|
|
| الشاعراديب كمال الدين | ||
|
الشاعرعبد الرزاق الربيعي كتاب ساعات (جونو)العصيبة ملوك وسكارى لماجد مطرود صباح الخير قصيدة شعبية لجعفر كمال لأنك عراقي د.ياسر الياسري
|
شجرة الحروف مجموعة شعرية عناوين القصائد - وصف - الزائر الأخير - قصيدتي الجديدة - القليل من التراب - شجرة الثعابين - الغريب - حبّ - بغداد بثياب الدم - قصائد الرأس - إبحار - التباس نونيّ - تحوّلات - قصيدتي الصَبيّة - ارتباك - القبطان - رغبات - اكتشافات الحرف - ممتع، غريب، مدهش! - اعتراف ملك الحروف - احتفال حروفيّ - شطحات النقطة - حلم - صبيّ - أحجار - الحرف يتشظّى.. النقطة تتدروش! - رسالة الحرف إلى حبيبته النقطة - هبوط - طائرالنقطة - لعبة كبيرة - طيران - غروب النقطة - وقال الذي - حيرة ملك - فؤوس - يد واحدة - مَشاهد - آراء - بطاقة شخصية *********************** وصف إلى: صالح زامل (1) سقطتْ دمعةُ الشاعرِ على الورقة فرأى فيها أخوةَ يوسف وهم يمكرون ويكذبون ورأى دمَ الذئب ورأى أباه شيخاً وحيداً يتمتم: يا أسفي على يوسف، يا أسفي. ثم نظرَ مرّة أخرى فرأى نارَ إبراهيم ورأى صليبَ المسيح ورأى الموتى ينهضون والعميان يتشبّثون ببعضهم، يصرخون. ثم رأى موسى يعبر بحراً من الرعبِ والموت ورآه وهو يقول: ربّي. فَيُقالُ له: لن تراني انظرْ إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوفَ تراني. (2) هكذا في دمعةٍ واحدة رأى الجبلَ ينهدّ هدّاً وموسى يستغيثُ: أنا أول المؤمنين. ثم رأى عاداً وثمود ورأى أصحابَ الأخدود ورأى صحارى محمد وأصحابه عند بدر ثم رأى رأسَ الحسين يُحْمَلُ فوق الرماح فوق خيول الخونة لِيُنقَل بين مدن الكَفَرة الفَجَرة. (3) هكذا في دمعةٍ واحدة أضاءتْ له الدنيا جميعاً فاحتارَ الشاعرُ كيفَ يبدأ، كيفَ يقول ثم رأى أن يصفَ المشهدَ ليس إلاّ! الزائرالأخير (1) كان يجلسُ في الغرفةِ المجاورة شاب أنيق بثيابٍ سود ينظرُ إلى السقف بعينين فارغتين من أيّ شيء ويضع على ركبتيه كتاباً على هيئةِ حقيبة أو حقيبة على هيئة كتاب حين ناداني دخلتُ مرتبكاً كجثةٍ تسقطُ في البحر قال بلغةٍ مبهمةٍ كلاماً عجيباً وأشار إلى الكتابِ: الحقيبة فنظرتُ، وجدتُ فيها إناءً مكسوراً (كدتُ أغرق بسببه في النهر) ووجدتُ حجراً (ضربني به غجريّ فأصابَ قلبي) ووجدتُ فيها شفتين تضحكان بآلافِ القُبَل ووجدتُ كؤوساً من العشبِ والطينِ والجمر وحذاءً من الخمر وصوراً وتماثيل لأفخاذِِ نساء ودموعاً بهيئةِ لؤلؤٍ وحروف وقصائد بكتْ واشتكتْ وادّعتْ. وأخيراً أخرجَ لي نقطةً حملتْ ألوانَ الفجرِ والمغيب حَمَلها بيده الصفراء المرتجفة دون أن ينبسَ ببنتِ شفة. (2) مددتُ يدي لآخذ النقطة أعني الإناءَ، الحجر الشفتين، الجمر الكؤوسَ أو الأفخاذ الحروفَ أو الدموع. لم تصل يدي إلى أيّ شيء ولم يعطني الشابُ أيّ شيء كان ينظر إليّ بعينين فارغتين من أيّ شيء وأنا أذوبُ من الخوف وأنا أنظرُ إلى النقطة مدهوشاً بألوانِ الفجرِ والغروبِ فيها كجثةٍ تُلقى في البحر.
قصيدتي الجديدة أعطيتُ قصيدتي الجديدة بأصابع الارتباكِ والرغبة إلى الحسناء الجالسةِ بجانبي في الباص قلتُ لها: ضعيها بين النهدين لتتعرّفي إلى سرّ القصيدة ومعناها الأزليّ. لم تأبه الحسناءُ لكلامي وتشاغلتْ بحقيبتها الحمراء وهاتفها الصغيرِ المليء بالمواعيد. ثم أعطيتُ قصيدتي الجديدة للطفلِ الذي يلعبُ في الحديقةِ العامة قلتُ له: العبْ معها ولكَ أن تصنعَ منها لُعَبَاً لا تنتهي بألوان قوسِ قزحٍ لا حدّ لها. فصرخَ الطفلُ باكياً وولّى بعيداً. ثم أعطيتُ القصيدةَ للنهر قلتُ له: خذْها إنها ابنتكَ أيضاً أيّها الإله المُلقى على الأرض باركْ سرّها وتعرّفْ إلى معناها الأزليّ أيّها الأزليّ. لكنّ النهرَ ظلّ يحلمُ ويحلم محدّقاً في الأقاصي البعيدة دون أن يعيرَ كلامي انتباهاً. وحدهُ الشرطيّ اقتربَ منّي وصاحَ بصوتٍ أجشّ * ماذا في يدك؟ قلتُ: قصيدة جديدة. * فماذا تقولُ فيها؟ قلتُ: اقرأها لتتعرّف إلى سرّها ومعناها. فأخذها منّي ودخلَ غرفته السوداء دخلَ ليربطَ القصيدةَ إلى كرسيّ حديديّ ويبدأ بجلدها بسوطٍ طويل ثم أخذَ يضربها بأخمص المسدس على رأسها حتّى نزفت القصيدةُ حروفاً كثيرة ونقاطاً أكثر دون أن تعترفَ بسرّها ومعناها.
القليل من التراب
(1) سيبقى القليلُ من الأكاذيب وترّهاتِ مدائح الشعراءِ للملوكِ الظَلَمَة وسخافاتِ الشعراءِ المخنّثين والشاعراتِ السحاقيات سيبقى القليلُ من مواعظ المدرسين المرتشين والزوجات الغبيّات والقليلُ من الأوامرِ الإداريةِ بالتعيينِ والفصلِ والطرد والقليلُ من التقارير السرّية ومقالاتِ الشتمِ والتهديدِ والوعيد سيبقى القليلُ من بياناتِ النصرِ المزيّفة ومن نياشين العسكرِ وأوسمتهم الملطَّخةِ بالدم سيبقى القليلُ من عظام العشاق وقلوبهم التي حطّمها الفراق وسيبقى القليلُ من جمالِ الجميلات والقليلُ من العري عند البحر وفوق السرير والقليلُ من الليلِ والفجرِ، والماءِ والهواء والقليلُ من الأحلام والدموعِ والهلْوَساتِ والكوابيس والقليلُ من صيحاتِ مشجّعي كرةِ القدمِ ومصارعةِ الثيران. (2) سيبقى القليلُ من ذكرياتِ الطفولة وصور العيدِ غيرِ السعيد وأحلام البلوغ ورسائل الحبّ وصور العائلة سيبقى القليلُ من صيحاتِ الأوركسترا والقليلُ من قصائد المللِ والعتابِ والانتظار والقليلُ من ملابسِ المهرّجِ والطبّالِ والراقصة والقليلُ من دموعِ اللاجئين ومراكبهم الصدئة التي تغرقُ كلّ يوم في محيطاتِ الله سيبقى القليلُ من وصايا الله. (3) نعم كلّ شيء سينقلبُ إلى تراب وسيبقى، أيضاً، القليلُ من التراب!
قصيدتي الأزليّة (1) هكذا أُلقيتُ في الطوفان كان نوح يهيىء مركبه لوحاً فلوحاً ويُدخلُ فيهِ من كلِّ زوجين اثنين كنتُ أصرخ: يا رجلاً صالحاً يا رجلاً مُبحراً إلى الله خذني معك. وإذ لم يأبه نوح لصيحتي تسللتُ إلى المركبِ: المعجزة وشاهدتُ مأثرةَ الحمامةِ والغراب بعدما صعدَ الموجُ بنا كالجبال حتّى إذا هدأت العاصفة وقيل يا أرض ابلعي ماءك هبط الكلّ من سفينةِ نوح فرحين مُبَاركين إلاّي وثانيةً صرختُ بنوح: يا رجلاً صالحاً يا رجلاً عادَ من طوفانه: الجلجلة قالَ نوح: مَن أنت؟ قلتُ: أنا الإنسان. قالَ: مَن؟ قلتُ: أنا المؤمن الضال. قالَ: مَن؟! وتركني في المركبِ دهراً فدهراً حتّى إذا غيّبَ الموتُ نوحاً تحرّك المركب تحرّك بي وحدي لأواجه طوفانَ عمري في موجٍ كالجبال أنا الذي لا أعرفُ الملاحةَ ولا السباحة وليس لديّ حمامة أو غراب. (2) هكذا أُلقيتُ في النار بعدما أضرمَ النارَ أهلُ أور لإبراهيم وألقوه فيها انتبهوا إليّ كنتُ أغرقُ في الدمعِ من أجلهِ قالوا: إنه من أتباعه فألقوه في النارِ أيضاً هكذا أُلقيتُ في النارِ أيضاً وإذ كانت النارُ على إبراهيم برداً وسلاماً فإنها لم تكنْ لي سوى نارٍ من الألمِ والحقدِ والحرمان اشْتَعَلتْ ولم تزلْ تشتعل فيّ في كلّ يوم هكذا إلى يوم يُبعَثون! (3) هكذا أُلقيتُ في البئر ألقاني أخوتي وعادوا إلى أبي عشاءً يبكون قالوا: يا أبانا قد أكله الذئب. فبكى أبي، وكان شيخاً جليلاً، حتّى اخضلّتْ لحيته بالأسى والحروف. لكنّ السيّارة إذ وصلوا إلى البئر ما قالوا: يا بشرى هذا غلام بل قالوا: واأسفاه هذا هلام. وتركوني في البئر يمزّقني الظلامُ والخوفُ والانتظار. (4) ربّما سأخرج من البئرِ يوم يُبعَثون أو ربّما يوم يُقالُ للأرضِ: ابلعي ماءك فأخرجُ من مركبِ نوح أو من نارِ إبراهيم وقد أكلني الرعب ولَفَظَني الموج وأطفأت المأساةُ عيوني.
شجرة الثعابين (1) حين بدأتُ أحبو ثم أخطو قليلاً قليلاً تسلّقتُ شجرةَ الطفولة بعينين فرحتين تتطلعان إلى بهجةِ التفّاح وفرحِ الموز كنتُ أصعد وأصعد ودعواتُ جدّتي تدفعني أعلى فأعلى لكنْ، على حين غرّة، ماتتْ جدّتي فسقطتُ، واأسفاه، من شجرةِ الطفولة. (2) استمرّ سقوطي عاماً فعاماً ولم أصل إلى الأرض كنتُ خفيفاً كما يقولُ الحلم كنتُ خفيفاً بما يكفي لأسقط على شجرةٍ ثانية تُدعى: شجرة الحبّ تسلّقتُها بعينين فرحتين تتطلّعان إلى لذّةِ التفّاح فالتفّاح فاكهة الحبّ كما تقولُ الأسطورة لكنْ، على حين غرّة، ضاعتْ حبيبتي وقبلاتُ حبيبتي ومواعيد حبيبتي فسقطتُ، واحسرتاه، من شجرةِ الحبّ. (3) كنتُ أتوّقع أن يكونَ سقوطي مدوّياً لأنّ شجرةَ الحبّ عالية كالجنّة لكنْ رغم مرور السنين لم أصل إلى الأرض ربّما لأنني كنتُ سعيداً كما تقول الدعابة ربّما لأنني كنتُ سعيداً بما يكفي لأسقط على شجرةٍ ثالثة تُدعى: شجرة الموت. (4) هذي المرّة كان الأمرُ خطيراً فشجرةُ الموتِ لا تحبّ المزاح لا تحبّ الطفولةَ ولا الحبّ لكنها شجرة مضحكة كانت طويلةً كجهنم وساقها ملساء كجلدِ الأفاعي وليس هناك في الأعالي من ثمرٍ مُلوّن أتطلّع إليه بعينين فرحتين وقلبٍ ساذج فشجرةُ الموت، كما قيلَ لي، مسكونة بالندم وقيلَ مسكونة بالملائكة وقيلَ بل بالأجراسِ السود وقيلَ بل بالثعابين وقيل.. لكنْ من المؤكّد أنني أتسلّقُها كلّ يوم منذ سنين طويلة وأنا في طريقي إلى الندم أو إلى الملائكة أو إلى الأجراسِ السود أو إلى الثعابين. الغريب (1) توقّفَ الغريبُ، عند النبع، وقت الغروب توقّفَ ليشرب وحصانه الماء فوجدَ عيناً بشرية ويداً بشرية وقناعاً من الذهب وبيضةً من الذهب وكتاباً كبيراً. (2) تأمّل الغريبُ طويلاً في ماءِ النبع حتّى خاطبه النبع: أيّها الغريب اخترْ شيئاً واحداً ولا تزدْ واعلمْ أنّ العينَ ستجعلكَ ترى الغيب واليد ستصنع منكَ المحاربَ الشجاع والقناع سيجعلُ النسوة في كلّ زمانٍ ومكان يتسابقن للقياك والبيضة ستصنع منكَ أثرى الأثرياء والكتاب سيجعلكَ الحكيمَ الأعظم. ضحكَ الغريبُ من كلامِ النبع حتّى اغرورقتْ عيناه بالدموع. وقالَ له: شكراً أيّها النبع لا أريد العينَ ولا اليد لا القناعَ ولا البيضةَ ولا الكتاب أنا الغريب لا أرض لي ولا هدف لا وجهة ولا رغبة ولا قرار. جرّبتُ الحكمةَ والغيبَ والنساء واللهو والغنى والحروب فلم أجدْ أيّ شيء يعينني على عذابي المقيمِ وضياعي المكتوب. ثم صمتَ الغريبُ طويلاً وقال: أيّها النبع، هل عندكَ دواء للسأم؟ * قالَ النبع: لا. وهل عندكَ دواء للغربة؟ * قالَ النبع: لا. وهل عندكَ دواء للموت؟ * قالَ النبع: لا. فضحكَ الغريبُ ثانيةً حتّى اغرورقتْ عيناه بالدموع. (3) خجلَ النبعُ من كلامِ الغريب وصارَ ماؤه يشحبُ شيئاً فشيئاً حتّى أصبح، بعد أربعين يوماً، أثراً بعد عين. حبّ (1) حلمي كان الحبّ ولذا أردتُ لحرفي أن ينطق كلمةَ: حبّ. قبّلتُ شفته السفلى كانَ الحرفُ صغيراً وجميلاً وللتوّ عادَ من طفولته المليئةِ بالجمر قلتُ له: قلْ حبّ. فقالَ على الفور: حرّية! ولذا ضعتُ لسنين لا حصر لها أتجلّى في طوفان الحرّية وزلازلها. ثم قلتُ له: قلْ حبّ. فقالَ على الفور: حماقة! ولذا ضعتُ لسنين لا حصر لها أتجلّى في كأسِ حماقاتِ الدنيا درويشاً مهووساً بقصصِ العشق وملاكاً مصاباً بجذامِ الرغبة. ثم قلتُ لحرفي: ها قد أصبحتَ كبيراً أعني أصبحتَ من النضجِ بما يكفي لتقول: حبّ. فقالَ على الفور: حرب! ولذا ضعتُ ضياعاً أسودَ أغبر في حربِ الأجداد وحربِ الأوغاد وحربِ الأحقاد.
(2) حين خرجتُ من الحرب أجرّ هزيمتي النكراء كانت سنواتي قد تجاوزت السبعين ولم تعد عندي الرغبة أبداً أن أسأل حرفي شيئاً. ومع ذلك، قلتُ في لحظةِ عبثٍ ومجون: قلْ حبّ. فقالَ على الفور: حقد! فضحكتُ حتّى اخضلّتْ لحيتي بالدموع ومن جديد: قلْ حبّ. أرجوك تعبتُ حد اللعنة من الحرّيةِ والحماقةِ والحرب يا حرفي.. يا هذا.. هيّا.. قلْ حبّ. وبقيتُ كمجنونٍ أصرخُ في وجهه حتّى متّ: قلْ حبّ حبّ حبّ!
بغداد بثياب الدم (1) تعبتْ بغداد من ثيابِ الدم تعبتْ وبكتْ وحين طلبتْ جرعةَ ماء أعطوها قنبلةً للموتِ وسيفاً للذبح وحين طلبتْ رغيفَ خبز أعطوها رمحاً من نار وحين طلبتْ شمساً صادوا شمسَ الله حتّى لا تحضر يوماً ما لشوارع بغداد. (2) تعبتْ بغداد من ثيابِ الدم نزفتْ موتاً أحمرَ كجهنم وحين أرسلتْ في طلبِ الطبيب قالوا لها: الطبيبُ مشغول بالخليفة والخليفة مصاب منذ ألف سنة بالمللِ التاريخيّ والمللِ الجغرافيّ والمللِ الروحيّ والمللِ الأمنيّ والمللِ الجنسيّ. ولذا سيجيء إليك بعد أن يُشفي الخليفة من أنواعِ المللِ جميعاً! فلا تبتئسي! وحين نزفتْ بغداد ميتاتٍ أخرى لا حصر لها في أزمنةٍ لا حصر لها قالوا: عن أيّ طبيبٍ تتحدثُ هذي المسكينة؟! (3) بغداد.. دماؤكِ سالتْ في الشارعِ للرائحِ والغادي كيف سيوقفها الفقراءُ العُزّل؟ بأيّ حروفٍ ودواءٍ وتعاويذ؟ كيف؟ وبغداد هاجمها كلُّ ذئابِ الكون نهشوا وجنتيها، شفتيها، نهشوا ثدييها ويديها،
|