|
|
|
عدنان جبار الربيعي |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
![]()
"أنت ، طفل الإخفاقات ، طفل الإخفاقات الجميل ، طفل الإخفاقات الناجح لن تهزك الرجات الأرضية ولا فيضانات البحار ستظل صامتا ندمان تمضغ ماضيك ومن تأملاتك سيخرج ملاك" الشاعر الصيني يانغ كيانغمان لا مفر لي من الحزن ! يحاصرني أينما ذهبت .. كنت أظن من قبل أن أرض وطني وحدها من تشرب الدماء والدموع كنت أظن أن الحزن عراقي بالرضاعة وأن العويل لا يصعد إلى السماء إلا من تلك البقعة بالذات لكني شهدت هنا مآسي من نوع آخر ، ودموعا من نوع آخر وعويلا لا يحتاج إلى مترجم كي يفهم وها هي دموعي تسيل ( هنا ) مثلما كانت تسيل ( هناك ) .. يبدو أن الأوطان سواسية في الحزن كأسنان المشط ...
كنت أقود
دراجتي بإتجاه الجامعة بعد فترة الظهيرة حين رن هاتفي وكان المتصل أحد
الأصدقاء العراقيين كان صوته حزينا حين أبلغني أن زلزالا مدمرا ضرب إقليم (سيتشوان)
جنوب غرب الصين المجاور لإقليم (هوبي) قبل نصف ساعة وأن سكنة الطوابق
العليا في (ووهان) أحسوا بتلك الهزة .. سألته عن وجود أو عدم وجود ضحايا
فأبلغني أن الحصيلة الأولية تشير إلى سقوط أكثر من 5 آلاف ضحية وأن أكثر من
900 تلميذ تحت الأنقاض وضعت يدي على قلبي وتمنيت أن تكون تلك المعلومات
غير دقيقة ..
عدت من الجامعة ليلا بعد إنتهاء المحاضرات .. فتحت صحف الأنترنت لأقرأ ما جاء فيها عن تلك الكارثة الجديدة فقد أكدت التقارير أن قوة الزلزال إمتدت لمئات الكيلومترات حيث شعر به السكان فى كافة أنحاء الصين بإستثناء مقاطعتي) جيلين) و(هيلونغ جيانغ) فى شمال شرق البلاد، ومقاطعة (شينجيانغ) فى الشمال الغربى وإمتدت قوة الزلزال ليشعر به سكان بانكوك عاصمة تايلند لكن طبيعة أرض إقليم (هوبي) وعاصمته (ووهان) الطينية حالت بفضل من الله دون أن تحدث قوة الزلزال المدمر خرابا مماثلا لما حدث في إقليم (سيتشوان ) المجاور وبالرغم من ذلك فقد نقلت وكالات الأنباء أن شخصا واحدا في (هوبي) قتل جراء تلك الهزة الأرضية .. بدأ عدد الضحايا يزداد بشكل كبير وتدرج الرقم الذي بدأ بـ 900 تلميذ إلى 5 آلاف فـ 10 آلاف وعلى مدى أسبوع واحد تضاعف الرقم ليصل إلى 34073 وإستمر ليزداد بصورة مؤلمة حتى وصل بعد عشرة أيام إلى 51151 ضحية في حين أعتبر عشرات الآلاف ـ من المحاصرين تحت الأنقاض- في عداد المفقودين كان قلبي يعصره الألم مع كل رقم جديد تنقله وكالات الأنباء .. لم أحتمل متابعة صور المأساة التي نقلها التلفزيون الصيني حيث عرض لقطات توضح الدمار الذي لحق بالطرق السريعة وصورا لمبان مدمرة وقسم من جبل تهاوى وطرق إنقسمت إلى شطرين وناجين يحاولون الخروج من تحت الأنقاض .. تذكرت جراح وطني .. تذكرت المنازل المهدمة بسبب زلازل سيارات المعتوهين المفخخة هناك .. تذكرت أكياس جثث الموؤدين الذين دفنوا أحياء في الزمن الأسود وأنا أرى أكياس الجثث الممدة على حافة الخراب الذي خلفه الزلزال .. كانت المشكلة التي واجهت فرق الإنقاذ كبيرة فقد تسبب المطر والسحب الكثيفة والعواصف العاتية في عدم تمكن طائرات الهليكوبتر العسكرية التي أرسلت الى المنطقة من الهبوط مما إضطرالجنود الذين تم تعبئتهم للمساعدة في أعمال الإنقاذ إلى الهبوط بالمظلات وفيما كانت قوات الجيش إصلاح الطريق الرئيسية المؤدية إلى المقاطعة والذي تضرر بشدة جراء الزلزال توجهت قوات برية راجلة إلى بلدة (ينغتشيو) ، إحدى أكثر مدن المقاطعة تضررا ، دون إنتظار إصلاح الطرق .. وزاد من المصاعب حدوث 178 هزة إرتدادية تجاوزت قوتها 4 درجات بمقاس ريختر على مدى الأيام التالية للزلزال ... وكصورة مقربة من المأساة ذكرت الوكالات أن أصوات صرخات الإستغاثة كانت تسمع من تحت أنقاض مدرسة في مدينة (ينغتشيو) ، بينما كانت كل الطرق المؤدية إلى مكان المدرسة مغلقة ، ما أجبر عمال الإنقاذ على الحفر بأيديهم دون الإستعانة بأي معدات بدأ الناس في كافة أرجاء البلاد حملة تبرعات كبيرة وأصبح من المعتاد رؤية فتيات في الأسواق الكبيرة وهن يحملن صناديق تبرع .. كنت أشعر بوحدتهم وتضامنهم وحبهم لبلدهم .. أرى ذلك في طوابير المتبرعين بالمال والدم والملابس والأطعمة ، وفي مهرجان تلفزيوني أجري بعد 3 أيام من الحادث أظهر فنانو الصين وغيرهم من الشخصيات الشهيرة محبتهم وإخلاصهم حيث تبرعوا بأكثر من 1.51 مليار يوان ( حوالي 216 مليون دولار أمريكي ) دفعة واحدة وبمرور 10 أيام فقط وصلت التبرعات إلى 21 مليارا و416 مليون يوان صيني من داخل البلاد وخارجها في صباح اليوم الرابع من الزلزال إتصل بي صديقي وأخبرني أن هناك إجتماع تضامن وتبرع للطلبة الأجانب في الجامعة يقام عصرا .. في ساحة صغيرة وضعت صناديق التبرع ووضعت أوراق وأقلام على الطاولات المجاورة .. شكرتني فتاة صينية كانت تقف إلى جوار صندوق التبرع بعدما وضعت بداخله ظرفا تبرعيا ، وأعطتني أخرى بطاقة مختومة كتبت فيها كلمات شكر وميدالية تحمل إسم الجامعة .. أمسكت القلم لأكتب رسالة مفتوحة إلى السماء سألت فيها الله عز وجل أن يعم الخير والسلام والأمان العالم بأسره ، بشكل عام ، والصين وبلدي العراق بشكل خاص تحدثت إلى أحد أصدقائي الصينيين معزيا إياه .. لم أر تلك الإبتسامة المعتادة على محياه كان متأثرا لما يحدث لمواطنيه .. قال لي أن سنة الفأر الحالية لم تجلب لهم سوى الكوارث والدموع فقد بدأت بمقتل أكثر من مائة شخص جراء تساقط الثلوج لثلاثة أسابيع ، ثم حدثت إضطرابات إقليم التيبت التي سببت خسائر إقتصادية هائلة والآن تلك الكارثة التي لا يعلم عدد ضحاياها حتى الآن ... لم يكن أمامي سوى متابعة التلفزيون الصيني رغم إستحالة فهم ما يقال ..كنت أود أن أشعر بمعاناتهم بصورة كاملة وطالما بقيت لوقت متأخر من الليل لأتابع مشاهد الناجين من الموت ولتجري دموعي مع دموع الأمهات اللواتي كن يبحثن عن أطفالهن وسط الخراب ...ظلت صور الدمار الهائل عالقة ببالي ، لكن أكثر تلك الصور تأثيرا بالنسبة لي كانت صورة واحدة إستطاعت أن تلخص لي تلك المأساة ، كما لخصت لي من قبل صورة لشيخ عراقي إنحنى ليقبل جمجمة ولده التي بعثت من تحت تراب المقابر الجماعية .. لم يكن مشهد اليوم سوى صورة يد طالب أخرجت جثته من تحت أنقاض مدرسة .. كانت اليد متيبسة وهي ما تزال تمسك بالقلم ...
برزت خلال كارثة الزلزال صور إنسانية رائعة كثيرة أذكر منها مشاركة شرطية صينية تبلغ من العمر 29 عاما في أعمال الإغاثة بطريقة خاصة تلخصت عبر إرضاع ثمانية أطفال تم إنتشالهم أحياء من بين الأنقاض أو أودعوا في الملاجئ وكانت الشرطية قد ولدت حديثا وقامت بإرضاع ثلاثة أطفال لم تعد أمهاتهم قادرات على إنتاج الحليب بسبب الصدمة و خمسة أطفال آخرين عهد بهم إلى ملجأ لم يعد حليب للأطفال متوفرا فيه وفي قصة من القصص الجميلة أنقذ تلميذ يبلغ من العمر 13 عاما زميلته حين إضطر إلى الحفر بأصابع يديه لأربع ساعات متواصلة ثم لينتشلها من تحت لوح إسمنت كبير ..
لكن أكثر
القصص إدهاشا كانت قصة معلم ضحى بحياته لإنقاذ تلميذين من تلامذته حين
إحتضنهما بقوة ليجنبهما خطر سقوط جدار إسمنتي كبير وعبثا حاول المنقذين فك
يدي جثة المعلم عن الطفلين و إضطروا بالتالي لقطعهما لإخلاء سبيل الطفلين
...
تركز
إهتمام الصحف ووسائل الإعلام على جهود الإنقاذ وتم إنقاذ الكثير من الناس
لكن أبرز ما أثار إنتباهي من بين حالات الإنقاذ إنتشال طفلة في الثالثة من
عمرها كانت قد علقت
تحت
الأنقاض طوال أكثر من 40 ساعة ، وإنقاذ إمرأة حامل في شهرها الثامن بعدما
قضت 50
ساعة
على عمق 18 قدم .. وطفل بعد مرور 80 ساعة تحت أنقاض
مدرسة ووجد رجل بعمر ( 46 ساعة ) تحت الركام بعد 100 ساعة قال أنه بحث في
جيوبه أثناء تلك الفترة فلم يجد سوى علبة سجائر وبضعة مناديل ورقية ، لذا
قطع السجائر وأكل ما في داخلها ثم إنتقل لأكل المناديل الورقية !..بعد
خمسة أيام تم إنتشال 33 ناج من تحت الأنقاض و بعد مرور أسبوع كامل قامت فرق
الإنقاذ بإنتشال إمرأة تبلغ من العمر 50 عاما ثم وجد رجل بعمر 31 عاما على
قيد الحياة بعد مرور 8 أيام من تحت أنقاض محطة للطاقة ! وبعد مرور 196 ساعة
تم إنقاذ سيدة تبلغ من العمر 60 عاما قالت أنها عاشت على مياه الأمطار
..لكن المفاجأة الأكبر كانت حين تمكنت فرق الإنقاذ الصينية من إنقاذ رجل
مسن وزوجته من تحت الأنقاض بعد 11 يوما ! وذكر التلفزيون الصيني أن الرجل
كان راقدا على سرير لأنه يعاني من شلل جزئي ولم يكن الرجل مصابا بأي جروح
إثر سقوط المبنى حيث كان مختبئا تحت دعامة ، وأضاف التقرير أن زوجته كانت
تمده بالماء ومن ثم ظل على قيد الحياة .... وكحصيلة نهائية لجهود الإغاثة
تم إخراج أكثر من 60 ألف شخص من تحت الأنقاض ونقل 4.85 مليون شخص إلى أماكن
أخرى
كان أكثر شيء آلمني إرتفاع نسبة الضحايا من الأطفال إذ شكلوا نسبة 40% من
إجمالي القتلى في ذلك الزلزال المدمر الذي دمر 8 مدارس من أصل 10 في
مدينتين فقط وبقيت عبارة قالتها عجوز شهدت ذلك الدمار ترن في أذني ( كل
الأطفال دفنوا.. المحظوظون فقط هم الذين لم يذهبوا للمدرسة في ذلك اليوم )
بعد أسبوع كامل على حدوث الزلزال تجمهر الطلبة والطالبات والأساتذة في مدخل الجامعة على شكل نصف دائرة ووضعت لافتة سوداء كبيرة حملت عبارة(حدادا عميقا على ضحايا الزلزال المدمر الذي ضرب محافظة ونتشوان بمقاطعة سيتشوان ) وقفت أنظر المشهد الحزين .. تقدم ثلاثة من حرس الجامعة إلى سارية العلم وقاموا بتنكيسه إلى المنتصف وفي تمام الساعة 2:28 بعد الظهر أعلنت صافرة الإنذار حدادا رسميا على أرواح ضحايا الزلزال المدمر .. إنطلقت أصوات صافرات الإنذار وأبواق السيارات والقطارات والسفن في جميع أرجاء الصين ، خيل لي أن الصافرة كانت تعول على إستمرار إستخراج الجثث ، تلك الصافرة التي عاشت معنا طيلة 23 عاما من الحروب ... ووسط دقائق الصمت الثلاثة شاهدت دموعا تسيل من عيون بعض الطلبة والطالبات.. إتصلت بي زوجتي مذعورة لتسألني عن تلك الأصوات المرعبة وأخبرتها مطمئنا بأن ذلك إعلان ببدء حداد رسمي سيستمر لثلاثة أيام كان هذا الزلزال هو الأعنف من نوعه الذي يضرب الصين منذ عام 1976 عندما لقي نحو 242 ألف شخص حتفهم في زلزال ضرب مدينة ( تانجشان) شمالي البلاد وعلى عكس ما حدث الآن فإن الحزب الشيوعي فرض في ذلك الوقت تعتيما على المعلومات بشأن حجم الكارثة وهكذا فإن إحصاءات وزارة الشؤون المدنية الصينية ذكرت بأن الزلزال المدمر الذي بلغت قوته 8 درجات على مقياس ريختر، ضرب 1044 قرية و أدى إلى مقتل أكثر من 65 ألف شخصا وإصابة 360 ألف شخص بجروح وفقدان 23 ألفا آخرين وإنهيار حوالى 55 ملايين منزل في إقليم سيتشوان كما أزال عدة مدن تقع في محيط مركزه وشرد نحو 14 مليون فرد وأتلف المباني والجسور ومنشآت عامة أخرى ، في منطقة تزيد مساحتها على 100 ألف كم مربع... لم تنته قصة الزلزال وتوابعه وآثارها المدمرة حتى بعد مرور أسبوعين من حدوثها لكن ومضة نور دلتني على قوة هذا الشعب وحبه للحياة فقد بدأت الإستعدادات لعيد جديد إسمه عيد ( قوارب التنين ) أو ( الخمسة المزدوجة ) سيحل في الخامس من الشهر القمري الخامس القادم وسنرى كيف يحتفي هذا الشعب فيه بذكرى إنتحار شاعر من شعرائة العظام
* نهراليانغتسي أطول أنهار الصين والذي يمر عبر مدينة ووهان التي يقيم بها الكاتب الصين ـ ووهان
مشاركاته في النخلة والجيران
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||