|
|
|
عدنان جبار الربيعي |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
![]()
" عانيتُ اللومَ، وصبرتُ على الإهانات، ولكنني ظللتُ طاهراً، بريئاً من الدنس، لكي أموتَ على الصراط القويم عملاً بما أوصى الحكماءُ القدماء ... إذا ما علوتُ حتى مفاتنِ السماء رأيتُ تحتي فجأةً بلدَ مولدي... كفى! ما من شخصٍ مخلص، ما من يفهمني، فلمَ أتمسكُ بمدينة مولدي؟ ما من شخصٍ يتصفُ بقدر من الفضيلة فأُسعفه ليحكمَ حكماً سويّا سأرحلُ إذاً وألتحقُ بـ (بنغ كيان) وأنزوي في مسكنه "
يوما فيوما يزداد إحترامي لهذه الأمة العريقة يوما فيوما يزداد حبي لهذا الشعب الطيب .. هل سمعتم بشعب يحتفل بذكرى إنتحار شاعر من شعرائه ؟ وهل سمعتم بشعب يجعل من ذلك الحدث عيدا تقليديا مهما ؟ ثم هل سمعتم بأمة تحتفي بشاعر بمثل تلك الحفاوة التي أجدها هنا بحيث يكون يوم وفاته منتحرا ، قبل أكثر من ألفي عام ، يوم عطلة رسمية ؟؟ حل عيد صيني جديد وسط قصص الزلزال التي لم تنته بعد .. كان هذا العيد مختلفا عن باقي الأعياد إذ أنه جاء بعد أربعة أسابيع من كارثة الزلزال المدمر الذي ضرب إقليم سيتشوان ...أفكر وأنا أنظر إلى الوجوه التي إستعادت إبتسامتها رويدا رويدا بأن لا شيء أجمل من فرحة تقفز فجأة وسط ركام الأحزان ولا شيء أروع من إبتسامة تضيء وجه غسلته الدموع .. وأن من المحال أن ترفع الحياة الراية البيضاء بوجه الموت أبدا .. قبل أيام من حلول العيد تم إجلاء أكثر من 200 ألف مواطن عن إقليم سيتشوان خشية حدوث فيضانات بسبب تكون 35 بحيرة كبيرة بفعل سد مجاري الأنهار بالأنقاض بعد الزلزال ، ووسط أجواء القلق الجديد برزت قصة جميلة هي قصة أيتام الزلزال .. فقد سارعت آلاف العوائل الصينية لإبداء رغبتها في تبني يتامى الزلزال الذين فاق عددهم 4000 طفل في تحول جديد في عادات وقوانين لم تشجع سابقاً على خوض هذه التجربة ، لأسباب عدة إختلط فيها الوضع الإقتصادي للأفراد مع سياسة تحديد النسل وهكذا فاق عدد الأسر الصينية الراغبة في التبني حصيلة اليتامى نفسهم إذ بلغ عدد الإتصالات التي تلقتها وزارة الشؤون المدنية الصينية في إقليم سيتشوان 2000 إتصال في اليوم ..في الأسواق بدأت ألحظ حركة غير إعتيادية إستعدادا لعيد جديد هو ( عيد قوارب التنين ) تمثلت في إنتشار العلب الكبيرة الفاخرة من بيض البط و طعام ( تسونغ تسي ) الخاص بذلك العيد كعادة إرتباط الأعياد الشعبية الصينية بأكلات خاصة ..
وقفت ذات
يوم أراقب كيفية صنع ذلك الطعام .. جلست البائعة وإلى جانبها وعائين كبيرين
إحتوى الوعاء الأول على أوراق الخيزران الكبيرة بينما إحتوى الوعاء الآخر
على رز وسكر وحبات من الكشمش .. صفت البائعة ورقتين طويلتين من الخيزران
ولفتهما على شكل قمع ثم بدأت بملئ القمع بالرز المحلى بالسكر والكشمش ثم
أحكمت غلق الورقة وربطتها بخيط أبيض ..
يسمى عيد قوارب التنين بعيد الخمسة المزدوجة ( دوان وو جيي ) لكونه يقع في اليوم الخامس من الشهر الخامس وفقا للتقويم الزراعي الصيني ( في حزيران عموما ) ومعنى كلمة ( جيي ) العيد في اللغة الصينية ، وتعني أيضا ( عقدة الخيزران ) ، إذ أن قدامى الصينيين كانوا يشبهون مرور الأيام بنبات الخيزران ، فالأيام العادية تمضي بسيطة كأنها عود الخيزران الأملس أما الأعياد فتختلف عن سائر الأيام مثل عقد الخيزران ويجب الإحتفال بها !
يعود تاريخ
ذلك العيد ، إلى أكثر من 2000 عام إحياء لذكرى الشاعر الصيني (تشيوي يوان)
الذي كان وزيرا وشاعرا كبيرا في مملكة ( تشو) مقاطعتي ( هوبى وهونان ) بوسط
الصين حاليا خلال عصر الممالك المتحاربة ( عام 475 ــ عام 221 قبل الميلاد) تتلخص معاناة ذلك الشاعر الكبير بأنه كان يدعو إلى مواجهة ضغط مملكة ( تشين ) ومقاومة إعتدائها على دويلته ، مما وضعه في مواجهة مع الأرستقراطيين في البلاط الملكي فأقاله الملك من منصبه ونفاه من العاصمة وفي المنفى نظم قصائد عظيمة هي ( الشكوى ) و( سؤال السماء) و( الأغاني التسع ) وغيرها من القصائد المشهورة التي تركت تأثيرا كبيرا وممتدا على الأدب الصيني . في عام 278 ق.م استولت دويلة (تشين) على عاصمة بلاده فألقى هذا الشاعر نفسه في نهر ( ميلو ) الكائن في ما يعرف اليوم بإقليم ( هونان ) في اليوم الخامس من الشهر الخامس حسب التقويم الزراعي الصيني ، وتسابق أبناء مملكة ( تشو ) الى المكان بالقوارب للبحث عنه وأحدثوا ضوضاء عالية لإخافة الأسماك وأسقطوا كرات الأرز والبيض في النهر لإغرائها بالإبتعاد عن جثة تشيوي ، فيما شرع طبيب مسن بصب إناء من الخمر في النهر لتسكر الحيوانات في النهر فلا تؤذيه ... منذ ذلك ظهرت عادات سباق قوارب التنين وتناول طعام ( تسونغ تسي ) عند حلول ذلك العيد لم يكن ذلك العيد عطلة رسمية في الأعوام السابقة لكن الحكومة الصينية غيرت من جدول العطل الرسمية في البلاد الذي كان مقتصرا على عيد الربيع كعيد تقليدي ليشمل ثلاثة أعياد تقليدية أخرى هي عيد منتصف الخريف وعيد الموتى (كنس القبور) وعيد قوارب التنين الحالي وذلك بعد تقليص عطلة عيد العمال من أسبوع إلى ثلاثة أيام ...
وكجزء من
تقاليد العيد الجديد تقيم مختلف المناطق ( سباق قوارب التنين ) الذي يؤكد
على التعاون وقوة الجماعة في تحقيق الفوز ويقام سنويا سباق كأس يسمى بكأس
تشيوي يوان لقوارب التنين .. وفي هذا العام أقيمت بطولة بين الصين وفيتنام
شارك فيها 16 قارب تنين من كلا البلدين وقد نقلت شاشات التلفزيون الحدث حيث
وقف جميع المتسابقين في بداية السباق، دقيقة واحدة حدادا على ضحايا الزلزال
الأخير..تصنع تلك القوارب خصيصا لهذه المناسبة ، وهي قوارب ضيقة عرضا يصل
طولها إلى 30 مترا في أقصاها تمثال تنين منقوش و مزين بدقة وعناية وعلى كل
قارب نجد 30 مجدفا يظلون جالسين، وفي الوسط نجد شخصين أحدهم يعزف الدف و
الآخر الصنج الصيني ( الغونغ ) ، و في مقدمة القارب يعطي الإشارة لتحديد
وقت التجديف بواسطة راية حمراء مرددا أناشيد العمال وعلى الضفاف يشجع
الجمهور المتبارين بالهتافات .. سألت صديقي الصيني يوما عن سر إختيار التنين رمزا لذلك العيد وأخبرني أن ذلك يعود إلى معتقدات شعبية تقول أن الأنهار مسكونة به وهو الذي يخشى منه أن يأكل جسم الشاعر (تشيوي يوان) عند منتصف نهار ذلك العيد جاءتنا جارتنا وإبنتها وهما تحملان كيسين كبيرين أحدهما مليء ببيض بط مسلوق ونيء وكيسا آخر من طعام ( تسونغ تسي ) .. فرحنا كثيرا بهديتهما وشكرناهما فيما جلست الفتاة لتشرح لنا كيفية أكل البيض المسلوق وطعام تسونغ ..أمسكت ببيضة مسلوقة وقشرتها .. فوجئنا بلونها الأسود ، قالت إنهم يسلقونها بطريقة خاصة .. وأخبرتني بأن بإمكاننا تناولها مع الخل لم أستسغ رائحة تلك البيضة .. حاولت جاهدا عدم إثارة إنتباه جارتنا الطيبة .. أثار إنتباهي أن البيض النيء كان محاطا بحبيبات سوداء من الرمل تشبه الفحم قالت أن ذلك يحافظ على أن تكون البيضة طازجة وتوجهت إلى صنبور ماء وقامت بغسل إحدى البيضات مظهرة قشرتها الرمادية ضاحكة .. وحين سألتها زوجتي عن طعام ( تسونغ تسي ) الذي يشبه الملفوف إلى حد كبير قالت إنه يؤكل كحلوى بعد سلقه بالماء .. كانت جارتي تحمل حفيدتها وقد تقلدت حقيبة بخور صغيرة ، إنبعثت منها رائحة طيبة ، صنعت من القماش الملون وربطت بخيط حريري ملون كسلسلة .. لم تفتني فرصة سؤال الفتاة التي كانت تتحدث الإنكليزية بإرتباك محبب عن سر تلك الحقيبة الجميلة فأجابتني بأن ذلك تقليد مهم من تقاليد ذلك العيد وأن هناك إعتقادات قديمة بأن تلك الروائح تطرد الأمراض أيضا .. ترك ( تشيوي يوان ) تراثا كبيرا للأجيال و أبدع قصيدة ( لي ساو ) أطول قصيدة عاطفية سياسية رومانسية في تاريخ الأدب القديم الصيني وتميزت القصيدة بقدرة تصوير شعرية وفتحت آفاقا جديدة للإبداع الشعري في الصين القديمة. وبالإضافة إلى قصيدة ( لي ساو) ، تعد قصيدة ( أسئلة موجهة للسماء ) من القصائد العجيبة والنادرة في تاريخ الشعر الصيني سأل الشاعر فيها 172 سؤالا للسماء تتناول علم الفلك والجغرافيا والأدب والفلسفة وغيرها من المجالات العديدة وجسدت شكوك الشاعر في المفاهيم التقليدية وروح السعي لمعرفة الحقائق وقد ذكرتني تلك القصيدة بتساؤلات الشاعر إيليا أبو ماضي في قصيدته الشهيرة ( الطلاسم ).... إنتهى عيد تشوي يوان وعدت إلى الجامعة والقراءة والمحاضرات . في ليلة إحدى إمتحاناتي النهائية لإحدى المواد كان أصدقائي العراقيون يستعدون للتوجه إلى مدينة ( تيانجين ) لمؤازرة الفريق العراقي لكرة القدم والذي سيأتي لملاقاة الفريق الصيني فيها ...وهكذا بدأتْ حملة لجمع أكبر عدد ممكن من المشجعين فيما كنت أقرأ إستعدادا لإمتحان كان مقررا في اليوم التالي .. بقيت يومها مع الأصدقاء عبر الهاتف لمتابعة حملة طبع الأعلام العراقية وتوزيعها على الطلبة خضت إمتحاني بنجاح لكن إمتحان الوفاء للوطن البعيد ما زال قائما وهو إمتحان أصعب قد ينتهي بالإنتحار غرقا كما فعل الشاعر الصيني (تشيوي يوان) في واحدة من أغرب تجليات الوفاء ...
* نهراليانغتسي أطول أنهار الصين والذي يمر عبر مدينة ووهان التي يقيم بها الكاتب الصين ـ ووهان
مشاركاته في النخلة والجيران
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||