|
|
| الشاعرعبد الرزاق الربيعي | ||
|
الشاعرعبد الرزاق الربيعي كتاب ساعات (جونو)العصيبة في بغداد ماجد مطرود صباح الخير قصيدة شعبية لجعفر كمال لأنك عراقي د.ياسر الياسري
|
ساعــات (جــونــو) العصيـبـة مشاهدات وشهادات ووقائع "لو كنت قاصا ، روائيا ، شاعرا ، كيف يمر هذا الإعصار دون أن يمر بالمنجز الإبداعي والذاكرة من خلال نص ؟ ترى كم أم انتظرت أبناءها خلف الأبواب؟ كم أب أخذه القلق في تأمين سلامة عائلته؟ حالة الصراع بين الحب والخوف .. كيف يمكن الكتابة عنها !؟ " الكاتب السعودي حسين الجفال من رسالة وجهها للمؤلف
المشهد الأول كذب المنجمون ولو صدقوا
"على الطاولة شمعة تضيء اتجاه الحب .......... تحت الطاولة عشرات الأرجل تهرول باتجاه الرغبة ............... بمحاذاة الطاولة
عشرات الأيدي تتلامس باتجاه القلب .............. هب الاعصار ... هدأت الأرجل ... طارت الأيدي .... وانطفات الشمعة" عندما سمعت عن إعصار (جونو) ظهر يوم الاثنين الموافق الرابع من الشهر الجاري لم آخذ الأمر بجدية حيث أعاد لي حكاية الكاهن الهندي الذي قال لضابط مركز شرطة عمان السلطانية في القرم بمسقط ان صوتا غريبا سمعه خلال صلاته يقول بإن منطقة القرم سوف تغرق بالمياه بتاريخ 9/5 وهو الصوت نفسه الذي نبهه ـ كما أدعى ـ لإعصار تسونامي!!. فكتبت الصحف وانشغل الناس وغادر من غادر منهم مسقط متذرعا بأية حجة !! كارثة متوقعة ومر تاريخ 9/5 دون أن يحصل شيء رغم إن الأرصاد الجوية كانت قد نبهت الى وجود تغييرات جوية حصلت قبل يومين من ذلك التاريخ لكنها تراجعت فيما بعد عن ذلك وصارت نبوءة الكاهن الهندي مزحة ثقيلة يتفكه بها البعض حين يقابل شخصا يقيم في منطقة القرم التي فيها سكني. هذه (الكارثة) المتوقعة التي مرت بسلام جعلت الناس يرددون (كذب المنجمون ولو صدقوا) فلم تترك لي مجالا لأخذ تنبؤات مركز الارصاد الجوية بجدية خصوصا ان الاجواء في السلطنة كانت طبيعية جدا وحرارة صيف (مسقط) اللاهبة كانت مبكرة هذه السنة بحيث بلغت الاربعين درجة مئوية والرطوبة كانت عالية فأية كارثة كانت تحصل أكبر من هذه!!!؟.
جونو قادم
حين عاد مندوب جريدتنا "الشبيبة " -عيسى المسعودي -من المؤتمر الصحفي الذي عقده معالي الفريق مالك بن سليمان المعمري المفتش العام للشرطة والجمارك رئيس اللجنة الوطنية للدفاع المدني والذي أعلن به " ان السلطنة سوف تتأثر لمدة ثلاثة أيام باعصار "جونو" -واسمه يعني بلغة جزر المالديف (الحقيبة المصنوعة من سعف النخيل لأنه يتخذ شكلها ) -القادم من غرب القارة الهندية" كان مصفر الوجه , فإزداد مزاحي , فقال لي " لاتمزح المسألة جادة وعرض وقائع المؤتمر الذي قال خلاله المعمري "ان الاعصار يتجه نحو أراضي السلطنة وتبلغ سرعة دورانه وقت انعقاد المؤتمر أكثر من 200 كيلومتر في الساعة بينما سرعة اقترابه من أراضي السلطنة تبلغ 18 كيلومترا في الساعة ومن المتوقع –كما قال المعمري - أن يبدأ تأثيره على سواحل السلطنة الشرقية اعتبارا من مساء الثلاثاء ويتوقع ان تكون هناك خطورة في ظل احتمالات ان يصل ارتفاع الامواج الى 10 أمتار" وأكد لي ان حالة الـتأهب كانت قائمة بشكل محدود منذ يوم السبت الموافق 2.6 ولكنها أعلنت لوسائل الاعلام بعد يومين حيث تاكدت الأرصاد الجوية من الخطر المحدق بالسلطنة
حلم لم يطل
في المساء كنا مشغولين بمهرجان شعري تشكيلي أقامته اسرة الشعر بالنادي الثقافي حمل عنوان " حلم بين ريشة وقصيدة " وكنت مستمتعا بأمسية أحيتها كل من :بدرية الوهيبي وفاطمة الشيدي وعائشة السيفي وريم اللواتي وشميسة النعماني وخلال الأمسية وقد اعتدت ان اضع الموبايل على الصامت خلال الفعاليات لأبقى على تواصل بالمسجات مع الجريدة وصلني مسج من القاصة بشرى الوهيبي تبلغني عن ضرورة حضوري لقاء مع الصديق القاص محمد اليحيائي المقيم في واشنطن والذي يعمل في قناة "الحرة " حيث يقوم بزيارة لبلده وكان موعد اللقاء في مقهى زاخر بالخوير الساعة الثامنة من مساء الثلاثاء 5.6 ابتسمت وثبت الموعد وواصلت متابعتي للأمسية بعد قليل اهتز الموبايل ثانية وبدون اسم ,كان المسج من المديرية العامة للطيران المدني والارصاد الجوية قرات كلماته التي تقول "اعصار مداري من المتوقع أن يؤثر على المنطقة الشرقية (رأس الحد ومصيرة ) خلال 30 ساعة القادمة مصحوب بعواصف رعدية شديدة ورياح قوية وأمواج عالية جدا "!! أجلت نظري فيما حولي وجدت الوجوه هادئة مستمتعة بالأمسية وكانت هواتفهم النقال تهتز بفعل المسج الذي وزع على جميع المشتركين بالخدمة ورغم ان الخطر لم يكن قريبا الا انني تذكرت بقوة نبؤة الكاهن الهندي الذي كذبه الجميع فاحتشدت السماء لتؤكد صدقه !!!
إعلان حالة الطواريء
و خرجت الصحف العمانية يوم الثلاثاء الموافق 5.6 بعناوين بارزة تتحدث حول الاعصار على صفحاتها الأولى ومنها جريدتنا "الشبيبة " التي كان "مانشيتها"الرئيس هو " السلطنة تعلن الطوارئ لمواجهة إعصار "جونو"ومما جاء في صفحتها الأولى " تم إجلاء سكان ولاية مصيرة بالكامل تحسبا للاعصار بينما شهدت القرى الساحلية الممتدة على الشريط الساحلي من نيابة رأس الحد وحتى القرى الواقعة جنوب نيابة الأشخرة والبالغة أكثر من 30 قرية عملية نزوح غير عادية للسكان كما تم إخلاء المواطنين بالمناطق الساحلية بجعلان بني بوعلي بينما رفض المواطنون في ولاية جزر الحلانيات ترك مساكنهم. وحث المفتش العام للشرطة السكان على الانتقال من المناطق المعرضة للخطورة نتيجة الأعصار خاصة جزيرة مصيرة وجزر الحلانيات الى مناطق أكثر آمنا مؤكدا جاهزية شرطة عمان السلطانية وبالتعاون مع الجهات الحكومية الأخرى لتوفير المأوى لهم والغذاء طوال الفترة الحرجة حتى مرور الاعصار. واشار الى أنه تم اعلان حالة الطوارئ في قوات السلطان المسلحة وشرطة عمان السلطانية وبقية الجهات الأخرى موضحا أن شرطة عمان السلطانية قامت بنشر سيارات الدفاع المدني في المناطق المتوقع تعرضها للاضرار وستقوم قوات السلطان المسلحة بالتنسيق مع الجهات الحكومية الأخرى مثل الصحة والتعليم والكهرباء والاتصالات والمواصلات باستعداداتها فيما يمكن توفيره في مثل هذه الظروف. ومن جهة أخرى أفاد بيان صادر عن المديرية العامة للطيران المدني والارصاد الجوية أن صور التوابع الاصطناعية والتنبؤات العديدة في بحر العرب تشير الى استمرار تحرك الاعصار المداري تجاه السلطنة بسرعة 18 كم في الساعة مصحوبا بأمطار رعدية غزيرة ورياح شديدة تتراوح سرعتها حول مركز الاعصار بين 100 و110 عقد (185/205 كم) ساعة وتؤدي الى هيجان البحر بأمواج عالية جدا. وأضاف البيان أن آخر خرائط التنبؤات العددية تشير الى استمرار تحرك الاعصار المداري باتجاه سواحل السلطنة ومن المتوقع ان يبدأ تأثيره على سواحل المنطقة الشرقية خلال الساعات القادمة"
بانتظار البرابرة
كنت مستمتعا بإنشغال الناس بهذا الحدث القادم وتحضيراتهم له من باب ان الناس نسوا في زحمة هذا الانشغال بالحدث الجلل همومهم اليومية الصغيرة التي كانت تتركزحول التسابق باقتناء المواد الاستهلاكية من المعارض او مشاكل خادمات المنازل او في احسن الاحوال الحديث عن إجازة الصيف وأين يمكن لهم ان يقضوها!!. واعتبرت ايضا ان مثل هذه الاحداث يمكن ان تغير من إيقاع الحياة الرتيب والممل أحيانا , الملل الذي يدخل أيامك في دائرة التكرار بل ان أمر الاعصار بدأ يأخذ شكل الترقب الذي تحدث عنه (قسطنطين كانافي) في قصيدته (بانتظار البرابرة)!! التي قرأناها بترجمة بديعة للشاعر سعدي يوسف وفي بعض مقاطعها يقول:
ما الذي ننتظره مزدحمين ؟
والآن ... ماذا نفعل بدون برابرة ؟ لكن إنتظار الإعصار لم يطل طويلا !!!لقد جاء أسرع مما كنا نتوقع !! بل وأكثر قسوة !!
المشهد الثاني مدن تئن وذكريات تغرق لا تخافي علي ّ من نفخات الأعاصير وفيضانات الأودية والأمطار المرّة * * لا تخافي عليّ من الحروب الدائرة رحاها في السماء السابعة ومن حجارة الطير
* * لا تخافي عليّ من الصواعق والغياب الأبدي للهواء الطلق الذي بدأ ينفد من رئة الشجرة لا تخافي عليّ من السحاب الثقال * * لا تخافي فقلبي مترع بالعواصف منذ أن طوقته ب(طوق الحمامة ) منذ ان .... .... أليس حبك أقوى إعصار قوّض مدني الآمنة !!؟
كانت إرشادات الدفاع المدني قد بدأت تمارس دورها في نشر التعليمات الواجب اتباعها لتقليل الأضرار التي يسببها الاعصار وذلك أثناء مرور موكبه المبجل !! وطلبت الشرطة من الذين يسكنون على بعد كيلومترين من البحر ترك منازلهم – سكني يقع على بعد كيلومتر واحد !!- و قد أكدت هذه التعليمات على ضرورة :اللجوء إلى المباني المناسبة التي تستطيع الصمود في وجه الرياح، مع تدعيم النوافذ والفتحات في هذه المنازل وعدم الخروج من المنازل إلا بعد إنتهاء الإعصار بشكل تام والإحتفاظ بمصابيح يدوية وشموع في المنازل تحسباً لإنقطاع التيار الكهربائي والإبتعاد عن الأشجار العالية خشية سقوطها و عدم إبقاء المركبات قريبة من الأشجار قدر الإمكان وإغلاق جميع النوافذ والأبواب والفتحات لمنع تسرب مياه الأمطار إلى المنازل قدر الإمكان والإحتفاظ بالأدوية الضرورية للأطفال والمرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة وفصل التيار الكهربائي في المنازل أثناء مرور الإعصار عن الأدوات الغير ضرورية بالمنزل وتثبيت الأشياء المتطايرة في المنازل والحدائق وخاصة صحون الإلتقاط الهوائي (الدش) وعلى الشركات المنفذة للأعمال الإنشائية التأكد من ثبات مواد البناء في موقع الإنشاء وعدم إستخدام الهاتف النقال أثناء حدوث الصواعق.
مزحة ثقيلة
كان زميلي في الجريدة الفلسطيني بشار أبو صلاح يعيد على مسامعي صباح الثلاثاء هذه التعليمات وكنت – بيني وبين نفسي- أكاد أن أنفجر من الضحك خصوصا انه كان يتكلم بانفعال شديد وبأداء مأساوي !!فالأمر بالنسبة لي لم يكن أكثر من مزحة ثقيلة من مزح الطبيعة !! ولكنني بعد أقل من عشرين ساعة تذكرت وصاياه وأنا أرى الماء من نافذة الطابق الثاني من المنزل وقد وصل الحزام وكانت قد بركت سيارة كبيرة أمام بيتنا وتسلل الماء الى الداخل وعلى وجه السرعة استعان ركابها بسيارة أخرى ( ذات دفع رباعي ) فاستطاعت بعد اكثر من ساعة من المحاولات اخراجها , وخلال ذلك اتصل بي الأخ بشار ليطمئن على انني نفذت كل وصاياه فأكدت له انني نفذتها بحذافيرها !! لذا فأنا في منجى من (الطوفان ) القادم فأبلغني ان مجموعة من العراقيين تسكن على بعد أمتار من بيتنا بدأت تستغيث وانه اتصل بالطواريء وبالفعل تم اجلاؤهم من المكان –في هذه الأثناء بعد جلاء الغمة وانا أسرد هذه الوقائع مساء الأحد الموافق 10.6وصلني (مسج ) يقول " ترجو وزارة الصحة من المواطنين الكرام عدم الشرب من مياه البرك والمستنقعات نظرا لخطورتها البالغة وتدعو كل من يستخدم مياه البرك تسخينها قبل الاستخدام والحافظة على النظافة الشخصية منعا لانتقال الأمراض " وقبل قليل جاءني الصديق الشاعر فيصل العلوي قادما من (السويق) حاملا لي كارتون مياه الشرب التي اشتراها من تلك المدينة التي لم يصل اليها ذراع الاعصار وكل هذا حصل لأني لم آخذ الأمر بجدية لذا وجدت نفسي (كساع الى الهيجا بغير سلاح) ولم اخذ الاحتياطات اللازمة لمواجهة حدث كهذا!!!
طائر القلق في الوقت الذي نزح الكثيرون عن المناطق المنخفضة والقريبة من السواحل الى المناطق الآمنة متتبعين ارشادات الشرطة السلطانية بقيت في سكني بمنطقة القرم التي كانت مركز نبوءة الكاهن الهندي وهي التي تعرضت كثيرا للأودية لقربها من البحر بل لم أخذ مؤونة كافية من الطعام والشراب بل حتى لم أشحن (اللاب توب) و(الموبايل) ولم اشتر الشموع تحسبا لانقطاع التيار الكهربائي عند هبوب الاعصار ولم نخزن المياه بل كان كل شيء بالنسبة لي طبيعيا في وقت بدأت به السحب بالاحتشاد في سماء مسقط وعشش طائر القلق على رؤوس الجميع وبدأت اتلقى اتصالات من اصدقائي في الخارج يطلبون مني الابتعاد عن الاماكن التي يطالها الاعصار وكنت أكرر على مسامعهم: لا تقلقوا نحن العرافيين اعتدنا على الكوارث واعصار كهذا هو بمثابة طبق (سلطة) ازاء كوارث عشناها وأردد:
مرت عليّ مصائب لو أنها
مرت على الأيام صرن لياليا كوارث عراقية
والحقيقة إن كوارثنا نحن العراقيين من نوع آخر فلم ار على إمتداد عمري الذي بلغ السادسة والاربعين كارثة من الكوارث الطبيعية سوى الاحساس بخطر الفيضان دجلة لم اكن قد ولدت عن وقوع فيضان 1954 واذكر في مطلع السبعينيات كثر الحديث عن عامة الناس عن قرب حدوث فيضان لنهر دجلة واشيع حينها ان الفيضان سيصل الى قامة رجل!! فانتشر الذعر بيننا وكنا نشعر اننا هالكون لا محالة فقاماتنا كانت لاتصل الى نصف قامة رجل فكيف يمكننا النجاة!! ثم مر الامر بسلام ولم يحصل الفيضان وخلال ادائي للخدمة العسكية في معسكر تدريب الموصل عام 1987 أخذونا الى نهر دجلة لملء العديد من (الجواني) بالتراب ورصفها على امتداد النهر والمكوث طوال الليل في حراسات مناوبة لمتابعة ارتفاع منسوب المياه ولم يفض النهر!!. سوى هاتين المواجهتين الباردتين مع الطبيعة لم أشهد شيئا لذا لم اتخيل أن الطبيعة الحانية على أبنائها يمكن لها أن تغضب بهذا الشكل المدمر وتحدث كل الخراب الذي أحدثته في شوارع مسقط الجميلة النظيفة التي بدت صبيحة اليوم التالي من هبوب الاعصار كأنها مدينة مهجورة فأشجارها السامقة التي كانت تحف بالشوارع سقطت مجدلة على الارصفة وانهارت بعض الشوارع الإسفلتية وكسر تيار الماء العنيف الجاري من الاودية مئات المحلات وسحب محتوياتها ليرميها على الارصفة وارتفعت تلال الاطيان لتصل الى سقوف هذه المحلات التي وصل الماء فيها الى الطابق الثاني كما اكد لي احد رجال الشرطة الذين كانوا يحرسون هذه المحلات من اللصوص الذي يستغلون هذه الكوارث فينهبون ما لم تطله يد الاعصار الذي وانا ارى اثارة الآثمة لم اصدق انه يمكن ان يكون بهذه القسوة وان الطبيعة يمكن لها ان تتحول برمشة عين من ام حانية على ابنائها الى وحش كاسر ينشب انيابه في جسد الجمال بكل شراهة وقسوة وبرودة دم.
الدولة الأولى الأكثر أمنا في الشرق فالسلطنة التي نشرت يوم الاثنين الموافق 4 من الشهر الجاري أي قبل يوم واحد من هبوب الإعصار على صفحاتها الأولى نتائج دراسة اعدها مؤشر السلام العالمي (جلوبان بيس انديكس) نبأ اختيارها الدولة الأولى الأكثر أمنا في الشرق الاوسط وشمال افريقيا واحتلت المرتبة الثانية والعشرين على مستوى العالم بينما جاءت الولايات المتحدة الامريكية بالمرتبة (96) وبلدي العراق بالمرتبة الاخيرة وهي (121). ولكن الطبيعة التي لا يمكن لنا أن نحرز تقلباتها لها كلمتها الثقيلة والموجعة والتي تخل بكل الموازين والتوقعات من خلال إعصار (جونو) الذي لم يحصل شبيه له الا في عام 1947 بل زاد عليه فارتفاع منسوب المياه بلغ 600 ملم والمياه بلغت في بعض البيوت الى الطابق الثاني فاستغاث سكانها برجال الشرطة الذي سارعوا الى انقاذهم من موت محقق وقد حالت جاهزية رجال شرطة دون وقوع العديد من الخسائر في الارواح بلغت الخسائر حتى كتابة هذا المقال 45 شخص و25 مفقود ما تزال طائرات الهليكوبتر تحلق فوق رأسي بحثا عنهم في منطقتنا ـ القرم ـ التي تضررت كثيرا من الاعصار ولم تكن هذه الاضرار تذكر بالنسبة للأضرار التي سببها الإعصار في ولاية (صور) في المنطقة الشرقية
(صور العفية ) تئن اذ تلقت مدينة صور التي تلقب ب(صور العفية ) كناية من العافية ضربة موجعة حيث ذكر مراسل جريدتنا في صور مبارك المعمري في آخر تقرير أرسله قبل قطع الاتصالات " شهدت حالة الطقس منذ الصباح الباكر ليوم الثلاثاء تغيرات واضحة في الاجواء من حيث السحب التي غطت السماء وهطول الامطار الغزيزة على الولاية وفي بعض الاحيان تصعب الرؤية بسبب الرياح والامطار الغزيرة وبصورة متقطعة مما أثر ذلك على هيجان البحر وارتفاع الامواج عند العيجة ونعمة والشريه والرصافة وبربويرة مما صعب من مهمة التنقل على الشارع العام المؤدي لمنطقة الغليلة في إتجاه الغرب حيث موقع الشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال والشركة العمانية الهندية للسماد ومع غزارة الامطار وتأثر حالة الطقس بفعل اعصار (جونو) لا تزال الأوضاع في صور خلال اليومين الماضيين صعبة وسارع المواطنون والمقيمون الى شراء المستلزمات الضرورية وخاصة المواد الغذائية تحسبا للظروف الصعبة كما ان الوقود قل في محطات تعبئة البترول بسبب الازدحام حيث ترك السكان منازلهم وتوجهوا الى المناطق البعيدة مثل جعلان واستراحة القابل وابراء والبعض منهم غادر المنازل القريبة من الشاطئ والتي تبعد (2) كيلو متر وأكثر الى الشقق الفندقية البعيدة تلك كانت بعض التأثيرات التي تسبب فيها الاعصار المنتظر وصوله في الجانب الآخر فإن الامطار تراوحت بين الشديدة والتي تعذرت معها الرؤية والخفيفة وكانت مصحوبة بالرعد والبرق مما أدى الى صعوبة التنقل. بعض المؤن أستنفدت خاصة الخبز والذي كان يباع في طوابير ومن خلال الحجز. الوضع كان مرعبا بالنسبة للمقيمين على أراضي صور ومناطق مخا ونعمة والشريه والرصاغ (المرتفعة) القريبة من الشواطئ كانت شبه خالية بعد انتقال الأهالي الى المناطق الاكثر أمنا وكانت السحب كثيفة وأصحاب السفن والقوارب الصغيرة كانوا في حالة هدوء قبل امس الاول نقلوا سفنهم وقواربهم الى اماكن اكثر أمنا مثل ميناء الصيد البحري بصورة وخور الصط فهذه الاماكن تمثل هدوءا ولن تتأثر بما يحدث في عرض البحر. شرطة عمان السلطانية تقوم بدور كبير على الشواطئ والطرقات والأودية حيث نزل وادي الجنية والذي يصب في بحر الرضاغ وفي حالة شدته يصعب التنقل ما بين وسط المدينة ومناطق الجنية والبر وحي الشروق لساعات طوال وكان الهواء شديدا من جهة الغرب وكان يغير اتجاهه فيأتي من جهة البحر. ومنذ الصباح وعند الساعة العاشرة صباحا من يوم الثلاثاء أغلقت المحلات التجارية.
ذكرياتنا تغرق فندق شاطئ صور عزل وتم إيقاف الانترنت والفاكس فيه وتم نقل المقيمين فيه الى أماكن اكثر أمنا بسبب قربه من البحر وارتفاع الأمواج وهذا الفندق هو الفندق الذي أقمنا به مرتين الأولى كانت عند انعقاد مهرجان الشعر العماني الخامس حيث جمعتنا جلسات طويلة مع الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي والشاعر اليمني الراحل محمد حسين هيثم والتونسي نور الدين صمود والشعراء العمانيين سعيد الصقلاوي وحسن المطروشي ومحمد البريكي وآخرين والمرة الثانية خلال اقامة الملتقى الأدبي الثاني عشر صيف العام الماضي - وكنت عضو لجنة تحكيم الى جانب الناقد المغربي الدكتور علال الغازي الذي انتقل الى رحمة الله صبيحة عيد الفطر بعد تعرضه الى حادث سير مؤسف – وحين علم بوجودنا حينها الصديق الفنان سالم بهوان –حيث ان والده صاحب الفندق – اتصل بادارة الفندق لتضع في غرفتي باقة أزهار جميلة ولم يكتف بهذا اذ زارنا في اليوم الأخير من الملتقى عادت الى رأسي هذه الذكريات وأنا أتخيل الخراب الذي أصاب الفندق اليوم !! هذا الخراب انتقل بعد ساعات من ذلك الى مسقط وأي خراب !!!!؟
المشهد الثالث حبل الفجيعة يلتف على عنق (مسقط ) تحت ضربات سياط الإعصار أتذكر أمي كم كانت ستقلق لو كانت...!!! ربما أكثر منك أو أقل وفي كل الأحوال أكثر مني بالتاكيد كم كانت ستقلق لو كانت ...!!! .... لكن لحسن الإعصار انه تأخر حتى أخذها إعصار الموت
كنت قد ذكرت إنني نهضت فجر الأربعاء على صخب المطر فأدركت حينها ان الواقعة وقعت !!! وبسرعة البرق هرعت الى التلفزيون وكان المطر قد أثر على البث فتوقف النايل سات بالكامل وكذلك الهوت بيرد وحين حدث خلل في الفضائية العمانية تنقلت بين القنوات فعثرت على الفضائية العراقية وكان بثها طبيعيا مثل بقية الأيام قلت ربما سمعت خبرا عما يحصل في السلطنة من نافذة العراق !! وبينما كنت أتتبع احصائيات عدد القتلى في الحوادث اليومية بشريط الأنباء المتحرك رأيت برنامجا جديدا عنوانه (تحت نصب الحرية) أعادني العنوان الى ديوان صديقي الشاعر عدنان الصائع فتابعت (تايتل) الاسماء فوجدت اسم الصديق الشاعر وجيه عباس مقدما ومعدا له فانشددت أكثر الى الشاشة ملقيا خبر الاعصار ونبوءة الكاهن الهندي خلفي !! رشقات مطرية وبعد أن انتهت الحلقة أردت أن أحيي صديقي وجيه على برنامجه عبر رسالة أوجهها عبر الايميل , فتحت جهاز الكمبيوتر وشغلت (الانترنت) لكن كانت الشبكة ضعيفة وهنا صاحت زوجتي التي كانت تنظر الى الشارع من خلال النافذة , فهرعت اليها لأجد عمود الكهرباء استلقى على بيت الجيران بفعل قوة الاعصار وخلال متابعتنا للمشهد رأينا الماء قد بدأ يتدفق الى بيتنا من خلل ثقوب الابواب والنوافذ حيث كانت رشقات المطر تصطدم بها!! اخذنا نزيح الامطار بكل ما امتلكنا من آنية وقطع قماش نردم بها الشقوق دون جدوى وعندما سيطرنا على الموقف عدت انظر الى عمود الكهرباء المستلقي على بيت الجيران وحين سألناهم هن الحال أجابوا :ان الكهرباء قد قطعت عن المنزل قلت : يمكننا مساعدتكم بتزويدكم بالماء البارد ويمكننا فتح الثلاجة لأطعمتكم فشكرونا وكنت أعرف إن هذا لا يكفي فالتيار الكهربائي يمثل عصب الحياة في منطقة الخليج لارتفاع درجات الحرارة والرطوبة التي تجعل حتى التنفس صعبا !! وعدت الى الكمبيوتر فوجدته مطفأ وكذلك جهاز التكييف والتليفزيون قلت لزوجتي: قولي للجيران لقد تساوينا في البلاء " المشكلة إن كل تفاصيل حياتنا تدخل الكهرباء في تشغيلها من أدوات الطبخ الى آلة الحلاقة وفرشاة الأسنان. توقف نبض الحياة
بعد قليل اتصل بي الأستاذ ( مجدي الشاذلي ) مدير تحرير جريدتنا "الشبيبة " من مكتبه ليقول لي إن الجريدة لن تصدر غدا ويمكنني إبلاغ محرري القسم وكانت أوامر الادارة قد ابلغتنا ان الجريدة تصدر الخميس الا في حالة حدوث ظروف قاهرة تمنع المحررين والفنيين وعمال المطبعة من الوصول الى مقر الجريدة رغم تمتع القطاعين العام والخاص بإجازة رسمية تمتد لغاية نهاية دوام السبت القادم بأوامر عليا حيث جاء في نص البيان " بناء على الاوامر السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم - حفظه الله ورعاه – ونظرا لتعرض السلطنة للاعصار المداري (جونو) خلال هذه الفترة والذي من المتوقع ان يستمر خلال الايام القليلة القادمة فقد تقرر ان تكون اجازة رسمية لكافة وحدات الجهاز الاداري للدولة اعتبارا من يوم غد (الاربعاء) 20 من جمادى الاولى سنة 1428 ه الموافق 6 من يونيو سنة 2007 م وحتى نهاية يوم السبت 23 من جمادى الاولى سنة 1428 ه الموافق 9 من يونيو سنة 2007 م"
عندها أدركت ان الواقعة قد وقعت بالفعل وإن نبوءة الكاهن الهندي في طريقها الى التحقق رغم تأخر حدوثها لمدة شهر كامل – البعض فسر هذا التأخر بأن الكاهن الهندي قرأ النبوءة قراءة رقمية عكسية فبدلا من أن يقرأها 5.6 انقلبت عنده فقرأها 9.5وهذه من عجائب الأرقام !!! – فالاعصار دخل السلطنة يوم 5.6 وغرقت منطقة القرم وحين مررت على مركز الشرطة الذي سجل به ذلك الكاهن القضية وجدته غارقا بالماء كما تنبأ !!!- تذكرت بيتا للشاعر نزار قباني يقول به: حبل الفجيعة ملتف على عنقي من ذا يعاتب مشنوقا اذا إضطربا
فوجدت إن حبل الفجيعة قد التف على عنق مسقط الجميلة التي كان انتظامها يبعث في نفسك المسرة يقول الأب توما " ان الحواس لتسر من رؤية الأشكال المنتظمة " ولكن جوهر الكوارث يقوم على بث روح الفوضى وأية فوضى أأ؟
كانت الأمطار تواصل تسربها الى داخل البيت وكنت قلقا على المكتبة قالت زوجتي "يمكنك نقل أهم الكتب الى الطابق العلوي" لكنني لم أستسغ الفكرة لصعوبة العملية في ظل ظرف نحتاج به الى الجهد العضلي لإزاحة الماء المتسرب الى داخل البيت
أطلال (بيروت )
وهنا جاءني إتصال من صديقي الكاتب (حسين الجفال) من السعودية فمطمأنته على الوضع مذكرا إياه بعدد من الطرائف التي حدثت خلال زيارته لمسقط قبل أيام وخصوصا لقاءنا في مطعم بيروت بالقرم في دعوة أقامتها على شرفه الشاعر ريم اللواتيا وحضرها كل من إبراهيم السالمي وباسمة الراجحي وحنان المنذري وفاطمة الشيدي وأزهار الحارثي , صباح الخميس بعد ساعات من توقف هبوب الإعصار مررت بالمطعم فوجدته قد دمر بالكامل ووصلت أطيان الوادي الى سقفه الثاني الذي جلسنا به حيث سمعت رنات ضحكاتنا وهي تتهاوى وسط الاطلال اطلال (بيروت)!. استمر حديثي مع الجفال قلت له : أتعرف ماذا كنت أفعل قبل أن يأتيني اتصالك؟ قال ضاحكا : أعرف .. تكنس الماء وهل بقي لك شيء آخر تفعله ؟ قلت له : نعم , هناك شيء آخر...انني أكتب شعرا فصرخ وكان يعرف انني لم اكتب شعرا منذ أسابيع :معقولة؟ ريم اللواتي تقول انها تفعل الشيء ذاته !! هل كنتما بحاجة الى إعصااااااااااار لتكتبا الشعر؟ فضحكنا طويلا حتى استدرك قائلا " أخاف على بطارية (موبايلك) من النفاذ وداعا ". وقد دون الجفال هذه التفاصيل حيث طلبت منه شهادة فكتب نصا جميلا عنوان "بعد أن ذهب الاعصار بعيدا ما الذي بقي في الذاكرة" جاء فيه "الوقت اسبوع قبل الإعصار ، بريد مني إلى الأصدقاء في عمان ، الخبر يقول : إعصار في بحر العرب سيضرب عمان ودول الخليجي .. الرجاء اخذ الحيطه.ملاحظه : مرفق أربع صور بالأقمار الصناعية بعد اسبوع .. ألو : معاوية كيف انتم؟هو : نحن بخير ، المياه تغطي المكان .. يا الله يا حسين .. التعاون هنا بين الناس يأخذ الصورة الأبهى .. انقطع الاتصال. ألو : زهران ، كيف أنت؟هو : أنا بخير ، أمطار غزيرة فقط .. اطمئن حسين إطمئن. شكرا على إتصالك .. إنقطاع. ألو : عبد الرزاق .. ألو عبد الرزاق .. شلونك مع الإعصار؟ هو : والله قاعدين ننسف الماء ، تعبنا وما باين راح يتوقف ! حسب المعلومات الساعة الحادية عشر راح يصل إلى مسقط .. لم أغادر القرم ، لم أبتع أي شيء.. إنقطاع. ألو : الاستاذة باسمة مرحبا ، كيفكم يا رب؟هي : أنا بخير ، عالقة بالإذاعة منذ الأمس .. لكنني بخير . شكرا على اتصالك ... إنقطاع. ألو : أستاذة ريم مرحبا ، المدام والأولاد قلقين عليكم ، كيف انت والعائلة ؟ هي : نحن بخير حسين الكهرباء مقطوعة ، منسوب المياه كبير وبارتفاع ، بعض الإنهيارات قطعت الطرق .. بعد ربع ساعة سيضرب العاصمه .. دعاؤكم .. إنقطاع.إتصالات متلاحقة للإصدقاء كيما نطمئن عليهم .. لكن في الجانب الآخر قصص وحكايا ، ترى ماذا بقي في الذاكرة ! ! "
اتصلات ورسائل قصيرة كانت مكالمة الجفال الأخيرة قد نبهتني الى خطر محدق جعلني أسأل نفسي :ماذا لو نفذت البطارية ؟ من أين سأشحنها ؟وكم ستقاوم هذه البطارية ؟ يوما ؟ يومين في أحسن الأحوال ؟ خلال ذلك إتصلت القاصة باسمة الراجحي قالت لي انها لا تزال في مقر الاذاعة في الخوير وطلبت مني ان الزم البيت ولا اغادره ملقية اللوم علي لأنني رميت نصائحها التي أمطرتني بها الثلاثاء مثلما رميت نصائح صديقي بشار أبو صلاح وارشادات السلامة العامة !! وأخيرا سألتني عن إمكانية مغادرتي (القرم) الأن ؟ طمأنتها وقلت لها : طوبى لمن دخل في التجربة !! وأضفت : كم مرة يشهد الانسان في حياته إعصارا ؟ لماذا نفرط بفرصة كهذه ؟ فرصة مجابهة خطر نادر الحدوث في بلداننا كخطر الاعصار ؟ كم مرة ...؟ وقبل أن أكمل استاذنت باسمة وقالت "آسفة إشارة المخرج تقول انني سأكون بعد لحظات على الهواء " وماكدت أغلق الهاتف حتى إتصلت بي شقيقتي الصغرى بشرى من بغداد ناقلة لي قلق اخوتي علي وعادل ومحمد وعدنان ونضال طمأنتها وقلت لها : كل شيء يمكن السيطرة عليه لكن انقطع التيار الكهربائي فصرنا مثلكم بلا كهرباء " واختتمتها بضحكة مجلجلة إستفزت زوجتي التي كانت منشغلة بازاحة الماء فساعدتها ثم قطع يد عون مساعدتي لها إتصال من صديقي الدكتور أحمد الدروسري من الامارات وكان قد اتصل بي قبل ذلك من دمشق وصديقي القاص وارد بدر السالم من الإمارات أيضا وكان قلقا خصوصا إنه سمع إن الإعصار بعد ان ينتهي من (تدميرنا ) سيتوجه الى الامارات حسب تنبؤءات الأرصاد الجوية , لكن الإعصار غير الخطة لاحقا !! قلق في الجانب الآخر قال الدكتور سعيد الزبيدي الذي إتصل من ولاية نزوى التي كانت في منأى عن الاخطر ان الصديق الشاعر علي عبدالامير اتصل به من واشنطن يسأل عني فشكرتهما واتصلت الفنانة فخرية خميس من (بوشر) قالت ان الماء قد غطى الشارع العام الملاصق لبيتها وغمر سيارتها وسيارة زوجها بالكامل !! ووصلتني –لاحقا – رسائل من الصديق الشاعر فضل خلف جبر والفنان رعد بركات من مشيكان وكتب الدكتور علي ثويني من ستوكهولم "قلبي عندك من تلك الأهوال،وما عندي غير التضرع للمولى أن يحفظك ويبعد عنك أي مكروه. فقد كانت أخبار مسقط مهولة ومكثت أراقب آخر الأخبار،وهواجسي وخوفي على السلطنة التي دائما ما أشعر قربها من خاطري ،وإن أهلها لا يستحقون إلا كل الخير و الرحمة السماوية واللطف الرباني ومازلت أتابع الأحداث،وعسى أن تمضي الأزمة وتعود الحياة على ما كانت عليه وأن كان ثمة حملات تطوعية لمساعدة الإدارات والمؤسسات ، العمانية أو أي صيغ للمعونة أو( الفزعة) ،فسوف لا أدخر جهدا وسأحضر دون تردد لمعاونة هؤلاء الأخوة الكرام حماك الله وإياهم من أي مكروه" ومن السويد أيضا كتب الشاعر حسن الخراساني وعبدالحفيظ العدل والشاعرة خلود الفلاح من ليبيا والقاص زيد الشهيد من السماوة وعلي حسن الفواز وطاهر مسلم علوان و الفنان جبار المشهداني والأستاذ رياض المرسومي من بغداد وضياء الجبيلي من البصرة و الشاعرة خلود المعلا من الامارات والفنانة هديل كامل من دمشق والكاتبة رشا فاضل من تكريت والدكتور حاتم الصكر والشاعرة نادية مرعي من صنعاء والمخرج المسرحي قاسم زيدان من الامارات واتصل النحات أحمد البحراني من الدوحة والدكتورة وجدان الصائغ والدكتور صبري مسلم من ذمار اليمنية ومن السويد اتصل الدكتور علي ثويني الذي يحمل في قلبه مودة خاصة لمسقط والعمانيين وطمأنني الشاعر سماء عيسى على بيته وبيت الفنان والناقد التشكيلي شوكت الربيعي الذي يقع قريبا منه في الغبرة بمسقط وهي من المناطق التي صال ت بها الوديان وجالت !!وكذلك طمأنني الشاعر ابراهيم السالمي والدكتور وليد محمود خالص وأحمد الجلنداني الذي أكد إن الوضع في (سمائل ) جيد وكان من المفترض أن يتوجه زميلنا في الجريدة حمدي عيسى عبدالله الى بلده الجزائر لكن توقف الطيران جعله يجلس أمام الحقائب محدقا في المجهول !!ومن بغداد إتصلت الدكتورة اخلاص الطيار ومن مكان قريب من منزلي بمسقط اتصلت الدكتورة آسيا الشمري تستغيث به لأن الماء دخل بيتها الملاصق لبيت الفنانة فخرية !!! وعاد القاص وارد بدر السالم ليتصل ثانية ويبلغني إن الماء غمر سيارة الدكتور صبيح كلش بالكامل ووصل الى النوافذ اتصلت بالدكتور صبيح فلم يجبني!! ضحايا عديدة رن هاتف زوجتي , وبعد لحظات قالت للمتصل : هل أنت متأكد ؟ هل اتصلتم بالطواريء ؟ ماذا قالت الشرطة؟ لا تستعجلوا .. الله يعيده سالما سألتها: ماذا حصل؟ أجابتني:هل تتذكر الدكتور حامد صديق أخي حمد ؟ أجبتها: هل حصل له مكروه؟ أجابت ودمعة تترقرق من عينيها : لقد جرفه التيار مع سيارته قلت :لا حول ولا قوة الا بالله كان الدكتور حامد الأستاذ الجامعي الحاصل على درجة الدكتوراه في علوم الفيزياء قد عاد من كندا الى بلاده بعيد سنوات طويلة من الغياب حاملا الكثير من الطموحات وكان يتحدث عن هذه المشاريع على مائدة العشاء منزلنا قبل أسابيع قليلة , وظل البحث عنه جاريا حتى عثرت الشرطة على جثته بعد ثلاثة أيام من البحث !!!وهو واحد من ضحايا الاعصار .
السقوف الطائرة تعقد الوضع والأمطار ظلت تسقط بغزارة مع هبوب قوي للرياح واتصل الشاعر عبدالوهاب الحلي الذي غادر بيته الى مزرعته قريبة من مسقط واتصل الدكتور غالب المطلبي من ولاية عبري وكذلك هاتفني نورس الطائي ثم انهالت على المسجات من رشا فاصل من تكريت وأخي عدنان من بغداد وخميس السلطي الذي كان قلقا على أهله في (صور)التي ابتدأ الاعصار ضرباته الموجعة بها فدمر الكثير من البيوت والمحلات والمنشآت وفاضت الشوارع , أما مديحة عثمان التي تعمل معي في القسم فقد قالت لي عبر ( مسج ) إن سقف بيتها قد طار وكانت قد غادرته , وكتبت لي ريم اللواتيا من مكان ما من مسقط انها قلقة وكذلك الشاعر سماء عيسى ثم عاد الصديق حسين الجفال يتصل ليبلغني إن الضفادع البشرية نزلت في منطقة القرم لتنقذ العديد من الغرق حسب ما ورد في الأخبار ووصلني (مسج) من الصديق الفنان نصير شمة الذي قال" عزيزي أحاول الاتصال دون جدوى وأرجو أن تكونوا بخير ,أنا قلق جدا عليكم " دموع على الهواء
وكان الصديق الكاتب المسرحي يوسف اللمكي يتصل بي بين وقت واخر من (الرستاق ) التي سقطت بها أمطار بلغت عشرة اضعاف النسبة المتوقعة ولكن التيار الكهربائي كان ساريا لذا أمكنه أن يتابع ما ينقل عبر الفضائية العمانية حيث كان الزميل (خالد بن صالح الزدجالي) على الهواء يتابع مستجدات هبوب الاعصار أولا باول وينقلها لي لأعرف ما يجري وكانت الاخبار تدعو للفزع حتى انه لم يتمالك نفسه فأفلتت بضع دمعات من عينيه حاول اخفاءها تحت ورقة بيده لكنها لم تفلت من عدسة الكاميرا فلاحظها الملايين من المشاهدين الذين كانوا يتابعون مستجدات الاعصار في عواصم عديدة من العالم قلت للمكي : أمعقول هذا؟ الزدجالي صاحب خبرة طويلة في العمل الاعلامي التي تبلغ حوالي ربع قرن كيف لم يستطع السيطرة على انفعالاته وهو على الهواء ؟– قال لي الزدجالي بعد انجلاء الغمة : كان الوضع فوق الوصف , كان كل شيء ينهار أمامي فجأة !! كنت قد تركت بيتي يغرق في ( الحيل) ووصلت مبنى التلفزيون بشق الأنفس وكان المخرج شقيقي (ابراهيم الزدجالي ) يعرف إنني لم انم الليلة التي سبقت وصول الاعصار الى مسقط حيث بدأنا بث البرنامج صباح الثلاثاء " وأضاف " أصعب موقف أصابني بالذعر عندما طالب العقيد عبدالله الحارثي من شرطة عمان السلطانية الناس بأن يصعدوا إلى الطابق الثاني أثناء دخول الماء إلى الطابق الأول أو السطح من الطابق الأول.. هنا أصبت بالخوف والقلق ولكن حاولت أن أخفي مشاعري حتى لا يتوتر الناس... وحول اللحظة التي لا تنساها قال " اللحظة التي سمعت فيها صوت ابنتي (ماوية) وهي تصرخ بأن الطابق الأرضي للبيت قد غرق وانتقلوا للطابق الثاني وسط صراخ أخواتها وأخيها الرضيع والمؤلم بأنني لم استطع الوصول إليهم إلا اليوم التالي لصعوبة الوصول في تلك الليلة... وكان الناس يستغيثون من كل مكان وكنت متألما لمشهد انهيار بيتي الكبير عمان أمام عيني وغرق بيتي الصغير بكل أثاثه وكنت موزعا بين هذا القلق وذاك !! "فلم أتمالك نفسي وبكيت !!-
طوق العزلة
قلت ليوسف اللمكي حينها : قل للاخ خالد تهوين الأمر لئلا يقلق أهلنا في بغداد وأصدقاءنا في العواصم الاخرى فأكد لي إن الزدجالي يسعى الى طمأنة الناس قلت له إذن سأؤكد على هذا الامر عبر (مسج)أبعثه له لكن (المسج) لم يرسل ووجدت ان الارسال قد توقف وكان الدكتور محمد بن علي الوهيبي الرئيس التفنيذي للشركة العمانية للاتصالات قد قال "ان الشركة شكلت فرق عمل لمواجهة الاعصار (جونو) تحسبا لاي اضرار قد يخلفها - لا قدر الله - اثناء مروره على ارض السلطنة، وبخاصة لاعادة اي انقطاع في كابلات الاتصالات الهاتفية في المحطات والمقاسم الهاتفية، حتى لا تتأثر حركة الاتصالات من والى السلطنة، في اثناء هطول الأمطار الغزيرة وجريان الاودية المتوقعة على كافة مناطق السلطنة" ذهبت الى هاتف المنزل فوجدته باردا. اذن أحكم علينا طوق العزلة!
المشهد الرابع
الموت يزحف على النوافذ
"عندما هب الإعصار رأيت السماء تنحني ورؤوس الأشجار تعانق الجذور الموت يزحف على النوافذ يشير لنا بالأصابع محييا تارة ومتوعدا .. العيون تجحظ وأنا... أحبك"
حط الغروب الثقيل باكرا بسبب تلبد السماء بالغيوم والأمطار , وهيمنت علينا حيرة صاحب الحوت وهو يرى نفسه محاطا في ثلاث ظلمات :ظلمة البحر وظلمة الليل وظلمتنا الثالثة كانت ظلمة الإعصار الذي وصفته الفنانة والكاتبة أمل بورتر في رسالة ب(اللئيم ) حيث "يعود بي هيجانه الى الاساطير القديمة والعراك السومري بين تيامات وبقية الالهة ارجو ان يكون قد صفى حساباته القديمة مع البشر وولى" لكنه لم ينته ِ من تصفية حساباته بعد !! نظرت الى الافق وجدت الظلام قد بدأ يلفه بقماش مخيف مليء بالوحشة التي تطبق على ليل مسقط ولا تكسرها سوى أصوات سقوط الامطار بايقاع متشابه لم يتغير وهبوب رياح قوية ذكرتني برياح لم تجعلني انم يوم زرت جزيرة (مصيرة) قبل عامين ومن المفارقات إن خط سير الاعصار كان من المتوقع أن يبدأ من (مصيرة) ثم يواصل سيره الى المنطقة الشرقية وعلى هذا الاساس جرى إجلاء 90% من سكانها لكن الاعصار غير خط سيره ليهجم على صور ورأس الحد ويفتك بهما ليواصل سيره الى مسقط التي كانت تزهو بين العواصم العربية بنظافتها وجمالها و[اطواق الزهور التي تزين شوارعها التي عم بها الخراب وتجندلت جذوع الأشجار !!
القراصنة قادمون من كل الجهات
على كورنيش مطرح بدت آثار إعصار (جونو) واضحة وتحطمت معظم مرافقه التجميلية والرخام الذي يغطي الممر المحاذي للكورنيش وتوقف نشاط سوق مطرح وانتشرت البرك المائية قال لي الصديق الشاعر سيف الرحبي , الذي يعيش بمفرده ,إنه ظل محاصرا بالمياه في شقته لمدة يومين لم يأكل شيئا سوى الخبز و البيض الذي وجدهما في ثلاجته المطفأة وحتى رنين الهاتف الذي ينقل له قلق اصدقائه في اماكن عديدة من العالم توقف عن الزقزقة وساد سكون تام طغى على كل شيء , قال ان أحدهم مازحه بقوله "عنوان ديوانك الجديد الذي صدر مؤخرا عن دار النهضة العربية ببيروت هو الذي جاء بالاعصار !!وكان يعني ديوانه" سألقي التحية على قراصنة ينتظرون الاعصار "وقد تكون هذه نبؤءة شاعر !! يقول الرحبي في هذه المجموعة: "هذه المدينة باوقاتها الخربة المنذورة للهلاك تنمو فيها البنايات والأبراج كسرطانات تفترس جسد الطبيعة وروح الجذور ليزدهر السماسرة القادمون من كل الجهات أهتف باسمك أحمله كتميمة تدفع عني هاتف الانقراض " ولكي لا ينقرض لايجد امامه سوى ان يتساءل : أي لعنة مخبأة بين ضلوعنا أي صرخة يتسلقها جوعى ومقاتلون في حروب عبثية أي كوكب يتداعى في الرأس بمثل هذا العتو والانهيار؟ أي قطار مندفع في براكين الدم تشيعه النظرات الوجلة ليتلاشى في هباء الدخان أي قارب يضمحل في هيجان الغروب ؟"
شعلة مبللة وكانت للدكتور صبيح كلش الذي طلب مني اللجوء الى بيته لأنه كان يعتقد أن منطقة سكناه أكثر أمنا من منطقتنا حكاية مع (الطوفان ) حيث ذكر لي " كان كل شي عاديا واذا بسيول الماء تهجم علينا فجأة وكأنها كانت مختبئة تحت سد فكسرته وأحاطت بنا من كل مكان , وبسرعة البرق وصل مستوى الماء الى النوافذ وكان كل همي أن أنقذ لوحاتي من البلل لأن الماء سال الى المرسم وبسرعة كبيرة نجحت بالتعاون مع أسرتي في نقل كمية من اللوحات الى الطابق الأعلى وبقينا في الطابق الأعلى نراقب الماء الذي غمر السيارة وأتلف (القنفات) وكل ما طاله من أثاث البيت " قبل هذا كنت أظن إن الماء سهلا وودودا واليفا مثل قط أبيض صغير لكنه لم يكن كذلك كان "شعلة مبللة " كما وصفه نوفاليس صديق آخر قال " دخل الماء بسرعة الى بيتنا والبيوت المجاورة ثم خرج ليواصل سيره ولكنه عاد محملا بأثاث البيوت ليلقيها في الشوارع التي صارت معارض تضم مختلف البضائغ المدافة بطين الخراب " وانا أحدق في هذا الطين الناعم والنظيف والمائل الى الحمرة ,والذي نصحني صديق عماني بأن أخذ منه لوضعه في حديقتنا المنزلية الصغيرة لأنه شديد الخصوبة ,تذكرت الخيول التي كنا نصنعها من الطين (الحري) كما كنا نسميه في طفولتنا , كانت صناعة تلك الأشكال هواية جميلة تستهوينا نحن الذين عشنا طفولة بائسة لم نكن نجد ما نلهو به سوى الاستلقاء في أحضان (الفنون الجميلة ) وفكرت :لماذا لم يفكر نحات بأخذ عينات من هذا الطين لإقامة معرض تكون خامته تقتصر على طين الإعصار ؟
غضب خمبابا
وتذكرت صديقي النحات عبدالحميد الزبيدي الذي يقع بيته قريبا من بيتي ,قلت :لابد إنه مر من هنا وخطرت له هذه الفكرة , وتذكرت صديقي نزار الراوي الذي سافر الى إيطاليا لتنظيم معرض ومنها توجه الى القاهرة ومن هناك اتصل بي ليطمئن فأبديت له أسفي على تحطم جانب من سيارته فقال "يمعود ,تروح فدوة , المهم سلامتكم " ثم بعث رسالة الى مجموعة من الأصدقاء وصلتني نسخة منها وهي "الى كل الاصدقاء في مسقط لقد كنت في روما عندما ضرب الإعصار مسقط الجميلة فافسد علي ّ نشوة نجاح معرضنا هناك واستحالت اوقاتي الى قلق متواصل لم يهدّئ منه الا اتصالي بالصديق عبد الرزاق الربيعي الذي طمأنني على الجميع ولسوء الحظ لم أتمكن من الوصول الى أي من تليفوناتكم أو عناوينكم البريدية في الأيام السابقة أرجو الرد علي بسرعة وطمأنتي عليكم ...بحق , كانت فاجعة أن أرى –عبر الفضائيات - جمال مسقط يتهشم تحت جبروت اعصار عتيد ولكن الحياة تستمر والبناء ديدن المبدعين ابداً أتمنى لكم ولكل شئ هناك السلامة والعافية" رسائل أخرى عديدة وصلتني من اصدقاء أحباء من بينهم القاص علي السوداني من عمّان والكاتب ضياء الجبيلي من البصرة ومن الصديق مازن حنا من مشيغان وآخرين. ومن المانيا كتب الصديق أياد الزاملي "مليون الحمد لله على سلامتك ..كم قلقت عليك وأكيد قلقت عليك رشاوي ايضا اكثر مني .. ها انت تخرج من الطوفان سالما برعاية الله .. شاهدت مقاطع قصيرة من هذا الطوفان ارعبتي حقا ..اكتب عن طوفان عُمان ، ستردك الكثير من القصص الانسانية .. حفظك الله وحفظ عُمان وأهلها الكرام " ومن جزيرة تاروت –التي لاأعرف أين تكون – كتب لي الصديق الكاتب حسن دعبل "كنت اسأل الأصدقاء عنك ومسقط والبحر يمور كغضب خمبابا العفريت أتابع ماتكتب ويقينا أنك ستكتب ، عن سنة الطبعة الثانية في ذاكرة الناس "
قرية أشباح
كانت أكثر الأماكن ضررا في مسقط ولاية (قريات ) التي تبعد عن مركز مسقط أكثر من 100 كم يقول راشد البلوشي مراسل جريدتنا "الشبيبة " في (قريات )متحدثا عن حجم الدمار الذي أصابها بقوله "خلف الاعصار وراءه آثارا كبيرة حيث دمر أكثر من 90% من البنى الاساسية من المباني والمحلات التجارية ففي قرية حيل الغاف غير معالمها بالكامل فلم تعد هناك قرية ذات ظلال وارفة الاشجار ولم تعد هناك أشجار المانجو ,فقد جعلها الاعصار قرية أشباح أهلها في الليل لا يعرفون مكانا ينامون فيه يسمعون صراخ الاطفال الذي حرموا من اقل خدمة و(حيل الغاف) التي كانت مرتعا للسياح والزائرين أصبحت قرية بحاجة الى من يمد اليها يد العون والمساعدة حيث وصل منسوب مياه الوادي أعلى ارتفاع له حتى غطى أعلى منارة مسجد في قرية الحيل بمعنى ان الحيل اصبحت بحيرة تسبح فيها الاغنام الميتة أما في قرية دغمر فهذه حكاية اخرى يروى لنا أهلها أن: امدادات الإغاثة مستمرة الى الولاية يتم تجميعها في مكتب والي قريات التي أصبحت مدينة مخيفة بكل ابجديات هذه الكلمة أصبحت الأسر تخاف على نفسها لا نسمع في الليل الا صراخ الاطفال. ويضيف البلوشي " أضحت قرية (حاجر قريات) والتي تشمل السبخة واليديع والرفعة الروائح فيها لا يحتملها الانسان ولو للحظات قرية الحاجر هي الاخرى حكاية سيرويها من عاش لحظات الاعصار وستحكيها الاجيال القادمة فقد غير الاعصار معالمها ولم يعد صاحب المنزل يعرف موقع منزله ولا يعرف حدود مزرعته لقد ساوى بها الارض ولم يعد هناك حدود تفصل مزرعة عن اخرى. أصبحت ولاية قريات إحدى حكايات الف ليلة وليلة وان اختلف الزمان والمكان ولكن ستظل تحكى للآجيال القادمة عن رجل عجوز عاش أكثر من مائة عام ولم يشهد أحداثا كما شهدها في هذا الزمن –يؤكد العلماء إن السلطنة تتعرض لمثل هذا الإعصار كل مائة سنة !!-وقصة شاب آخر استطاع على ظهره انقاذ أحد عشر طفلا وقام بنقلهم الى قمة جبل " ضربة موجعة
لقد كانت ضربة الإعصار ل(قريات ) موجعة اذ قطعتها عن سائر المناطق الأخرى حيث قطع الطريق الذي يربط وادي عدي بولاية العامرات وعندما وصلت المساعدات لم تكن هناك وسيلة لتوصيل هذه المؤن سوى الطائرات العمودية التابعة لأجهزة القوات المسلحة وشرطة عمان السلطانية بعد ذلك بدأت سيارات الدفع الرباعي من السير في هذا الطريق فأصبحت المؤن تصل لكل الأهالي الذين زودتهم بكل المتطلبات الضرورية من الخيام والبطانيات والأسرة والمواد الغذائية وكميات أكبر من المياه ليس في قريات وحدها بل بسائر مناطق السلطنة حيث جرى توزيع عبوات مياه الشرب التي تم شرائها من الأمارات والمقدرة بحوالي 75 ألف عبوة على العديد من المحلات كالمحلات الكبرى والصغيرة اذ أن المياه كانت مقطوعة عن بعض المناطق في العاصمة واللافت هنا ان السلطنة رفضت قبول المساعدات من الدول الخليجية والعربية التي ابدت استعدادها لنجدتها لكنها رغم رفضت قبول هذه المساعدات رغم خسائرها الكبيرة التي بلغت 200 مليون دولاربسبب توقف صادرات النفط نتيجة الإعصار جونو الذي ضرب البلاد كما نقلت وكالة رويترز و إن ميناء الفحل وهو المرفأ الوحيد لصادرات النفط العمانية البالغة 650 الف برميل يوميا ومرفأ صور لتصديرالغاز الطبيعي المسال عادا يعملان بصورة طبيعية يوم السبت أي ان منشآت الطاقة في عمان توقفت ثلاثة أيام فقط خلال الاعصار وأنا أقرأ هذا الخبر قارنت بين هذه الخسائر والخسائر الجسيمة التي مني بها بلدي العراق نتيجة تخريب المنشآت النفطية وتفجير أنابيب النفط , فخسائر سلطنة عمان خلال ثلاثة ايام من توقف صادراتها النفطية بلغت هذا الرقم (200) مليون دولار رغم إن المنشآت لم يلحق بها أي ضرر كما قالت شركة تنمية نفط عمان فكم تبلغ خسائر العراق الذي يتعرض يوميا من جراء تفجير أنابيب النفط من قبل اعصار الارهاب والظلاميين !!
عزلة ووحشة
|