عبد عون النصراوي

بعد ثلاثين سنة صحافة
ناظم السعود ... بين البنايات العالية وقضاء الهندية
وجروح لم تشف بعد منذ خمسين عاماً

أجرى الحوار / عبد عون النصراوي

بعد ثلاثين عاماً من التجربة والمعاناة ، قدر لناظم السعود أن يعود إلى مسقط رأسه في قضاء الهندية بكربلاء بعودة غير قابلة للنقض ويعود للكتابة التي لطالما يرى فيها الحياة التي تخصص بها، حتى وجد نفسه صريع المرض والحاجة والوحدة ، بعد أن عمل في العديد من الأماكن ـ فقراء بلا حدود ـ اتحاد الصحفيين العراقيين ـ منظمة أين حقي ـ المجلس الثقافي العراقي ـ رابطة الرافدين لحقوق الإنسان ـ الصحافة الثقافية بكل دسائسها وصورها وعناوين أخرى كان يتمتع بها كبير الكتاب  والصحفيين الأحياء في العراق .

وجدت نفسي منشداً للكتابة عن شيخ الصحفيين الثقافيين والكاتب النزيه ناظم السعود ، واللقاء به لأعرف ماذا يشغل ناظم السعود هذه الأيام وكيف يقضي يومياته في المنفى الكر بلائي مع عائلته ، وكيف ينظر لمستقبل الصحافة العراقية الرائدة والحالمة بمستقبل أكثر إشراقا .

( الناشط الثقافي ) ناظم السعود كما يحب ان يطلق عليه الذي يمشق قلمه في معترك الكتابة والحياة كان على موعد مع حصيلة باذخة بالألم ( جلطتان والثالثة برتبة فقر دائم ) التقيته في منزله الجديد وكان معه هذا الحوار :

     بطاقتك الشخصية ؟

ـ ناظم السعود من مواليد 1956 الهندية ـ كربلاء ، متزوج ولدي ثلاثة أبناء ( بنت وولدين )

* أي الألقاب التي أطلقت عليك هو اقرب إلى نفسك ؟

ـ مع اعتزازي بما أطلق علي من جهات رسمية وأهلية إلا أنني لا أجد نفسي إلا بكوني كاتباً صحفياً مسانداً للثقافة والمثقفين أي انه لو أطلق علي ( الكاتب المساند للثقافة ) او ( الناشط الثقافي ) لكان ذلك اقرب إلي والى عملي الحقيقي في الثقافة والصحافة لأكثر من ربع قرن وهذا ما سيوضح جلياً حين اصدر كتابي الأول هذا العام إنشاء الله وهو بعنوان ( الآخرون أولاً : قطوف من كتابات مساندة ) وقد اخترت عشرات المقالات والأعمدة التي كتبتها دفاعاً عن أسماء وذوات ومصائر كنت سنداً إليها طوال حياتي المهنية .

* لماذا تأخر مشروع إصدار كتابك الأول وهل ثمة إضاءة حول البدايات ؟

ـ الحقيقة ان الذي يعمل في مجال الصحافة كالقابض على الجمرة التي ستحرقه أولا او كالماسك هواء في شبك ، الصحافة ولا سيما الثقافية هي كتابة عن الكتابة وجهد لإظهار جهود وكذلك هي تعنى بمسايرة وإبراز إبداعات الآخرين أكثر من ان تظهر جهد صاحبها وقديماً قبل أكثر من خمسين عاماً قال طه حسين قولته الشهيرة ( الصحافة مفسدة الأدب ) وهو يعني بلا شك ان الصحافة بيومياتها وكواليسها واليات عملها تعمل على طحن ودرس الطموحات الأدبية فأن كان هناك أديب يعمل في الصحافة فأن مشروعه الأدبي مقضى عليه نهائياً ولا يبقى هناك سوى كاتب يدور في طاحونة الصحافة . لهذا كله كنت في البدء روائياً وشاعراً في منتصف سبعينات القرن الماضي ولكن ما ان علقت في شباك طاحونة الصحافة ابتداء من 1978 ( بشكل مهني ومحترف ) حتى وجدت ان الفاصلة أصبحت بعيدة عن مسايرة الأديب القديم في داخلي وان الانشغالات اليومية ومتابعة الحياة الثقافية بكواليسها وسماسرتها وكذابها ومبدعيها تجعلني لا انتبه لنفسي والى أي مشروع حقيقي سوى الكتابة اليومية اللاهثة خلف الأحداث ، وكان من الطبيعي انه بعد ثلاثين عاماً شعرت أني خاو ولا امتلك ما سيبقيني في التاريخ لسبب بسيط أنني لم اترك كتاباً او مصدراً جامعاً يبقيني في المكتبات وفي ذاكرة الذاكرين ، وكان أني انتبهت الى هذه المعادلة الظالمة وشرعت في إعداد كتابي الأول مع العلم ان لدي مشاريع كتب ومنها دراسات في الأدب العراقي وحوارات مع أعلام الثقافة العراقية أتمنى ان يطول بي العمر لأنشرها تباعاً .

* ما الذي دفعك ان تهجر البنايات العالية في بغداد حيث كنت تقيم لخمسين سنة او أكثر والعودة الى ارض قفر في قرية كربلائية منسية ؟

ـ هذا سؤال يفجر في دمل وجروح لم تشف بعد ، ذلك أنني بالفعل عشت وأسرتي في بغداد لأكثر من خمسين عاماً منذ ان هاجرت العائلة من كربلاء الى بغداد أواخر الخمسينات وحتى عودتي أواخر 2006 وبين الزمنين تراكم وتجارب وأهوال وأمراض لا يسعها المجال ولكنني فقط أقول أنني خرجت من كربلاء وعمري ثلاث سنوات وعدت إليها وعمري تجاوز الخمسين ، ذهبت طفلاً وعدت شيخاً مريضاً أنوء بأحمال ثلاثة : جلطتان في القلب والدماغ والثالثة برتبة فقر دائم ، والمشكلة او الدوامة الكبرى التي واجهتني في بغداد هي عدم امتلاك سكن او سقف بمعنى اصح يؤويني وعائلتي وأمراضي برغم أنهم أصبحوا ينادونني في بغداد شيخ الصحافة العراقية ورائد الصحافة الثقافية وسوى ذلك ، لكن الواقع المهين دفعني الى ان اسكن في بناية حكومية ( كحارس لها ) لكي أقيم والعائلة ، وهكذا زالت حكومات وحلت أخرى بديلاً عنها وذهب رؤوساء وجاء آخرون ( أنا شهدت خمسة عهود متتالية منذ الملكية الأولى وحتى الجمهورية الخامسة ) واذكر هنا أنني في مستهل ستينات القرن الماضي كنت والمرحوم ابي في منطقة اليرموك ( الأربع شوارع ) وهناك وجدنا ان الزعيم عبد الكريم قاسم كان يوزع سندات تمليك البيوت على الضباط ويومها علق أبي قائلاً : ( نحن الفقراء سيمنحنا الزعيم يوماً بيتاً يضمنا ) غير ان الأقدار شاءت ان ينحر الزعيم ويموت أبي وسأموت أنا قبل ان نحصل على ذلك البيت الموعود ، وما تسميه البنايات العالية في بغداد كنت انتسب إليها بصفة ( حارس ) ولم يراعى كوني شيخاً في الحياة والصحافة والأمراض كانت تنخر جسدي وكان من الممكن ان تضيع عائلتي وسط تيارات الحياة الصاخبة في بغداد وتبعات الثورات والانقلابات المتقابلة . لولا أنني انتبهت الى أني سأضيع ( المشيتين ) فلن أحفظ لنفسي سقفاً ولا لعائلتي التي جلبتها الى هذه الدنيا بدون استعداد او قدرة فكان من الواجب علي ان افعل شيئاً ولو متأخراً وهكذا بنيت سقفاً متواضعاً في القرية التي غادرناها قبل أكثر من نصف قرن هكذا يمكن ان تقال أنني كنت مضطراً ولم أكن بطلاً .

* على ضوء العقود المتتالية التي عشتها كيف تجد الصحافة او الثقافة في ظل العهود والعقود الماضية والحالية ؟

ـ الحقيقة أني أفكر الآن في رواية كتبها الفرنسي هنري باربوس بعنوان ( الجحيم ) ولقد لفت انتباهي إن البطل في الرواية كان ينظر إلى العالم الخارجي من خلال ثقب صغير في فندق يقيم فيه ، أي أنه لا يعرف من العالم إلا ما يراه من ذلك الثقب المطل من غرفته إلى العالم المحيط ، هكذا يمكنني أن اصف حالة الصحافة العراقية في بلادنا فهي لا تملك أو غير مسموح لها أن ترى وتزن وتحلل أكثر من ما موجود في ذلك الثقب الباريسي . وكنت قارئاً للصحافة قبل الدخول في مجاهلها ، كانت الأسماء تبهرني والكتابات والأنواع الأدبية والفنية تسحر خيالي في أن أكون صاحب قلم في ذلك العالم الساحر ولكن ما إن دخلت ( بلاط صاحبة الجلالة ) كما يطلق على الصحافة آنذاك في عام 1978 حتى تشكل إمامي عالم أخر لم يكن في بال ذهني البريء أو أشواقي المتفتحة الطرية وجدت الدسائس والافتراءات والشرور وليالي السمسرة والعقود والمصالح وسط ذلك الحشد المتلاطم كان علي أن اشق دربي بصعوبة وأكثر ما آلمني أنني لم أجد سنداً أو قانوناً يحفظ الصحافة أو الصحفيين كرامتها وحالات السلب والمؤامرات التي تتعرض إليها وكنت منذ البدء أعمل بنشاط وبلا كلل من اجل هدف وحيد هو أن أساند الأدباء والكتاب والمثقفين بأشكال شتى حتى من خلال النقد القارص كنت أحاول جلب الانتباه وإزالة الاتهام أو تقويم السلوك وهذا ما جعلني ادخل في مواجهات عريضة وكان عندي دوماً من المعارضين أكثر من الأصدقاء ، وربما كان ( مواجهات )هو أشهر عمود ثقافي كتبته في حياتي . ولكن الصحافة التي احلم بها لم أجدها هنا بل وجدتها في دول سافرت إليها اضطراراً كمصر والأردن وفي النمسا وفي سوريا هناك وجدت مناخات صحية ومجالات الكتابة فارهة وليس هناك من يزج بك في السجن لو أنك أطلقت رأياً لا يعجبه وليس من يقايضك في معيشتك أو يسد عليك منافذ الرزق إن طالبت بحقوقك وحقوق الناس الذين يكتبون ويعملون بلا أجور . الصحافة العراقية عاشت مخترقة من أصحاب  الأموال والعناوين والواجهات الذين استثمروا الصحافة لغايات ذاتية وأمور نفعية وكان من الصعب أن تمرر أشياء حقيقية إلى من خلال المغامرة والشجاعة الأدبية . وقد عشت منذ عهد نوري السعيد وحتى عهد المالكي فلم أجد هناي لإقامة فضاء صحفي حقيقي فليس هناك مؤسسات صحفية يمكن أن تصدر منها قنوات إعلامية عديدة وليس هناك أساليب عمل تكفل الحرية والتعبير والكرامة ولعلنا العاملين الوحيدين في العالم الذين يعملون بلا ضمانات ولا نصرة أو كتابات تشريع تضمن العمل والتعامل والوصول إلى نهاية سعيدة بعد كل الممارسات السلبية والمجهدة ، الصحافة في العراق عبارة عن مشاريع فردية حتى الحكومية منها لاتجد هناك معايير عمل مهنية أو انطلاقات من أهداف كبرى أو اعتبارات  لمهنة ناشطة وتسمى في العالم الأخر السلطة الرابعة ولكنها في العراق السلطة المائة أو أكثر بكثير . ويكفي أن أقول لك أنني الآن في أواخر حياتي المهنية وتجاوزت الثلاثين عاماً من العمل المضني والميداني ومع ذلك لا أجد راتباً تقاعدياً ، أو ضمانات كافلة أو مراعاة لحالات المرض والعجز والفقر فكأنني اقتطعت ثلاثين عاماً من عمري بلا نتيجة تذكر سوى الخسارات والأمراض المتكالبة . صحافة كهذه تعمل وفق قانون المزاج فأن كان هناك من يمتلك نظرة إنسانية يمكن أن يراعي العاملين لديه في جريدته أو مؤسسته أو قد يكون ( الصاحب ) صاحب أخلاق فظة وتعامل سلبي لا يجد في العاملين أكثر من ذنب يمكن أن يقطعه في أي لحظة وهكذا كما قلت الصحافة فردية ومزاجية ولا تمتلك الصحافة الحكومية أكثر مما امتلكته الصحافة الفردية أن لم  تكن أقسى واشد ظلماً وسحقاً للكرامات والحقوق .

* بمن تأثر ناظم السعود ومن أي باب ولج إلى الصحافة ؟

ـ لا شك إن كل مبتدأ أو كاتب طموح يحتاج إلى اسنادات مهنية أو أدبية وربما مالية لكي يقوى ويتشجع ويدخل المسلك الذي يختاره وأصدقك القول أنني بدأت بدون ( أباء صحفيين ) بل كانت هناك نماذج أدبية عراقية وعربية وعالمية أحاول أن أتشبه بها مثل ( نجيب محفوظ و زكي نجيب محمود و علي جواد طه و جورج طرابيشي و كاف كا ) وسوى ذلك من أعمدة الثقافة في العراق وخارجه بمعنى أنني اندفعت إلى الصحافة من خلال الأدب وهذا ليس غريباً إذ لم يبرز في العراق صحفيون كبار أو أسماء بليغة كما هو الحال في البلاد العربية هناك مثلاً ( محمد حسنين هيكل و سهيل إدريس و إبراهيم العريس و أنعام الجندي و جوزيف كيروز  و رجاء النقاش ) مثل هذه الأسماء لا نجد لها نظيراً في العراق كأصحاب رأي وأقلام كتابية وتحليلية ذات ثقافة واسعة ومواقف أصيلة بل نجد مواهب كبيرة ولكن الظروف المحيطة في العراق والضغوطات اليومية تقزم هذه الأسماء وتحاصر البارزين منها فلا يبرز أسم  إلا وتهافتت عليه العوامل السلبية المجهضة والتي تخرسه إلى الأبد ، هكذا تجدني أقول أن جيلنا الصحفي ولد بلا أباء وكان عليه أن يتعلم المهنة كتابة ونشراً وشجاعة من الآخرين أي من البلدان البعيدة والقريبة كي يصبح صحفياً مهنياً ومقروءاً لدى النخبة في الأقل وهنا أسارع لأقول لم يكن الصحفي العراقي كاتباً جماهيرياً ولم يصبح حاجة مطلوبة من شرائح المجتمع بل أن الصحافة كانت في الأغلب محصورة في نطاق ضيق ولو أنها تعدت إلى المستوى فلأسباب سياسية  أو أمنية أو تموينية .

* ماذا تقول في هذه  الشخصيات ؟

 ( جمال المظفر )  

ـ هو زميل وصديق أثير عملت معه منذ تسعينات القرن الماضي وتابعته أديباً وشاعراً في السنوات الأخيرة وكان المظفر في الاثنين أديباً مرهفاً وكاتباً صادقاً يقول ما يكتبه ويكتب ما يقوله .

( علي حسين عبيد )

ـ هو عندي الناقد القصصي الأول في كربلاء فلم أعرف نقداً تشخيصياً وعلمياً أكثر مما وجدته لدى هذا الناقد المهني وهو يكتب القصص والروايات ولكنني شخصياً أفضله ناقداً ولا أعول كثيراً على كتاباته السردية والأدب العراقي حريص عليه ناقداً وأتمنى أن يتخصص في هذا المجال لأن الثقافة العراقية بحاجة إليه حقاً .

( يوسف الصائغ )

ـ من أكثر الشخصيات التي قابلتها في حياتي قلقاً ورغبة في البوح والتعبير عما يضمره ، في يوم ما وصفته بأنه قدم للعالم فنوناً سبعة فهو روائي وشاعر ومسرحي ومقالي وتشكيلي وأكاديمي وكان في كل هذه الضروب الإبداعية متمكناً وقادراً على التعبير عما يتوجس منه أو يحاول نقده وفضحه وأظن أن الثقافة العراقية مدينة بالكثير ليوسف الصائغ .

( توفيق التميمي )

ـ يعجبني بهذا الزميل والصديق أنه يمتلك ثقافة جيدة وقدرة على التقاط المواضيع والتعبير عنها لكن ما أخشاه عليه أنه متعدد الاهتمامات فيكتب في مجالات عدة تبعاً لتوجهات النشر أو متطلبات المهنة فهو يكتب في الأيدلوجية والفكر والأدب والصحافة والسياسية وأرى أن هذا الخلط لن يجلب له الصيت المأمول أو المكانة المتفردة ولو أختص في جانب واحد لكان قد حقق تقدماً وانتشارا أكثر مما هو عليه الآن .

( فهد الاسدي )

ـ هو عمود من أعمدة القصة العراقية المعاصرة ولا يمكن أن تقرأ القصة العراقية من دون ذكر الاسهامة الجادة للقاص فهد الاسدي منذ أواخر الخمسينات ولولا إن هناك نظرة قاصرة أو غير أصيلة للأدباء في العراق لكان قدر هذا القاص أن يصبح من أهم القصاصين العرب وبإمكانه أن يحوز على الجوائز الأدبية العربية الذي نالها تلامذة له بسبب سوء التعامل الثقافي وعدم الحرص أو تسليط  الأضواء على المبدعين العراقيين وفي مقدمتهم فهد الاسدي .  

العودة الى صفحة مقالات