عدنان جبار الربيعي

 

 

 

 

    على ضفاف ( نهر اليانغتسي *)
 يوميات عراقي في الصين / 22

         حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا الكهف 93

 

" لقد حان المساء ..

المسافرون أخذهم الحنين إلى الوطن

البعيد دون حدود أو نهاية

السماء تميل على الأشجار

الأمواج كأس ماء صافية

القمر ينظر من قريب إلى البشر ! "

                                         الشاعر الصيني مينغ هاو ـ يان

في القطار يزداد الحنين إلى الوطن

يدق قلبي بشدة كل مرة ..

ماذا لو أن المحطة القادمة ستكون في بغداد ؟

الوجوه التي أراها حولي عراقية والأحاديث عراقية والشاي الذي صنعته زوجتي عراقي

لماذا إذن لا يكون صباحنا عراقيا أيضا ...

تحت جنح الليل سار بنا القطار بخطى سريعة منطلقا من محطة ووهان بإتجاه الشمال حيث تقع العاصمة الصينية بكين .. لم تكن محطة قطار ووهان التي وصلتها منذ تسعة شهور فقط قادما من بكين كما هي أبدا .. كان المشهد كما لو أنني أعيش حكاية من حكايات مارد مصباح علاء الدين السحري الذي بني قصرا للأميرة بدر البدور في ثلاثة أيام فقط !

تسعة شهور تفصلني عن محطة كانت في طور البناء لتصبح اليوم أشبه بقصر عظيم !

حدثت نفسي وأنا أنظر إلى حجم الإعجاز في بناء مثل هكذا محطة بذلك الوقت القصير بأن بناء مثل تلك المحطة في بغداد قد يستغرق تسع سنوات تتخللها فترات توقف بسبب هروب المقاولين المتكرر بأموال البناء وترك الأساسات كأطلال آثار مملكة زائلة !...كانت الصالة الكبيرة رائعة بأرضية كالمرآة وسقف هائل وحيطان حجرية نقشت عليها الكثير من الرسوم التي تمثل أساطير الصين الجميلة ..إمتدت المصاعد الكهربائية الأنيقة أمام المسافرين ..حقائب كثيرة وأصوات تنطلق بإعلان أسماء الرحلات مع أجراس محببة وشاشات ألكترونية عملاقة توضح أرقام الرحلات وأوقات الإنطلاق والوصول .. كم أعشق السفر !

في القطار القيت بجسدي على السرير الذي غطي بملاءات بيضاء كنت أنظر عبر النافذة الزجاجية الكبيرة التي كانت تجاور رأسي .. أزحت الستائر البيضاء التي نقشت عليها طيور الكركي وبرج ( خوانغ خي لو ) الشهير وعادت ذاكرتي إلى ما قبل ثماني سنوات بالتحديد حين قررت مع عائلة أخي الأكبر القيام برحلة سياحية إلى مدينة الموصل عبر القطار منطلقين من محطة قطار ( علاوي الحلة ) ببغداد وقتها لم تكن هناك صالة إستقبال وحين إنطلق بنا قطار الليل توقف بعد ساعة واحدة في صحراء .. قيل لنا ساعتها أن خللا فنيا ما قد حدث وأن القطار سينطلق بعد قليل ومرت الدقائق والساعات دون جدوى .. كنا مستلقين على الأسرة كما أنا مستلق الآن تماما لكن قطار الموصل فضل النوم قبل أن تغمض عيوننا وهي تغالب نعاسا هائلا !

لم أصدق حينها أن الفجر قد طلع علينا ونحن ما زلنا في العراء كان المسافرون منزعجين جدا لكني لمحت بعض المسافرين السعداء الذين لم يكونوا سوى جنود سجناء جيء بهم من بغداد إلى الموصل برفقة عدد كبير من جنود الإنضباط العسكري وكان سر سعادتهم يكمن في الحرية التي عاشوها ليلة كاملة دون قضبان !

وهكذا تركنا قطارنا نائما وتوجهنا إلى الموصل عبر باص أتى مصادفة وإستطاع حمل ماشاء من المسافرين إلى هناك ..سألتني زوجتي عن سر تلك الإبتسامة التي رسمت على وجهي وأنا أنظر عبر نافذة قطار ووهان ورويت لها قصتي مع القطار الذي أظنه ما زال عاطلا هناك !...كان لرحلتنا الجديدة هذه طعم آخر .. لم نكن نود خلالها سوى رفع الأعلام العراقية تحت سماء مدينة ( تيانجين ) وفاء للوطن البعيد..

كنت وزملائي الطلبة قد أعددنا برنامجا لمساندة المنتخب العراقي لكرة القدم والذي قدم قبل أيام قليلة من رحلتنا ، إلى ( تيانجين ) لملاقاة الفريق الصيني ... كان الجميع ينظر إلى نقطة واحدة في الفراغ ، نقطة وحدتنا على إختلاف توجهاتنا وأفكارنا وألوان أجسادنا تلك هي صورة الوطن الجريح وكان الجميع يلهج بكلمة واحدة هي العراق ...

وصلنا بكين عند الصباح .. إستمرت رحلتنا لتسع ساعات متواصلة لم ننم فيها إلا فترات متباعدة قليلة .. كانت سماء بكين تمطر بهدوء لم أعتد عليه من سماء ووهان .. لم يفكر أي منا بأي شيء سوى بالخشية أن تكون سماء مدينة تيانجين ممطرة أيضا الأمر الذي يجعل من مهمة فريقنا الكروي أكثر صعوبة ..

في بكين لم تكن الشوارع كما تركتها قبل تلك الشهور العشرة التي مرت على وصولي من دمشق قادما من العراق .. بدا كل شيء مختلفا فقد إزدادت الشوارع نظافة وجمالا إستعدادا لإحتضان دورة الالعاب الأولمبية بعد أقل من شهرين ..

في الطريق الى الملحقية الثقافية في السفارة العراقية حيث ستكون نقطة التجمع للطلبة والإنطلاق منها إلى مدينة ( تيانجين ) كنا نتأمل الساحات والشوارع المبتلة .. وصلنا الحي الدبلوماسي الذي يضم مقر الملحقية الثقافية التي أعدت لنا وجبة إفطار وعند الباب وجدنا باصا أنيقا قامت الملحقية بتأجيره لنقلنا إلى مدينة تيانجين التي تقع على بعد 120 كم من العاصمة بكين .

في الطريق بدأت هتافاتنا التي إستمرت حتى نهاية اليوم ..كانت الأعلام العراقية تحيي الناس في الشوارع العريضة خلف نوافذ الباص الكبيرة وكثيرا ما شاهدنا من يرفع يده ملوحا لنا .. أنشدنا أغان رياضية ووطنية كثيرة فلم تستطع زوجتي حبس دموعها شوقا إلى الوطن .. كانت طفلتي تصفق معنا تارة وترفرف بالعلم الذي كان يلوذ بيدها الصغيرة .. كنا نحتفل بالنصر الذي سيأتي بالتأكيد .. لم نكن نشك لحظة به أبدا مراهنين على أقدام أبطالنا وقوة حناجرنا !

وصلنا مدينة تيانجين بعد ساعتين تقريبا .. فوجئنا بجمال شوارع المدينة الكبيرة وإختلاف أشكال عماراتها وبناياتها التي تميزت بإلمزج بين الثقافات الشرقية والغربية القديمة والحديثة وكنت قد قرأت بأن الأراضي المؤجَرة البريطانية والفرنسية والإيطالية والألمانية والنمساوية والروسية خلفت أكثر من ألف عمارة كبيرة وصغيرة فيها الأمر الذي جعل من تيانجين ( متحفا لبنايات العالم ) وبينما كانت هناك الكثير من العمارات التي صممت على الطراز الأوروبي ، تواجدت على جانبي نهر (هايخه) كمية كبيرة من البنايات التي بنيت على الطراز المعماري الصيني لعهد أسرتي مينغ وتشينغ (1911 ــ 1368 )

تقع مدينة تيانجين في منطقة جينغ جين تانغ التي تتجمع فيها المدن الكبيرة ، وهي من المدن الأربعة التابعة للإدارة المركزية مباشرة بعد بكين وشنغهاي وتشونغتشينغ ، ويبلغ تعداد سكانها حوالي 11 مليون نسمة ، كانت مدينة تيانجين قاعدة صناعية قديمة بشمالي الصين، وشهدت تطور الصناعة العصرية الصينية منذ أكثر من مائة سنة وأصبحت القاعدة الصناعية الشاملة الرئيسية في شمال الصين وتضم أكبر ميناء للتجارة الخارجية بشمال الصين وأكبر مطار لشحن البضائع في شمال الصين كما يعد ميناء تيانجين أكبر ميناء صناعي بالصين وأكبر ميناء تجاري حديث ودولي متعدد الوظائف في شمالها ..كنت أتأمل المدينة عبر نافذة الباص .. مررنا بساحات جميلة واسعة لفت نظري كثرة الملصقات التي تمثل تعويذات الدورة الأولمبية القادمة  حتى وصلنا إلى ساحة رائعة الجمال ..كانت الساحة عبارة عن حديقة دائرية أحيط نصفها بسياج طويل من الشجيرات المتراصة المختلفة الألوان وبقي النصف الآخر ليشكل إستدارة في الشارع العريض .. كانت الحديقة عبارة عن دوائر من الزهور تلاها نوافير أحاطت بتل من الشجيرات التي إستقرت عليها دمى كبيرة مثلت التمائم الخمس للدورة الأولمبية القادمة 2008 فيما إنتصبت صور مجسمة لتلك التمائم بين الزهور ...

جسدت التمائم ، التي أعلن عنها قبل 1000 يوم بالتمام والكمال من حفل الإفتتاح ، الخصائص الطبيعية لأربعة حيوانات شهيرة فى الصين هي السمكة والباندا والظبى التبتى والسنونو بالإضافة إلى التميمة الأبرز ( الشعلة الأولمبية ) وهي المرة الأولى التي تستخدم فيها أكثر من ثلاث تمائم فى دورة أولمبياد صيفية...وكانت الصين قد قررت إنتاج خمس تمائم بدلا من واحدة ، لإعتقادها بأن شخصية واحدة فقط لا يمكن أن تجسد الثقافة العميقة والمتنوعة لها وقد منح لكل من تمائم أولمبياد بكين إسم إيقاعى مؤلف من مقطعين ، وهي طريقة تقليدية للتعبير عن حب الأطفال فى الصين ، وهذه الأسماء هى ( بي بي ) للسمكة ، و( جينغ جينغ ) للباندا ، و( هوان هوان ) للشعلة الأولمبية ، و( يينغ يينغ ) للظبى التبتى ، و( ني ني ) للسنونو وحينما يتم تجميع أسمائهم ( بي جينغ هوان يينغ ني ) تصبح ( مرحبا بكم فى بكين ) وبالإضافة إلى ذلك فإن كل واحدة من هذه التمائم ترمز أيضا لنعمة مختلفة هى الإزدهار ، والسعادة ، والعاطفة ، والصحة ، وحسن الحظ ..

تنفسنا الصعداء ونحن نشهد توقف المطر في المدينة .. لم يعد هناك ما نخشاه على لاعبينا إذن .. قيل لنا أننا سنلتقي بهم بعد وصولنا مباشرة إلى الفندق الذي حطت به رحالهم .. كنا متلهفين لذلك اللقاء الذي سيجمعنا بفريق رفع قبل عام كأس أمم آسيا بجدارة .. سنلتقط معهم العديد من الصور التذكارية ... هذا ما كانت أنفسنا تحدثنا به !  

* نهراليانغتسي أطول أنهار الصين والذي يمر عبر مدينة ووهان التي يقيم بها الكاتب

الصين ـ ووهان                                                                         

rainman3009@yahoo.com

 

مشاركاته في النخلة والجيران
على ضفاف نهر اليانغتسي...يوميات عراقي في الصين

1

2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20

21

22

23

24

25

26

27