عدنان جبار الربيعي

 

 

 

 

    على ضفاف ( نهر اليانغتسي *)
 يوميات عراقي في الصين / 23

         حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا الكهف 93

 

 

 

"الهدوء غائب

لا أجده في أي مكان

الطريق تبدأ من الوطن ـ

تفضي إليه

بيتي الآن فوق الماء

قلبي ضائع ـ

لم يكتب لي حظ سعيد ! "

                                         الشاعر الصيني لي بو

 

لم أكن أعرف أني أحب وطني إلى هذا الحد !

لم أكن أدرك أنه يختبئ بقلبي هكذا كعصفور صغير منذ ولدتني أمي على أرضه ذات مساء وحتى هذه الساعة  

لم أكتشف كوني هو وكونه أنا حتى بكينا معا لحلم ضاع في لحظة طائشة !

بإتجاه المركز الأولمبي كان الباص الذي نستقله يقطع شوارع مدينة ( تيانجين ) ، ثالث أكبر مدن الصين وبوابة بكين إلى البحر...لم أكن أعرف معنى إسم تلك المدينة حتى سألت صديقي الصيني بعد العودة وأخبرني بأنه يعني ( مكان عبور الإمبراطور للنهر ) كما أخبرني بأن معظم سيارات الصين تنتج في هذه المدينة ... 

توقف الباص فجأة أمام ثلاث بنايات فضية هائلة تشبه القبب ، ولم تكن تلك القبب بمجموعها سوى مركز تيانجين الأولمبي

عند الباب الرئيسي لملعب كيفو الأولمبي ، أحد تلك القبب الثلاثة ، وقف رجال الشرطة بوجوه محنطة ... قبل الدخول كان التفتيش دقيقا وبأجهزة حديثة ذكرتني بأجهزة التفتيش في المطارات .أحاطت بحيرات إصطناعية جميلة ببناية الملعب الأنيق الذي يلقب a water drop ( هبوط الماءِ ) لأن المكان الخارجي صمم ليشبه مشهد هبوط ماء ...

في الملعب بدا كل شيء نظيفا ملونا !...كانت الألوان بهيجة كما لو كنا نتابع عرضا لفيلم صور متحركة .. أرض خضراء مشرقة ومقاعد زرقاء أنيقة وإنارة هائلة ..

كانت تلك هي المرة الثانية التي أدخل فيها ملعبا لكرة القدم طيلة أيام حياتي .. ثلاثة وعشرون عاما تفصلني عن أول مباراة حية  أتابعها داخل ملعب كبير ...  

لم أكن قد تجاوزت سن الرابعة عشر حين ساقتني قدماي مع أصدقائي إلى ملعب الشعب الدولي ببغداد عام 1985 .. يومها كان هناك لقاء بمثابة نهائي بطولة الدوري بين ناديي الطلبة والرشيد وكان الناديان يضمان بمجموعهما أغلب لاعبي منتخب العراق الأمر الذي شجعني أكثر للذهاب إلى تلك المباراة الحاسمة .. غصت أرجاء الملعب بأكثر من 45 ألف متفرج أتوا بساعات قبل اللقاء ....

لكني أذكر أن كل شيء كان باهتا هناك !

لم يكن من السهل معرفة ما الذي يحدث داخل الساحة الخضراء الشاحبة وكنت أستدل من هتافات الجماهير على ما كان يحدث أثناء المباراة !

لكن الحدث الأبرز يومها لم يكن في نتيجة المباراة التي إنتهت بفوز نادي الطلبة بهدف واحد بل عند مغادرة الملعب إذ سحقت الجماهير بعضها البعض في الممر الطويل المؤدي إلى إحدى بوابات الخروج والتي كان القائمون على إدارة الملعب قد نسوها مغلقة ! ...

حينها شاء سوء الحظ لي ولأصدقائي أن نكون من أوائل من دخل ذلك الممر المظلم وكدنا أن نكون في عداد الموتى الذين سقطوا هناك في كارثة جعلتني أقرر مقاطعة الملاعب ، وبقيت لسنوات أعجب من تدفق الجماهير الكروية على الملاعب العالمية لمتابعة المباريات دون تعليق !

لكن صورة اليوم تبدو مختلفة تماما فالملعب ، الذي بني ليحتضن فعاليات مسابقات كرة القدم في أولمبياد بكين القادمة ، كان مذهلا بكل معنى الكلمة فبالإضافة إلى كون كل شي واضحا إبتداء من كرة القدم وإنتهاء بأرقام اللاعبين كانت إحدى الشاشات العملاقة تنقل تفاصيل المباراة عبر العدد الكبير من الكاميرات المنصوبة التي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا إصطادتها !

أطلقت حسرة كبيرة في ملعب كيفو وأنا أتذكر بؤس أكبر وأهم ملعب في وطني .. فبينما يغطي رؤوسنا هنا سقف مستدير هائل ، تضرب الشمس بسياطها والمطر رؤوس المتفرجين هناك ، وبينما تنتصب أمامي شاشتان ألكترونيتان عملاقتان هنا ، تقفز إلى ذهني صورة الشاشة السوداء ذات الساعة المتوقفة منذ ولدت هناك !

وفيما تبني الدول ملاعب شامخة كل حين يعجز وطني أن يلد ملعبا حديثا يعين ذلك الملعب الذي أنهكته الأيام .. فمنذ أن وضع رئيس الوزراء العراقي عبد الكريم قاسم حجر أساسه عام 1959 وقامت شركة (كولبنكيان) البرتغالية ببنائه كهدية للشعب العراقي مصممة إياه على شكل الحروف ( COI ) التي تكون واضحة من الجو ومنذ أن أفتتح سنة 1966 ، ومدرجاته وأرضه تكافحان لوحدهما دون معين !

لكن أكثر شيء يحزنني في هذه المقارنة أن أقارن بين ملعب ومركز أولمبي في مدينة من مدن الصين مقابل بلد كبير وغني كبلدي ....

بدأ بناء ملعب كيفو الأولمبي في آب 2003 وأكمل في آب 2007 بكلفة مقدارها 1,500,000,000 يوان ( حوالي 220 مليون دولار ) ويغطي مساحة 78 كيلو متر مربع بطاقة إستيعابية مقدارها 60 ألف متفرج إضافة إلى 500 مقعدا خاصا و120 مقعدا للمعوقين وقد تم إختياره لإستضافة جزء من بطولة كأس العالم للنساء بكرة القدم 2007 التي فازت بها ألمانيا بعد شهر واحد من إفتتاحه ..

يبلغ طول الملعب 380 متر وعرضه 270 متر، وإرتفاعه 53 متر بست طوابق تتضمن قاعات تمارين معارضِ ، غرف طعام ، مراكز رعاية صحية وقاعات تمارينِ وألعاب رياضية بالإضافة إلى مراكز إتفاقيات دولية بالإضافة إلى كل ذلك عجبت لأن الملعب يضم سوقا كبيرا ومعرضا وقاعة مؤتمرات !

حين عزف النشيد الوطني العراقي كنا نردد مع اللاعبين كلماته بينما إستدار لاعبو المنتخب الصيني حين عزف النشيد الوطني لبلادهم  بزاوية نحو علم الصين واضعين أيديهم على صدورهم ..

بدأ النزال بلحظاته الممتعة والمرهقة في آن واحد .. لم نجلس لحظة واحدة قط ، كانت قلوبنا معلقة بتلك الكرة المستديرة كالقمر !

كان الجمهور الصيني الكبير هادئا ، لم أر صينيا واقفا أبدا ..وبينما كانت حناجرنا تهتف بإسم الوطن كل لحظة ، كانوا يجلسون صامتين كتلاميذ مدرسة نموذجية !

أحاط بنا رجال الأمن الصيني إحاطة كاملة إذ جلس عدد كبير منهم في الصف الأول وفي المقاعد الخلفية وعلى الجوانب وقاموا بإبلاغنا بعد إنتهاء المباراة بفوز العراق بعدم الخروج من الملعب لحين خروج جميع من في الملعب تجنبا لحدوث أي إحتكاك مع الجمهور الصيني ...عند بوابة الخروج فوجئنا بالجماهير الصينية وهي تقدم لنا التهاني بمناسبة الفوز .. شعرنا ببهجة مضاعفة وتساءلت مع نفسي إن كان هناك جمهور بمثل تلك الأخلاق والرقي .. وقف العديد منهم لإلتقاط الصور معنا فيما كانت هتافاتنا التي بدأت مع الصباح ولم تنته بعد ، تشق سمع الليل ! وحين تحرك بنا الباص كان الجميع يلوح لنا مبتسما ويرسل لنا بالقبل ....

توجهنا بعد ذلك إلى فندق اللاعبين لتهنئتهم بالفوز لكننا وجدنا أنهم لم يعودوا للفندق بعد ..كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة والنصف مساء .. إتفقنا على العودة إلى بكين بعد تناول العشاء في أحد مطاعم الــ KFC .. ودعنا مدينة تيانجين في الواحدة بعد منتصف الليل لنصل بكين عند الرابعة فجرا .. في الطريق نام الجميع وقلوبهم فرحة .. لا شيء أروع من إغفاءة محارب منتصر !

بعد أيام كنا على موعد آخر مع مباراة جديدة حاسمة ..قررت دعوة عائلة أحد أصدقائي العراقيين إلى شقتي لإستعادة شيء من بهجة التشجيع الجماعي الذي إفتقدته منذ ودعت وطني والذي عاد لي بقوة في ملعب كيفو ..لكن الكرة هذه المرة أخطأت مرمى الخصم وأصابت قلبي !

لم أنم ليلتها أبدا .. كنت أبكي مع وطني الذي إنطفأت شموع فرحته فجأة ...

لم أذهب إلى الجامعة في اليوم التالي

إتصل بي صديقي الصيني ليعرف سبب غيابي المفاجئ وأخبرته بأني حزين لأن وطني لم ينم فرحا ليلة أمس ...في الجامعة كانت الحياة تسير بوتيرة هادئة وكأن شيئا لم يحدث !

شاهدت العشرات من الطلبة والطالبات وقد إنتشروا لينظفوا حدائق الجامعة الكبيرة .. بعضهم كان يحمل مقصات كبيرة لتسوية الشجيرات وبعضهم كان منهمكا بقلع الأدغال التي نمت على أطراف العشب الأخضر فيما إنشغل الآخرون بتجميع الأوساخ ونقلها بعربات إلى حاويات كبيرة قريبة ..لم أر أحدا منهم دون عمل ، لم أر أحدا يتحدث وهو يعمل ... كان الجميع يعمل بجد وبصمت تماما كقبيلة نمل ..لا شيء يحرك تلك الأجساد الصغيرة سوى حبهم لجامعتهم ومدينتهم وبلدهم ...........

كم أحب هذا الشعب ! ....

 

* نهراليانغتسي أطول أنهار الصين والذي يمر عبر مدينة ووهان التي يقيم بها الكاتب

الصين ـ ووهان                                                                         

rainman3009@yahoo.com

 

مشاركاته في النخلة والجيران
على ضفاف نهر اليانغتسي...يوميات عراقي في الصين

1

2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20

21

22

23

24

25

26

27