|
|
|
عدنان جبار الربيعي |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
![]()
" إنه الربيع ولم نزل مفترقين.. عصافير الصفارية تغرد، وكأنها تدفئ مواجعنا. مع هذا الفراق عنك: يدهشني مرور عيد ميلادك، يتساقط المطر هناك عند الدرب الجبلية الفارغة، عند بوابة العليق، قرب "الأشجار العتيقة"، في القرية التي تسكنها. لا أنقطع عن التفكير فيك، والنوم ترياق وحيد للحزن " الشاعر الصيني توفو
حل عيد الربيع في الصين رغم أن الربيع لم يأت بعد ! بدأت الثلوج تختفي شيئا فشيئا ..كان شتاء هذا العام قاسيا شاهدت الشجيرات وهي تفرك عينيها مستيقظة من نوم عميق ..إنه عيد رأس السنة الصينية القمرية الجديدة التي حلت لكن ليس كما تحل السنوات الجديدة في أي بقعة من بقاع العالم ! أخبرنا أصدقاؤنا ممن كانوا هنا في العام السابق أن نشتري ما يكفي لأسبوعين لأن الأسواق ستكون مقفلة لأكثر من تلك المدة بسبب عودة أغلب الناس إلى أهلهم في باقي المدن الصينية الكثيرة كانت الشوارع شبه فارغة حين توجهت إلى السوق الشعبي الكبير في المدينة .. في الطريق كنت أسمع أصوات إنفجارات بعيدة رويدا رويدا بدأت أقترب من مصدر تلك الأصوات كان هناك مجموعة من الأطفال الصغار وقد أشعلوا النار في عدد كبير من المفرقعات التي كانت تنفجر دفعة واحدة فيما غطى المكان دخان أبيض كالثلج !
إقتنيت
تقويما صينيا كبيرا ضم رسما جميلا لفأر مبتسم والذي لم يكن سوى شعار السنة
الصينية الجديدة ويعتبر الفأر من الحيوانات المحببة في الصين و في بعض
المناطق يعد حيوانا خارقا ، فهم يعتقدون أن الفأر يجمع المجوهرات والذهب
فإذا مكث
الفأر
في بيتك فهو نوع من التفاؤل لجمع الثروة في البيت
. ولذا
إن العديد من الصينيين يستعدون للإنجاب في هذا العام إعتقادا منهم أن
المولود
في هذا
العام سيجلب الحظ معه وسيكون سعيدا في حياته إلى الأبد ! تعود إحتفالات عيد الربيع الى 2600 قبل الميلاد ، ويعتمد التقويم القمري الصيني السنوي على دورات القمر. وتستغرق الدورة الكاملة 60 سنة وتتألف من خمس دورات مدة كل واحدة 12 سنة. والسمات الأكثر أهمية في تقويم السنة الصينية الجديدة هو تسمية كل سنة من السنوات الـ12 سنة بأسماء 12 حيوان . وأول السنوات الـ 12 تبدأ بسنة الفأر تعقبها على التوالي سنوات الثور والنمر والأرنب والتنين والثعبان والحصان والخروف والقرد والديك والكلب والخنزير. وتقول الأسطورة أن (بوذا) دعا كل الحيوانات للمجيء إليه قبل أن يرحل عن الأرض ولم يأت سوى 12 حيوان (مخلص) لتوديعه ومكأفاة لهم على ذلك سمى كل سنة باسم كل واحد حسب ترتيب وصولهم . ويعتقد الصينيون أن الحيوان الذي يحكم السنة التي يولد فيها الشخص له تأثير عميق على الشخصية ، ويقولون: " هذا هو الحيوان الذي يختبيء في قلبك " ! شاهدت العديد من المحلات المغلقة فيما كانت البائعة التي إعتدت على شراء الدجاج ( المذبوح على الطريقة الإسلامية ) منها تستعد لإغلاق دكانها وقد أخبرتني بأن محلها سيكون مغلقا لغاية الثاني عشر من الشهر الجاري .. يوما فيوما بدأت أصوات الإنفجارات تزداد حدة وأصبحت أزمان حدوثها أكثر تقاربا أخبرني جاري أن الاسر الصينية تتولى منازلها بالتنظيف الجاد قبل يوم من ليلة رأس السنة ، فالمنزل يجب أن يكون نظيفا تماما قبل وصول السنة الجديدة. وفي ليلة رأس السنة يتم إخفاء كل أدوات النظافة. ولا يجب إجراء عمليات التنظيف في أول أيام السنة الجديدة خوفا من كنس الحظوظ الجيدة ... في صباح اليوم الأخير من عام (الخنزير) الذي صادف السادس من شباط كنت في السوق مرة أخرى .. في السوق لفت نظري إنتشار اللون الأحمر بشكل واضح إذ علقت في كل مكان قطع من القماش الأحمر وقد كتب عليها كلمات صينية متكررة ونشرات كثيرة حمراء للزينة .. فيما شاهدت العديد من المحلات وقد عرضت بضاعتها من الأنواع المختلفة للألعاب النارية حتى أن بعض تلك الألعاب النارية حوت على 6000 قطعة وبعضها الآخر حوى 4000 قطعة ! كان الناس يقبلون على شراء الزينة والأوراق الحمراء العمودية التي كتبت عليها الأشعار الصينية القصيرة بحبر أسود والألعاب النارية بكثرة .. ويعود السبب في إقبال الناس على ذلك إلى حكاية قديمة من حكايات الصين تقول الحكاية أنه في العصور القديمة كان في الصين يوجد حيوان مفترس على رأسه قرن ، يسمى ( نيان) ، يعيش (نيان) في قاع البحر، ويصعد إلى شاطئ البحر في عشية رأس السنة الجديدة (حسب التقويم القمري الصيني)، ليأكل المواشي والبشر، لذلك يهرب كل السكان، كبارا وصغارا، من كل القرى إلى أعماق الجبال في هذا اليوم. وفي إحدى السنوات، بينما كان الناس في قرية ( تاوهوا) مستعدين للهروب إلى الجبل ، رأوا متسولا مسنا أشيب الشعر يتوكأ على عصا قادما من خارج القرية، ويحمل على ظهره حقيبة سفر، وكانت عيناه لامعتين مثل نجمتين ! كان الناس مذعورين ومشغولين في إقفال الأبواب وحزم الحقائب وجر المواشي ، فلم يستطيعوا الإهتمام بهذا المسن .. قدمت عجوز تقيم في طرف القرية الشرقي وحدها بعض الأطعمة له، ونصحته أن يسرع بالذهاب إلى الجبل فرارا من حيوان ( نيان) ، لكن المتسول قال لها مبتسما : إذا سمحت لي أن أقيم في بيتك ليلة واحدة سأطرد حيوان (نيان) ! لم تصدقه العجوز وإستمرت في تقديم نصيحتها، لم ينبس المتسول ببنت شفة مبتسما ، فلم تجد العجوز بدا من أن تتركه لتذهب إلى الجبل. ودخل حيوان (نيان) القرية في منتصف الليل ، ووجد أن حالة القرية تختلف عنها في السنوات الماضية، لأنه وجد أن بيت العجوز بشرقي القرية مضاء بالشمع وألصق على بابه ورق أحمر، فأطلق صيحة مخيفة وانقض على بيت العجوز. وما أن إقترب من باب البيت حتى وصل إلى أذنيه صوت تفجيرات، إرتعش حيوان (نيان) ولم يجرؤ على الإقتراب من البيت لأنه كان يخاف من اللون الأحمر ولهيب النار وصوت التفجير. وعندما فتح الحيوان المذعور باب بيت العجوز، رأى مسنا يرتدي جلبابا أحمر يقهقه بصوت عال ، فهرب حيوان (نيان) فورا. وكان اليوم التالي أول يوم من السنة الجديدة ، عاد سكان القرية من الجبل واندهشوا لإكتشافهم أن القرية سليمة. فهمت تلك العجوز فجأة الحقيقة وحكت للناس ما حدث، فاندفع الناس إلى بيوتهم ليجدوا الورق الأحمر على الأبواب وبعض سيقان الخيزران التي لم تحرق تماما ولا تزال تحدث أصواتا وبقية الشمع الأحمر.. ومن أجل الاحتفال بنزول البركة في القرية لبسوا الأزياء الجديدة وتبادلوا التحيات. وإنتشر هذا الأمر في القرى المجاورة فعرف كل الناس طريقة طرد حيوان (نيان). ومنذ ذلك الوقت وفي عشية السنة الجديدة تلصق كل أسرة شعارات حمراء خاصة بعيد الربيع على باب منزلها، وتشعل الألعاب النارية، وتوقد الشموع طول الليل ويسهر أفراد الاسرة الى وقت متاخر من الليل. وفي صباح أول يوم من السنة الجديدة يتبادل الناس الزيارات، فأصبحت هذه العادة تنتشر على نطاق واسع وأصبح عيد الربيع أهم عيد تقليدي صيني. كان هناك في المدينة عدد لابأس به من الناس .. قيل لي أن الناس لم يكونوا بهذا العدد في السنوات السابقة إذ لم تكن فرصة السفر متاحة للغالبية من أبناء المدينة هذا العام بسبب موجة الثلج التي ما زالت آثارها موجودة في الشوارع والأرصفة ..أخرج رجل عصا طويلة من شباك شقته ، الواقعة على إرتفاع سبع طوابق ، كان قد ربط بها العديد من المفرقعات التي كانت تنفجر بصورة متتالية ولم يقم بسحب العصى حتى هدأت أصوات الإنفجارات التي أحدثتها مفرقعاته !
تعتبر
الصين من أوائل دول العالم في إستخدام وصناعة الألعاب النارية، تليها
اليابان ..ومنذ أن إخترعت الصين البارود الأسود، في القرن الثامن عرف
العالم الألعاب النارية حيث يعود إرتباط إشتعال النيران بمفرقعات وأوراق
محشوة بالبارود الخفيف إلى الصينيين وكان يعرف عن تقاليد المناسبات في
الحضارة الصينية إستخدامها للمفرقعات ضمن الطقوس الصينية البوذية
أخبرني
أحد الأصدقاء أن هناك إحتفال تقليدي يقام على ضفة نهر اليانغتسي مساء اليوم
ولذا فقد قررت الذهاب مع عائلتي الصغيرة إلى هناك بعد الظهر لنرى ما يمكن
رؤيته هناك .. في ساحة كبيرة أمام الحي أشاعت مجموعة
وصلنا إلى
ضفة النهر .. كان هناك أسطولا من القوارب النهرية الكبيرة بإنتظار العابرين
إلى الضفة الأخرى قطعنا تذاكر العبور ونزلنا عبر سلما طويلا إلى الضفة
القريبة .. بدأ الجو بحلول المساء يبرد تدريجيا جلسنا في القارب مع عدد
قليل من الركاب وحين دقت تمام الساعة السادسة مساء تحرك القارب الكبير
بإتجاه الضفة المقابلة .. وقفنا ننظر إلى سحر وروعة وجمال النهر، كنا نسير
بمحاذاة الجسر العملاق .. إستغرق زمن الوصول إلى الضفة الأخرى سبع دقائق
تقريبا .. أصبحنا الآن وسط الأصوات الأكثر علوا ومشاهد الألوان الأكثر
جمالا وهي تظهر وتذوب في الهواء .. جلسنا على حافة النهر لننظر إلى ضفتي
النهر اللتين كانتا تتسابقان في أيهما الأكثر إشعالا للألعاب النارية ..
شاهدنا رجلا يحرق بخشوع مجموعة كبيرة من أكوام الأوراق الحمراء ، كان قد قسمها بالتساوي إلى عدة مجاميع ، على الضفة القريبة من مياه النهر.. ربما كان يؤدي طقسا من طقوس الإحتفال بتلك الليلة ورغم مظاهر الإحتفال تلك لكن الحركة كانت قليلة أيضا فقد إعتادت العوائل الصينية أن تجتمع في تلك الليلة في البيوت إذ تبدأ السهرة الطويلة في عشية عيد الربيع من تناول وجبة عشية العيد التي يجب تناولها ببطء وتشتمل على الدجاج والسمك وجبن فول الصويا، لأن نطق هذه الأشياء باللغة الصينية يحمل معاني البركة ، وتبدأ وجبة ( عشاء لم شمل الأسرة ) منذ موعد إضاءة مصابيح البيت، وتستمر إلى منتصف الليل في بعض الأسر ، بدأت هذه العادة التي تسمى (أونيان) بالصينية في عهد الأسر الجنوبية والشمالية (479-589) ، وتعبر هذه العادة عن أنه يعز على قلوب الناس توديع العام السابق، وعن تطلعاتهم في العام الجديد...لم يكن هناك شيئا ليجبرنا على العودة سوى إقتراب موعد إنطلاق صافرة الحكم الذي سيدير مباراة بكرة القدم بين فريقي العراق والصين ضمن تصفيات كأس العالم 2010.. عدنا إلى البيت في الوقت المناسب ..استمتعنا بتفاصيل المباراة التي إنتهت بالتعادل الإيجابي .. تابعنا بعدها الإحتفال المركزي بليلة رأس السنة الذي كانت تنقله القنوات الصينية نقلا مباشرا من بكين حين إقترب وقت منتصف الليل إشتعلت السماء وعشنا أجواء حرب كاملة ! كانت الأصوات تعلو وتعلو فقد بدأ الجميع بإطلاق الألعاب النارية دفعة واحدة ! صرخت إبنتي الصغيرة مذعورة وعبثا حاولنا تهدئتها .. كانت ترتجف كالسعفة وكاد قلبها الصغير أن يتوقف ! خرجت إلى الشرفة لأرى مشهدا لا أظن أني سأرى مثله أبدا .. تذكرت أجواء حرب (عاصفة الصحراء) عام 1991 .. لاشيء يشبه إشتعال سماء ووهان تلك الليلة سوى إشتعال سماء بغداد ليلة 16 ـ 17 /1/1991 ! لكن الفرق أن الأصوات التي حدثت هناك بالأمس كانت تعلن عودة وطني إلى الخلف بخمسين سنة فيما كانت أصوات اليوم تعلن تقدم الصين لتكون ثالث دولة في العالم على مستوى الإقتصاد العالمي ! كانت أصوات الأمس تأتي بالموت والخراب والرعب فيما كانت أصوات اليوم تأتي بالبهجة والفرح والأمل ! تلمست قلبي ساعتها .. كان يعتصر حسرة على ما حل ببلادي .. لماذا لا تجود سماؤنا هناك سوى بحزن أبدي ؟ إستمرت الإنفجارات حتى الصباح ! لم ننم إلا بصعوبة بالغة ، فجرا ، حتى أيقضتنا في ساعة مبكرة غارة جوية جديدة ! خرجت إلى السوبر ماركت القريب صباحا .. ذهلت لرؤية آثار إنفجارات ليلة أمس وصباح اليوم إذ إمتلأت الشوارع بمخلفات تلك الألعاب .. كان الشارع فارغا إلا من بعض عاملات النظافة اللواتي كن ينظفن الشوارع ببطئ شديد ..في السوق كان الإزدحام كبيرا على شراء الهدايا من الحلوى المعلبة والفواكه وبشكل خاص ( البرتقال والنارنج ) رغم إرتفاع أسعارها فجأة فقد إعتاد الصينيون جلبها عند زيارة أسرة ما أو أصدقاء خلال أيام الإحتفالات كانت عربات المتسوقين تمتلئ بالبضائع بشكل ملفت للنظر إرتدى الناس ملابس جديدة وكانت وجوههم مشرقة ..تمتد إحتفالات عيد الربيع إلى أسبوعين ففي صباح اليوم الأول من عيد الربيع يرتدي الناس ملابس جديدة، ثم يقدمون التحية للمسنين أولا، ثم يقدمون "العيدية" ملفوفة في ورق أحمر للأطفال ، ويجري خلال اليوم الترحيب بآلهة السماء والأرض وتحظر التقاليد المتوارثة أشياء كثيرة خلال الاحتفالات ، فالبكاء في أول أيام السنة الجديدة يعني أنك ستبكي طوال العام ! كما أن غسل الشعر محظور لأنه يعني إبعاد الحظ السعيد ويعتبر من غير اللائق الكذب أو رفع الصوت أو إستخدام لغة غير مقبولة أو حتى كسر أي شيء ! وفي اليوم الثاني يدعو الصينيون لأسلافهم ، ويبذلون المزيد من العطف على الكلاب ويطعمونها جيدا لأنه من المعتقد أن اليوم الثاني هو تاريخ مولد الكلاب ! ويخصص اليوم الثالث والرابع لأزواج البنات لتقديم فروض الإحترام لوالدي الزوجة و يقال إن ثالث أيام العيد هو موعد زواج الفأر، فلا يسمح بالإضاءة في ليلة هذا اليوم ، وينثر الأرز والملح تهنئة له ! أما اليوم الخامس وإسمه بالصينية بو وو ، فيبقى الناس في المنزل للترحيب برب الثروة ! وفي اليوم السادس تبدأ زيارات الصينيين للأقارب والأصدقاء والمعابد وتستمر حتى اليوم العاشر . ويعتبر اليوم السابع هو يوم مولد البشرية وتؤكل الشعرية لتأكيد طول العمر والسمك النيئ لتحقيق النجاح. وفي اليوم الثامن يعقد حفل عشاء يجتمع حوله أفراد الأسرة، وفي منتصف الليل يصلون إلى( تيان غونغ) إله السماء ! ويخصص اليوم التاسع لتقديم القرابين إلى إمبراطور العقيق ! فيما يخصص اليوم العاشر حتى اليوم الثاني عشر للأصدقاء والأقارب الذين يجب دعوتهم للعشاء. وفي اليوم الثالث عشر، وبعد كل هذه المآدب، يجب على الصينيين تناول طبق بسيط من الأرز والخردل الأخضر لتنظيف الجهاز الهضمي ... أما اليوم الرابع عشر فمخصص للإستعداد للإحتفال بمهرجان عيد جديد يسمى ( عيد الفوانيس ) والذي يعقد في اليوم التالي ! .... * نهراليانغتسي أطول أنهار الصين والذي يمر عبر مدينة ووهان التي يقيم بها الكاتب الصين ـ ووهان جميع الصور الحديثة بعدسة الكاتب
مشاركاته في النخلة والجيران
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||