عدنان جبار الربيعي

 

 

 

 

    على ضفاف ( نهر اليانغتسي *)
 يوميات عراقي في الصين / 24

         حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا الكهف 93

 

 

" كثير من المارة يترددون عند تقاطع الطرق

فالقمة تبقى صعبة المنال ،

والويل من السقطة المميتة

ومن الأخطار المدسوسة بين الأشواك .

أهرب من نداء البحيرة ومن غناء العصافير المذهل

فلا خيار لي

سوى الصعود خطوة خطوة نحو شقوق الجبل ،

على المنحدر المزروع بالثلج ،

حيث ضاعت الثنية

نحو قمة ( تيو موير)...

قمة قلبي  "               

                                   الشاعر الصيني دونغ هونغ

أعشق تسلق الجبال كثيرا

أشعر بلذة وأنا أرتفع شيئا فشيئا عن سطح الأرض

خطوة فخطوة تبتعد الأرض وتقترب السماء

وعلى القمة يمتد بصري عله يصل حدود وطني البعيد

بدأت العطلة الصيفية مع بداية شهر تموز ..

إنتهت معاناة الإستيقاظ فجرا للمراجعة قبل خوض الإمتحانات ..

في ووهان إرتفعت درجات الحرارة كثيرا وبدأت الرطوبة الخانقة بالإرتفاع تدريجيا ..

لكني كنت قد أعددت جدولا لزيارة العديد من الأماكن التي لم أزرها بعد ، وأول تلك الأماكن ذلك الجبل الأخضر المميز ( موشان ) الذي كنت أراه من بعيد والذي يقع في المنطقة الجنوبية الشرقية من البحيرة الشرقية الشهيرة الرائعة ( دونغ خو)هذه المرة قررت أن تكون رحلتي هذه المرة برفقة الأصدقاء العراقيين وعوائلهم إذ لا شي يعدل متعة تجاذب أطراف الحديث مع الأصدقاء في الطريق إلى قمة جبل !                               

وصلنا البوابة الرئيسية لشبه جزيرة موشان التي أحاطت بها البحيرة من ثلاث جهات .. كان المكان مزدحما بصورة لافتة للنظر ..وقف تمثال كثيرا ما رأيته في الأماكن التراثية في ووهان يمثل طائرين ملونين وقد علق برقبتيهما طبل كبير ملون .. بنظرة سريعة إلى المكان أدركت بأن يوما كاملا لن يكون كافيا لزيارة جميع أرجائه الواسعة...تشعبت الطرق أمامنا ولم نعرف من أي مكان سنبدأ رحلتنا لكن الخريطة الكبيرة التي وضعت عند البوابة دلتنا على أهم معالم ذلك المكان الكبير الذي يسمى حجر الرحى ( Millstone ) لأن القمة الشرقية الرشيقة له تبدو مثل حجر رحى ..علمت من الخريطة أن أمامنا ستة تلال خضراء كبيرة والعديد من الأماكن التراثية التي تحاكي ثقافة مملكة تشو ( إحدى الممالك المتحاربة السبع (221 ـ 206 قبل الميلاد ) ) والحدائق والكثير من التماثيل العملاقة والمناظر الجميلة ولم يكن لنا بد من التوجه حيث تنتصب القمة الأولى وهكذا بدأت خطوة الألف ميل نحو القمة بخطوات وئيدة !

كنت أعشق تسلق الصخور لكني لم أستطع فعل ذلك بسبب مرافقة عوائل الأصدقاء التي كانت تفضل الطريق المبلط بإتجاه القمة لكن ذلك لم يمنعني أحيانا من تسلق الطرق الوعرة بحجة إيجاد طريق مختصر .. تذكرت وأنا أتسلق بعض الصخور الترابية المعشوشبة ذلك الصباح النيساني قبل ثماني سنوات حيث كنت أتسلق جبل مقلوب الذي يقع على مسافة 35 كم شمالي شرقي مدينة الموصل برفقة الأهل وصولا إلى (دير مار متي) الشهير الذي  أسسه القديس مار متي في غضون القرن الرابع الميلادي .. يومها كنا نسير في طريق ( المرتقى ) المرصوف بالحجارة بين مرتفعين على إمتداد كيلومتر تقريباً وحين وصلنا الدير على إرتفاع 2100 قدم أصبحنا مشرفين على السهول والأودية وأصبح بإمكاننا رؤية مدينة الموصل وقراها منه ...لكن كل شيء كان مختلفا هنا فعلى الرغم من أن الطريق التي نسلكها مبلطة وتحف بها الأشجار الخضراء وبالرغم من قصر الطريق مقارنة بطريق (المرتقى ) لكن الجهد الذي كنا نبذله هنا كان مضاعفا نتيجة لإرتفاع درجة الحرارة والرطوبة معا ..كنا نسير ونحن نتجاذب أطراف الحديث الذي لم يخرج من فردوس الذكريات .. وعلى طول الطريق كانت هناك أسهم تدل الصاعدين نحو قمة الجبل عند مفترق الطرق العديدة بما يوحي بأن هناك أماكن أخرى يقصدها الراجلون لكننا لم نكن نحلم سوى بالوصول إلى القمة في تحد مثير !

عند منتصف الطريق إلى القمة وقفنا لنلتقط صورة مع شجرة نبتت على حافة هاوية سحيقة .. وقفت بحذر على الحافة متذكرا وقوفي الحذر على صخرة ( الإنتحار ) من على جبل ( قاسيون ) في دمشق قبل المجيء إلى الصين .. يومها وقفت لإلتقاط صورة نادرة وإلى الخلف مني كانت عيون النوافذ والمآذن تضيء مدينة دمشق بأنوار ساحرة ..أصرت طفلتي على تسلق الجبل بمفردها دون الإستعانة كباقي الأطفال بالعربات وفي القمة بدت منهكة لا تقوى على السير خطوة واحدة !

بعد أكثر من ساعة كاملة وصلنا القمة..جلس الأصدقاء وعوائلهم للراحة عند أول مصاطب ، فيما واصلت إكتشاف مكان القمة بشغف أكبرعلى القمة إنتصب سرادق أحمر بسقف أخضر يدعى سرادق حجر (جو دي) ..عند مدخل الطابق الأول من السرادق إنتصبت لوحة من الحجر وقد نقشت عليها كلمات صينية وإلى الأمام وقف تمثال يمثل ( جو دي ) ذلك الزعيم الصيني العسكري الذي أسس الجيش الأحمر( جيش التحرير الشعبي ) والذي خطط للثورةَ التي إنبثقت منها جمهورية الصين الشعبية ، أحاطت الزهور بالتمثال فيما إصطفت الأشجار على جانبي ممر يؤدي إلى حديقة جميلة أمامه ..                                

في الطابق الثاني جلسنا لنطل على البحيرة الشرقية والتلال الخضراء المحيطة بها والحدائق الواسعة والأشجار الكثيفة فيما كانت الأسلاك تحمل الزوار بين قمم الجبال بواسطة مقاعد ملونة مفتوحة معلقة .. أحاطت البحيرة الشرقية بالمكان وعلى البعد لاحت لنا جزيرة جميلة وسط البحيرة .. كان الجو ساكنا بما جعل الزوارق تنشر في أرجاء البحيرة بصورة ملفتة للنظر ..إخترنا أن يكون مكان تناولنا الطعام هناك على القمة بعد إلتقاط العديد من الصور كان يتحتم علينا النزول من القمة لمواصلة إكتشاف باقي الأماكن الجميلة لكننا سلكنا طريقا آخر إذ وجدنا على جانب من جوانب الطريق سلما حجريا طويلا أوصلنا إلى الأرض بوقت أقصر.. وهناك وجدنا شلالا رائعا إنتشر حوله الناس هربا من حرارة الجو ..كان رذاذ الماء لذيذا .. استشعرت برودة الصخور بقدمي وأنا أقف أمام شلال الماء البارد الذي كان ينزل من مكان عال مجهول من الجبل .. تذكرت عذوبة مياه شلال ( بيخال ) في مدينة أربيل في شمال وطني قبل ثلاث سنوات حين وقفت مع زوجتي على صخرة من صخوره الملساء كما نحن واقفين هنا تماما .. تذكرت شلال ( كلي علي بك ) الكبير والعين السحرية ( سيبة ) التي سميت سحرية لأنها عين ماء تتدفق بغزارة فى أيام معينة وتمتنع عن ذلك فى أيام أخرى إعتمادا على إتجاه الريح ، لكن دهشتي هنا تضاعفت حين إتضح في زيارتي الثانية بعد أيام للمكان ذاته أن ذلك الشلال الرائع لم يكن سوى شلال إصطناعي ! يومها وقفت مندهشا وأنا أرى الصخور وقد يبست وكأن شلالا هادرا قبل أيام قلائل لم يكن هنا أبدا !

لجأنا بعدها إلى البحيرة الشرقية الرائعة مقررين القيام برحلة إلى الجزيرة الجميلة التي وقعت أبصارنا عليها من أعلى القمة الأولى وهكذا قادنا زورق بخاري سريع إلى الجزيرة المقابلة ووجدنا هناك العديد من ألعاب الشباب وفعالياتهم مثل الطيران بواسطة سلك مربوط إلى الوسط بين قمتي جبلين وتسلق جسر خشبي مرتفع ولعبة تحمل الركوب على ظهر حصان آلي عنيف !

في الجزيرة وقفت لأتأمل جبل موشان عن بعد والذي أصبح الآن في الجهة المقابلة ... مازالت أمامنا عشرات الأماكن التي لم نزرها بعد هناك ..مازالت أمامنا تلك القمة التي ينتصب عليها ذلك القصر الإمبراطوري الأحمر الشهير بالإضافة إلى الكثير من الحدائق الكبيرة والأهم من ذلك كله ، بالنسبة لي ، ذلك العدد الكبير من التماثيل الهائلة الرائعة التي تلي بوابة مدينة تشو التاريخية ....

 

 

 جميع الصور بعدسة صاحب المقالة

* نهراليانغتسي أطول أنهار الصين والذي يمر عبر مدينة ووهان التي يقيم بها الكاتب

الصين ـ ووهان                                                                         

rainman3009@yahoo.com

 

مشاركاته في النخلة والجيران
على ضفاف نهر اليانغتسي...يوميات عراقي في الصين

1

2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20

21

22

23

24

25

26

27