|
|
|
د.عبد الله بن احمد الفيفي
د. عبدالله بن أحمد الفَيفي أستاذ النقد الأدبي الحديث / جامعة الملك سعود بالرياض تكمن الصعوبة في التعاطي نقديًّا مع القصيدة الإلِكترونيّة التفاعليّة[1] في كيفيّة وصفها، وتحليلها، ومن ثم إيصال القراءة النقديّة إلى القارئ، بما أن هذه القصيدة معتمدة على التقنية. لأجل هذا فنحن بحاجة إلى (قراءة نقديّة إلِكترونيّة تفاعليّة)، تضاهي طبيعة القصيدة الإلِكترونيّة التفاعليّة، وإلاّ كانت القراءة تقليديّة لنصّ غير تقليديّ ولا مألوف، ولا مهيّأ لمعظم القرّاء، وسيتعذّر على القارئ متابعة ما نقدّم إليه، إلاّ في نطاق نخبويّ ضيّق. ذلك ما شعرتُ به في مواجهة قصيدة الشاعر مشتاق عبّاس معن، بعنوان "تباريح رقميّة لسيرةٍ بعضها أزرق"، على موقع "النخلة والجيران" الإلِكتروني[2]. ولهذا لا مناص أن تبقى المحاولة أقلّ من الطموح، وأن تدور في فلك التقييم العامّ للتجربة، دون تفاصيلها المتعدّدة. ولعلّ ما يجابهه المطّلع- ولا أقول القارئ؛ لأن العمليّة في تلقّي القصيدة الإلِكترونيّة التفاعليّة لم تَعُد قراءة نصٍّ فقط، بل هي تفاعل مع ضروب فنّيّة مختلفة، من: نصٍّ، وصورة، وموسيقى، فضلاً عن الإيقونات، والروابط التصفّحيّة، واللوحات الإلِكترونيّة- هو ذلك الشتات بين: (متن)، و(حاشية)، و(هامش)، و(تفرّعات أخرى)، و(أشرطةٍ تمرّ عجلى). إنها شجرة نصوصيّة إلِكترونيّة، تذكّرنا- مع الفارق- بفنّ (التشجير الشِّعري) الذي عُرف في التراث العربي خلال القرن الحادي عشر الهجري، السابع عشر الميلادي، أو بالشِّعر الهندسي، المختلَف في تأريخ ظهوره[3]. ومع أن القارئ يفتقد في تفاعله مع القصيدة الإلِكترونيّة التفاعليّة التجسّد الواحديّ للنصّ، فإن ما يعايشه من شتات في تفرعات النصّ له جماليّاته وجذبه، جمال شجرة غنّاء، ذات فروع، وأغصان، وزهور، وثمار، وأطيار. تبدأ قصيدة "تباريح رقميّة لسيرة بعضها أزرق" بلوحة، يمرّ من أعلاها شريط كتابيّ، يحمل عنوان النصّ، تحته صورة رأسٍ صارخ مفزع، يمثّل حالة النصّ في نِداءاته، "ولكن لا حياة لمن ينادي"! وعلى ميمنة الشاشة إيقونتان رُقمت عليهما عبارة: "اضغط فوق ضلوع البوح". وعلى المَيْسَرة عبارة: "أيقنت أن الحنظل موتٌ يتخمّر". إيقونتا "اضغط فوق ضلوع البوح" تفضيان إلى باطن القصيدة وأجوائها الداخليّة، فيما تمثّل كلّ كلمة من عبارة "أيقنت أن الحنظل موتٌ يتخمّر" نافذة، لا تؤدي إلى شيء، غير أن ملامسة فأرة الحاسوب لأيّ كلمة منها تكشف عن مخبوء نصّي، مشتقّ من تلك الكلمة. حتى إذا ولجنا من إيقونة "اضغط فوق ضلوع البوح" الأولى، أخذتْنا إلى صفحةٍ صفراء، هي (الصفحة2 من القصيدة)، وموسيقى عراقيّة حزينة تعبّر عن أجواء النصّ على تلك الصفحة، مع شريط عابرٍ من الأعلى، يقول: "عاجل باتجاهٍ مخيف، تأخذني خطوتي، فهي تعرف أسرار كل المخاطر، لكنها تشتهي أن تُقامر في لوعتي دائمًا". وعن يمين الصفحة لوحةُ (الساعات المائعة)، أو "إصرار الذاكرة"، لسلفادور دالي. أمّا نصّ المتن، فالنصّ التفعيليّ الخَبَبِيّ الآتي:
في مدار عتيق ... فإذا دخلنا إلى (حاشية) هذا النصّ- عبر إيقونة "حاشية"، (الصفحة 3)- قرأنا نصًّا بيتيًّا من البحر الكامل:
ولقد مشيتُ وما علمتُ
بأنّني ثم تتبع هذه الحاشية إيقونةٌ بعنوان "مكابرة"، على (الصفحة 4)، عليها النصّ التفعيليّ الآتي، على "مفاعلتن"[6]:
تحاصرني المنايا والشظايا ثم نلفي إيقونةً تحمل كلمة "هامش"، (الصفحة 5)، تحمل مقطعًا نثريًّا:
في قريتي ثم نعود القهقرَى لاستقراء إيقونة "اضغط فوق ضلوع البوح" الثانية، لنجد متنًا تفعيليًّا على (الصفحة 6)، يمضي هكذا: يعـقــوب يا وطني المحاصر بالعمى ! من أين لي بقميصي الوتـْـر الذي خاطته لي كفّ النخيل ؟ وأنا الـــذي تخضـرّ في شفتيّ أهداب الرحيـل . لا ذئب يأكل غربتي ! لا جُبّ يغسـل من جبيني قحط آلامي وأوجاع السنين ! * * * يعـقـوب يا أبتي المكبّـل بالظلام حتّـامَ يغمــرك الغـمــام... وأنت من رقصت على أكتافه الشمس . . . ؛ أأظـلّ مقــدودًا ... وأعـدّ متكأ لمن يهوى قميصي كي يُـقـدّ... ! أأظــلّ مقــدوداً هناك ... وصاحبي يغفو ولا يدري بأن الطير يأكـل رأسـه ... ويطير...؟! * * * يعـقـوب يا أبتي المعـفـّـر بالنحيب ! أتظلّ مبيضّ العيون ... وأظـلّ آكل سنبلاً لا حَـبَّ فيه ! ؟ وأشـرب[7] من كؤوس لفـّــهـا الوحل العجاف !؟. * * * حتـّامَ ... أنشـر ما حصدت ... وإلامَ يا أبتي ... ؟! فهل يوماً ستسجـد شمسـنــا ؟ أم سوف أبقى في العراء وأنت يأكلك العمى ؟! وتأتي "الحاشية" البيتيّة التالية، من البحر الوافر- وذلك على (الصفحة 7)- ذات لوحةٍ خلفيّة معبّرة عن الجفاف:
تمهّل أيها البحر الأعفُّ ويتبع "الحاشية" هاهنا شيء جديد، وهو إيقونة بعنوان "نصيحة"، (الصفحة 8). وإيقاع نصّ "النصيحة" هذه يمكن أن يُعدّ ممّا أسمّيه بـ"شعر التفعيلات"، وهو نسقٌ تفعيليّ لا يتقيّد الشاعر فيه XE "الإيقاع" بتفعيلةٍ واحدة[8]:
قريتي وهناك خيارٌ لمن يرغب في "نصيحة أخرى"، على (الصفحة 10)- وتأتي من "شِعْر التفعيلات" كذلك، مزاوجةً بين نغمتي (فعولن) و(فاعلن)[9]- هكذا: [رذاذ من النور يزحف في هامة الليل يمدّ هشيم انكسار الصباحات فهي] منذ فجر الولادة ما انفكّ يأكلها الغيم قضمةً قضمةً وهي باذخة في السكون لا تحرّك أنملة من ضياء ... ... هكذا كنتُ أرقبها في الليالي الكبيسة جدّتي : أقنعتني بأنّ الغيوم ستحنو ( فالغيوم تشيخ ) عندها [ستمطر أضراسها ويصحو الصباح] لكن المُطالع يصادف هنا نصيحة بـ"أن لا يُدمن تعاطي النصائح!"؛ فالحُرّ بالإشارة يفهمُ!، وعليه أن يؤوب من حيث أتى- عَبْر إيقونةٍ كُتب عليها: "أوبة نصوح!"- ليعود إلى "الحاشية" السابقة. فإذا عاد إلى تلك الحاشية يكون قد تبقّى له الاطلاع على إيقونة "هامش"، فيفتحها صفحةً صفراء، هي (الصفحة 9)، ذات هشيمٍ كهشيم المحتضر، وهو هشيمٌ آدميّ بدليل عينين شاخصتين من خلله، وقد كُتب عليها:
وعلى يمينها عبارة: "إيّاك أن تقترف الأمل"، في أربع نوافذ، تحمل كلّ واحدةٍ منها كلمةً، كتلك التي رأيناها على (الصفحة 1)، والتي لا تؤدّي إلى شيء، غير أن ملامسة فأرة الحاسوب لأيّ كلمة منها تكشف عن مخبوءٍ نصّي، مشتقّ من الكلمة: [إياك]: "إياك أن تبتكر سنبلة... فالأرض صلعاء... وفحيح القحط يغنّي: الخلود لي!!!!". [أن]: "أن تحيا!!... أملٌ موصد...". [تقترف]: "تقترف البوح!!!... والكلام مرتجف على شفتيك؟؟؟... إذن سينمو عليك الصخر في وَضَح الانتظار". [الأمل]: "الأمل مثل ظِلّ كسيح،،، لا يجيد سوى النوم وقت الغروب". وهذه هي آخر الصفحات من القصيدة، بحسب منطق العلاقات والتراتب فيما بينها، لا بحسب ترقيم الصفحات. وها أنا ذا قد وصفتُ تركيبة هذه القصيدة المتفرّعة[10]، دون الخوض في بعض التفصيلات الأخرى، كالأشرطة المتحرّكة، واللوحات الفنّية، والموسيقى المصاحبة. لا إهمالاً لأهميّتها، بوصفها مكمّلات تعبيريّة وتأثيريّة، ولكن لأن هدف هذه القراءة ينحصر في استقراء مجمل التجربة وتقييمها، دون التحليل الشامل لتفريعاتها وتفاصيلها. ومن هذه التجربة البِكْر في الشِّعر يتضح ما يأتي: 1) أننا بإزاء شِعرٍ حقيقيّ، لا عبث لفظيّ، كما في تجارب أخرى، حداثيّة (تقليديّة). 2)هناك تكاملٌ وترابط عضويّ بين صفحات النصّ ومكوّناته المختلفة، من حيث هي معبّرة عن مضمون العنوان: "تباريح رقميّة لسيرةٍ بعضها أزرق". وكأن "البعض الأزرق" من تباريح تلك السيرة هو بوارق أملٍ تلوح في الأفق. وهو ما يلوح في تلك الصفحات الزرقاء، بما حملتْه من دوالّ لغويّة، وإشارات لونيّة، ولوحات تشكيليّة، تقابل صفحات أخرى صفراء، قاحلة. وإنْ كان الشاعر قد ختم القصيدة بما هو أقرب إلى التشاؤم لا التفاؤل، والاصفرار لا الزُّرقة، وذلك من خلال الصفحة التاسعة بلونها الأصفر، وهشيم أشجار الزيتون فيها، وموسيقاها الجنائزيّة. 3) تَجمع هذه القصيدةُ أشكالاً إيقاعيّة مختلفة، من الشِّعر الموزون المقفّى، وشعر التفعيلة، وشعر التفعيلات، إضافة إلى قصيدة النثر. وهنا يتبادر السؤال: تُرى ماذا يمكن أن تضيف القصيدة الإلِكترونيّة التفاعليّة إلى المشهد الشِّعري العربي؟ إنها كما رأينا لا تشتغل على البنية الداخليّة للنصوص، بمقدار اشتغالها على طريقة عرض النصوص. ويمكن القول إذن: إنها وريثة محاولات تفاعليّة شعريّة سابقة، لن أعرّج عليها في السياق الغربي، بل في تجارب بعض الشعراء العرب المحدثين، وذلك محاولة منهم لإحداث ضروبٍ من الحواريّات النصوصيّة. وهناك غير اسمٍ شعري خاض مثل هذه التجربة عبر مجموعات شعريّة كاملة، يمكن أن يشار منها مثلا إلى: الشاعر علي الدميني- من السعوديّة- في مجموعته الشِّعريّة بعنوان "رياح المواقع"، (1987)، التي أبدى فيها جرأة لافتة في التجريب، والإفادة من الأجناس الأدبيّة XE "الأجناس الأدبية" والفنيّة الأخرى، منتقلاً من (الاستعارة-القصيدة) إلى ما أسميته في مقاربة سابقة بـ(الاستعارة-الديوان) XE "الاستعارة-الديوان" [11]. وكذا فعل الشاعر علاء عبدالهادي، من مصر، في مجموعته الشعريّة "مهمل.. تَسْتَدِلُّونَ عَلَيْهِ بِظِلّ"، (2007)، وقبل ذلك في مجموعتيه: "الرغام: أوراد عاهرةٍ تصطفيني"، (2000)، و"شَجِن"، (2004). وقد تطرّقتُ إلى تجربته تلك في دراسة لي بعنوان "النصّ الغابة". إلاّ أن تلك التجارب إنّما كانت تحاول ما تحاول على الوَرَق، في حين تخطو تجربة مشتاق عبّاس معن إلى نوعٍ جديد، يتخاطب مع العين والأذن مباشرة، وعبر تقنية العصر الإلِكترونيّة. إنها محاولة تستهدف تقديم النصّ الشِّعريّ إلى جيلٍ ما عاد يتعامل مع الوَرَق، ناهيك عن أن يَفْرُغ لقراءة ديوانٍ شعريّ. وفي هذا مسعًى لنَقْل الشِّعر بطريقة مدهشة، وطريفة، تتواصل مع حساسيّة إنسانيّة راهنة في التعبير والتلقّي، تمثّلتْ منذ قرابة عقدٍ من الزمن انقلابًا تاريخيًّا في التراسل المعلوماتيّ، صاحبَ الثورة الكُبرى في الاتصالات وتقنية المعلومات، ولاسيما بعد بروز الشبكة العنكبوتيّة "الإنترنت"، وسيلةً كونيّة أُولى في بثّ المعلومة، ضمن منظومة تؤذن بنهايات عصر المدوّنات الورقيّة، أو على الأقل بوضعها على الرفّ، مفسحةً الميدان واسعًا لنوافذ إبستمولوجيّة لا نهائيّة، بفضاء العالم أجمع. وبذا فإن القصيدة الإلِكترونيّة التفاعليّة تتكئ بالضرورة على شعريّات معاصرة شتّى إلى جانب شعريّة الكلمة- وهي شعريّات ما تزال غُفلاً من التناول النقديّ- وتطوّعها للتعامل مع قارئٍ مختلفٍ تمامًا، من جيل متصفّحات الإنترنت، لا جيل الصحائف والدواوين. وعليه، فإن هذه التجربة تمثّل رافدًا للحركة الشِّعريّة، الآنيّة والمستقبلة، في عصرنا الإلِكتروني هذا، الذي يُشاع أنه لم يَعُد عصر شِعر؛ لتأتي القصيدة فتنغرس في نسيجه العالمي، أكثر من أيّ جنسٍ أدبيّ آخر؛ كي تثبت أنها- وقد صحبتْ رحلة الإنسانيّة منذ الأزل- هي أكثر الأجناس الإبداعيّة قدرة على مسايرة العصور، وصولاً إلى روح الإنسان أنّى كان. إحالات وتعليقات [1] لست أدري إن كان من حقّي استبدال كلمة "إلكترونيّة" بـ"رقميّة"، في تسمية هذه التجربة، لأسميها: "القصيدة الإلكترونية التفاعلية"، بدل "القصيدة الرقمية التفاعلية"؟ ذلك لأن التعامل في هذه القصيدة- إنشاء وتلقّيًا- هو مع التقنية الإلكترونية. ونحن نستعمل اليوم: "الصحيفة الإلِكترونية"، و"الموقع الإلِكتروني"، و"النشر الإلِكتروني".. إلخ، فأَولَى أن تُسمّى هذه القصيدة إذن: "القصيدة الإلِكترونية التفاعلية". ثم إن مصطلح "رقميّة" مصطلح مُلْبس، ومشوّش على مفردة مستقرة قديمة مستعملة، تعلُّقها بالرّقم، بمعنى الكتابة من جهة، وبالأرقام، بمعنى الأعداد من جهة أخرى، وهناك ما يُسمّى حديثًا "العَروض الرقميّة"، مثلاً، وتتعلق بوضع معادلات رقميّة لوزن الشِّعر عِوَض الأسباب والأوتاد والتفعيلات. ولهذا كله، فأنا أقترح: "القصيدة الإلِكترونية التفاعلية" اسمًا بديلاً. على أني لا أرى أن صفة "الإلِكترونيّة" تغني بحال عن صفة "التفاعليّة Interactive"، إذا أريد لتسمية هذا الشكل الكتابي أن تدلّ على طبيعته. [3] انظر: أمين، بكري شيخ، (1979)، مطالعات في الشِّعر المملوكي والعثماني، (بيروت: دار الآفاق الجديدة)، 181، 209. [4] واضح أن الشدّة هنا جاءت خطأ مطبعيًّا فوق اللام، ومكانها فوق الجيم. [5] كذا ورد البيت، على خمس تفعيلات فقط، تنقصه التفعيلة السادسة، إذا أريد أن يكون كبقية أبيات القطعة من البحر الكامل. [6] إلا أن تفعيلته تنكسر- ربما عن قصد أو لخطأ مطبعيّ- لدى: "لأفتح التاريخ"، و"أُداس و... أظلُّ أدوس". [7] لعل هنا كلمة "وأظل" ساقطة قبل "أشرب"، لاستقامة النسق التفعيلي. [8] انظر: الفَيفي، عبدالله بن أحمد، (2005)، حداثة النصّ الشِّعري في المملكة العربيّة السعوديّة، (الرياض: النادي الأدبي)، 151. [9] ما حصرناه من النصّ بين قوسين مربعين [...]، في بدايته ونهايته، جاء على الوحدة النغمية (فعولن)، وسائره على (فاعلن). [10] وأنا أسميها قصيدة- لا مجموعة قصائد، مع تعدّد نصوصها ولوحاتها- لأن الشاعر نفسه أطلق عليها قصيدة. [11] انظر: الفَيفي، عبدالله، 97. ************ |