|
|
|
عدنان جبار الربيعي |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
![]()
" أتدحرج كالكرة تحت مخالب نمر الثلج وأتدله في أعماق الوديان . رويدا رويدا ، تفتح كومة الثلج النهمة أشداقها لكن الغابة ، تدفع لي بمظلتها الخضراء حتى لكأن تهديد الموت وإغراء الحب يصيران شيئا واحدا .. " الشاعر الصيني : دونغ هونغ هطل الثلج في ووهان.. ذلك الزائر الذي طالما إنتظرته هنا .. كان ( زغب ريش الملائكة ) يتساقط نازلا من شفة السماء ليقبل وجه الأرض نتفا .. نتفا .. قبل يومين فقط تساقط الثلج هناك في بغداد لأول مرة منذ عشرات السنين .. خيل لي أن نتف الثلج هناك كانت تسقط حذرة لكي لا ينكأ بياضها جروح تلك المدينة الحزينة .. لا أدري لماذا يتبادر إلى ذهني دائما أن السماء هناك أقرب والأرض أضيق ؟ .. كنت أرى بغداد من بعيد وهي ترتدي ثوب زفافها دامعة العينين ..
لم أشاهد
من قبل منظرا كالذي رأيت ..لم أتمالك نفسي .. خرجت ممتطيا دراجتي الهوائية
بجولة في المدينة توزع الأطفال على حافات الأرصفة الأنيقة يجمعون ما
استطاعوا من ( ريش الملائكة ) ليصنعوا منه أشكالا عديدة بينما انتشر
المنظفون والمنظفات في الشوارع ليزيحوا ما تراكم منه على الأرصفة ..كانت
نتف الثلج تدخل فمي دون استئذان شيئا فشيئا إكتست الشوارع والأرصفة بالأبيض
الناصع وغزا الشيب رؤوس الأشجار ! إستمر هطول الثلج لليوم التالي ..كان يتحتم علي الذهاب إلى الجامعة لإداء إمتحان في أحدى المواد الدراسية التي لدي .. واجهت صعوبة بالغة في قيادة دراجتي الهوائية وسط مطر الثلج الذي كان يهطل بغزارة منعتني من الرؤية لأبعد من متر واحد ! حين وصلت إلى الجامعة أدركت بأني الوحيد الذي أتى إلى الجامعة بدراجة هوائية..وهكذا خلت الجامعة لأول مرة من الدراجات سوى دراجة واحدة ! إتشحت أرض ووهان بالبياض بينما كانت أرض العراق تتشح بالسواد حزنا لذكرى معركة الطف الخالدة التي ستحل بعد أيام قليلة من ذلك اليوم ... كنا نجلس في الشقة وقلوبنا مترعة بالحزن .. لا شيء يذكرنا بالوطن .. لا شيء سوى أصوات اللوعة المحببة التي ينقلها لنا فضاء الأنترنت الذي لذنا به .. إفتقدنا رائحة الحزن التي لم تكن سوى رائحة إحتراق الخشب تحت القدور الكبيرة في شوارع الوطن .. إفتقدنا سرادق العزاء الكثيرة ورؤية الرايات الملونة وهي ترفرف كأجنحة الملائكة إفتقدنا السواد بقسوة ! ... غطت الثلوج كل شيء رويدا رويدا وأصبحت الأشجار تلالا من الثلج ..لم يبق تحت ركام الجليد عشب ولا أرصفة ! وقفت أنظر من خلال النافذة إلى الشجيرات الكثيرة التي كانت تملأ الحديقة المقابلة لشقتي .. كانت أوراق تلك الشجيرات مثقلة بالبياض.. جلست لأقرأ ما جاء من أخبار على صحف الأنترنت اليومية التي ذكرت أن الثلوج الكثيفة عرقلت فى مقاطعة ( هوبي ) حركة المرور برا وجوا إذ أغلقت خمسة طرق سريعة تربط ووهان بالمدن الأخرى ، كما تم إغلاق مطار( تيانهي ) الدولي فى ووهان وإلغاء رحلات الطيران وقد أدى ذلك إلى تدفق أعداد هائلة من الركاب على محطات السكك الحديدية لأنها الأقل تأثرا بسوء الأحوال الجوية ، حيث يحاول الملايين العودة إلى ديارهم ، في أكبر حركة تنقل بين المحافظات للإحتفال بعيد الربيع التقليدي ( رأس السنة الصينية الجديدة ). في صباح اليوم الرابع اكتشفت بأن الجميع تحول إلى أطفال ! كان الرجال يصنعون مع أطفالهم تلالا من الثلج .. أثارني مشهد حرس أحد الأسواق الكبيرة .. كانوا يجمعون بهمة كبيرة ما تكدس من ثلوج أمام السوق ليصنعوا رجل ثلج هائل !
وقفت
أنظر إليهم مندهشا .. كانوا يبدون بملابسهم التي تشبه إلى حد كبير ملابس
الشرطة كأطفال متنكرين بأزياء رجال شرطة ! في ليلة العاشر من شهر محرم أصبحت السماء حمراء قانية كالدم .. رأيت الأرض وهي تشع بالضياء كما لو كانت ليلة من ليالي إكتمال البدر.. وعاد الثلج للهطول مرة أخرى ..لم أنم ليلتها حتى الفجر ..كان قلبي هناك .. وعيني ترنو إلى أرض وطني ..إستمر نزول الثلج هذه المرة لأسبوع كامل بدأت إشارة الستلايت تضعف بسبب تراكم الثلج حتى إنقطعت أخيرا بشكل نهائي إتصلت بأصدقائي العراقيين فذكروا لي أنهم يعانون من نفس المشكلة وأن عودة الإشارة تتطلب أن تشرق الشمس لإذابة ما تراكم من الثلج على صحن الإستقبال.. قررت حل الأمر بنفسي والصعود إلى سطح البناية لأول مرة وصلت إلى الطابق السابع لأجد منظرا لم أره من قبل ! لم يكن هناك سلما يؤدي إلى السطح بل لم يكن هناك باب لأنه لم يكن هناك سطح أصلا ! اقتصر المشهد على وجود سلم طوارئ ، يبدأ على إرتفاع مترين ونصف تقريبا ، وينتهي عند كوة في السقف ! تطلب الأمر مني جهدا كبيرا للوصول إلى السلم ثم تسلقه زحفا عموديا حتى الوصول لغطاء الكوة الثقيل الذي قمت برفعه بصعوبة بالغة ..وصلت سطح البناية أخيرا .. هالني أن مساحة السطح لم تكن لتتعدى مترا مربعا واحدا فقط إستقر عليه صحن إستقبال الإشارة ، أما باقي مساحة السطح فكانت عبارة عن سقف كوخ كبير ! كان المشهد رائعا رغم خطورة الوضع .. وقفت بصعوبة بالغة وسط الثلج المتراكم على السقف الأبيض وبدأت بإزاحة الكمية الكبيرة التي تراكمت على صحن الستلايت بعمق شبر تقريبا فيما بنى الجليد على مستقبل الإشارة (LNB ) قالبا شفافا ! وهكذا عادت إشارة القنوات الفضائية وعدت إلى الشقة بأطراف متجمدة ! بعد أيام كان لدي موعدا مع أستاذي المشرف على البحث في الجامعة كنت مصرا على إمتطاء الدراجة رغم صعوبة القيادة على الثلج وصل إنخفاض درجة الحرارة إلى 4 درجات تحت الصفر .. ذهلت لمنظر إنجماد سطح البحيرة التي تتوسط الحي .. لم أصدق عيني وأنا أرى الحصاة التي رميتها بإتجاه الماء تركض على السطح مسرعة لتتوقف وسط البحيرة التي لم تسمح لها بالغوص ! في الطريق كان نثيث المطر يهطل بعذوبة على الأرض .. لكن الهواء كان باردا لدرجة لا تطاق حين وصلت إلى الجامعة عجبت لتكون طبقة من الجليد على ملابسي .. كانت المياه التي تنزل تتجمد فور ملامستها الهواء البارد وهكذا تحولت دون أن أشعر إلى رجل ثلج ! مر على هطول الثلج ثمانية عشر يوما لم ينقطع هطوله إلا لفترات قصيرة عادت بعدها الدنيا للبكاء بدموع من جليد ! وصلت درجة الحرارة في بعض الأيام إلى 7 درجات تحت الصفر فيما بلغت درجة الحرارة العظمى 2 تحت الصفر ! قال لي جاري الصيني أن ووهان لم تمر بمثل هكذا موسم للبرد وللبياض منذ سنوات طويلة .. فيما ذكرت وكالات الأنباء أن إقليم ( هوبي ) كان يشهد أكثف تساقط للثلوج خلال 16 عاما ، وقد قامت سيارات الإطفاء بحمل مياه الشرب لآلاف السكان في العاصمة الإقليمية ( ووهان ) نتيجة تجمد الماء في خزانات المياه والأنابيب !... أضطررت يوما ما للسير تحت وفوق وبين أكوام الثلوج المتراكمة ..كنت متوجها لتعبئة بطاقة غاز الأنابيب قبل نفاذه خصوصا وأن عطلة أعياد السنة الصينية ستحل بعد أيام قلائل ..مد الثلج ظله الأبيض على الأرض والأشجار والشوارع والأرصفة لفت نظري منظر عاملة نظافة في الحي .. كانت تمسك بيدها اليمنى مكنسة وباليسرى حاوية وتبحث دون جدوى عن أوساخ لتجمعها إذ لم يكن هناك شيء غير الثلج !.. وصل إنجماد بحيرة الحي إلى حد رؤيتي لطفل يمشي على الماء ! في الشارع العريض صنعت إطارات السيارات طريقا يسمح بمرور سيارة واحدة فقط وكانت ضفاف الشارع بيضاء كالقطن !
خيل لي
أني أسير بقارب وسط نهر أسود .. كانت السيارة تسير ببطئ قاتل وسط أمواج
الثلوج المتراكمة ..بينما كان الناس يسيرون بحذر على الجليد .. إزداد تدفق العائدين إلى بيوت الأهل ( لحضور إحتفالات عيد الربيع ) على محطات القطار.. وقد جاء في بيانات وزارة السكك الحديدية الصينية أن خطوطها قامت في يوم واحد بنقل 4.5 مليون راكب في شتى أرجاء البلاد ! فيما حوصر نحو 5.8 مليون شخص في محطات السكك الحديدية وتضرر أكثر من 8 آلاف قطار شحن في الفترة الممتدة بين 25 ــ 31 كانون الثاني وكانت الوزارة قد توقعت من قبل تسجيل السكك الحديدية الصينية رقما قياسيا في نقل الركاب يصل إلى 178.6 مليون راكب خلال ذروة السفريات فى الفترة من 23 كانون الثاني إلى الثاني من آذار! لم يمنعنا أسوأ شتاء حل في الصين منذ 60 عاما ( كما نقلت وكالات الأنباء ) من التجول في المدينة البيضاء أمام الشقة ، صنعت مع زوجتي وإبنتي الصغيرة رجلا عراقيا من الثلج .. لكن الغريب أنه بقي ، فيما بعد ، لفترة طويلة حتى بعد أن ذابت أغلب تماثيل الثلج الأخرى ، ربما ليثبت لي على الأقل أننا لن نذوب يوما ما ! وقفت مع إبنتي وسط البحيرة التي تتوسط الحي فيما ذهبت صرخات زوجتي ، محذرة إيانا من تهشم الجليد الذي نقف فوقه ، أدراج الهواء المثلج ! لكن أروع مشهد لفت إنتباهنا كان مشهد إنجماد البحيرة الشرقية الكبيرة بالكامل .. لن يفارق ذهني مشهد ذلك الأوز البري الذي كان يتجول على سطح البحيرة حائرا ! وقفت أنظر إلى سطح البحيرة المنجمدة وقد رسم عليها الثلج دوائر كبيرة مختلفة الأقطار واللون ..من بعيد لاح لي مجموعة من الجنود وهم يعملون بجد من أجل تنظيف الشارع من الثلوج المتراكمة .. لكن عجبي إزداد حين إقتربت منهم لرؤيتي النجوم وهي تصطف على أكتافهم .. لم تكن تلك المجموعة سوى مجموعة من الضباط الصينيين وقد نزلوا إلى الشارع بكامل أناقتهم لتنظيفه !
وكانت
الحكومة الصينية قد عبأت أكثر من مليون جندي وقوات الاحتياط لمكافحة الثلوج
والجليد ..
في الجامعة رأينا جرافة تقوم بإزاحة ماتراكم من الثلوج وسط الشارع الرئيسي ، فيما روى لي صديقي الذي يسكن في الجامعة أن جاره البروفيسور البالغ من العمر سبعين عاما قام بتنظيف الشارع المجاور لشقته بنفسه ! بمرور الوقت لم أعد أرى مشهد اللعب بالثلج .. كان الناس يمرون غير آبهين بذلك الضيف الذي أصبح ثقيلا !.. أسقط ( تطرف الطقس ) يوما ثلاثة من أبراج نقل الكهرباء والخط الرئيسي لسد الخوانق الثلاثة وإحدى حلقات نظام نقل الكهرباء مما جعل إمدادات الكهرباء في الإقليم تحت ضغط أكبر وقد جندت حكومة الإقليم 15 ألف شخص للقيام بأعمال التصليح فيما بلغ إرتفاع الثلوج مابين 5 إلى 70 سم في المناطق المختلفة من الإقليم .. وهكذا تحول الجمال شيئا فشيئا إلى عبء كبير على البلاد إذ تسبب الهطول المستمر للثلوج حتى نهاية الشهر في وسط وشرق وجنوب الصين في وفيات وإنهيارات للمباني وإنقطاع التيار الكهربائي وحوادث ومشاكل في النقل وتدمير للماشية والمحاصيل. فقد أصابت ( كارثة الثلوج ) 19 مقاطعة وقتلت 80 شخصا وأسفرت عن إنهيار نحو 300 ألف منزل و إتلاف 18.6 مليون هكتار من الغابات وتسببت في خسائر اقتصادية مباشرة تقدر بنحو 80 مليار يوان (11 مليار دولار أمريكي ) ! .. توقف هطول الثلج فجأة كما بدأ فجأة ..ذاب الجليد رويدا رويدا كما تراكم من قبل ..بدأت الأعشاب تستفيق من نومها العميق تحت ركام الثلوج نفضت الأشجار عن شعرها ريش الملائكة الثقيل ! بدأت حركة الناس تعود تدريجيا إلى الشوارع والأسواق ..علق جاري على باب شقته كلمات صينية كتبت بالأحمر القاني مع رسم لفأرة جميلة بعد أيام قليلة ستحل السنة الصينية الجديدة التي ستحمل إسم ( الفأرة ) إنه (عيد الربيع ) أهم عيد تقليدي في الصين ...
* نهراليانغتسي أطول أنهار الصين والذي يمر عبر مدينة ووهان التي يقيم بها الكاتب الصين ـ ووهان جميع الصور الحديثة بعدسة الكاتب
مشاركاته في النخلة والجيران
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||