عدنان جبار الربيعي

 

 

 

 

    على ضفاف ( نهر اليانغتسي *)
 يوميات عراقي في الصين / 16

         حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا الكهف 93  

 

" في البلدان المحتلة

تبقى التلال والجداول قائمة أبداً

وثمة ربيع للمدن،

حيث يتكاثر العشب والأوراق،

مع أنه في أوقات كهذه

قد تذرف الأزهار الدموع ،

مفارقة الأحبة،

العصافير تغرد فريسة المخاوف الخفية "

                                                     الشاعر الصيني توفو

 

يذكرني الربيع بالأحبة

تذكرني رائحة الأرض المحروثة برائحة حديقة دارنا هناك

تلك الرائحة تسكن في خلايا دمي ..

حين كنا صغارا نبحث عن جذور السعد المختبئة في رحم الأرض ..

لا شيء يشعرني بالبهجة كمنظر براعم الأشجار بداية الربيع ..

تخرج الأوراق الخضراء والحمراء المشرقة الصغيرة على إستحياء وحذر وتبدأ بالنمو رويدا رويدا

لقد حل الربيع بتلك الأرض

لكن بقلبي شتاء دائما ...

لم يكن الطريق بعيدا عنا بإتجاه حديقة الزهور... لاحت لنا من بعيد طاحونة هواء كبيرة ، تلك هي العلامة الفارقة لهذه الحديقة الواسعة ، كانت الشمس مشرقة كالوجوه التي كنا نراها  ونحن نصل مدخل الحديقة الكبيرة ... أحاطت حدائق الورود الملونة ، التي أنشئت على الأرصفة المحاذية ، بأسيجة الحديقة ..هنا يحتفل الربيع بألوانه البهيجة مع الناس .. إنتشر العديد من الباعة الذين كانوا يبيعون البالونات الملونة عند المدخل ، كانت البالونات عبارة عن عناقيد عنب ومختلف أنواع الفاكهة .. أهدى طفل صيني بالونا من التفاح الملون لطفلتي التي كانت تصافح الناس الذين إحتفوا بها كالعادة وتجمهروا لإلتقاط العديد من الصور لها و معها ..                                

في الساحة المقابلة لمدخل الحديقة إحتلت باقة من الورد مساحة كبيرة من الرصيف زرعت على شكل ربع دائرة هائلة ... توقفنا قليلا عند مدخل الحديقة لنتأمل منظرا رائعا .. طاحونة هواء عملاقة تقف أعلى تل من الأزهار التي صفت على شكل أمواج ..    كانت( الأمواج ) الملونة تنبع من دائرة أحاطت بالطاحونة ، وتنتهي أسفل التل الرائع ، صفراء وحمراء وزرقاء ووردية وبيضاء  وحين إقتربنا من الزهور إتضح أنها كانت موضوعة في سنادين من البلاستك الأسود ربما لتسهل عملية تغيير طريقة صفها كل حين... لم أكن أعلم أن هناك زهورا خضراء اللون من قبل حتى رأيتها في تلك الحديقة محاطة بصخور كبيرة ..قمنا بجولة في الحديقة التي حوت على مساحات مستطيلة متجاورة من الأنواع المختلفة من الزهور وبدت الأرض سجادة رائعة من الألوان المتعددة وإنتشر الناس لإلتقاط الصور فيما جلس آخرون على البساط الأخضر الذي غطى المساحات المتبقية من الحديقة ..                             

تنوعت الأماكن في حديقة الزهور فقد وجدنا عند نهاية التل بحيرة جميلة أحيطت بصخور كثيرة مختلفة الأحجام والألوان وتنوعت ضفاف تلك البحيرة بين ضفة زينت بزهور حمراء طويلة وأخرى بممر خشبي ، أحيط بأقواس من الزهور الحمراء والصفراء ، يدخل لعدة أمتار داخل البحيرة وتفرع من البحيرة من جهة أخرى سواقي أنشئت عليها العديد من القناطر الحجرية الأنيقة .. لم أر صينيا يقطف زهرة أبدا منذ دخلت الصين وحتى الآن ...لا أظن أن هناك شعبا مولعا بالأزهار كالشعب الصيني ..إنهم يقدسون الزهور ..ولأنهم كذلك أجد أن الأشجار والشجيرات هنا تجود بأجمل الأزهار كل حين ...في كل مكان أرى الورود ..أجد سنادين الأزهار تطرز بألوانها الرائعة مداخل الجامعات والمؤسسات الحكومية .. بات مألوفا لدي رؤية الأشجار وقد أحيطت بأطواق من السنادين والتي تستبدل بجديدة كلما أطفأ الذبول جبين أزهارها الملونة ..

لم تنته رحلتنا مع الزهور بعودتنا من الحديقة في المساء فقد علمت من بعض الأصدقاء أن الصينيين يحرصون في أيام محددة من هذا الشهر ( آذار) ، كل عام ، على زيارة نوع من أنواع أشجار الكرز اليابانية ذات الورود البيضاء ، التي تنتشر في الأماكن التي كان يتمركز فيها قادة الجيوش اليابانية أيام إحتلال اليابان للصين ، وأن أحد أهم هذه الأماكن ( جامعة ووهان ) التي تقع على مسافة قريبة من ( جامعة خوا جونغ ) حيث أدرس ، ولذا فقد قررت أن أذهب مع عائلتي إلى هناك عند بدء موسم تفتح تلك الأزهار المحتلة !

بعد أيام إتصل بي أحد أصدقائي العراقيين وأخبرني أن موسم تفتح أزهار الكرز البيضاء قد بدأ وأن الدخول إلى الجامعة أصبح مقابل مبلغ من المال لغير المنتسبين إليها ! .. ولعلمي بأن عمر تفتح هذه الزهور قصير قد يمتد إلى عشرة أيام فقط  فقد سارعت مع عائلتي للذهاب إلى هناك عند أول عطلة نهاية أسبوع تجولنا يومها في أرجاء جامعة ووهان الكبيرة قبل أن نصل إلى مكان تجمع أشجار الكرز اليابانية ... مررنا بالعديد من الساحات الخضراء و الملاعب المختلفة ..إنتشرت أشجار الورد المختلفة الأنواع والألوان في جميع أرجاء الجامعة الواسعة الجميلة وقد تميزت بموقعها عند سفح جبل ( لوه جيا ) الأخضر وإحاطة البحيرة الشرقية بجانبين منها ... لفت نظري أن بنايات الجامعة بنيت على طراز معماري صيني خاص وقد علتها تلك الأكواخ الخضراء القديمة المميزة .

تأسست جامعة ووهان التي تعد واحدة من أجمل الجامعات في الصين عام 1893 وسميت بعدة أسماء حتى إستقرت على إسم مدينة ووهان عام 1928 وقد إنتقلت أثناء مقاومة الصين للإحتلال الياباني إلى مدينة ( ليشان ) في إقليم ( سيشوان ) وعادت إلى مكانها الحالي بعد إنتهاء الحرب وهى جامعة شاملة فيها 105 من التخصصات العلمية ويدرس فيها 45 ألف طالب ..وصلنا أخيرا بعد عناء إلى مكان تجمع أشجار الكرز اليابانية ( ساكورا ) قرب بناية رئاسة الجامعة ، مقر قيادة الجيش الياباني آنذاك ، وقفنا لمشاهدة تلك الأشجار بأزهارها البيضاء الجميلة المائلة إلى الحمرة وعجبنا لتجمهر الناس حولها وتناوبهم لإلتقاط الصور معها في مشهد مثير.. كان هناك الكثير من المصورين الذين وقفوا لإلتقاط الصور والذين إفترشوا الأرض بالعديد من الصور المتشابهة !

و أزهار الكرز( الساكورا ) رمز معروف في جميع أنحاء اليابان ، تحمل في مضمونها كناية عن الطبيعة سريعة الزوال ، إذ تبدأ أشجار الكرز في الإزهار مع نهاية شهر آذار وتدوم تلك المرحلة حتى بداية شهر نيسان ويهتم اليابانيون جداً بمسألة تفتح تلك الأزهار فتراهم يذهبون إلى الحدائق العامة والمعابد والأضرحة لإقامة ما يدعى بـ ( حفل مشاهدة الزهور ) ويسمى باليابانية ( هانامي )...ويعود تاريخ هذه العادة الصينية الأصل إلى عدة قرون إذ تم الإحتفاء بها لأول مرة عام ( 710 م ) ، عندما كانت الثقافة الصينية في عهد أسرة ( تانغ) تهيمن على اليابان ، على غرار العديد من التقاليد الأخرى و كان الناس في تلك الفترة يتأملون أزهار شجرة الخوخ ، ثم حلت أزهار شجرة الكرز محلها ..إعتقد الناس بوجود أرواح تسكن الأشجار، فكانوا يضعون القرابين تحتها ولا تزال هذه العادة مستمرة إلى يومنا هذا ، يخرج اليابانيون والصينيون في نزهة مع عائلاتهم وأصدقائهم ، يجلسون تحت الأشجار ويستمتعون بمنظر الزهور .. وتعتبر لحظة تفتق أولى الأزهار من الأوقات المحببة ، ويترقب هواة التصوير هذه اللحظات بشغف كبير وقد قرأت أن نشرات الطقس في التلفزيون الياباني تعرض مراحل عملية تفتح الإزهار يوميا ! 

ويعتقد اليابانيون أنه من يستطيع إيجاد زهرة كرز متفتحه تماما فسوف يحقق حلمه بالحياة الأمر الذي فسر لي إهتمام كلا الشعبين بتلك الأزهار بالذات..أضطررنا للوقوف طويلا بإنتظار دورنا في إلتقاط الصور مع تلك الأزهار النادرة .. تلك الأغصان التي كانت جرداء قبل أيام أصبحت رائعة الجمال بعد أن طرزتها الأزهار المتجاورة بهذا الشكل المحبب ..فوجئنا ونحن نجلس مستمتعين برؤية تلك الأشجار ، بعروس ، ترتدي ثوب زفافها الأبيض الطويل ، جاءت مع زوجها لتشارك الطبيعة إحتفالها ولتقف مع زوجها وسط الأشجار البيضاء لإلتقاط الصور ، كانت العروس سعيدة وهي تضم طفلتي إلى صدرها مبتسمة وبادلتها طفلتي السعادة وتعلقت بها فلم تتركها إلا باكية ، وسط ضحكات الناس الذين تجمهروا حول ذلك المشهد المثير ... على بعد أمتار وقف عروسان جديدان أحيطا بعدد كبير من الأصدقاء ، وسط الأشجار ، لإلتقاط الصور وهكذا إنتهزت زوجتي فرصة وجود عروستين في مكان واحد فوقفت لإلتقاط صورة معهما فيما كانتا ترفعان شارة النصر كعادة أغلب الصينيين عند إلتقاط الصور!

لم أفهم سر جلب تلك الأشجار من اليابان حتى علمت بأن ( الساكورا ) كانت تعد أثناء الحرب العالمية الثانية ، رمزاً محفزاً لليابانيين ، فقد كان الطيارون اليابانيون يرسمون ( الساكورا ) على جوانب طائراتهم قبل الشروع في المهمات الإنتحارية ! ،  ويرمز رسمهم لتلك الأزهار على جوانب قاذفات القنابل إلى الجمال والحياة سريعة الزوال ، وكانت الحكومة تشجع الناس على الإيمان بأن أرواح المحاربين الفدائيين الذين قتلوا في المعارك دفاعاً عن الوطن تتجسد في أزهار الكرز..

قلت مع نفسي وأنا أنظر إلى الصينيين وهم يحتفون بتلك الأزهار التي زرعها ( المحتل ) في أرضهم بأن ذلك ما يميز هذا الشعب الذي يقدس الجمال بغض النظر عن مصدره ..فعلى الرغم من الحربين اللتين قامتا بين البلدين ( 1894 ــ 1895 م ) و ( 1937 ــ 1945 م ) فإن أحدا لم يؤذ تلك الأشجار.. ولم يخدش أزهارها البريئة صيني بحجة ( مقاومة المحتل ورموزه ) !

بعد أيام لفت إنتباهي في الأسواق إقبال الناس على شراء العديد من الأوراق النقدية والهدايا المزيفة ... سيحل عيد جديد بعد أيام وتحديدا في الأسبوع الأول من شهر نيسان ...وسنرى كيف سيوصل الصينيون تلك الهدايا إلى أرواح أمواتهم إحتفالا بعيد الموتى أو ( عيد كنس القبور) ...

 

* نهراليانغتسي أطول أنهار الصين والذي يمر عبر مدينة ووهان التي يقيم بها الكاتب

الصين ـ ووهان                                                                           جميع الصور بعدسة الكاتب

rainman3009@yahoo.com

 

مشاركاته في النخلة والجيران
على ضفاف نهر اليانغتسي...يوميات عراقي في الصين

1

2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20

21

22

23

24

25

26

27