عدنان جبار الربيعي

 

 

 

 

    على ضفاف ( نهر اليانغتسي *)
 يوميات عراقي في الصين / 19

         حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا الكهف 93

 

"عظيمة هي الأنهار التسعة تسير إلى عمق الصين
و خط سكة الحديد الطويل يوحد الجنوب بالشمال
مندثرا في مدى يلفه ضباب و رذاذ ..
السلحفاة و الأفعى تحيطان بالنهر الكبير
لا ندري إلى أين رحل الكركي الأصفر
بقيت هذه المقصورة وحدها موقفا للمسافر
أرش بنبيذي سطح الماء المضطرب
و في قلبي المد يرتفع بإرتفاع الأمواج "

                                   من شعر ماوتسي تونغ

تثيرني أساطير الشعب الصيني دائما ... أشعر وأنا أقرأها بنفس ذلك الشعور الذي ينتابني وأنا أقرأ أساطير وحكايات ألف ليلة وليلة...لكن الأساطير هنا لا تتوقف عند حد فللأعياد أساطير وللشخصيات أساطير ، حتى الأماكن والمدن والبنايات لها أساطيرها الخاصة ...يوما فيوما أدرك أنني أمام كنز كبير من الحكايات الجميلة التي لا تنتهي.  

ذات صباح مشرق خرجنا بإتجاه ( تل الأفعى ) قرب نهر اليانغتسي حيث يقع ( خوانغ خي لو ) أو ( برج طائر الكركي الأصفر ) أحد أهم  الأبراج العظيمة الأربعة في الصين كنت قد مررت بذلك البرج العالي في الليل وهو يضيء كشجرة ميلاد ضخمة ولم أكن أعرف أن لذلك البرج كل تلك الأهمية التاريخية والتراثية بالشكل الذي جعله رمزا لمدينة ووهان حتى زرته مع عائلتي ذلك اليوم  وقف البرج ذلك الصباح منتصبا أمامنا .. كان رائعا بأذرعه التي صممت على شكل أجنحة منشورة .

في الطريق إلى مدخل ( خوانغ خي لو ) دخلنا شارعا قصيرا ضيقا مليئا بالمحلات التي تدار من قبل فتيات يرتدين ملابس حمراء إمتلأت محلات الشارع الأنيقة بالهدايا التذكارية والتحفيات الصينية والملابس التراثية وتوسطت الشارع عربات خشبية قديمة جلسنا في إحداها لإلتقاط صورة مقابل مبلغ زهيد من المال .. 

أفضى الشارع إلى سلم طويل يؤدي إلى قاطعة التذاكر ..كان المكان كبيرا جدا وقد نصحني الأصدقاء بالذهاب إليه بوقت مبكر لكي يكون الوقت كافيا أمامنا لمشاهدة جميع الأماكن التي حواها ذلك المتنزه الكبير.. إستقبلتنا عند المدخل بحيرة رائعة الجمال أحيطت بأشجار وأكواخ وأحاط سياج حجري أبيض بمياهها التي كانت تعكس صور الصخور البيضاء والأشجار وعلى جانب منها خصص مكان وقف أمامه تمثال نصفي مطلي باللون الذهبي لـ( ماوتسي تونغ ) وصورا كبيرة لقادة الحزب الشيوعي السوفيتي (لينين ، ستالين) وقد ضم المكان العديد من القصائد التي كتبها ماو منقوشة على الحجر ..

بإتجاه البرج إلتفت الطرقات حول بساتينِ الخيزرانِ و أشجار الصفصاف الباكي .. كنا نصعد السلالم المتتالية ونمر بصخور طبيعية عجيبة وأشجار ومرتفعات كثيرة ..

في مدخلِ البرج وقف موظف لتأشير بطاقة الدخول بالشكل الذي يسمح للزائرين بالدخول مرة واحدة في اليوم .. يعود تاريخ بناء ( برج طائر الكركي الأصفر) إلى العام 223 م أثناء فترة الممالك الثلاثة (220 – 280 م ) كبرج مراقبة عسكري من قبل ملك ( يو ) بسبب موقعه المثالي ثم تلاشت وظيفته العسكرية بشكل تدريجي وأصبح مكانا ترفيهيا حتى صار في فترة سلالة تانج (618 ـ907 ) ملتقا أدبيا للشعراء والأدباء .. سحر البرج الشعراء خلال القرونِ العديدة إذ كتبت عنه الكثير من القصائد وفي فترة سلالة شنغ فقط كتبت عنه 300 قصيدة ..

في الطابق الأول من البرج الذي يبلغ عرضه 30 م بهرتنا جدارية كبيرة من الخزف بطول 9 أمتار وبعرض 6 أمتار تصور أسطورة بناء البرج ، تلك الأسطورة التي تعد لؤلؤة لامعة من لآلئ الأدب الصيني ، كانت الجدارية تصور غيوما وأنهارا وعازفين وكاهنا بلحية بيضاء وناسا يجلسون في حانة وراقصات يرتدين ملابس صفراء وصورة للبرج يعلوه طائر كركي أصفر كبير يفرد جناحيه في الفضاء.. تقول الأسطورةَ بأن شابا طيب القلب يدعى ( شن ) كان قد إفتتح حانة في موقع البرج قبل بنائه وحدث أن مر بتلك الحانة ، ذات يوم ، كاهن طاوي رث الثياب وطلب نبيذا .. كان ( شن ) كريما جداً بِحيث أنه خدم الكاهن الطاوي مجاناً وكجزء من رد ذلك الجميل عاد الكاهن بعد حين ليرسم طائر كركي أصفر على حائط الحانة وكانت ميزة ذلك الطير أنه كان يرقص حين يصفق الناس له وهكذا دهش الناس بتلك الأعجوبة فأخذوا بالتوافد على الحانة وخلال فترة وجيزة أصبح ( شن ) غنيا ، بعد عشر سنوات زار الكاهن الطاوي الحانة ثانية وإمتطى ذلك الطائر ليحلق به إلى السماءِ !

وتخليدا لذكرى ذلك الكاهن قام ( شن ) ببناء برج أسماه بذلك الإسم الذي أشتهر به منذ ذلك الحين ( برج طائر الكركي الأصفر )...في الطابق الثاني عثرنا على دكاكين لبيع التحف بالإضافة إلى إحتلال جداريات صينية تقليدية الحائط فيما وقفت لأتابع رساما كان يرسم بريشته على المراوح اليدوية الصينية الشهيرة وإلى الخلف منه علقت لوحات تمثل البرج ونماذج لخط اليد الصيني

أصرت طفلتي على إرتقاء السلالم الطويلة لوحدها بإتجاه القمة .. كنا نقف عند كل طابق لنرى محتواه ولنطل من خلال شرفة كل طابق على المدينة ..

في الطابق الثالث عرضت نماذج لأنواع غرف الجلوس المستعملة من قبل طبقة النبلاء في فترة ولاية ( تشو ) كما نقشت بعض القصائد التي كتبت في مديح البرج في السلالات المختلفة على لوحة كبيرة من الحجر الأسود ..فيما إحتوى الطابق الرابع دكاكين تحف ومجموعة النماذج المعمارية العديدة التي بني بها البرج الذي حطم وأعيد بناءه عدة مرات أثناء القرون التي تلت بناءه الأول ففي الفترة الممتدة من 1368 وحتى العام 1911 حطم البرج سبع مرات وأعيد بناءه سبع مرات وفي العام 1884 تعرض البرج للحرق بالكامل ولم يعد بناءه حتى عام 1981 حيث بني على طراز عصر سلالة ( شنغ ) وقد غطي السقف بـ 100,000 بلاطة صفراء مزججة تبدو كل أرضية بأنها قَد صممت لتشابه أجنحة محلقة لطائر كركي أصفر ..

وصلنا اخيرا إلى قمة البرج في الطابق الخامس على إرتفاع 52 متر..صار كل شيء تحتنا واضحا ..من أعلى ( برج طائر الكركي الأصفر ) وقفت لأتأمل ..كانت المدينة تمتد أمامي حتى الأفق ..كنت أمد بصري لأرى العمارات الأنيقة وناطحات السحاب والشوارع والبيوت القديمة والأسواق ووو... وقفت لأتأمل ذلك النهر الكبير الذي يمر عبر تلك المدينة .. تأملت ضفتيه اللتين تفصل بينهما مسافة كيلو متر من المياه الزرقاء ..كانت السيارات تسير ببطء كما كنت أراها على الجسر الطويل الذي يصل بين الضفتين ..

تذكرت دجلة الذي يبدو كطفل صغير أمام هذا النهر العملاق ..

دجلة الذي كانت ضفتاه تقتربان من بعضهما كل سنة من السنين العجاف التي مرت على وطني من قبل ..

على البعد لاح لي برج التلفزيون الصيني الذي يشبه إلى حد كبير برج المأمون ببغداد ... وقفت طفلتي خارج البرج رافعة يدها لإلتقاط صورة أمام نصب برونزي لطائري كركي يقفان على ظهر سلحفاة إلتفت حولها أفعى ..كان النصب رائعا وهو ينتصب أمام البرج بتلك الصورة التي تباع كتذكار يمثل مدينة ووهان بالإضافة لصورة ذلك البرج العريق ..وقفت أتأمل ذلك النصب مليا لماذا يقف الطائران على ظهر السلحفاة ؟ وما قصة الأفعى التي تلتف حول السلحفاة ؟

كنت قد قرأت من قبل أن طائر الكركي والسلحفاة يرمزان إلى طول العمر في اليابان لكن ما علاقة هذا بالبرج ؟

لم تدم حيرتي طويلا إذ دلتني لوحة نقشت على الحجر قرب النصب على قصة أسطورة جديدة تحكي قصة ذلك النصب ... تقول الحكاية أن السلحفاة والأفعى كانتا منذ قديم الزمان مسؤولتين عن السيطرة على تدفق مياه نهر اليانغتسي ولأجل السيطرة على الفيضانات المتكررة لذلك النهر تحول كل من الأفعى والسلحفاة إلى تل سمي بـ ( تل الأفعى والسلحفاة ) وهكذا لم يعد هناك فيضان بعد ذلك الحين ، وعاش الناس بسلام مطمئنين وذات يوم شاهد طائرا الكركي ، وهما يحلقان في السماء ، إحتفالات الناس بزوال الفيضانات فقررا الهبوط ليشاركا الناس إحتفالاتهم وسعادتهم !

إلى الخلف من البرج مررنا بسلم يؤدي إلى جرس برونزي قديم هائل نحتت عليه لوحات صينية قديمة وصورا لأبراج وعلت تلك اللوحات كلمات صينية .. كان الجرس معلقا بسقف من الكتل الخرسانية الحمراء التي صممت على شكل الواح متقاطعة .. لفت إنتباهنا تجمع الكثير من القطع النقدية المعدنية تحت الجرس المعلق فيما كان الناس يتناوبون على دق الجرس بعمود أحمر هائل من الخشب ليرددوا تراتيل خاصة وليبوحوا لذلك الجرس العتيق بأمنياتهم وأحلامهم !

في سنة 1868 م كان هذا الجرس الوحيد الذي بقي من الحريق الذي إجتاح البرج يبلغ إرتفاع الجرس 3.4 متر وعرض قاعدته 1.8 متر ويبلغ سمك الجرس 4 سم وصمم بحيث يعطي صوتين مختلفين .. توجهنا إلى المنطقة الشرقية من المتنزه بباص كهربائي صغير لنصل إلى مكان لتأجير الملابس التراثية الصينية بالقرب من تمثال بروزي هائل لفارس مع حصان ..كانت الملابس متنوعة وكثيرة ووقف مصور مختص إلى جانبها مع لوحة كبيرة ضمت صورا كثيرة لكثير من الرجال والنساء والأطفال وهم يرتدون ملابس الملوك والفرسان والأميرات .. ساعدت إمراة زوجتي بإختيار زي صيني مناسب مع مروحة يدوية وقلائد وتاج أميرة فيما إستعنت برجل مختص في إختيار زي أحد الملوك القدماء مع عمامة حمراء ، وإخترت سيفا كبيرا لتكتمل الصورة !

وبالنسبة لطفلتي فقد إخترنا لها زيا أحمر رائعا وبدت بتاجها الذي صنع من الريش الملون جميلة وهي تنظر مندهشة لبريق ألوان ملابسنا الغريبة !

إرتقينا بعدها سلما حجريا لإلتقاط العديد من الصور مع التمثال البرونزي الرائع الذي يمثل البطل ( يو في ) ( 1103 ـ 1141 م ) الذي عاش في فترة إمبراطورية ( سونغ ) ذلك البطل الذي قاد جيش الإمبراطورية وأحرز الإنتصارات والذي كتب أشهر قصائده في مديح برج طائر الكركي الأصفر .. وقف ذلك الفارس وهو يرتدي زي قائد عسكري بنظرة حازمة ممسكا بيساره ورقة ملفوفة وإلى الخلف منه عفر حصان خده تحت قدميه .. إنتصب التمثال الذي يبلغ طوله 8 متر والذي يزن 14 طن على صخرة كبيرة منحته إرتفاعا يليق به وإلى الخلف من التمثال وضعت جدارية من الحجر بطول 25 متر نحتت عليها صورا لمعارك ذلك الفارس الشهير...تجمهر الصينيون حولنا ونحن نقف أمام ذلك التمثال لإلتقاط الصور .. كانت أصوات المعارك القديمة ترن في أذني وأنا أجرد سيفي وسط غبار حوافر الخيول الحجرية ..

لم يتبق لنا المزيد من الوقت لزيارة كل المتاحف المنتشرة في أرجاء ذلك المتنزه الكبير .. مررنا على عجل بمتاحف صخور ملونة كثيرة و بأكواخ كثيرة و شرفات مراقبة مبعثرة على طول الطريق ..كانت الشمس تتوارى ببطء خلف الأفق حين خرجنا من ذلك المتنزه المدهش ..

بعد أيام وبينما كنت أقود دراجتي الهوائية بإتجاه الجامعة إتصل بي أحد أصدقائي العراقيين ليبلغني أن زلزالا مدمرا ضرب في الساعة الثانية والنصف بعد الظهر إقليم ( سيتشوان ) جنوب غرب الصين والمجاور لإقليم ( هوبي ) وأن الكارثة خلفت آلاف الضحايا والقصص المحزنة وسنرى كيف تعامل الشعب الصيني مع تلك المأساة الجديدة ...

 

* نهراليانغتسي أطول أنهار الصين والذي يمر عبر مدينة ووهان التي يقيم بها الكاتب

الصين ـ ووهان                                                                           جميع الصور بعدسة الكاتب

rainman3009@yahoo.com

 

مشاركاته في النخلة والجيران
على ضفاف نهر اليانغتسي...يوميات عراقي في الصين

1

2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20

21

22

23

24

25

26

27