|
|
|
عدنان جبار الربيعي |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
![]()
ما عدت أنظر إلى القمر خوفا من أن تسقط منّي دمعة دمعة عظيمة ..
تبتلع العالم )
لا أعرف لماذا يزداد حنيني لأمي كلما نظرت إلى نهر ما .. لا أعرف ما الذي يجري داخل روحي حين أمد بصري لأرى ما تحت صفحة الماء .. هكذا فجأة تندلق بداخلي أنهار من دمع مصفى .. لا شيء يشبه دمع الغريب إذا ما أنهمر فجأة دون سابق إنذار وبالخصوص فيما لو لم يكن هناك سبب ما !
أتذكر نهر
دجلة كلما وقفت على شاطئ نهر أو بحر .. أشعر بطفولته المحببة .. لم يفارقني
وأنا أقف على ظهر الباخرة وهي تمخر عباب الخليج العربي قبل سنوات .. ولم
تفارقني صورته واقفا أتهجى بأصابع قدميّ رمال البحر العربي في مسقط ....
أشعر بما يشعر به من مأزق حين يمر بأرض لا تقدس الدماء ! مر الباص الذي كنا بداخله فوق جسر كبير .. كان النهر عريضا جدا يمتد على الجانب الأيمن و كبحيرة كبيرة تمتد على جانب الجسر الأيسر حتى الأفق ...وعلى الجسر شاهدت شرطيين أحدهما كان واقفا منتصف الجسر والآخر على الطرف الثاني ..ذكرني منظرهما بحرس الحي الدبلوماسي ببكين الجسم مستقيم والرأس يتحرك حركة آلية يمينا ثم يقف لبرهة ثم يسارا .. نزلنا لرؤية الجسر ولإلتقاط بعض الصور للنهر الذي كانت القوارب والسفن تتحرك ببطئ على سطح مياهه الهادئة .. شاهدت سلما ينزل إلى حدائق رائعة الجمال على ضفة النهر لكني وجدت باب السلم مغلقا وحين أشرت للشرطي عن إمكانية إستخدامنا للسلم هز رأسه بالنفي وعاد لحركته الرتيبة ! إمتدت شواطئ النهر على إمتداد أبصارنا وقد غطت الأشجار والأعشاب أراضيها الواسعة فيما أنشئت فيها العديد من الحدائق التي إنتصبت فيها العديد من التماثيل والساحات ذات المعدات والألعاب الرياضية والمنشآت الثقافية والترفيهية وغيرها ... إنه نهر هانشوي أكبر فروع نهر اليانغتسي داخل البلاد .. و يعد نهر اليانغتسي ، الذي نشأت الحضارة الصينية وترعرعت على ضفافه ، أطول نهر فى الصين وثالث أطول نهر فى العالم، بعد نهر النيل في إفريقيا ونهر الامازون في أمريكا الجنوبية إذ يبلغ طوله 6300 كيلو متر .. ويمر مجرى النهر الأعلى بجبال عالية وأودية عميقة مما يتيح له طاقة مائية هائلة.. ويعتبر شريان نقل مائي هام في الصين ولهذا السبب يطلق عليه اسم "المجرى الذهبي" .
ويقع على
نهر اليانغتسي أكبر سد فى العالم والذي يبلغ طول جداره الرئيسي 2309 أمتار
وارتفاعه 185 مترا فى منطقة الخوانق الثلاثة بإقليم هوبى ، الذي نتجول
الآن في عاصمته ووهان ،وقد بني لترويض مياه النهر المعرض دائما للفيضانات
منذ آلاف السنين ... لم نتناول في اليومين الماضيين سوى البيض المسلوق والبطاطا المسلوقة والبسكويت والكعك والسبب هو عدم وجود رصيد في بطاقة الغاز المتدفق في الأنابيب داخل الشقة ، الأمر الذي دعاني لإقتناء قدر كهربائي بإنتظار تعبئتي البطاقة برصيد جديد ..لم نعتد بعد على طبيعة الطعام هنا .. كل شيء يبدو مختلفا تماما ولذا فمن الصعب معرفة مايؤكل وما لا يؤكل ..الأسواق مليئة لكن بأشياء غريبة عنا .. كل الكلمات المرسومة على المعلبات والأكياس والأغذية المختلفة كتبت باللغة الصينية . اللبن هنا حلو .. الخبز هنا حلو ..عرانيص الذرة المسلوقة حلوة ..حتى المكسرات حلوة ! .. لا يستخدم الصينيون الملح والدهن إلا قليلا .. يقول المثل الصيني إن أساس صحة الفرد هو النظام الغذائي وليس الدواء، مما يؤكد ضرورة اهتمام الناس هنا بالنظام الغذائي للتمتع بصحة جيدة. وبالرغم من أن الحالة المالية لبعض الناس ليست جيدة ، لكنهم يبذلون ما في وسعهم لتحسين مكوناتهم الغذائية. أما الناس الذين تيسرت أمورهم المعيشية فيبذلون جهدا أكبر في رفع جودة غذائهم .. والحديث عن الغذاء الصحي في الصين يقودني للإشارة إلى كثرة الخضروات في أطعمتهم والفواكه والتي يتناولوها مطبوخة غالبا .. الخبز هنا ليس أساسيا في وجبات الطعام بل الرز والمعكرونه وباقي النباتات التي إعتادوا على خلطها أما المشكلة الأساسية في الصين فتكمن في أنواع وأشكال وروائح اللحوم النيئة والمطبوخة ! وقفت زوجتي متسمرة يوما في سوبر ماركت كبير أمام منظر لم نعتد على رؤيته من قبل .. كان البائع يقطع لحما وقد وقفت أمامه سيدة أنيقة تنتظر إكماله المهمه ....لم يكن ذلك اللحم سوى سلحفاة ! وكانت قد رأت كيف أمسكها البائع وشطرها نصفين وبدأ يكسر الصدفة بسكين كبير ولم تكن الرائحة المنبعثة منها سوى كارثة ! إلى جانب ذلك القصاب إن صح لنا تسميته كذلك كانت هناك أحواض زجاجية ممتدة وضعت السلاحف في إحداها وسرطانات البحر في أخرى ووضعت ضفادع كئيبة في حوض آخر .. أطلت النظر إلى الضفادع ..خيل لي أني أنها كانت تندب حظها العاثر الذي أوجدها في ذلك الجزء من شرق آسيا ! في الأسواق رأيت العجب العجاب.. قواقع وأفاع مختلفة وقنافذ وأرانب ومختلف الكائنات البحرية ووووو ...رأيت الدجاجة برأسها وقد شنقت فطالت رقبتها بصورة غريبة وهكذا بقية الطيور و أصابع الدجاج وقد قطعت بأظفارها لتباع بالكيلو غرامات !! رأيت أنواعا لا أعرفها من البيض بالإضافة إلى بيض الحمام والأوز و بيضا مدافا بالطين يباع هكذا بطينه لا أدري لماذا تنبعث من هنا وهناك روائح غير مستساغة لدينا هي لديهم كرائحة المسك من لحوم حمراء وسوداء بأشكال متنوعة عجيبة وفي جولة لي في شارع تمتد فيه المطاعم الشعبية هالني ما رأيت فهم يشوون ويطبخون أرجل الأخطبوط وأرجل الدجاج والخضروات وقطع الخيار والفلفل الأخضر والفجل وأشياء عديدة لا أعرفها ، وتصطف فوق طاولة الطباخ أكثر من عشرة أوعية فخارية فيها ما لا لذ ولا طاب ! ليس لهؤلاء الناس حين يبدأون الأكل غير تلك الأوعية الفخارية التي يجلسون وهم يمسكون بها ككنز وتلك العيدان التي يلتقط فيها ما خلط خلطا ..
في اليوم
التالي ذهبت إلى جامعة (خواجونغ) لغرض تقديم أوراقي والمباشرة بالدراسة
هناك .. أذهلني حجم الجامعة الكبير( إذ تبلغ مساحة الجامعة 500 هكتارا
)...عند مدخل الجامعة إنتصبت سارية العلم الصيني محاطة بالزهور ووقف تمثال
أبيض لماوتسي تونغ رفعا يده وسط ساحة عريضة .. إصطفت على الجانب باصات
صغيرة تعمل بالبطارية لنقل الطلبة بعضها كان مكشوفا دون أبواب كعربات
الخيول القديمة أعادني منظر الطلبة الصينيين بحقائبهم التي تستقر على ظهورهم وبالجرس الذي يعلن بدء المحاضرات وإنتهائها إلى أيام المدرسة الإبتدائية كان الطلبة والطالبات يحملون ترامس الشاي الصيني بأيمانهم .. لفت نظري كثرة من وضع نظارة طبية على عينيه الصغيرتين .. فيما إنتشرت كراجات الدراجات الهوائية في جميع أرجاء الجامعة ذهلت لمعرفة الأرقام الكبيرة لعدد الجامعات والطلبة في الصين إذ توجد فيها اكثر من 3000 جامعة، منها 1300 جامعة حكومية ،فيما يبلغ عدد الجامعات التي تستقبل الطلبة الأجانب 70 جامعة لكن عدد الطلبة في الصين هو الأكثر عجبا إذ يبلغ عدد الطلبة 20 مليون طالب تقريبا!! وتصنف جامعة خواجونغ في قمة الجامعات الصينية بعد جامعة بكين وجامعات أخرى وقد علمت أن وزير التربية الصيني الحالي والذي كان قد تخرج من هذه الجامعة ، كان رئيسا سابقا لها..تقع الجامعة بجانب البحيرة الشرقية ويبلغ عدد الطلبة فيها أكثر من 50 ألف طالب ! قمت بجولة في أرجاء الجامعة الكبيرة .. رأيت عددا كبيرا من الطلبة الأفارقة وعددا أقل بكثير من الطلبة العرب والعراقيين .. في الجامعة أسواق كثيرة ومحلات متنوعة ..حتى الخضروات والفواكه واللحوم والأسماك تباع في الجامعة .. أحسست أني أتجول في مدينة داخل مدينة .. إمتدت الشوارع الطويلة المحفوفة بالأشجار الطويلة ..رأيت ساحات كرة القدم ، ساحات للعب كرة السلة والعاب أخرى ، مجمعات سكنية، بحيرات صغيرة وكبيرة ، حدائق وبنايات كثيرة .. ورأيت بناية هائلة رائعة الجمال لم تكن سوى مكتبة للقراءة ومجمعات عديدة للقاعات الدراسية .. كان يتحتم علي إقتناء دراجة هوائية كحال كل الطلبة للتنقل بين قاعات المحاضرات وكانت أهميتها مضاعفة بالنسبة لي لكوني أسكن خارج الجامعة ..لم يدر ببالي أني سأركب دراجة هوائية في الصين ..إقتنيت الدراجة من أحد أسواق بيع الدراجات المنتشرة داخل الجامعة وأحسست وأنا أقودها أني عدت إلى أيام طفولتي الأولى ! لم يثر إعجابي شيء في الجامعة أكثر من تواضع الأساتذة فيها .. كنت أتحدث إليهم باللغة الإنكليزية أو عن طريق صديقي الذي كان يتقن اللغة الصينية ..تحدثت إلى أساتذة إنحنت ظهورهم وإشتعلت رؤوسهم شيبا ! استقبلني رئيس القسم بتواضع ملفت للنظر وأوصلني بعد اللقاء به إلى الباب وكان ينحني للتحية مبتسما .. تحدثت مع نفسي ..لماذا لا نشعر بتواضع أساتذتنا في وطني .. لماذا يشعرونا هناك بأنهم قادمون من الفضاء! فجأة ، وعلى صوت أنغام سمفونية حماسية ، رأيت مجاميع كبيرة من الطلبة والطالبات بزي عسكري موحد ! كانوا يتوجهون لتناول طعام الغداء في أحد مطاعم الطلبة الكبيرة والكثيرة .. ورغم كثرة عددهم إلا أن الهدوء كان ملازما للمشهد المثير ... علمت حين سألت عن ذلك بأن الطلبة الجدد هنا يتدربون تدريبا عسكريا قبل البدء بالدراسة ! كان مشهد هؤلاء الطلبة يوحي بالتفاؤل .. كانوا نشيطين مبتسمين يتمازحون ويسيرون بخفة فراشة ..الملابس أنيقة ونظيفة .. والرؤوس تتحرك حركة محببة ! في محاضرة اللغة الصينية علمت بأن جذور اللغة الصينية ترجع إلى أكثر من 3000 سنة حيث ظهرت اللغة الصينية في عهد أسرة شانغ الحاكمة وكانوا يكتبون على العظام ودروع السلاحف .. ولصعوبة كتابتها تم تبسيطها في الصين عام 1949 وذلك بحذف العديد من الرموز ليسهل على الصينيين أنفسهم تعلمها غير ان هذا التبسيط لم يشمل الاقاليم الاخرى مثل هونج كونج وتايوان و ماكاو حيث ظلت الكتابة الصينية القديمة على حالها.
في عام 1979 تم تعميم الحروف اللاتينية لإمكانية نطق و قراءة الرموز الصينية بالنسبة للمبتدئ ... ليس للغة الصينية حروف أبجدية إذ يمثل كل رمز من الرموز الصينية كلمة كاملة ولذلك يتم منح الطلبة الأجانب أسماء صينية جاهزة قد تكون مقاربة للإسم الحقيقي وإلا فلا...وبالنسبة لي فقد تم منحي إسم ( آنان ) على هذا الأساس ! قال لي أحد الأصدقاء أن من عادة طلبة الجامعة اللقاء في عطلة نهاية الأسبوع عند البحيرة في حديقة كبيرة تدعى ( حديقة القرود ) ولذا فقد قررت الذهاب إلى هناك مع عائلتي وفيها سيكون لنا حديث آخر ... ــــــــ * نهراليانغتسي أطول أنهار الصين والذي يمر عبر مدينة ووهان التي يقيم بها الكاتب الصين ـ ووهان
مشاركاته في النخلة والجيران
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||