر بن الفارض. 19. 6) ينظر الروح الصوفي في الشعر الرومنسي العربي . إيمان عمر بن بشر. رسالة ماجستير . كلية التربية / جامعة عدن. 2002م . 107. 7) الفتوح (المقدمة): 21 ، وينظر الشعر الصوفي في |
||||||||||||