|
|
|
عدنان جبار الربيعي |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
![]()
"السماء
اقرب من
الوردة
القمر ناضج كالصنوبرة يرسم دربا مستقيمة محاذية لسريري انظر من النافذة ـ الثلج يهطل بغزارة أفكر بالوطن"! الشاعر الصيني لي ـ بو
في الطريق إلى ووهان كان القطار يعبر المدن النائمة .. كنت أراقب الأكواخ الممتدة المتناثرة هنا وهناك في مشهد أعادني لأكواخ الطين في جنوب وطني ، حين رأيتها مودعا ايضا متوجها لميناء أم قصر قبل سنوات خمس مضين ، لكن بوجود الفارق بطبيعة الأرض وشكل الأكواخ وجمالها لكن الفقر كان هو القاسم المشترك الذي جمع المشهدين ... إمتدت خيوط الفجر لتمسد تجاعيد الأرض الخضراء الممتدة أمامي .. مررنا بأراض حمراء وأشجار متنوعة .. كان القطار يطوي الأرض بسرعة لكننا لم نصل ووهان إلا بعد مرورعشر ساعات بدأت في التاسعة مساء وإنتهت في السابعة صباحا كنت فخورا وانا اضع قدمي على أرض ووهان بأنني أقف الآن في منتصف الصين بالضبط إذ أن ووهان تقع جغرافيا في منتصف خارطة الصين وإذا علمت بأن الصين تحتل موقع المنتصف بالنسبة للعالم بأجمعه (كما يعتقد الصينيون القدماء حتى أسموها جونغ غو أي بلاد المنتصف ) عرفت سبب شعوري بالفخر !!
لكن شعوري
بالفخر صدم بالرائحة الغريبة التي ملأت أرجاء منتصف العالم ! كان الجو حارا رطبا رغم أننا كنا في الأول من أيلول وفي محطة القطار كانت رؤوس الناس على إمتداد البصر.. أحسست بضياعي وسط الأمواج البشرية الراجلة المتجهة صوب قلب المدينة.. ومدينة ووهان هى عاصمة مقاطعة خوبي الواقعة فى مركز خريطة الصين التي يبلغ عدد سكانها 60 مليون نسمة حصة مدينة ووهان منها اكثر من 7 ملايين نسمة ويخترق المدينة نهر هانشوي الذي يعتبر أكبر فروع نهر اليانغتسى أطول أنهار الصين . وهى محور مواصلات هام يمر خلالها العديد من شريانات سكك الحديد والطرق العامة المتجهة من الشمال الى الجنوب ومن الغرب إلى الشرق وتعد ووهان اكبر متلق ٍ للاستثمارات الاجنبية من بين المدن الكبرى فى وسط الصين وذلك نظرا لما تتمتع به من موقع جغرافي متميز. في السيارة سألت صديقي عن طعام الصينيين فأجابني بإمكاني أن ألخص لك ما لايأكله الصينيون! فكل ما في السماء يؤكل بإستثناء الطائرة وكل ما في البحر يؤكل بإستثناء الباخرة وكل ما على الأرض يؤكل بإستثناء السيارة ! بدت لي المدينة نظيفة وأنتشرت الشجيرات حليقة الرأس مفترشة الأرصفة متخذة أشكالا عديدة بأناقة .. تكررت مشاهد الشوارع العريضة والشوارع الخدمية المحاذية لها كما في بكين....
وصلنا حي
جنلي تايان جن ( مدينة الشمس الذهبية ) حيث سأسكن مع عائلتي الصغيرة .. عند
بوابة الحي الرئيسية وقف رجال يرتدون ملابس رسمية هي أشبه بملابس الشرطة
..الوجوه هنا أقل تحنطا بقليل من وجوه حرس بوابة الحي الدبلوماسي ببكين ..
فتحت البوابة لتدخل سيارة الأجرة التي أقلتنا مع حقائبنا الثقيلة.. إصطفت
العمارات الأنيقة بألوانها الموحدة كطابور صباحي لمدرسة إبتدائية.. لم
تتجاوز عدد الطوابق عدد ايام الأسبوع وقد جمع تصميم العمارات بين شكل
الأكواخ التي تعلوها وبين التصاميم الحديثة في تناسق رائع وإنتشرت الحدائق
لتفصل بين طوابير البنايات و روعي وصلنا شقتنا أخيرا ..حمدت الله أنها تقع في الطابق الأرضي من البناية لعدم وجود مصعد وذلك يعود لقاعدة في البنايات الصينية تنص على عدم إحتواء البنايات التي تقل عن سبعة طوابق على مصاعد... كان لدي قبل الخلود إلى الراحة مهمتان إحداهما بسيطة هي مسألة تجهيز الشقة بإحتياجات السكن ومهمة أصعب هي تأمين نصب ( الستلايت ) في بلد لازال يعتبر هذا الجهاز من المحظورات ! قيل لي أن هناك مرونة في السماح للأجانب بإقتناء الستلايت فقط دون وجود قانون يبيح ذلك .. كاد الفضول أن يقتل معظم الصينيين ممن رأى الصحن يعلو سطح البناية التي أقطن فيها عصر نفس اليوم الذي وصلت به ولم يجلب لي الستلايت قنوات عراقية إذ أن عدد القنوات العربية كان محدودا . في المساء قمنا بجولة في الحي .. كان الحي شبه مظلم بسبب إستخدام المصابيح الإقتصادية كوسائل إضاءة لحي كامل فالإقتصاد هو الصفة الملازمة للإنارة في الصين بشكل عام.. في الشقة كان النور خافتا بسبب تلك المصابيح الإقتصادية ..وفي مداخل البنايات مصابيح تستفيق على صوت الحركة وتظل (مستفيقة ) لنصف دقيقة ثم تعود للنوم من جديد !! إجتزنا البوابة الرئيسية للحي وجدنا ساحة عريضة جلس فيها الناس على مصاطب خشبية مجاورة لسوبر ماركت كبير .. إحتفى بنا الصينيون كثيرا وبدأوا بتوجيه أسئلة عديدة لنا منها معرفة البلد وأسباب المجيء وعن عمر إبنتي الصغيرة والتقط الكثير منهم العديد من الصور لنا ومعنا..كان محدثنا شابا يتكلم الإنكليزية بصعوبة ويترجم ما نقوله للمتجمهرين ...على مقربة منهم وعلى صوت موسيقى هادئة أصطف العديد من النساء والرجال في رقصة جماعية هي أقرب ما تكون إلى تمارين اليوغا منها إلى الرقص ..كان الجميع يرقص ( بإمامة ) راقصة محترفة ! وقفنا ننظر إليهم منبهرين .. هناك وجوه سعيدة لأنها أتقنت الحركات وهناك العديد من الوجوه القلقة خشية أن تفوتهم حركة يد أو رجل ..كانوا يرقصون بحذر بالغ وعيونهم شاخصة إلى حركات المعلمة !
وينقسم
الرقص الفلكلوري الصيني من حيث الغرض إلى الرقص كطقس من طقوس تقديم
القرابين للآلهة والأسلاف والرقص بغرض التسلية والرقص الاحتفالي والرقص
التاريخي ولكل من أبناء القوميات الست والخمسين قومية التي تحيا على أرض
الصين رقصاتها الشعبية المميزة التي تختلف عن بعضها البعض شكلا ومضمونا
وأسلوبا، نظرا لاختلاف بيئة حياة و ثقافة وعقيدة كل منها عن الأخرى. ولم
نعلم على وجه التحديد أي نوع من أنواع الرقص كان يمارس هؤلاء ... صباح اليوم التالي خرجت مع زوجتي وإبنتي الصغيرة لإكتشاف المدينة تحت الشمس .. كان الحي هادئا جدا .. فرحت إبنتي الصغيرة بمشهد ألعاب الأطفال المقابل للشقة .. وجدنا أطفالا يلعبون وإلى جانبهم وقفت أمهاتهم وآباءهم ليراقبوهم ..معظم الأطفال كانوا ذكورا بأوداج منتفخة وشعر خفيف ... لم نشاهد بين الأطفال طفلة صينية إلا نادرا وطبعا السبب معروف إذ أن القانون الصيني منع عام 1979 إمكانية إنجاب أكثر من طفل واحد للعائلة وذلك لمنع ميلاد 400 مليون طفل وبالتالي تعزيز الرفاهية في بلد يمثل عدد سكانه خمس إجمالي سكان العالم .الأمر الذي دفع بالنساء الحوامل بأن يقمن بالكشف عن جنس الجنين عن طريق الفحوصات المبكرة (السونار) فإن كانت أنثى وئدت قبل الولادة وإن كان ذكرا فاز بالحياة في بلد كل طبائعه غريبة ! ويذكر أن القوانين الصينية التي تحدد النسل لا تفرض أي عقوبات على ولادة التوائم ،ولذلك يتزايد عدد النساء الصينيات اللواتي يلجأن لعلاج التخصيب الصناعي في محاولة للتحايل على سياسية الطفل الواحد ، أو تحديد النسل ، بامل ولادة توائم . وتشمل العقوبات للمخالفين إجراءات مثل فقدان العضوية في الحزب الشيوعي وفقدان العمل أو المنزل بالنسبة للموظفين الحكوميين، ودفع غرامة قدرها حوالي 1500 دولار أميركي وحرمان الطفل من الخدمات الحكومية التعليمية والصحية، ومع ذلك فإن المخالفات كثيرة. كانت المدينة هادئة .. دون ضجيج يذكر ..قيل لنا أن الناس هنا كالدجاج ! يستيقضون مع طلوع الفجر ويخرجون للعمل ..وينامون مبكرا... لا يوجد صيني او صينية دون عمل ما ..حتى العجائز لديها ما تشغل نفسها به لذلك تشعر أن المدينة فارغة .. في الشوارع ترى عاملات النظافة أينما ذهبت بمكانس طويلة من أغصان شجرة خاصة قد رصفت رصفا وحاوية أوساخ فما تسقط من ورقة إلا أصطيدت من قبلهن بسرعة ! المحلات على إختلافها تدار من قبل النساء غالبا ..حتى تلك التي تبيع المواد الإنشائية والكهربائيات .. النساء هنا يعملن حتى في الحدادة وتصليح السيارات والدراجات وقطع التذاكر في الباصات ويقدن الدراجات الهوائية والنارية وسيارات الأجرة وفي الباصات الحكومية المزدحمة بالناس يرتدين قفازاتهن البيضاء ويمتطين صهوة الريح !
ومع ذلك
فإن التقاليد الصينية تعتبر البنت شيئا ثانويا وغير مهم،خاصة في الريف،
ولهذا تتخلى العائلة عن المولودة البنت، ليكون لهم فرصة إنجاب طفل من دون
تجاوز قانون التخطيط العائلي ( تحديد النسل ) ،إذ تتركها في المستشفى،
أو
تلقي بها في الشارع، ليكون مصير المولودة مجهولا، فإما أن تأخذها عائلة ليس
لها
أطفال
أو تأخذها الشرطة إن وجدتها على قيد الحياة، فمعظم المواليد الذين يتم
رميهم
في
الشارع يموتون، إذ إن العثور عليهم يتم متأخرا، ناهيك عن أن الناس ، كما
قرأت ، لا تأبه بمشهد
الطفل
المهمل لأنهم يدركون مسبقا أن المولود المرمي على قارعة الطريق هو
بنت! لم نشاهد إمرأة صينية متبرجة إلا ما ندر .. الشعر مشدود إلى الخلف ومربوط بقطعة قماش على عجل .. حتى العروس الصينية لا تتبرج .. شاهدنا عرسا نموذجيا في حديقة ( جاين بارك ) في بكين .. كانت الفتاة ترتدي فستانا أبيض وتحمل مظلة بيضاء وقد وضعت على رأسها قماشا شفافا أبيض اللون ممسكة بيد زوجها وقد رافقتها فتاة أخرى كانت تمشي أمامهما حاملة مرآة مدورة كبيرة وربما لمحت صديقين كانا يسيران خلف العريسين ..هذا كل ما في المشهد بالضبط ! كذلك لفت إنتباهنا بساطة ملابس الجميع .. أغلب الرجال والنساء يرتدون الجينز والأحذية الرياضية ولم ألمح فتاة بفستان إلا نادرا لذا يبدو المشهد وكأن البلاد خالية من الأنوثة والترف والخمول ! كنا نسير على الرصيف بمحاذاة المحلات الأنيقة المنتشرة على إمتداد الشارع العريض ..لفت إنتباهنا كثرة المطاعم وأناقتها لكنها لم تكن تقدم سوى الطعام الصيني الذي لا يعلم تأويله إلا هم ! .. جاءتنا فكرة صعود أي باص عابر لرؤية معالم المدينة .. الباصات هنا مرقمة وقد كتبت أرقامها على لوحة كبيرة وضعت في محطة الإنتظار ولم تكن المحطة سوى سقف طويل ضيق يقف على الرصيف منتصبا دون مقاعد ..لم يدم وقوفنا طويلا، وأظن أن ذلك سبب عدم وجود المقاعد ، حتى جاء باص حرصت بأن يحتوي مقاعد فارغة ،لأن أغلب الباصات التي مرت كانت مزدحمة جدا .. جلسنا نراقب الناس والشوارع على حد سواء ... في الباص نصبت شاشتي تلفزيون كانتا تعرضان برامج تلفزيونية إعتيادية ونصبت كاميرا مراقبة كانت تنقل للسائق صورة الباب الخلفي بشاشة صغيرة وضعت على مقربة منه... مر الباص بجامعتي التي سأدرس فيها .. مر بأسواق كثيرة وكبيرة .. مر بحدائق وساحات رائعة الجمال ..مررنا بعمارات تبنى وبساحات تزرع .. العمل هنا يتم بإشراف موظفين أنيقين يقفون بالقرب من العمال والفلاحين الذين تشبه حركتهم إلى حد كبير حركة النمل ! لا وقت لديهم للحديث وللتسامر كما يفعل عمال وفلاحو وطني ! ولا جلوس للمراقبين كما لدينا .. الوقت لديهم مقدس إذ يبدأ العمل في الصباح الباكر ويتوقف في الساعة الواحدة بعد الظهر لساعة واحدة (وهذه أكثر الساعات قدسية في حياة الصينيين ) لتناول طعام الغداء ثم يعودن للعمل .. مررنا ببحيرة كبيرة رائعة قررنا زيارتها في وقت لاحق .. مررنا بجسور مشاة كثيرة حتى وصلنا إلى نهر عظيم ! .... ــــــــ * نهراليانغتسي أطول أنهار الصين والذي يمر عبر مدينة ووهان التي يقيم بها الكاتب الصين ـ ووهان
مشاركاته في النخلة والجيران
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||