|
|
|
د.عباس
علي
المسرح خالٍ تماماً من أي إكسسوار أو ديكور .. فضاء المسرح يوحي بالوحشة . صحراء .. مدينة مقفرة .. بستان .. مدينة مزدهرة .. معبد .. حرم جامعي .. باحة سجن .. زقاق ضيق .. شارع عام. يخرج (أ) من يمين المسرح بتثاقل عندما يشاهد الجمهور يبسط يديه ليغطي وجهه (0) يتقدم خطوة يتذكر شيء ما (0) يتحرك مثل شاة مذبوحة (0) كل الحركات توحي بالبحث عن نفسه (0) ينظر إلى الخلف بغضب (0) يخفض رأسه (0) موسيقى ممزوجة بدقات الساعة (0) يتحرك بحركات هستيرية في أرجاء المسرح باتجاهات مبعثرة مزيجه بين حركات الزهر والدروشة والاكروباتيك (0) يرتفع صوت دقات الطبول (0) رقصات إفريقية تتحول إلى إيحاءات دينية لطقوس الصلاة (0) حركات تمثل عدة اتجاهات (0) طقوس في الصلاة حتى يدخل إلى عالمه الخاص يتراءى بأنه في غرفة تعذيب (0) مواء قطة (0) إضاءة خافته (0) ترتفع أصوات الطبول وضربات السياط (0) (دم) صيحة الديكة (0) إضاءة متقطعة (دم) (0) صمت (0) ترتفع دقات الساعة (0) تعود الإضاءة بالتدريج التصاعدي (0) حركات راقصة مع مجموعة باتجاهات مختلفة وحركات غير منسقة (0) المجموعة ب ج د هـ تقف وتتحجر بهيئة حيوانات متوحشة باستثناء (أ) عندما يكشف أن بنطاله تمزق من المنتصف ينتابه الخجل يضع يده باستحياء على موضع البنطال الممزق (0) بقعة ضوء على بعد مترين (0) يبحث عن خيط وإبرة (0) يلتقط الإبرة ويلظم الخيط (0) يبدأ بخياطة بنطاله (صافرة إسعاف) (0) موسيقى (0) تخرج المجموعة زحفاً على بطونها (0) يقطع الخيط بأسنانه (0) ويضع الإبرة جانباً (0) بقعة ضوء في منتصف المسرح (0) يقف منتصباً بعدما يمد بصره ويراقب بأنه وجد شيء بعد ما تقع عيناه على شباك في أعلى اليسار لمنزل في الطابق الثاني (0) يتراجع خطوة (0) خطوتان (0) تصطدم مؤخرة رأسه بعامود الكهرباء (0) يغضب (0) يتألم (0) يعبر عن استياءه (0) يفتح كفيه حتى تتلامسان العامود (0) صمت (0) يهرول إلى منتصف عمق المسرح (0) يجلب حقيبة سفر (0) يضعها بجانب العامود (0) يراقب يميناً وشمالاً (0) يسحب السحاب (0) يمد يده داخل الحقيبة (0) يخرج بحبل يقفر فرحاً (0) يمسك برأس الحبل ويحرك يده بدوران تام ثم يقذف بالحبل باتجاه الشباك (0) تفشل المحاولة (0) تنجح المحاولة في المرة الثانية بعدما يستقر الحبل في محجر الشباك (0) يسحب بطرف الحبل يربطه على العامود (0) يقفز يتعلق في وسط الحبل (0) يسقط (0) يتقدم فرحاً باتجاه العامود (0) يصعد العامود (0) يضع قدمه على الحبل (0) يمشي على الحبل بتوازن يتأرجح (0) يقترب من الشباك (0) يضرب الشباك بكلوة يديه (0) يدخل الشقة (0) عبر الشباك (0) طنين الذباب (0) يقترب من طاولة عليها كأس من العسل يدس إصبعه يتذوق العسل (0) يطارده الذباب (0) يحاول أن يتخلص من المطاردة (0) يذهب إلى الحنفية يغسل يديه (0) يحاول أن يدخل إلى غرفة من غرف الشقة (0) يجدها مغلفة (0) يخرج من جيبه مجموعة من المفاتيح (0) المفتاح الأول (0) لا يفتح الباب (0) الثاني لا يفتح الباب (0) الثالث يفتح الباب (0) يدخل (موسيقى سنة حلوة يا جميل) (0) يمد يده على خزانة مكتبة يفتش في دفة إحدى الأضابير (0) يرن جرس الهاتف (0) يقترب من الهاتف (0) يضع أذنه على السماعة دون أن يرفعها (0) يتقدم بخطوات إلى طاولة مستطيلة يحتج (0) لماذا هذه الطاولة مستطيلة وليست دائرية (0) يفتش الأدراج درجاً بعد درج (0) في الدرج الأخير يجد بالون (0) يهتف فرحاً (0) ينفخ في البالون (0) أطراف أصابعه تلامس البالون الكروي (0) يفرّغ الهواء منه (0) يرفع سماعة التلفون ويضغط على الأزرار يأتي الصوت في الطرف الثاني (0) رقم الهاتف المطلوب غير مستعمل (0) يضع السماعة جانباً (0) رقم الهاتف المطلوب غير مستعمل (0) يترك الشقة (0) يقترب من الشباك (0) يضع قدمه على الحبل (0) خطوة خطوتان (0) يسقط أرضاً (0) بيد مرتعشة يخرج من جيبه البالون (0) موسيقى كمان (0) ينفخ بالبالون يشد فوهة البالون (0) ويتركه طائراً في الجو (0) يراقب البالون وهو يرتفع و يتموج في طيرانه (0) صمت (0) رنين الهاتف (0) صمت (0) رقم الهاتف المطلوب غير مستعمل. أ: تيبول من أعظم شعراء الرومان في الغزل ذلك الشاعر العاشق الذي غالباً ما يترك روحه تسبح في عالم آخر تملؤه الأماني وتحوطه السعادة للخلق والابتكار من أجل حبيبته ديليا، آه .. الآن افتقدتك وسأفتقدك كل مساء، كنا نتقاسم الألم والفرح معاً هنا وقفنا في لحظة من لحظات الألم وهنا تخاصمنا، كنت أضحك في سريرتي عندما يجتاحك الغضب الذي تختلقه ويطويك بذراعيه كنت أساءل نفسي مرات ومرات يا ترى من منا يتلذذ بعذابات الآخر أنا .. أم أنت أحياناً كنت أراك مثل مدينة مبهمة، كنت تستفزينني وثورة الغضب تشتعل في أرجاء مدينة الصبر بأبوابها الموصدة، عندما أهديت لي بعض المجاميع الشعرية وبعض المسرحات لـ لوركا .. آه .. يخيل لي الآن لوركا وشعره الذي لا تنمو جذوره إلا في أعماق وطنه الصغير أرض الجنوب من إسبانيا. * القمر يلقى مدينته في هواء الليل الذي يضيء والمدية ترقب من عل لتصبح ألماً يتنزى افتحوا لي إنني أشعر بالبرد حينما أزحف فوق الجدران والبلور افتحوا الصدور البشرية حيث أدفن نفسي طلباً للدفء هذا المنزل يذكرني بمنزل الطلبة هنا يجلس خوان رامون وهنا يقف رافائيل البرتي وبدرو روزاليس والرسام سلفادور دالي، هذا المنزل يعني الكثير الكثير إنه المدرسة العلمية لبث الأفكار التحررية في النخبة الثقافية للشعراء والموسيقيين والرسامين الناشئين. * إيه يا سلفادور دالي يا ذا الصوت الزيتوني أنا لا أمجد ريشتك الناقصة ولا لونك الذي يغازل لون زمنك، إنني أغني لوعتك أيها المحدود الأزلي، إنك تهرب من الأشكال التي لا عهد للخيال بها وحيث تبلع يداك تبلع مخيلتك الغريبة وأنت تنعم بأغنية البحر في نافذتك وعند أول سدود يلاقيها الإنسان لا يبدو العالم غير فوضى وافياء دفينة، ولكن النجوم وهي تحجب المناظر تدل على المخطط الكامل في حديقتك وعندما تأخذ لوحة ألوانك التي ثقبتها رصاصة، أنت تطلب الضوء الذي يحرك كأس الزيتونه المنقلب، الضوء الرحب، باني الهياكل الضوء الذي لا محل فيه للحلم ولا للنسيان الوهمي السمك في الحوض والطير في القفص أنت لا تريد أن تخترعهما في البحر أو في الريح فبعد أن تتطلع بحدقتيك الشريفتين أنت تزين جسديهما، الرشيقين الصغيرين أو تقلدهما. أنا أغني قلق التمثال هذا الذي تطارده دون هوادة. وخوف الانفعال الذي ينتظرك في الشارع أنا أغني حورية البحر التي تغني لك. (أيقرأ عناوين بعض المسرحيات) سحر الفراشة، إنها أولى مسرحياتك يا لوركا عرس الدم، يرما، منزل برنارد ألبا، لغة الأزهار، حديقة الحب، أغاني غجرية (تضحك) لقد أُوهم الكثيرون أنك شاعر غجري هذا اللقب غلب عليك أعرف هذه أسطورة لا أساس لها، لقد استطعت أن تنزع إعجاب زملائك بفضل مواهبك الفنية في الموسيقى والغناء والرسم. (صمت) مسرحية عرس الدم آه .. أيها القمر القادم مع الأوراق الوارفة يا قمراً دمه من ياسمين لهفتنا عليك من قمر مهجور على الأوراق الخضراء يا فضة على جباه العرائس أيها القمر يا ذا العين الشريرة دع الظل للعاشقين تحت الغابة أيها القمر المفجع دع الظل للعاشقين تحت الفنن أنا الأوزة المستديرة على وجه الماء أنا شمس الكاتدرائيات أنا كذبة الصباح الناحل كل الأوراق والغصون كيف يستطيعان النجاة من الذي يختبئ ومن الذي سيبكي في عوسجات الوادي أن القمر يلقى بمديته في هواء الليل الذي غمره وهجه والمدية تترقب من علُ لتصبح ألماً يتنزى افتحوا لي فالصقيع يؤلمني عندما أجرِّر أذيالي على الجدران والبلور افتحوا صدوراً بشرية فألج إلى أعماقها وراء الدفء البرد يصك أضلعي ورمادي الذي سُوِّي من أكثر المعادن إغفاءً يبحث في الجبال والسهول عن نار تحترق على ألسنتها ومع ذلك فالثلج يحملني على كتفه الرقطاء وأحياناً كثيرة يبقيني أنا القاسي البارد غريقاً في قبضة ما ء المستنقعات ولكن هذه الليلة ستضيء في خدّي حمرة الدم وفي الأشواك المؤتلفة التي تتأود في الريح لا ملجأ ولا ظل يقي من عيني لا شيء قادر على الإفلات مني أنا أريد صدراً بشرياً التمس فيه الدفء سيكون لي قلب دافئ يتدفق على تلال صدري دعوني أدخل، دعوني (صمت .. موسيقى .. يقرأ بصوت عال) يوميات شاعر حديث الزواج لـ خوان رامون أنها تمطر بعذوبة، ويأتي من الحديقة عطر ناعم يشبه العبث المبلول، فأين تنامين، أيتها الشمس البائسة المياه تبكي على الألواح الزجاجية البارودة في شرفتي (صمت .. موسيقى) (يحدث نفسه) كنت أقرأ خريطة الحزن عبر ملامح وجهك المسافر نحو الشمس، امنحيني شيئاً من وميض الحرية عبر شقوق تلك الأبواب الموصدة، ولكنني تعب. لقد أتعبتني كثيراً حتى بدأ الحزن ينسج جداراً عالياً بيني وبينك حتى أدمنت على رؤياك، (صمت .. موسيقى). (نقرأ على ضفاف نهر هدسن أميركا) يا نهر هل نضبت مياهك فانقطعت عن الخرير؟ أم قد هرمت وخار عزمك فإنثنيت عن المسير؟ بالأمس كنت إذا أتيتك باكياً سليتني واليوم صرت إذا أتيتك ضاحكاً أبكيتني بالأمس كنت إذا سمعت تنهدي وتوجعي تبكي وها أبكي أنا وحدي ولا تبكي معي قد كان لي نهر قلب ضاحك مثل المروج حر كقلبك فيه أهواء وآمال تموج يا نهر ذا قلبي أراه كما أراك مكبلاً ليست الحياة حلماً، يقظة، يقظة، يقظة، نسقط صرعى السلالم كي نطعم الأرض المخضلة أو نصعد حافة الثلج مع جوق زهور الدالية الميتة لكن لا سهو ولا نعاس فالقبلات تكبل الشفاه بخيوط مشتبكة من الأوردة الحديثة ومن يوجعه ألمه فسيوجعه بلا راحة ومن يخشى المنون فعلى كتفيه سيحملها (طرقات على الباب .. أصوات إطلاقات نارية .. دقات الساعة) أ: الساعة الآن الخامسة مساءً (صمت) (وقع أقدام) (صمت) لا أعرف .. صدقوني لا أعرف أين ذهبت لوركا .. بل خرج أن يزور أحد أصدقائه (صوت غلق الباب) (إظلام) إضاءة. إضاءة خافتة/ موسيقى. أ: إيه يا أنطونيو ماخادو أنت المعلم والصديق والزميل في لقاء إعدام لوركا قلت: لقد رأوه وهو يسير بين البنادق فوق الشارع الطويل ويلوح البنادق فوق الجرد البارد المشعشع بالنجوم، جرد الصباح وقد قتلوا فيديريكو في الساعة التي يطل فيها الضوء إظــــــــــــــلام إضـــــــــــــاءة .. أ: في التاسع عشر من آب 1936 قتل لوركا في الشهر الأول من الحرب الأهلية الإسبانية بيد القوات التي تسلمت فيما بعد الحكم في إسبانيا حاولت السلطات آنذاك محو اسمه ولطمس نور مجده في بلاده وخارجه لأنها تحسب نهاية بذلك تمحو الجريمة التي اقترفتها.. إظــــــــــــــلام .. إضــــــــــــــاءة .. (مؤثرات سمعية) (خرير الماء .. زقزقة العصافير .. يتقدم أ إلى يمين مقدمة المسرح وكأنه يحدث مجموعة من المعتقلين ثم يهرول (صوت إطلاقات نارية .. يسقط أرضاً) (ينهض .. ثم يهرول في أرجاء المسرح، صوت إطلاقات نارية يسقط ثم ينهض على هيئة صليب.
النهــــــــــــاية
|