عدنان جبار الربيعي

 

 

 

 

    على ضفاف ( نهر اليانغتسي *)
 يوميات عراقي في الصين / 4

         حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا الكهف 93  

 

" أقف هنا

بدلاً من رجلٍ مقتولْ

حتى إن أشرقت الشمسْ

أجعل ظلي الغائر كطريقٍ

يعبر أرض بلادي "

 الشاعر الصيني بي داو

 ******

في الحلم تراءى لي وطني مثخنا بالجراح ..

جثمت على صدره الجبال كالهموم ، فنام واضعا قدميه في ملح الخليج ..

رأيته ينام كطفل يتيم

ومن عينية المغمضتين نزلت حبة ندى ..

 

بإتجاه حديقة (سن لن ـ كونغ يان) التي تضم غابة القرود ، كنت جالسا في سيارة الأجرة التي أقلتني مع عائلتي .. أخرج سائق سيارة الأجرة بيضة مسلوقة من كيس كان معه وبلمح البصر قشر البيضة وإبتلعها ! .. لم أعرف كيف أفهم السائق بالمكان الذي أتوجه إليه ..حاولت التكلم بالإنكليزية فلم يفهمني حاولت بالإشارات لم يفهم .. إتصلت بصديقي الذي يتقن اللغة الصينية وقام بدوره هو بوصف المكان الذي نقصد  إليه ..

لم يكن المكان بعيدا عن حينا إذ سرعان ما وصلنا إليه ..

كان المدخل إلى الحديقة كبيرا وإنتصبت على جانبيه بإرتفاع أشكال الأكواخ الصينية المميزة التي تعلو البنايات هنا .. أوصلني أحد الرجال الذين كانوا يقفون عند المدخل إلى حيث تقطع التذاكر...

نصبت خريطة كبيرة للحديقة عند المدخل بما يوحي بأننا أمام مساحات شاسعة تحوي أماكن متنوعة 

دخلنا الحديقة التي فاجأتنا بمناظر طبيعية رائعة .. كانت الحقول الخضراء والأشجار المتنوعة والزهور تحاذي الشارع الطويل المؤدي إلى عمق الحديقة فيما وقفت سلسلة جبال خضراء على إمتداد البصر جلسنا عند اول بحيرة صغيرة إمتلأت مياهها بالأسماك الصغيرة .. وقفت مستمتعا بإطعام الأسماك التي تقاتلت للحصول على فتات الكعك الذي كنت أسقطه رويدا رويدا على صفحة الماء

كنا نود الذهاب إلى غابة القرود  .. توجهت بالسؤال إلى مجموعة من الطلبة الذين رشحوا لي فتاة تتكلم الإنكليزية بحذر !

لم تكتف الفتاة بأن تدلنا على مكان الباصات التي ستقلنا إلى العمق ، بل فوجئنا ونحن نسير إلى حيث أشارت بقدومها مع صديقتها لإيصالنا بنفسها وقفنا ننتظر الباص ووقفت الفتاتان معنا ..وحين قدم تكلمت هي مع السائق وأفهمته بنيتنا للذهاب إلى الغابة .. شكرنا لها تلك المبادرة المخلصة ..

لم أسأل صينيا لحد الآن عن مكان إلا ورافقني لإيصالي إلى حيث أريد .. تذكرت يوم كنت غريبا في الإمارات قبل سنوات .. يومها عجزت وأنا أود الوصول إلى مسجد في مدينة الشارقة.. لم يكن أحدا هناك ليكلف نفسه أن يدل غريبا إلى مسجد !!

الناس هنا طيبون !

توحي وجوههم المبتسمة بالتفاؤل ولديهم من الخلق والتواضع والبساطة الكثير .. هناك مثل صيني يقول : ( ابتسم عندما ترد على الهاتف المتصل سوف يشعر بذلك في صوتك !) و (اذا سألك أحدهم سؤالا لا ترغب في اجابته ، ابتسم واسأله : لماذا ترغب في معرفه الإجابة؟ )    

وهم مسالمون بالفطرة .. لم أر شجارا بين إثنين لحد الآن .. فالحكمة الصينية تقول لك : لا تنتقم.. اجلس على حافة النهر وانتظر.. وذات يوم سوف يجيء التيار حاملاً معه جثة عدوك !

أوصلنا الباص إلى مدخل شارع ضيق .. على الجانب وضعت خريطة للمكان وصور لصخور عالية تتسلقها بعض القرود ..

رفضت زوجتي الدخول إلى الشارع المحفوف بالأشجار المتشابكة بعد أن أخبرتها أن القرود طليقة في الغابة !

كنت أقرأ التحذيرات التي كتبت هنا وهناك ( لا تستفز القردة ..ينصح بعدم إرتداء اللون الأحمر لأن ذلك يثير القردة ..إرم الطعام الذي بيدك إن أمسكه القرد ! .. لا تصفق ولا تغير وجهك لتفزع القردة !! ) كنت أقرأ تلك التحذيرات بصوت مرتفع وذلك مما زاد في رعب زوجتي التي دخلت الشارع على مضض بعد أن إنضمت لنا عائلة صينية كبيرة دخلت الغابة.. وصلنا إلى مكان تجمع القردة الطليقة .. توزعت القردة على غصون الأشجار وعلى الأرض وكانت تلتقط الأطعمة التي تجود بها أيدي الزائرين ..                                                 

أخيرا تحقق حلمي أن أجلس مطعما بيدي قردا يجلس إلى جواري !

عادت بي الذاكرة إلى ثلاثين سنة مرت.. كنت حينها طفلا ..

كنت أستقبل مهرولا قريبنا الذي كان يعمل في حديقة حيوان متنزه الزوراء ببغداد ، حين يأتي لزيارة بيتنا ، لأنه كان قد وعدني بجلب قرد لي بطلب مني ، ولم أكن في حينها لأشك في صدق ما يقوله الكبار !

وها أنذا أحقق حلمي بنفسي وبدلا من أن يكون لدي قرد واحد ، أحسست هنا بإمتلاكي عائلة كاملة من القرود !

العيون قلقة .. يدان طويلتان ورأس صغير !

كان ( قردي ) يمسك الطعام بيديه اللتين شعرت بنعومتهما حين لمست إحداها .. خمسة أصابع بأظافر سوداء !

فرحت إبنتي الصغيرة وهي تشاركني إطعام القرد بينما وقفت زوجتي على بعد تراقب المشهد بفزع !

إنتشرت أكواخ القردة الصغيرة على الأشجار فيما أحاطت الصخور الكبيرة بالمكان .. رأيت عاملة صينية تشير إلى القردة ، الذين كانوا على الأرض ، بعصا طويلة أن تفرقوا !

تجولنا بعد ذلك في الحديقة الكبيرة .. أوصلتنا أقدامنا إلى شارع عريض كان الناس يتوجهون إليه .. إتضح أنه يؤدي الى البحيرة الشرقية (دونغ خو )..

على ضفاف البحيرة إنتشر الطلبة والطالبات على شكل مجاميع كثيرة جدا .. كانوا يشوون اللحوم المتنوعة والخضار والذرة ومختلف أنواع الأطعمة .. وعلى حافة الماء إنتشرت قوارب كثيرة متنوعة الأشكال والحجوم .. أعجبتني تلك الكرات البلاستيكية الكبيرة الشفافة التي كانت تملأ بالهواء ليدخل فيها من يود المشي على الماء !

لم تفتنا فرصة الإستمتاع بالجلوس بقارب خشبي كان يسير ببطئ بقيادة رجل صيني في الخمسين من العمر إعتمر قبعة عريضة تقيه حر الشمس..أشار لي وهو يدندن بأغنية هادئة محركا مجاديفه الخشبية أن وقت الرحلة سيكون لنصف ساعة ..

في البحيرة مررنا بمشاهد رائعة لجبال خضراء تستقر على قممها أكواخ  حمراء عديدة .. رأينا شبابا يمارسون التزحلق على الهواء بواسطة حبل ممدود بين جبل بعيد وضفة بعيدة من ضفاف البحيرة .. كانت القوارب التي نمر بها تحيينا .. إعتادت إبنتي الصغيرة على وجوه الصينيين ..صارت تلقي بالتحية على أي منهم  ضاحكة ..

ربما لأنهم ودودون جدا معها ... ربما لأن وجوههم مبتسمة دائما .. أو ربما لأنها تظنهم جميعا شخص واحد !

هتف بنا من ضفة قريبة شاب صيني ( أهلا بكم في الصين ) وضحك محييا إيانا ورردنا عليه وعلى جلسائه التحية بأحسن منها

حين خرجنا من الحديقة فوجئنا بمطعم كتب عليه بالخط العريض: المطعم الإسلامي !

أخيرا وجدنا مطعما يقدم وجبات الطعام للمسلمين .. كان آخر عهدنا برؤية مطعم إسلامي في بكين حيث دعانا أخي الأكبرهناك لوجبة طعام فاخرة في المطعم الإماراتي قبل السفر إلى ووهان ..

إستقبلتنا فتاة ترتدي بدلة رسمية أنيقة بإبتسامة عريضة .. كان المطعم أنيقا والهدوء يسيطر على المكان ..لفت نظري قلة الزبائن .. ربما لأن الوقت كان ليس وقت غداء .. وعلى الحائط علقت لوحة سوداء كتبت عليها البسملة بخطوط طولية باللون الأصفر..جلبت لنا النادلة كوبين من الماء الحار وحين سألتها عنهما  أجابتني إنه شاي صيني !

يعد الشعب الصيني أشهر من تميز في فنون طقوس تحضير وتقديم الشاي فهم يشربونه منذ أكثر من أربعة آلاف سنة ويعتبره الصينيون  مشروبا لا غنى عنه أبدا في حياتهم اليومية  حتى ان المثل الصيني يقول "خير ان تذهب الى العمل دون افطار ثلاثة ايام على ان تذهب يوما واحدا دون شرب الشاي".

 وللمسلمين الصينيين ولع خاص بالشاي ..فهم لا يكتفون بشربه، بل يكرمون به الضيوف أيضا و يفضلون شرب الشاي بالسلطانيات ذات الأغطية ، و يدخل الشاي في تسميات بعض مناسباتهم  فهم يسمون "طلب اليد للزواج" بـ"شوه تشا" (الحديث عن الشاي)، و"عقد الخطبة" بـ"دينغ تشا" (حجز الشاي) أو "خه شي تشا" (شرب الشاي الخير). زد على ذلك ان الهدايا المقدمة من أهل الخاطب إلى أهل الخطيبة لا بد ان تشتمل على كميات من الشاي !

إحتسيت الشاي  بحذر ! ..كان طعمه خفيفا كالماء ، لكن نكهته كانت تأتي بعد إنتهاء الرشفة بقليل ..

وضعت على الطاولة المستديرة مناديل ورقية وزهور وأقداح صغيرة فارغة بملاعق زجاجية صغيرة وأعواد الطعام الصينية المغلفة المصنوعة  من الخشب الفاخر..

جلبت النادلة لنا كتلوكا خاصا بالأكلات التي يقدمها المطعم .. البهارات الحارة والفلفل الحار هي أكثر الأمور وضوحا في طعم اللحوم التي يقدمها المطعم .. الخبز يقدم على شكل شرائح رقيقة رطبة وحارة .. لا خضروات سوى المطبوخة منها ولا مقبلات وبرغم ذلك كله فإن الأكل كان لذيذا ..

دخل الإسلام الصين في أواسط  القرن السابع الميلادي تقريبا والعقد الثالث من التقويم الهجري ويقال إن الرسول الكريم (ص) كان قد أرسل أربعة أتباع له إلى الصين لنشر الدين الإسلامي  

وفي العام 1335 صدر في الصين مرسومًا إمبراطوريًا إعترف  بالدين الإسلامي وأسماه ( الدين الحق الطاهر )، أو ( تشينغ تشن ) وهو التعبير الذي يطلق على الإسلام حتى اليوم، ونراه منتشرًا في كل أرجاء الصين.

ويعتنق الدين الإسلامي  معظم أبناء قوميات هوي والويغور والتاتار والقرغيز والقازاق والأوزبيك ودونغ شيانغ وسالا وباو آن. ويقيم معظم المسلمين الصينيين في منطقة (شينجيانغ) الذاتية الحكم لقومية الويغور المسلمة ، ومنطقة ( نينغشيا ) الذاتية الحكم لقومية هوي ومقاطعات   (قانسو) و(تشينغهاي )و(يوننان) و(شنشي) بصورة رئيسية . يقدر عدد المسلمين في الصين حسب إحصاءات الحكومة  بـ 20 مليون مسلم  تقريبا بينما يقول المسلمون أن عددهم يفوق الـ 70 مليون ، وتوجد في الصين الآن حوالي 30 ألف مسجد .

ويعتمر المسلمون هنا الطاقيات السوداء والبيضاء والتي تميزهم عن غيرهم فيما تميز وجوههم وأجسامهم سحنة أقرب ما تكون إلى الشعب المنغولي

في مساء أحد الأيام ، إرتمت إبنتي الصغيرة مرتجفة في حضني بعد سماع أصوات إنفجارات عديدة .. كانت الأصوات تعلو بدون إنقطاع .. تساءلت عيناها بقلق عن الذي يحدث في الخارج ، مكررة بذلك نفس المشهد حين كان صوت القنابل يعلو هناك على بعد أشبار في خريطة العالم !..

ولم تكن تلك الأصوات غير أصوات فرح صيني ! ...

 

 جميع الصور بعدسة صاحب المقالة

* نهراليانغتسي أطول أنهار الصين والذي يمر عبر مدينة ووهان التي يقيم بها الكاتب

الصين ـ ووهان

rainman3009@yahoo.com

مشاركاته في النخلة والجيران
على ضفاف نهر اليانغتسي...يوميات عراقي في الصين

1

2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20

21

22

23

24

25

26

27