عدنان جبار الربيعي

 

 

 

 

    على ضفاف ( نهر اليانغتسي *)
 يوميات عراقي في الصين / 10

         حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا الكهف 93  

 

"ها نحن نتابع طيرانك آسفين حزانى

أنت أيها المجنح

يا صديقنا الوحيد

تفر منا بدون تردد

وتتركنا بلا سند

أنت أيها العصفور الجميل

                    يا من اسمه الزمن "        

                                   الشاعر الصيني لاي شو يان

 

حل العام الميلادي الجديد ..

إنقضى عام كامل وبدأ عام ..

كانت الدقائق الأخيرة من العام مؤلمة حقا ..

كنا نحتفي بتلك الدقائق هناك في وطني مجتمعين ..

وحين تحل تلك اللحظة معلنة إنطفاء عام وولادة عام جديد كنا نطفئ النور في بيتنا لنغرق في ظلام ليغمض كل منا عينيه على أمل أن يفتحهما على مستقبل أجمل !

كنت أبذل جهودا إستثنائية لخلق أجواء الميلاد هناك .. أتسلق شجرة الصفصاف التي تنتصب في حديقة الدار لأقطع منها غصنا ( يفي بالغرض ) صانعا شجرة ميلاد طبيعية صغيرة ثم أعلق عليها ما شئت من الزينة والنشرات الضوئية لتغدو شجرة فاخرة !  

كانت أولى أمنياتي الكثيرة في كل عام أن يجلب العام الجديد السلام  والخير إلى أرض وطني .. ذلك الطفل الذي ولد للتو خارجا من رحم المعارك العقيمة .. ذلك الطفل الذي نحنو عليه متمنين له أن يكبر سريعا كي يرعانا حين يتعبنا إنطفاء شموع السنين !

 

هي لحظة جاءت بعد الثانية عشرة ليلا غيرت رقما كاملا ليصبح الرقم 7 بمصاف الأعداد القديمة وليأتي الرقم 8 مرتديا حللا جديدة ..

صادفت ليلة عيد مولد السيد المسيح (ع) آخر ساعات أيام عيد الأضحى المبارك في وطني .. ذلك العيد الذي مر يومه الثالث علي وأنا أخوض أول إمتحاناتي في نهاية الفصل الدراسي الأول .. لم يكن هذا العيد بالنسبة لي غير فرصة للإستعداد للإمتحانات ، لكني إستمتعت مع عائلتي في اليوم الأخير منه بزيارة مدينة الألعاب الكبيرة في ( خانكو ) وفيها وجدنا قبعات بابا نويل تباع في الأكشاك الكثيرة المنتشرة في الحديقة .. كان منظر المدينة رائعا على إرتفاع عشرين مترا تقريبا حين إرتقت بنا لعبة ( الدولاب ) الكبيرة ..

خرجنا بعدها للتجول في أرجاء المدينة الكبيرة .. إنتشرت الزينة والبالونات وأشجار الميلاد والمصابيح في المحلات والمطاعم والأسواق الكبيرة وعلى الأرصفة ..

في أحد المطاعم شاهدنا فتاة ترتدي ملابس ملاك !

نادتها زوجتي مصرة على إلتقاط صورة معها .. فتحت الفتاة باب المطعم مهرولة لتقف إلى جانب زوجتي ضاحكة .. كانت أجنحة الملاك كبيرة ووقفت الفتاة وقد أفردت ريش جناحها الأبيض واستقر تاج على رأسها فيما كانت تمسك بيدها عصا بيضاء تعتليها فراشة بيضاء من غير سوء !

إنتصبت أشجار ميلاد كبيرة أمام أحد الأسواق الهائلة وغطى الساحة ضوء كضوء النهار ..

فوجئنا بالأعداد الكثيرة من الناس الواقفين أمام وداخل السوق وعلمنا أن سبب كثرتهم يعود لوجود تخفيضات كبرى على البضائع والسلع في الأسواق الكبرى من المدينة إبتهاجا بأعياد الميلاد ..

كنت أنظر إلى الباصات وهي تمتلئ بالناس جلوسا ووقوفا وكان الناس يأتون إلى الأسواق رجالا وعبر وسائل النقل المختلفة يتدفقون من كل فج عميق !

دخلنا السوق الذي غصت طوابقة الثمانية بالمتبضعين .. لم تكن الأسعار منخفضة رغم التخفيضات ومع ذلك كان الناس يقبلون على الشراء بفرح غامر !   

قال لي صديقي الصيني بعد حين إنهم يعتبرون هذه الأيام مجرد فرصة للتسوق ولتبادل الهدايا مع الآخرين لا أكثر ولا أقل !

وأكد لي أن بلدهم لم تدخل أجواء الميلاد إلا منذ سنين قليلة وعلى مستوى مراكز التسوق فقط  

فبينما تبدو الأسواق في الصين كغيرها من البلدان الأخرى من حيث تواجد أشجار الميلاد بزينتها وإضاءتها والهدايا الوهمية المحيطة بها، يكمن خلف تلك المظاهر اختلاف كبير إذ أن عيد الميلاد في الصين ليس سوى وسيلة للاستعداد لرأس السنة الصينية التي ستحل بعد شهر تقريبا وذلك من ناحية بداية موسم المبيعات وليس لدى المتسوقين هنا سوى فكرة محدودة عن الصبغة الدينية لعطلة عيد الميلاد !

 وتضم الصين نحو 40 مليون مسيحي أي ما نسبته 3 أو 4% من إجمالي الشعب الصيني فقد دخلت الكاثوليكية الصين في القرن السابع الميلادي وتوجد في الصين الآن 100 أبرشية وقرابة 5000 كنيسة و12 معهدا خاصابالكاثوليكية. فيما دخلت الأرثوذكسية إلى الصين في أوائل القرن التاسع عشر وتوجد في الصين الان 12000 كنيسة و حوالي 18 ألف قس

 في طابق كبير من طوابق السوق أتاحت عيون الأطفال الصغيرة لنا فرصة مشاهدة أفراح عيد الميلاد الحقيقية كان الطابق مخصصا لملابس ولعب الأطفال وقد خصص جزءا كبيرا من الطابق لألعاب الأطفال الكثيرة والكبيرة والمتنوعة .. وجدنا خيولا معدنية وحيوانات مختلفة وهي تدور مرتفعة ومنخفضة .. أثارني مشهد طفلة صينية تفرد جناحيها مبتسمة !

على جانب آخر شاهدنا مرسما صغيرا للأطفال ..

كان بعض الأطفال يلونون صورا كبيرة وانشغل البعض الآخربتلوين تماثيل بيضاء صغيرة بالألوان المائية كيفما شاءوا ، فيما تجمع أطفال كثيرون حول أحواض ملئت بأسماك الزينة وبيد كل واحد منهم شبكة صيد صغيرة وما على الطفل سوى إصطياد ما شاء من الأسماك الملونة ووضعها في حوض صغير سيعاد مرة أخرى الى الحوض الأب !

جلست إبنتي لتصطاد الأسماك الملونة الجميلة .. كانت فرحة بإصطياد ما إستطاعت يدها الصغيرة إصطياده ..

على مقربة منا تجمهر الأطفال وهم ينظرون إلى شيخ صيني كان يصنع الحلويات بطريقة غريبة !

كان الشيخ يرسم صورا لحيوانات بواسطة سائل ثقيل ..رأيت كيف رسم ديكا وسمكة بسرعة فائقة .. كان السائل يتجمد بعد دقيقة واحدة من إكمال الرسم ورأيت الدهشة تعقد ألسنة الأطفال الذين كانوا يمسكون حيواناتهم اللذيذة فرحين !

وفي ركن كبير إصطفت شاشات الألعاب الألكترونية أمام الأطفال الذين كانوا يجلسون ممسكين بمقابض السيطرة ليتسلوا بألعابهم القتالية المفضلة ..

                                          

قفزت إلى ذهني صورة أطفال حينا ببغداد والذين لم تكن لعبتهم المفضلة سوى نصب سيطرة عند مدخل الزقاق ممسكين بعدد من العصي الخشبية كبنادق !

 فجأة ظهر ( بابا نويل ) بملابسه الحمراء التقليدية ولحيته البيضاء وهو يحمل بالونات كثيرة يصطحب معه أولاد صغار بملابس حمراء وفتيات صغيرات بوجوه ملونة وملابس بيضاء كالملائكة !

وتعد شخصية "بابا نويل" أو "سانتا كلوز" من أهم رموز أعياد الميلاد ويعود أصل هذه الشخصية إلى القديس ( نيقولاس ) أسقف مدينة  ( ميرا ) الذي عاش في القرن الرابع الميلادي على سواحل البحر الابيض المتوسط  وكان يوزع الهدايا للفقراء ولعائلات المحتاجين أثناءالليل دون أن تعلم هذه العائلات من هو الفاعل.

أما الصورة المعروفة لـ"سانتا كلوز" فقد رسمها الرسام الأمريكي الشهير توماس الذي حدد بعد ذلك الصورة المتعارف عليها الآن لشخصية بابا نويل عام 1822م، والتي شكلت في ذهن الأطفال القصص الأسطورية حول هذه الشخصية التي تأتي على عربة من الألماس يجرها زوج من الخيول ذات الأجنحة والتي تطير بالرجل من مكان لآخر ليلة رأس السنه ليوزع الهدايا على الأطفال.

 تذكرت وأنا أنظر إلى بابا نويل تلك الحادثة التي تقول أن إحدى المدرسات الاستراليات كانت قد أجابت تلاميذها الذين طلبوا رؤية بابا نويل بأن لا وجود لشخصية بابا نويل إطلاقا وأن أهلهم لا يقولون الصدق لهم حين يؤكدون وجوده ! ، فما كان من الأطفال إلا أن خرجوا يبكون بسبب انهيار أحلامهم وأمنياتهم مرة واحدة فقررت إدارة المدرسة فصلها نظرا لأنها لم يكن لديها "حس تربوي" حين صممت أن تقول الحقيقة!


لكن بابا نويل لم يكن هذه المره سوى فتاة صغيرة الحجم بعينين صغيرتين ولحية بيضاء طويلة !

وقفنا لننظر ما سيفعل ( سانتا كلوز) مع الأطفال ..

أشار بابا نويل إلى فتيات يرتدين ملابس حمراء بأن يأتين وحين أتت مجموعة الفتيات أشرن للأطفال أن تجمعوا أمام منصتين ووقفت فتاة على كل منصة وسرعان ما إبتدأ الرقص !

كان بابا نويل يقود فرقة الفتيات( كمايسترو) وكانت أغاني الأطفال المشهورة الخاصة بأعياد الميلاد تصدح ، وصار الأطفال يقلدون حركات الفتيات بدقة !

 إستمتعنا كثيرا برؤية إحتفال الأطفال البريء وطمعنا برؤية ما سيفعله الكبار في مطعم الماكدونالد الذي يحتل ركنا مميزا من الطابق الأرضي للسوق ..

كان المكان مزدحما لدرجة أننا لم نحصل على مقعدين فارغين إلا بشق الأنفس ..

كانت الزينة تنتشر في المطعم وكانت ترانيم الميلاد تملأ الأرجاء مع رائحة الوجبات السريعة المميزة ، فيما إرتدى النادلون والنادلات ملابس الميلاد التقليدية ..

أهدانا زوجين صينيين كانا يتناولان طعام العشاء قربنا تقويم العام الجديد مع عبارة year  happy new وشكرنا لهما ذلك كثيرا ..

كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة مساء حين خرجنا من السوق ، كان الناس ، رغم إنخفاض درجة الحرارة إلى ما تحت الصفر،  يتدفقون كالنمل على الأسواق والساحات العامة وظل معظمهم هناك حتى ساعات متقدمة من الفجر .. إرتدى البعض منهم قرونا مضيئة وحمل البعض عصيات صغيرة مضيئة وبالونات ملونة وارتدى البعض الآخر قبعات الميلاد الحمراء ..

لكن ليلة حلول رأس السنة كانت مفاجئة !

لأن الناس هنا كانوا أقل تدفقا وأغلقت المحلات الكبيرة أبوابها في العاشرة مساء !

ذهبنا ليلتها إلى سوق( الكارفور) القريب ثم إلى سوق (الجي كوني )البعيد أملا في العثور على أجواء ميلاد حقيقية دون جدوى !

عدنا بعد ذلك إلى الشقة لنلجأ إلى شاشات التلفزيون التي كانت تنقل الحدث من جميع أرجاء العالم .. وحدها الصين التي كانت تحتفل على استحياء بإنتظار إحتفالاتها الكبرى برأس السنة الصينية الجديدة التي ستحل في شهر شباط القادم ..

فقط سمعنا في منتصف الليل أصوات الألعاب النارية المعتادة في أغلب مناسبات وأفراح الصين !

أشعلت مع زوجتي وطفلتي الصغيرة أول شمعة لنا في الغربة صانعين أجواءنا الخاصة ككل مرة ..

هكذا حل عامنا الجديد بكعكة ميلاد رسم عليها بالكريم دب الباندا ..

أطفأت الأضواء ككل مرة وتمنيت من كل قلبي أن يكون وطني هادئا آمنا مطمئنا متطورا كالصين !

 قال لنا أصدقاؤنا هنا أن شهر كانون الثاني هو شهر تساقط الثلوج في ووهان ..

قالوا لنا ترقبوا ذلك أواسط الشهر وكونوا حذرين لئلا يفوتكم المشهد لأن الثلج ربما سيسقط لساعات قليلة ..

وسنرى إن كان تساقط الثلج هذا العام كان كذلك أم لا ؟ ...

 

* نهراليانغتسي أطول أنهار الصين والذي يمر عبر مدينة ووهان التي يقيم بها الكاتب

الصين ـ ووهان

                                                                                      جميع الصور الحديثة بعدسة الكاتب

rainman3009@yahoo.com

 

مشاركاته في النخلة والجيران
على ضفاف نهر اليانغتسي...يوميات عراقي في الصين

1

2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20

21

22

23

24

25

26

27