|
|
|
عبد الكريم ابراهيم
التلقائية والعفوية احدى وسائل تقرب الحدث الدرامي للمشاهد بحيث يشعر معها بالعمق العلاقة ما بين الواقع والعمل، ولعل الابتعاد عن التصنع الزائد في الحوار واستخدام الالفاظ المألوفة من داخل المجتمع الذي ينتمي اليه هي من ادوات الممثل الناجح حيث يستطيع معها ربط المشهد الدرامي بالواقع الذي يجب عدم الترفع عنه، كلما كانت لغة الحوار بسيطة ومؤثرة استطاع الممثل الولوج الى نفس المتلقي ومهما كان دوره لان العمل الدرامي حلقة متكاملة لا يمكن فصلها عن بعضها البعض فلا يوجد دور صغير واخر كبير بل يوجد ممثل مبدع يستطيع كيف يتعامل مع الشخصية ويقربها الى احساس المتلقي الذي ينجذب ويتفاعل معها وهو سر خلود بعض الشخصيات التي اصبحت جزءاً من المجتمع وهو الامر الذي جعلنا نعشق شخصية (حجي راضي) ورسالته العجيبة بالرغم من مضي اكثر من ربع قرن على ظهورها فهي مازالت تعيش معنا ويمكن ملاحظتها وهي تسير في محلات باب الشيخ والصدرية والفضل وأبو سيفين وغيرها من احياء بغداد القديمة. قبل ايام عرضت على شاشة قناة السومرية المسلسل العراقي (جحيم الفردوس) وبالرغم من النجاح الذي حققته من خلال سرعة اللقطة والحركة ومشاهد الاثارة الدرامية فانه بالمقابل عجز الحوار عن دخول قلوب العراقيين من خلال الترفع عن لغتنا واستخدام مفردات نادرة وغير مألوفة، ونأخذ مثلاً الحلقة الاخيرة وخصوصاً مشهد بين (عامر) الذي جسده الممثل جلال كامل وهو مخرج العمل في الوقت نفسه و(غادة) التي تؤدي دورها سناء عبد الرحمن حيث ان الحوار يفترض ان يكون بسيطاً وخالياً من التعقيد الفلسفي من خلال الابتعاد عن استخدام مفردات مثل (مشاوير) التي يندر للعراقي ان يستخدمها ويفضل بدلاً عنها (مشاغل) و(بعد فوات الاوان) و(حمي الوطيس) وهي من المفردات التي تدل على ان المتكلم صاحب درجة علمية اكاديمية رفيعة في حين يفترض ان يكون (عامر) محدود الثقافة وخريج سجون فلا يمكن ان تستخدم مثل هذه الشخصية هذه الالفاظ التي لا يتفوه بها سوى استاذ باللغة العربية. في حين ساد لغة الحوار ما بين (عامر وسلمان) الذي يؤديها الفنان بهجت الجبوري الجانب الافلاطوني الفلسفي بالرغم من ان كلاهما من طبقة ثقافية دنيا فالأول لص وخريج سجون والثاني شرطي بسيط اصبح في ليلة وضحاها قاتل وسفاك دماء، والاغرب من هذا كله متى يكون للصوصية حق وهو ثمن الجهد المبذول في سرقة اموال الدولة؟! وهناك تناقضات كثيرة فكرية يمكن رصدها وهي مشروعية الحصول على الاموال المسروقة بمثابة مكافاة عن سنوات السجن التي قضاها (عامر) ومتى كان اللص يكافئ عن المحكومية التي امضاها بعد ادانته بالجرم المشهود؟!.. ومفارقة اخرى هي في شخصية (سلمان) هل هو شرطي متمرس وذكي ام غبي وساذج بحيث يقتل احد الشخصين الذين اقتحما عليه منزله ويترك الثاني طليقاً يفتش المنزل بحثاً عن الدولارات المفقودة والذي خبأها في هذا المنزل الكبير.. ذكاء او غباء ان يترك (سلمان) لصاً له مطامع في الحصول على الاموال في المنزل ويبحث عن (عامر)؟! ان الربط بين الاحداث غير منطقي ويدل على البلادة الموجودة في المسلسلات المدبلجة ويضاف الى لغة الحوار المعقدة التي عناصرها التصنع والتكلف والتفلسف الواضح لشخصيات بسيطة الثقافة والتي يفترض ان تكون لها الفاظها ومفرداتها كالتي يمكن ان نسمعها في الشارع. مع كل هذا فالمسلسل فيه الكثير من الحركة التي ابتعدت عن اجواء المسلسلات العراقية المحصورة بين مكاتب الدوائر الحكومية والجامعة المستنصرية!! والذي يميز ايضاً هذا المسلسل الممثلين الذين لعبوا ادور ثانوية فانهم اجادوا فيها بشكل جيد وشكلوا حضوراً في نفسية المتلقي.
مشاركاته في النخلة والجيران |