عدنان جبار الربيعي

 

 

 

 

    على ضفاف ( نهر اليانغتسي *)
 يوميات عراقي في الصين / 17

         حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا الكهف 93  

 

" في طفولتي ،

كنت أحن إلى طابع بريد لطيف

يربطني من أقاصي الدنيا

بوطني الأم ..

في شبابي ،

صرت أحن إلى سفينة مهاجرة

لأنني قريب من النبع

وحبيبتي تسكن عند مساقط النهر ..

عندما بدأ العمر في الأفول ،

صرت أحن إلى قبر واطئ

تسكن فيه أمي .. "

                          الشاعر الصيني يو غوانغ زهونغ

 

لم يعد الموت ، ذلك الزائر الثقيل ، يخيفني .. كنت صغيرا حين أخذ جدتي وألقى بها بعيدا هناك خلف الشمس لم أستطع حينها أن أفهم كيف أنني لن أجلس بعد ذلك اليوم في حضنها العظيم ، ثم إختطف أخي الذي يكبرني بثلاثة عشر عاما فلم أر سجادة صلاته بعدها أبدا ، ثم عاد ليأخذ أبي في رحلة طويلة مفتوحة الزمن ..

في كل تلك الأحيان كنت أخاف الموت لكنني شعرت به حين أقترب من أمي ... لم يكن مخيفا هذه المرة لأنني تمنيت يومها أن يأخذني معها هناك ..لقد إكتمل عقد عائلتي خلف الشمس .. وستكون بإستقبالي حين أسافر دون حقائب بعد حين ...

للموت في الصين طعم آخر ..

أفكر في ذلك وأنا أشارك الصينيين طقوسهم في ( عيد الموتى ) الذي حل نهاية الأسبوع الأول من شهر نيسان .. لم أشعر يوما أن هناك موت على تلك الأرض .. لا أثر هنا من آثاره المتعارف عليها ، بعكس أرض وطني تماما ، حيث يعيش الموت هناك بيننا .. ينام تحت أغطيتنا حين ننام ، يشرب معنا شاي الصباح ويشارك الصبية في الأزقة الفقيرة لعبهم ، يصلي في الجوامع مترقبا لحظة القطف ، ويقف في طوابير تلاميذ المدرسة الصباحية كل يوم ...

لم أعرف كيف يعامل الموتى هنا ؟ كيف يتم العزاء ؟ إلى أين تمضي جثثهم غير المرئية .. كل تلك الأسئلة كانت تدور ببالي حتى إلتقيت صديقا عراقيا عاش لأكثر من عشر سنوات هنا وسألته عن تلك التفاصيل الصغيرة وجاءني الرد شافيا ..

قال لي صديقي أنه حضر مأتما صينيا لوالد أحد أصدقائه وحين أتى إلى بيت المتوفي وجد طوقا كبيرا من الورد قد وضع عند مدخل البيت للدلالة على وجود عزاء ... يقول أنه فوجئ وهو يدخل البيت بالمتوفى جالسا على كرسي وقد ألبس بدلة جديدة وربطة عنق !

كان الناس يأتون ليلقوا عليه التحية وليضعوا عند قدميه الهدايا والفواكه ثم يجلسون بحزن عميق ، من حوله ، صامتين .. تستمر تلك الطقوس لثلاثة أيام ثم يؤخذ به إلى مثواه الأخير .. يقول صديقي أنه لم يعرف إلى أين أخذ الرجل بعد ذلك حتى مرت سنوات ليدرك كنه ذلك ( المثوى ) الغريب ..

فبعد مرور سنوات كان صديقي في المستشفى مع صديق أفريقي مسلم توفيت طفلته الرضيعة هناك وحين طلب الوالد جثة الطفلة ، قيل له أنها أرسلت إلى المحرقة !

وفي الحال أبلغ الرجل إدارة المستشفى بأنه مسلم ولا يود إحراق جثة إبنته فقامت الإدارة بالإتصال هاتفيا بمحرقة الجثث وتم إيقاف العملية قبل وقوعها !..

يقول صديقي أنه أصر، حين ذهبا معا لإنقاذ جثة الطفلة ، على رؤية تلك المحرقة .. وأن العجب أخذ منه مأخذا حين رأى عملية إحراق جثة رجل مسن حيث وقف على بعد 20 مترا ليراقب المشهد .. 

جيء بالرجل على سدية خاصة وأدخل الفرن ورفعت درجة الحرارة لأكثر من 1000 درجة مئوية فتحول خلال فترة وجيزة إلى كومة رماد!

وأخيرا وضع ذلك الرماد في علبة صغيرة لفت بقماش أحمر، و أعطيت لذوي المتوفى !

أثار كلام صديقي فضولي فقررت أن أتوجه بالسؤال لصديق صيني ، تعرفت عليه مؤخرا في الجامعة ، عند أول لقاء به بعد إنتهاء العطلة الربيعية ... حين إلتقيته سألته عن طقوس الموت لديهم وعن سبب لف الرماد بقطعة قماش حمراء فأجابني أنهم يفعلون ذلك لإبقاء روح الميت داخلها !

وحين سألته عن تفاصيل أكثر روى لي القصة كاملة ... قال لي بأنه عندما يتوفى شخص ما تنزع ملابسه وتؤخذ مع فراشه خارج البيت وتحرق أملا في أن ترافقه حاجاته تلك في رحلته الأبدية !

ويرسم حول تلك الحاجات دائرة بقطعة طباشير لمنع أرواح الموتى الآخرينِ من سرقَة أي شئ !

ثم يؤتى له بملابس جديدة أنيقة وفراش جديد .. تبدأ العائلة بعدها بإعداد ( منضدة روح ) ستستمر لـ 49 يوما ، توضع بداخلها الشموع و العديد من أعواد البخور، وأنواع من الطعام والفواكه و يحرص على أن تكون قنينة الشاي ممتلئة خلال تلك الفترة وإن كان المتوفي مدخنا فستشعل السجائر وتوضع تباعا في المنفضة!

وأمام المنضدة توضع آلة تسجيل تكرر أناشيدا بوذية

وفي الأيام الثلاثة التالية يجب أن يتطوع شخص من العائلة ليكون متواجدا في غرفة المتوفى مستيقضا لأنهم يعتقدون بأن الروح تحوم حول الغرفة دون أن تدرك أنها قد توفيت وفي الأيام السبعة الأولى تشعل أعواد البخور بصورة مستمرة وتمتنع العائلة عن أكل اللحم إرتداء الملابس الجديدة والإستحمام والحلاقة وتحرص نساء العائلة على وضع رقعة من القماشِ الأسود على الكم ، فيما تضع سيدات العائلة زهرة بيضاء في شعرهن ويرتدي المقربون الذين يعيشون في نفس البيت أحزمة بيضاء أما الأحفاد فيضعون رقعة حمراء على الكم ..

قلت له أن النساء في وطني تحرص هناك على إرتداء السواد لفترة طويلة قد تمتد إلى سنة كاملة وبالنسبة لأمي فإنني لم أرها يوما ترتدي غير السواد حتى رحلت به لترادف الأحزان على قلبها فتأثر لذلك ..

قال لي صديقي أن هناك إعتقادا لديهم بأن أرواح الأشخاصِ محمية بأجسادهم وأنها لا تشعر بالبلل وقت المطر لكنها تصبح رطبة أثناء المطر الأولِ ، بعد الموت وعندها فقط  تدرك الروح بأنها تركت صدفَتها الدنيوية !

بعد إنتهاء الطقوس تستدعى عربة لنقل الجثمان إلى حيث يحرق وتحمل النساء من أفراد العائلة الأوعية الفخارية المليئة بالغذاء لكسرها بعد مغادرة العربة ، في مشهد يشابه مشاهد توديع أمهات وطني للمسافرين حين يلقين الماء في إثرهم ، وهكذا تتناثر قطع الفخار والغذاء على الأرض هنا وتغسل المياه خطوات المسافرين هناك ..

أخبرني كذلك أن كثيرا من الصينيين يعتقدون بأن الروح ستعود ، إلى البيت ، كل سبعة أيام من موتها وأن كل زيارة ستكون مدتها أقصر من السابقة حتى اليوم التاسع والأربعين ، يوم العودة النهائية ، حينها ستكون تلك الزيارة لبضعة دقائق فقط ! قلت له أننا نحرص هناك على زيارة قبر المتوفي في اليوم الأربعين من وفاته فأخبرني بأن لديهم سبع زيارات ، كل سبعة أيام …ففي اليوم السابع الأول تستأجر العائلة والأصدقاء حافلة ، وتذهب إلى القبر ، الذي يحتوي صندوق الرماد ، حاملين له الزهور والطعام الطازج والشراب وهناك يخرجون الصندوق ويبدأون بإشعال نار ستلتهم ملابسه المتبقية في ( حفل نار أسبوعي ) حتى اليوم التاسع والأربعين !

لكن الغريب أنهم لا يسمحون لمن أكل لحم الخنزير أو للإمرأة الحامل أو الحائض بالمشاركة في تلك الطقوس كما يجب على كل فرد أَن يخطو فوق تلك النار مرتين أو ثلاث لكي لا يكون بمقدور الأرواح الشريرة إتباعهم إلى بيوتهم كل مرة !

أخبرني صديقي في معرض حديثه الممتع أن ذروة إحتفاء الصينيين بأمواتهم تبدأ حين يحل شهر نيسان الذي خصص للموتى ، حيث يحل (عيد تشينغ مينغ) أو (عيد الصفاء والنقاء) أو (عيد الموتى ) أو (عيد كنس القبور) في نهاية الأسبوع الأول منه وتتواصل حتى يوم السابع والعشرين من الشهر ذاته موعد الذكرى السنوية لإعلان حرق جثث الموتى الذي أصدره ( ماوتسى تونغ ) عام 1956 وتنتعش طوال هذه الفترة تجارة النقود والسلع المزيفة ، حيث يتبارى الجميع في شرائها ويكتبون عليها أسماء أحبائهم ممن رحلوا عن الدنيا قبل أن يحرقونها ثم ينثرونها في الهواء ليحملها الى عنان السماء وقد شرع ( عيد الموتى ) من قبل إمبراطور صيني تخليدا لذكرى مسؤول مخلص ضحى بحياته لإنقاذ حياة الإمبراطور قبل أكثر من 2500 عام وتدريجيا أصبح هذا اليوم مناسبة تقليدية لتقديم الولاء للأسلاف ولأفراد  العائلة الراحلين .

في السوق لفت إنتباهي إنتشار تلك الأوراق النقدية الكبيرة المزيفة التي تحمل كل ورقة منها عشرة أصفار إلى يمين الرقم 1 !

كانت هناك بائعة مسنة إفترشت الأرض بالعديد من البضائع المزيفة .. وقفت لأرى تلك البضائع التي كانت محاطة بعدد كبير من الشموع الحمراء وعلب الكبريت وأعواد البخور وألعابا نارية.. كانت هناك رزما من الأوراق النقدية وعلبا وضعت بداخلها صورة لسيارة حديثة وصورة لهاتف نقال وقداحة وعلبا ورقية ذهبية اللون تمثل سبائك ذهب !      

يسمى عيد تشينغ مينغ ( عيد الأشباح ) في بعض المناطق الصينية ، ومن التقاليد أنهم لايوقدون شمعة داخل منازلهم ولايشعلون موقدا داخل مطابخهم .. ويتناولون طعامهم باردا في الصباح الباكر ( بعد إعداده وتجهيزه قبل أيام ) على أن يشكل البيض مكونا أساسيا في جميع الأصناف بإعتباره أصل الحياة ... وفي هذا العيد الحزين ينهمك الرجال في زراعة أشجار الصفصاف التي يسمونها الأشجار الباكية في شتى أنحاء الصين خاصة على ضفاف الأنهار أملا في أن تملأ قطرات دموعها المنسكبة على الدوام جميع الأنهار الصينية البالغ عددها 1500 نهر فتفيض مياهها حتى في مواسم الجفاف وفي هذا العيد يتوجه الملايين فى صمت وخشوع إلى قبور أمواتهم  ويمضون اليوم بأكمله هناك ينخرطون في البكاء حزنا على رحيلهم حاملين معهم رماد العشب اليابس حيث يستخدمونه فى رسم دوائر واسعة كالدوامات إحداها داخل الأخرى رمزا لمخازن الحبوب العامرة بالحصاد وخلال طقوس القرابين، يزيل الناس الأعشاب المتنوعة عن الضرائح ويضيفون اليها كمية من التراب ، ويشعلون أعواد البخور ، ويحرقون أوراق النذور، والنقود والهدايا المزيفة التي كتبت عليها أسماء أمواتهم ، ويسجدون ويقفون أمامها وقفة حداد .. وقد قرأت أن هناك  شعرا كتب في عهد أسرة سونغ الملكية ( 960 - 1279 ) كان قد صور تلك الطقوس : ( تكثر الضرائح على قمم الجبال الجنوبية والشمالية ، ويزورها الناس لتقديم القرابين بالتتابع بمناسبة عيد تشينغ مينغ ، ويطير رماد أوراق النذور في السماء كأسراب من الفراش البيضاء ، ويذرف الناس دموعهم ودماءهم مثل الوقواق الأحمر ) ..

 

في بداية الأسبوع الثاني من الشهر ، وبينما كان إقبال الصينيين على شراء الهدايا المزيفة مستمرا،كنت في السوق لشراء بعض الهدايا الحقيقية ، بخلافهم ، لمناسبة مختلفة تماما !

بعد أيام سيحل عيد ميلاد طفلتي الثاني

وسنرى كيف تعاملت جارتنا الصينية مع ذلك الحدث ...

 

* نهراليانغتسي أطول أنهار الصين والذي يمر عبر مدينة ووهان التي يقيم بها الكاتب

الصين ـ ووهان                                                                           جميع الصور بعدسة الكاتب

rainman3009@yahoo.com

 

مشاركاته في النخلة والجيران
على ضفاف نهر اليانغتسي...يوميات عراقي في الصين

1

2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20

21

22

23

24

25

26

27