عبد الرزاق الربيعي

 
 

                                                           مطر القذائف

عندما كنا صغارا في أواخر الستينيات , كان لا يمنعنا من الذهاب الى المدرسة سوى العوارض الصحية المفاجئة وهطول أمطار غزيرة في مدينة شوارعها ترابية , حيث كانت  تلك الأمطار ترتفع في تلك الطرق حتى تبلغ منتصف قاماتنا الصغيرة , لم يكن يهمنا البرد القارص , وشتاء العراق برده شديد , لكن تجمع الأمطار في البرك ينذر بخطر في تلك المدينة البائسة فكان يحول بيننا وبين الذهاب الى المدرسة , وصار هطول المطر الذي كنا نستقبله مغنين :

مطر مطر حلبي

عبر بنات الجلبي

مطر مطر ياشا

عبر بنات الباشا

صار يعني توقف الدوام ليوم أو ليومين ثم تعود الحياة الى سائر عهدها , بعد ذلك بسنوات جرى تبليط تلك الشوارع في تلك المدينة الفقيرة  التي كانت تسمى(مدينة الثورة ) وكنا قد كبرنا ولم يعد المطر يقطع علينا طريق  المدرسة.

قبل يومين تكلمت مع إبنة اختي الصغيرة (نبأ) التي لم تبلغ الثامنة  من عمرها وتقيم في المدينة نفسها التي صارت تسمى بمدينة (الصدر) :

كيف انت مع المدرسة ؟

قالت: الدوام متوقف من زمااااان

قلت لها :لماذا؟ الموسم ليس موسم أمطار

قالت : لا, لكن الشوارع المؤدية للمدرسة زرعوها عبوات ناسفة , ونخاف أن تنفجر !!

لقد لخصت لي الصغيرة(نبأ)  مشهدا بسيطا من معاناة تلك المدينة البائسة 

التي تعيش منذ شهر ظروفا سيئة حيث تعرضت لحصار من قبل القوات

العراقية والأمريكية وإقتتال في الشوارع بين أتباع مقتدى الصدر الذين

يتحصنون في الأزقة الضيقة وتلك القوات ورافق ذلك قصف جوي وإشتباكات وقد بدأت أوضاع المدينة بالتردي بعد إنطلاق (صولة الفرسان )  في الخامس والعشرين من الشهر الماضي التي كان هدفها , كما أعلن ,  إستعادة الأمن في البصرة والقضاء على الميليشيات

والعصابات التي تهرب النفط والخارجين على القانون  فإصطدموا مع جيش المهدي فتطور الأمر وإمتد ليشمل مناطق عديدة ومن بينها مدينة الصدر التي تسكنها غالبية موالية للصدر

علقت أختي: لا تستغرب ,منذ أسابيع لا نذهب للسوق ونأكل مما خزناه لمثل هذه الظروف

قلت لها:حسنا تفعلون من الأفضل ملازمة البيت

قالت: لكن القذائف العشوائية تسقط على البيوت و بالأمس وقعت قذيفة  على مطبخ البيت  الملاصق لبيتنا وقتلت إمرأة وهزت المكان وكسرت زجاج النوافذ!!!أضف الى هذا فإن الحياة مشلولة والشوارع مقطوعة والمدارس مغلقة الأبواب

قلت مع نفسي : وكيف لا تغلق والمطر في الطرقات؟

مطر العبوات الناسفة ..والرصاص

إنه مطر جديد ولكنه من نوع آخر ...مطر القذائف الذي يسقط في مدينة

يقطنها حوالي ثلاثة ملايين عراقي معظمهم من الفقراء   هذه المدينة الصابرة تحولت بين ليلة وضحاها الى خندق في معركة  بعراق تحول منذ خمس سنوات الى ساحة قتال !!

الصورة بعدسة الصحفي محمد اسماعيل


******

 razaq61@yahoo.com  

 www.razaq.has.it

 

مشاركاته في النخلة والجيران