عدنان جبار الربيعي

 

 

 

 

    على ضفاف ( نهر اليانغتسي *)
 يوميات عراقي في الصين / 14

         حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا الكهف 93  

 

" أغاني الرعاة

تطير نحو السماء

بعضها مصاحبا خفقات أجنحة النسور

الصاعدة نحو قبورها في اللازورد

والأخريات ، تطرد العصافير الدورية

عن حبوب الربيع الملأى بالخيرات

والباقيات ، توقظ الينابيع

لتصدح بالغناء حتى القمر الأحمر "

                                               الشاعر الصيني  دونغ هونغ

تسحرني الطيور كثيرا .. تلك المخلوقات الحرة الرائعة ..تلك التي تقرر متى وإلى أين تخفق بأجنحتها ومتى تعود إلى أوطانها دون جوازات سفر ..أذكر أن عصفورا جميلا سقط من السماء ذات يوم في دارنا .. فرح قلبي الصغير يومها كثيرا وأنا أمسك به وأضعه في قفص صنعته بنفسي لهذا الغرض ، لكن أحد أخوتي قايضني بإعطائي هدية مقابل منحي إياه حريته التي سلبتها .. يومها أطلقته في الفضاء فطار قلبي معه !

مرت سنين طويلة وأنا أرى عصفوري يطير فوق رأسي أينما ذهبت .. أظن في قرارة نفسي أن الطيور خالدة لا تموت !

في صباح أحد الأيام الربيعية الجميلة توجهنا إلى ( حديقة الطيور الطليقة ) التي تقع بالقرب من البحيرة الشرقية ..في الطريق كنت أراقب الشوارع وقد عادت لها الحركة بعد إنتهاء موسم البرد ..بدأت الأوراق الخضراء والحمراء الصغيرة للأشجار بالنمو رويدا رويدا بالشكل الذي أعاد للأرصفة والساحات جمالا إفتقدته أيام الشتاء القارس الذي رحل بعباءته البيضاء عن المدينة ..إكتست الأرض بالخضرة المشرقة ..لاحظت سيارة كبيرة كانت تتولى غسل الشوارع والأرصفة ..إنتشر عمال نظافة كثيرون لتنظيف أسيجة الأرصفة الحديدية البيضاء بواسطة قطع من القماش المبلل .. كانوا يمسحون القضبان بعناية فائقة..توسطت العديد من الشجيرات الأرصفة المحاذية للبحيرة متخذة أشكالا عديدة .. بعضها كان على شكل فيل ، بعضها على شكل طاووس أو ديناصور.. بدأت البحيرة تستعيد نشاطها بعد فترة الإنجماد الأخيرة وعلى إمتداد البصر كانت هناك زوارق عديدة تطفو فوق صفحة المياه حاملة العديد من الفتية والفتيات

لاحت لنا من بعيد شبكة خضراء كبيرة غطت مساحة كبيرة من الأرض ..إنها حديقة الطيور الطليقة ..عند بوابة الحديقة إمتلأت جدران الحيطان بصور كبيرة متنوعة لمختلف أنواع الطيور ..قطعنا تذاكر الدخول وإلى جانب قاطعة التذاكر شاهدت العديد من الحافظات التي ملئت بمختلف أنواع الحبوب ، إشتريت حافظة كبيرة أملا في إطعام ما إستطعت من الطيور...هبطنا سلما لنجد أنفسنا داخل الحديقة الكبيرة الرائعة .. صممت الحديقة بشكل جميل وإنتشرت مجموعة كبيرة من الصخور التي أحاطت بالحديقة وقسمتها إلى أقسام عديدة ..لم نكد نخطو خطوة واحدة حتى هرع لإستقبالنا طائر نعام كبير !

هربت زوجتي وطفلتي بعيدا عنه بينما كنت أمد يدي له بالحبوب ..أصبحنا الآن تحت الشبكة الكبيرة ..كانت الطيور تحلق في سماء خضراء مثقبة ..قفزت إلى ذهني صورة الطيور الحبيسة في حدائق الحيوان التي مررت بها من قبل .. كانت الصورة تحكي أصناما كئيبة بجناحين متقاعدين !

لكني أقف الآن عاجزا عن وصف ما أراه الآن من مشهد .. طيور حرة بالعشرات بمختلف الألوان والحجوم والأشكال ..طيور راجلة ، وطيور محلقة ، وطيور عائمة على صفحة الماء ..أعجبني وجود لعبة تزحلق للطيور تؤدي إلى حوض دائري مليء بالماء كان هناك طائر متردد يود التزحلق يقف أعلى تلك اللعبة ... كان مستمتعا بأشعة شمس ذلك الصباح ..كنا أنا وإبنتي الصغيرة وزوجتي أول من إقتحم حديقة معزولة مليئة بالطيور الراجلة ، شجع ذلك الكثير من الناس للدخول بعدنا متجاوزين سياجا خشبيا أحاط بتلك الحديقة المليئة بأحواض وبرك المياه النظيفة جلسنا هناك لنشاهد العديد من طيور الأوز البيضاء والسوداء وطيور البط بمختلف الألوان والأحجام وطيور الكركي والغرنوق ودجاج الماء وووو .....أحاطت العديد من الأشجار المكان وزينت أطواقا كبيرة من الورد مساحته الواسعة ..

 توجهنا بعد ذلك إلى قسم آخر من أقسام الحديقة ..إجتزنا بوابة دائرية من الحجر لنجد مكانا واسعا آخر مليئا بالطواويس الجميلة ..أحاطت بي الطواويس بألوانها الرائعة وأنا أطعم من أسعفته شجاعته منهم ..كانت هناك مجموعة كبيرة من الطواويس بعضها كان أبيض كالثلج وبعضها كان أسود بذيل أبيض ورأس أحمر والبعض الآخر كان ملونا كقوس قزح .. ويعد الطاووس أقدم طيور الزينة المعروفة إذ يسجل أول ظهور له قبل 4000 عام ، إجتماعي بطبيعته ويعيش في مجموعات مكونة من زوجين إلى خمسة أزواج ويساعد بعضه البعض عند وجود خطر بحيث يبدأ بالصراخ القوي ، أكثر وجوده على الأرض بحثا عن الطعام  وينام على الأشجار .. وتوجد في الطبيعة 21 نوع من الطواويس التي تختلف من ناحية اللون والحجم ..وقفت أنظر إلى أحدهم وهو يستعرض ألوانه البهية بفخر ،  وتذكرت كلمات الإمام علي بن أبي طالب (ع) حين وصف ذلك الطائر في خطبة مشهورة ..

( ومن أعجبها خلقاً : الطاووس الذي أقامه في أحكم تعديل، ونضد ألوانه في أحسن تنضيد ، بجناح أشرج قصبه ، وذنب أطال مسحبه ، إذا درج إلى الأنثى نشره من طيه، وسما به مطلاً على رأسه ... يختال بألوانه، ويميس بزيفانه ..فإن شبهته بما أنبتت الأرض قلت جني جني من زهرة كل ربيع وإن ضاهيته بالملابس فهو كموشي الحلل أو كمونق عصب اليمن وإن شاكلته بالحلي فهو كفصوص ذات ألوان قد نطقت باللجين المكلل ، يمشي مشي المرح المختال ، ويتصفح ذنبه وجناحيه فيقهقه ضاحكاً لجمال سرباله وأصابيغ وشاحه ، فإذا رمى ببصره إلى قوائمه زقا معولاً بصوت يكاد يبين عن استغاثته ، ويشهد بصادق توجعه ، لأن قوائمه حمش كقوائم الديكة الخلاسية... وله في موضع العرف قنزعة خضراء موشاة ، ومخرج عنقه كالإبريق ومغرزها إلى حيث بطنه كصبغ الوسمة اليمانية، أو كحريرة ملبسة مرآة ذات صقال... فهو كالأزاهير المبثوثة لم تربها أمطار ربيع ولا شموس قيظ ... وإذا تصفحت شعرة من شعرات قصبه أرتك حمرة وردية، وتارة خضرة زبرجدية ، وأحياناً صفرة عسجدية ...فسبحان الذي بهر العقول عن وصف خلق جلاه للعيون فأدركته محدوداً مكوناً، ومؤلفاً ملونا )

إنتشر الناس في الحديقة الكبيرة كإنتشار الطيور .. كنت أراقبهم وهم يستمتعون بإطعام  الطيور وإطعام أطفالهم على حد  سواء ، وإلتقاط الصور ... تذكرت بمرارة كيف قتلت صافرة الإنذار في وطني عصفورا بنى عشه داخل فمها المشؤوم !كانت صافرة الإنذار ، حينذاك ، تنتصب في ركن من أركان مدرستي .. كانت أعلى من سارية العلم الذي لا يرفع إلا في الخميس !كنت يومها في الصف الرابع الإبتدائي واقفا مع زملائي في طابور صباحي رتيب وفجأة دوّت صافرة الإنذار ، فزعت قلوبنا الصغيرة وهرولت أقدامنا في الساحة متفرقين .. في تلك اللحظة سقطت جثة عصفور تحت الصافرة مصعوقا ...أتذكر ذلك وأنا أرى طيورا لم تسمع صوت طلقة في حياتها !لفت نظري طيور حمراء رائعة بذيل أحمر طويل ورأس أصفر ، كانت تعدو مسرعة بالشكل الذي عجزت فيه عن إلتقاط صورة معها .. كنت أمد يدي بالحبوب مع إبنتي الصغيرة فتتجمع الطيور من حولي .. أطعمت طيور الحجل والقطا والديكة الرومية وطيور النعام وأنواع كثيرة لا أعرفها ..قادتنا أقدامنا إلى بوابة تؤدي إلى مسرح مفتوح ..وحين سألت عن ذلك المكان جاءني الجواب بأنه سيرك الطيور وأن هناك عرضا يوميا يبدأ تمام الساعة الرابعة عصرا ..كانت الساعة لحسن الحظ تشير إلى قبل ذلك الموعد بنصف ساعة ، حجزنا مقاعدنا في المقدمة بإنتظار ما يمكن أن تقدمه الطيور من عروض ..كانت مساحة طاولة العرض لا تتجاوز الأربعة أمتار طولا وبعرض مترين تقريبا وبأرتفاع متر واحد وفي الخلف كانت الطيور تنتظر دورها واقفة في أماكنها المخصصة فيما صنعت صخور كبيرة تجويفا مثل عمق المسرح المفتوح ..في تمام الرابعة عصرا بدأ العرض ..رحب بنا طائر المينا الأسود الذي وضع داخل قفص بعد أن تحدثت معه الفتاة المدربة .. ثم إنطلق يتحدث بلسان صيني مبين !

لم أفهم منه غير ذلك السؤال الصيني التقليدي ( جيفان لما ؟ ) بمعنى هل تناولت طعامك اليوم ؟

وطائر المينا نوع من الطيور بنية متوسطة الحجم برأس أسود و أقدام صفراء بطول 25 سم وبعمر تقريبي 25 سنة ، تتواجد بصورة طبيعية في الغابات المفتوحة من جنوب شرق آسيا وأندونيسيا و الصين و الهند و تعتبر في الهند رمز للحب الخالد لأنها تتزوج مدى الحياة وهي في المراتب الأولى من الطيور المتكلمة ، إذ تستطيع هذه الطيور التكلم بوضوح ، كما أنها لا تخشى من التحدث حتى أمام الغرباء إذ إنها جريئه بعكس الببغاوات ..المينا عدواني في الدفاع عن منطقته المعشش بها ضد الطيور الأخرى إذ يقوم بقلب بيضها الى الخارج ومطاردتها بعيدا عن مناطق مبيتها ، وهذا ما فسر لي سبب كونه الطائر الوحيد الذي رأيته داخل قفص ذلك اليوم !

تناوبت ثلاث فتيات الإشراف على إستعراض الطيور ، بدأ ببغاء كبير عرضه بدفع عربة تسوق صغيرة وكان يحمل بمنقاره ما وضع من علب فارغة في طريقه ليضعها داخل العربة !

لاحظت أن إحدى الفتيات كانت تمسك بقطع من الحلوى وكانت تلقم كل طائر بقطعة تشجيعا له على أداء المزيد من الفعاليات ..وهكذا فقد فاجأنا ببغاء أبيض بقيادة دراجة هوائية صغيرة وقام آخر بالمشي على حبل ، وآخر قام بسحب سيارة صغيرة جلس فيها طائر صغير !

ثم رقص طائر ببغاء أبيض على أنغام أغنية صينية بهيجة !

وأخيرا قام طائر بإسدال ستارا كتب عليه كلمات صينية أعلنت ختام العرض الممتع ..كنا آخر المغادرين .. على الطاولة بدأت فتاة بتقطيع الفواكة المتنوعة لتقديمها للطيور تقديرا لجهودها في إسعاد الناس !

حين عدنا كانت الشوارع مكتضة بالناس ..عثرنا على سيارة أجرة بصعوبة بالغة حيث يعود أغلب الناس إلى البيوت بعد إنتهاء وقت العمل في الخامسة عصرا ..

كانت طفلتي فرحة برؤية أصدقائها الطيور..ستكون أمامنا غدا رحلة جديدة من نوع آخر وسيكون لنا فيها حديث آخر ...     

* نهراليانغتسي أطول أنهار الصين والذي يمر عبر مدينة ووهان التي يقيم بها الكاتب

الصين ـ ووهان                                                                           جميع الصور بعدسة الكاتب

rainman3009@yahoo.com

 

مشاركاته في النخلة والجيران
على ضفاف نهر اليانغتسي...يوميات عراقي في الصين

1

2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18