|
|
|
عدنان جبار الربيعي |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
( 1 ) وطني الذي لا يعرف أبجدية الحروف الصينية مثلي وحدي من يراه الآن واقفا بعيداً على إمتداد الألم أنيقاً متقلداً جراحه الشاهقة
ها هي الغربة تنهض كطائر العنقاء لتأخذ سندباد إلى المجهول من جديد .... هذه المرة حملت العنقاء ثلاثة غرباء : رجل وإمرأة وطفلة .. ابعدني الطائر عن أرض زرعت فيها أمي لتستقر في جوفها بسلام .. أمي التي لم تودعني حين حملت حقائبي من جديد .. أغلب الظن أن روحها سافرت معي .. ربما تكون قد جلست في المقعد المجاور لي في الطائرة إذ شاء القدر أن يكون فارغا إلا من روحها الطاهرة .. أبعدني طائر العنقاء عن أرض لا تحسن إلا إمتصاص الدماء والدموع والأجساد ... لم أبك هذه المرة إلا حين أشرقت شمس أخرى على جسدي في اليوم التالي بعد وصولنا دمشق .. بكيت لوطني بكاءا مرا وبكت زوجتي .. جرت دموعنا بغزارة وكأن صنبورا من الماء قد فتح للتو .. لماذا نشرد هكذا ؟ لماذا ترفضنا الحياة بكل هذا البرود .. لماذا تحتقرنا الأرض ،أو هذا ما بدا لنا منذ ولدنا ، والهواء والمطارات والسفارات لماذا تغرق بغداد بالظلام بينما تنام العواصم مكتظة بالضوء ؟
لماذا
يحيا الآخرون بينما لا يشغل تفكيرنا إلا كيف نتحاشى الموت المؤجل المتربص
في كل لحظة .... كانت الطائرة تبحر في سماء عريضة باتجاه ( إمبراطورية الوسط ) و( أكبر النمور الآسيوية ) وهي بعض الأوصاف التي تطلق لوصف جمهورية الصين الشعبية التي تشير التقديرات أن عدد سكانها سيبلغ 1.5 مليار نسمة في عام 2010 والتي تحتل اليوم موقع رابع أكبر اقتصاد في العالم وقد تبرز باعتبارها الأكبر خلال عقد واحد.. كنت أنظر من النافذة المجاورة للسماء ..لم تدعني حقول الغيم الممتدة مع الأفق لأرى ما خلق الله على ظهر هذه الأرض التي يضرب بها المثل في البعد حتى قال الرسول الأعظم (ص) أطلب العلم ولو كان في الصين وقد أتيتها طالبا للعلم حقا من جهة وشغوفا بحب الإطلاع على عادات الشعوب من جهة أخرى.... استمر هبوط الطائرة وقتا طويلا حتى هبطت في مطار بكين ..فوجئت وأنا أترك الطائرة أن أربع ساعات قد سرقت من عمري ! كيف ؟ أتاني الجواب أن الساعة الآن هي الثانية بعد الظهر بينما كانت ساعتي البغدادية تشير إلى العاشرة صباحا والسبب هو فرق الوقت بين العاصمتين .. لم يهدأ بالي إلا حين علمت أنني سأسترد هذه الساعات حين أعود إلى بغداد بعد حين .. في بكين كان الجو غائما ...كانت السيارة التي أقلتنا من مطار بكين باتجاه بيت أخي المقيم في الحي الدبلوماسي في بكين تقطع الشوارع الطويلة العريضة وكانت أشجار الصفصاف الطويلة تصطف على امتداد الشوارع .. لفت نظري وجود محطات لابد للسائق أن يوقف سيارته فيها قبل إكمال طريقه وإتضح بعد سؤالي عنها أنها محطات إستقطاع ضريبة المرور عبر هذا الشارع ! أليس هذا جزء من إجراءات الأنظمة الرأسمالية ؟ سألت، وأتاني الجواب إنها إشتراكية الألفية الثانية بعد الميلاد !! يعود تاريخ بكين إلى أكثر من3000 عام، كانت عاصمة لخمس أسر إمبراطورية وفي أول أكتوبر 1949 تأسست جمهورية الصين الشعبية، فأصبحت بكين عاصمتها و يبلغ عدد المقيمين في بكين حوالي 14 مليون نسمة من كل القوميات الصينية الست والخمسين، إلى جانب أبناء قومية هان، وهم الأغلبية. رفضنا الإخلاد إلى النوم بعد تلك الرحلة الطويلة والسبب هو أن فترة بقائنا في بكين لن تتجاوز الأيام الثلاثة القادمة وبعدها كان يتحتم علينا التوجه إلى مدينة ووهان عاصمة إقليم خوبي حيث سأقيم هناك لغرض الدراسة ..كان الوقت مساءً حين قررنا الخروج في جولة قريبة في الشوارع المحيطة بالحي .... كان الفقراء يتقاطرون على الأجانب الذين كانوا يتجولون وهم يتجاذبون أطراف الحديث الذي لم تخرج دائرته عن ذلك الجرح الناغر المسمى عراق .. لم يكن هؤلاء الأجانب سوانا ..أغلب المتسولين كانوا من كبار السن يأتي أحدهم منحيا حاملا وعاءا صغيرا ويبقى ملتصقا بك حتى تضع له في وعائه ما تمن به يدك ويظل يتمتم بكلمات قليلة هازا بجذعه بوضع الركوع ممتنا ...
وصلنا في جولتنا المسائية إلى شاشة ألكترونية عملاقة مذهلة قيل لي أنها
أكبر شاشة
LECD
في العالم .. الشاشة كانت ترتفع بشكل سقف كبير لتغطي مساحة 7500متر مربع إذ
يبلغ طولها 250 مترا وعرضها 30 متر وكانت تعرض أفلاما قصيرة متنوعة تتحدث
عن حضارة وحاضرالصين..شعرنا بالذهول ونحن نمر تحت الشاشة وكانت المؤثرات
الصوتية المرافقة لعرض الأفلام القصيرة رائعة وسرعان ما تجمهر الصينيون
حولنا على شكل حلقة تزايدت أقطارها وأخذ أكثرهم جرأة بالتحدث معنا ، فهم
يخافون التحدث إلى الغريب لإختلاف اللغة ، إذ لم يدرس اللغة الإنكليزية
صيني من قبل ، لكن الفتيان والشباب الأصغر سنا هم من يستطيع نطق كلمات
قليلة مرتبكة بتلك اللغة بعد أن أدخلت في المناهج الدراسية مؤخرا ، ولم تكن
أسئلة الرجل تتعدى معرفة البلد الذي أتينا منه وحين أخبرناه أننا من العراق
ابتسم محييا إيانا وأخبر الآخرين بذلك تكرر ذلك معنا في كل مرة تجمع فيها
الصينيون حولنا لاحقا ،إذ أنهم يحتفون بالغرباء بشكل ملفت، بل ويتقاطرون
من أجل إلتقاط الصور لطفلتي ومعنا كعائلة ولا يكاد من يحاورهم أن يغفل
إرتجاف شفاههم حين يتحدثون الإنكليزية لأنهم لم يجربوا الحوار بها مع أحد
من قبل ...
ربما تكون العزلة التي يعيشها هؤلاء هي السبب في إهتمامهم بمعرفة الأجانب والإطلاع على الآتين من الفضاء !! قيل لنا أنكم يجب أن تزوروا في صباح الغد مكانا لابد للسائح أن يزوره في الصين وحين سألنا عنه قيل لنا إنه جثمان الزعيم الصيني الراحل ماوتسي تونغ حيث لا يزال الى اليوم مسجى داخل مرقده المهيب في ساحة تيان أن مين( بوابة السلام السماوي) في استنساخ لتجربة تحنيط جثة الزعيم الروسي لينين وسيتحتم علينا أن نكون هناك قبل الساعة الحادية عشر صباحا وذلك للظفر برؤية جثة الزعيم المحنطة لأن باب (قاعته) يغلق يوميا تمام تلك الساعة من الصباح وماوتسي تونغ من القلائل الذين لديهم قبور في الصين إذ بقيت جثته في منأى عن الإحراق ، لأن معظم الصينيين يقومون بإحراق جثث أمواتهم ،على أن عادة إحراق جثث الموتى في الصين لا ترتبط بأي عقائد دينية مثل غالبية دول الجوار الآسيوية ( كالهند واليابان ) التي تعتبرها أمرا ضروريا لصعود الروح الى السماء بعد تحريرها من قيود الأسر الجسدي ... بل ترتبط بدعوة ماوتسي تونغ نفسه التي أطلقها رسميا يوم 27 نيسان عام 1956 لتوفير مساحة الأراضى التي كانت تستخدم في دفن الجثث واستغلالها فيما هو أجدى للشعب الصيني !... وهي الدعوة التي تلقى صداها لدى الشعب الصيني عاما تلو الآخر بعد أن ضاقت بهم الأرض على رحابتها (تبلغ مساحة الصين 6ر9 مليون كم مربع ويبلغ عدد سكانها 3ر1 مليار نسمة).... أشارت الساعة إلى ما بعد الثانية فجرا ولم نكن لنشعر بأي نعاس وكانت إبنتي الصغيرة بكامل نشاطها تلعب وتمرح ولم أجد تفسيرا مقنعا لهذا النشاط رغم أننا لم نأخذ قسطا من الراحة بعد الرحلة المتعبة من مطار دمشق إلى مطار الدوحة فمطار بكين غير أن أجسامنا لا زالت تعيش بتوقيت بغداد أي أن (ساعتنا البايولوجية ) كانت تشير إلى العاشرة مساءً !!
كانت(ساعتنا البايولوجية )تشير إلى السابعة صباحا حين استيقضنا من النوم
بينما كانت ساعة بكين تشير إلى الحادية ولد ماوتسي عام 1893م لأسرة فقيرة تعمل بالزراعة ومن المعلوم أنه سيطر على الحزب الشيوعي الصيني في نهاية الثلاثينات من القرن العشرين إذ لم يكن هو المؤسس للحزب ولم يقم ستالين باختياره كزعيم للحزب الشيوعي الصيني إلا بعد ثلاث سنوات من تأسيسه. ثم سيطر على كل مقاليد السلطة في الصين بدءًا من عام 1949. وقد حصل ذلك بعد حرب أهلية مرعبة وبعد أن ساعده الاتحاد السوفييتي على ذلك ،عندئذ أصبح يمتلك سلطة مطلقة على ربع سكان الكرة الأرضية خلال سبعة وعشرين عاما فقدت الصين خلالها سبعين مليون صيني على الأقل في زمن السلام لا الحرب وقد تحول منذ إستلم مقاليد الحكم إلى شخص مخفيّ عن الأنظار وغير مرئي تقريبا، وهكذا زادت هيبته لدى الشعب وأصبح يسير الأمور من وراء الستار. ترى وجه ماو على العملات الورقية وترى تماثيله منتصبة وهو يرفع يده في الساحات بل أن أصغر عملة صينية متداولة تدعى بـ( الماو ) تشبها باسمه...كنت منبهرا بمنظر أولئك الفقراء وهم يدخلون أبواب القصررافعي الأعلام الصينية بمشهد يذكرني بمشاهد توجه الفقراء لمراقد الأولياء الصالحين مع وجود الفارق بالطبع بين الشخصيات وسألت نفسي لماذا يعيبون على الناس في العالم الإسلامي تقديسهم لأضرحة أئمتهم وزيارتهم ؟
لن أنسى كيف كانوا يغرقون في تجليات صوفية وهم يمسكون بمقابض إحدى أبواب
القصر... كانوا يقبلون أبواب القصرو جدرانه ويمسحون به جباههم ...توفي ماو
في شهر ايلول 1976 بعد مرض عضال أدى الى تولي زوجته معظم الشؤون السياسية
والحزبية في السنوات الأخيرة من حياته. في ساحة تيان أن مين الواسعة نظرت إلى الصورة الكبيرة لماو وهي تطل على الساحة وتساءلت مع نفسي إن كان قد رأى الدبابات وهي تسحق الطلبة الصينيين في تلك الساحة عام 1989حين نظموا أول حركة إحتجاج طلابية للمطالبة بتوسيع حرية الرأي ،كما قرأت عنها قبل السفر إلى بكين ، تلك الحادثة التي لا يجرؤ أحد على الجهر بها هنا ! قرب إحدى البنايات علق شعار الدورة المقبلة من الألعاب الأولمبية وعلى الجدار الكبير وضعت ساعة تحدد عدد الأيام والساعات المتبقية لاحتضان الدورة في العام 2008 في طريق العودة كنت أراقب شوارع المدينة .. تكاثرت الدراجات الهوائية والنارية بشكل غريب وملفت للنظر. كان المسنون والشباب يمتطون الدراجات.. بعض الفتيات وضعن على وجوههن نظارات كبيرة حمراء، تشبه القبعات، تحمي عيونهن الصغيرة وجزءاًواسعاً من الوجه ..قيل لي أن هناك أغنية صينية تتحدث عن"بكين مدينة التسعة ملايين دراجةَ" وقد خصص لها شوارع خدمية ضيقة خاصة تحاذي شوارع السيارات العريضة ....شاهدت العديد من الدراجات الهوائية بثلاث عجلات والتي تستخدم للأجرة وذلك للتجول في أزقة بكين الشهيرة..كانت شوارع بكين ورغم اكتظاظها بالسيارات تعرف سيولة في الحركة رغم معرفتي بأن عدد السيارات التي تسير في شوارع بكين يقارب الثلاثة ملايين سيارة ! أما السائقون فغالبيتهم هادئون يتفادون إستعمال منبه السيارات والقانون صارم بشأن إستخدام حزام الأمان أو تجاوز السرعة وكذلك إجبار سائقوا سيارات الأجرة بإستعمال العداد وأن تكون سيارة الأجرة مكيفة ! كان الهدوء يلف الحي الدبلوماسي .. إمتدت الحدائق المليئة بألعاب الأطفال والمصاطب الأنيقة.. شعرت بالسلام في داخلي حيث لا ضجيج ... كان الحرس الذين يقفون بباب السفارات الممتدة في داخل الحي أكثر شيء لفت إنتباهي إذ أن الواحد منهم كان يقف منتصبا كالشجرة وقد أبرز صدره إلى الأمام وصف قدميه بوضع الإستعداد بلغة النظام العسكري ..لم يكن شيء ليتحرك فيه سوى رأسه الذي كان يتحرك بصورة آليه يمينا ويسارا.. كنت أنظر إلى أحدهم وكان وجهه يعكس تعابيرا جامدة وكأنه إنسان آلي وخيل لي أنه لن يتحرك من مكانه حتى لو إقتربت منه أفعى ! إذ أن واجبه يحتم عليه مراقبة الشارع (الهادئ والملئ بكاميرات المراقبة) وقد أخبرت بأنه يستمر بذلك حتى إنتهاء فترة مناوبته فيأتي إنسان آلي آخر ليأخذ مكانه بصورة آليه أيضا وهكذا حتى اليوم التالي ! في مساء اليوم التالي قمنا بالذهاب إلى شارع ( ون فوجين) وهو شارع خصص للمشاة فقط إذ لا ترى فيه سيارة واحدة وتمتد على جانبيه اسواق كثيرة .. قلنا لنذهب إلى الشارع بواسطة مترو الأنفاق .. قطعنا التذاكر وهبطنا إلى ( العالم السفلي ) لنرى مدينة عامرة تحت الأرض ! إمتدت أمامنا بعد الهبوط بسلالم آلية طويلة جدا محلات أنيقة وواجهات زجاجية وشوارع لامعة وأنفاق طويلة واسعة ..إنطلق صوت عزف على الكيتار وكانت هناك حنجرة تصدح بأغان هادئة ولم تكن تلك الأغاني تنطلق من سماعة صماء إذ وصلنا إلى منعطف جلس عنده ثلاثة رجال بملابس أنيقة وإتضح فيما بعد أنهم ليسوا سوى شحاذين !
صعدنا المترو الذي كان يسير بسرعه تقارب 80 كم \ساعة وقد لفت إنتباهي وجود
ست شاشات تلفزيونية في العربة التي أقلتنا تمكن
ركاب العربة من متابعة التقارير الإخبارية والحصول على احدث المعلومات مثل
حالة
المرور ومتابعة البث الحى لدورة الالعاب الاولمبية القادمة ( كما أعلنوا)
في المستقبل القريب
. وتوجد
في بكين 4 خطوط للمترو يبلغ طولها الكلي 114 كم تنقل يوميا ما يقرب من
1.15 مليون راكب
! لم تفارقني في كل جولاتي أمنية أن تكون مدينتي بغداد هكذا بأنفاق رائعة تحت الأرض وبعمارات شاهقة فوقها .. بحدائق تفترش الأرصفة وشوارع لا ترى فيها عوجا ولا أمتا والأهم من ذلك كله بوجوه مشرقة لا تفارقها البسمة ... ترى هل ستكون ووهان بنفس أناقة العاصمة بكين ؟ سألت نفسي وأنا أستسلم لإغفائة لم تأت إلا بعد الثانية فجرا ....
ــــــــ * نهراليانغتسي أطول أنهار الصين والذي يمر عبر مدينة ووهان التي يقيم بها الكاتب الصين ـ ووهان
مشاركاته في النخلة والجيران
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||