|
|
|
عدنان جبار الربيعي |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
![]()
"
الطفل ،
الأب ، الجد ، يستريح أبدا تحت الأرض" الشاعر الصيني زانغ كيجيا أجلس وحيدا أتأملهم وهم يمرون أمامي أطفالا، فتيانا ، نساء وشيوخا وعجائز.. وجوه غريبة لكنها ودودة أرى الحياة تنبض في تلك العيون الصغيرة
وأراها
بقوة أكبر في العيون التي رسم الزمن حولها أطارا من تجاعيد ! في ملاعب الأطفال ، ذات يوم ، شاهدت مشهدا رائعا .. تلخص المشهد بثلاث نساء أتين لمرافقة طفلة واحدة كانت وجوههن متطابقة تماما لكن الفرق كان واضحا في وجود أوعدم وجود تجاعيد في الوجه !إنتهزت زوجتي فرصة مقدرة أصغرهن سنا على التحدث بالإنكليزية فتوجهت لها بالسؤال وتبين أنها أم الطفلة وأن المرأة التي تكبرها سنا أمها هي ، وأن العجوز التي كانت ترافقهن جدتها ! تذكرت وأنا أشاهد الجدة قوة الحياة في عيون أستاذة إحدى المواد التي أدرسها في الجامعة ، المتقدمة في السن ، حين أعلنت ذات يوم أن هوايتها المفضلة : الغناء ! لايأس في تلك العيون أبدا .. أراهم يرقصون في الساحات كل صباح ومساء الشيوخ مع العجائز أجساد فتية وحركات بطيئة ! يحبون الحياة ويحيونها لآخر لحظة شيخ حزين وحيد أراه دائما في حينا ، وقد غزا الشيب رأسه يجلس لمراقبة الأطفال وهم يلعبون ..أطيل النظر إليه دائما ، بم يفكر هذا الشيخ ؟ لم أره مبتسما مرة واحدة بخلاف الجميع .. أشعر أن وراء هذا الشيخ سرا كبيرا ! ذات أحد الأيام من شهر نيسان ، توجهنا إلى مدينة ( خانكو ) التي تقع في الضفة الأخرى لنهر اليانغتسي لغرض شراء ملابس وهدية ميلاد لطفلتي التي سيحل عيد ميلادها الثاني بعد يومين.. حين أوقفت سيارة الأجرة عجبت لأن السائق كان إمراة كبيرة في السن .. جلست العجوز منتصبة بشعر قصير وتجاعيد عميقة وقد إرتدت قفازا أبيض .. كانت قيادتها للسيارة هادئة بطيئة ولا غرابة في ذلك إذ أنها كانت تقود السيارة بحكمة !
في شارع (
جيان خي لو ) المشابه لشارع ( ونغ فوجين ) في بكين شاهدنا العشرات من
المحلات الأنيقة التي حوت مختلف البضائع ..صممت البنايات على جانبي الشارع
، المرصوف بالحجر الصقيل ، على الطراز الأوروبي ..لم يكن الشارع سوى سوق
طويل خال من السيارات بإستثناء سيارة كهربائية حمراء صغيرة كانت تنقل
المتبضعين والمتجولين ، ووضعت الكثير من المصاطب على جانبي الطريق وإمتلأت
مساحاته النظيفة بالناس أعجبتنا التماثيل النحاسية الرائعة الكثيرة التي
وضعت على طول الشارع .. كنا نتجول ونلتقط الصور مع تلك التماثيل التي مثلت
العديد من الصور التراثية ..
مررنا بالعديد من التماثيل حتى توقفنا عند تمثال لشخصين يلعبان الشطرنج الصيني ، تلك الرقعة الكبيرة ذات الأقراص الخشبية الكبيرة التي أراهم يتحلقون حولها في كل مكان ... كان أحدهما جالسا ينظر إلى رقعة الشطرنج ، ويمسك بإحدى يديه مروحة يدوية وإلى جانبة أبريق الشاي الصيني بينما وقف الآخر مبتسما وهو يمسك بكوب شاي كبير ..
والشطرنج
الصيني ( وي تشي ) نوع من الألعاب التقليدية التى أبدعها الشعب الكادح فى
العهود الصينية القديمة ويعد واحدا من أعظم أربعة فنون في الصين القديمة ،
إضافة إلى العزف على آلة تشين ( العود السباعي الوتر) وفن الخط والرسم ،
ويرجع تاريخه إلى ما قبل 3000 سنة وقد تأثرت قواعد وإستراتيجية اللعب كثيرا
بالمفاهيم الفلسفية الصينية القديمة وهناك نوع آخر من الشطرنج الصيني يدعى
( شيانغ تشى ) ، وله تاريخ عريق أيضا بالصين، وغالبا ما يستفيد الناس فيه
لمعرفة فلسفة الحياة البشرية ، ورفع قدرة الوعي والتفكير وفرحة الحياة
وتقسم أحجار لعبة ( شيانغ تشى ) إلى 7 أنواع ، الجنرال ، الموظف ، الفيل ،
الحصان ، العربة ، المدفع ، والجندى . ولكل منها وظيفة خاصة ، وإختلاف
الدرجات ، ويفوز من يتمكن من إبقاء الجنرال حيا إلى نهاية اللعبة .. في مكان آخر شاهدنا تمثالا يجسد إمرأة تقف قرب صنبور ماء فيما ينحني رجل أصلع الرأس ليحمل دلوا مليئا بالماء وقد ذكرني شكله بـتمثال ( السقا ) الذي يحتل زاوية في المتحف البغدادي ببغداد وفي نهاية الشارع وقفت منبهرا أمام نصب هائل جسد ثائرين بمختلف الأعمار كان الجميع متوثبا الفلاح بحجر والعامل بمطرقة والشيخ بلحية كثة والشاب ملوحا بقبضة يده فيما وقفت إمرأة لتلوح بيدها خلفهم وقد تلاشى جسدها مع الصخرة التي كانت تقف عليها.. بعد يومين إحتفلنا بعيد ميلاد طفلتي الثاني بصمت كانت شمعتها الأولى في بغداد تضيئ في عيون الأحبة الذين تجمعوا حولنا ، لكن شمعتها اليوم تشعر بغربة قاتلة كانت عبارة عن رقم (2) ذاب رويدا رويدا ووسط الصمت كانت أرواحنا تحاور أحبتنا هناك وتحتفل ، على البعد ، معهم في مساء اليوم التالي دقت جارتنا الصينية ذات الخمسين عاما باب شقتنا .. كانت تلك هي المرة الأولى التي تطرق بها بابنا .. حين فتحت الباب فوجئت بها وهي تحمل سلة مليئة بالبيض .. ألقت التحية وقالت لي أن هذا البيض هدية لنا تعبيرا عن محبتها وزوجها لنا ولطفلتنا وأعطتني ورقة كتبت بها كلمات صينية .. شكرتها كثيرا فيما هرعت زوجتي لإعطائها نصف كعكة عيد ميلاد طفلتي مخبرة إياها إنها بلغت عامها الثاني اليوم ، لم تمكث جارتنا معنا طويلا حتى حيتنا بإنحناءة الشكر المعتادة هنا ، مبتسمة ، وغادرت الشقة على عجل...
في الليل
دق باب الشقة مجددا ، فقد أتت جارتنا هذه المرة وهي تحمل فستانا رائعا
لطفلتي وأعطتها إياها مهنئة وهي تتمتم قائلة ( جوني شاويي كواي لا ) !
والتي تعني ( عيد ميلاد سعيد لك ) ....عقدت الدهشة السنتنا .. لم نعرف كيف
يمكن لنا أن نشكر لها إدخالها البهجة على قلوبنا مرتين ذلك اليوم .. بعد أيام حملت الورقة إلى صديقي الصيني ليقرأ لي ما جاء فيها .. قال لي صديقي إنها أبيات شعر تصف محبة تلك الجارة وزوجها لك ولعائلتك وأنهما يقدمان لكما سلة بيض من نوع خاص أتتهما من أهلهما في مدينتهما البعيدة تعبيرا عن الرغبة في التواصل معكم ..وهكذا نشأت علاقة خاصة بيننا وبين تلك العائلة رددنا لهما خلالها هداياهما بهدايا كثيرة بدأت بطبق كبير من الخبز العراقي الذي صنعته زوجتي بنفسها ... بعد أيام هطل المطر ...قيل لي أن الربيع هنا إحتفال للمطر.. إستمر المطر لثلاثة أسابيع دون توقف .. كانت السماء ملبدة بالغيوم الثقيلة بينما تواصل إنهمار المطر كشلال ماء .. في الليل كانت السماء تزمجر وكان ضوء البرق يخطف الأبصار .. لم أر في حياتي مثل ذلك المطر الغريب الذي يشبه إلى حد كبير نزيف جرح يبدو من المستحيل إيقافه .. تذكرت وأنا أشاهد المطر المتواصل ذلك المشهد في رواية ( مائة عام من العزلة ) لماركيز حين أمطرت السماء في القرية لأربع سنوات وأحد عشر شهرا ويومين ، بعد مذبحة المزارعين من قبل الجيش ، ظلت خلالها بطلة الرواية ( أورسولا ) تقول إنها تنتظر نهاية المطر لتموت وهو الحدث الذي جرى بالفعل ! وهكذا بقينا ننتظر توقف المطر أملا في أن تشرق الشمس لكن الغريب حقا أن الطحالب بدأت تنمو في خزانة الملابس والحيطان تماما مثلما جاء في الرواية ! كنت أنتظر وقوف المطر للذهاب برحلة جديدة في أرجاء المدينة إذ نصحني أحد الأصدقاء بزيارة مكان يعد من أهم معالم مدينة ( ووهان ) ذلك هو ( خوانغ خي لو ) ، الواقع على مقربة من ضفة نهر اليانغتسي القريبة ، وسنرى هناك ما جعل هذا المكان التراثي الكبير مميزا...... * نهراليانغتسي أطول أنهار الصين والذي يمر عبر مدينة ووهان التي يقيم بها الكاتب الصين ـ ووهان جميع الصور بعدسة الكاتب
مشاركاته في النخلة والجيران
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||