|
|
|
عدنان جبار الربيعي |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
![]()
" يتضاعف شوقي الى أهلي كلما حل العيد أعرف من بعيد أن إخوتي يجتمعون في منحدر جبل عال، ويقومون بغرز القرنوس في الأرض .. كل أفراد أسرتي إلا .. أنا " الشاعر الصيني وانغ وي
حل شهر
رمضان في ووهان .. لم يكن طعم هذا الشهر الكريم ككل مرة .. هل الهلال دون ضجيج على أرض لا تعرف الفرق بينه وبين أي هلال آخر .. وعلى حافة سماء ووهان إستلقى الهلال مندهشا لعدم إكتراث الناس به ! لكنه بقي لإكمال مهمته لشهر كامل ومضى بصمت كما حل بصمت !
في اليوم الأول إيقظني المنبه لأتأمل ساعات السحر تحت السماء الغريبة ..لا أصوات تذكر .. تناولنا سحورنا ونحن متسمرين أمام التلفزيون الذي لم يكن هناك بديلا عنه ليذكرنا بأجواء رمضان عبر قنواته الفضائية العربية .. بعد طلوع الفجر تناهى إلى سمعي اصوات دراجات نارية أعلنت بدء اليوم بدلا من الديكة ... حتى العصافير التي كانت تزقزق على أشجار وطني فجرا ، إختفت هنا بقسوة ! الناس هنا يقدسون مواعيد الطعام لدرجة تقترب من تقديسنا لمواقيت الصلاة ! ولذا فهم يعجبون وقد لا يصدقون أننا نمتنع منذ طلوع الفجر وحتى المغرب عن الطعام والشراب !.. لم نشعر بالجوع أو العطش هنا بسبب إعتدال الجو وحين أعلنت شمس ووهان نهاية اليوم الأول لم تكن هناك تلك التلاوة المحببة من على شاشة التلفزيون ككل عام ، وبدلا من سماع صوت المؤذن إكتفيت بنظرة إلى ساعة الحائط ومن ثم أعلنت( لرعيتي ) أن وقت الإفطار قد حان ! يسمى شهر رمضان في الصين (باتشاي) ويصوم مسلمو الصين شهر رمضان 30 يوما كل عام وذلك وفقا لتقويم خاص اعتمدوه منذ دخول الإسلام إلى الصين في منتصف القرن السابع الميلادي حيث يقسم التقويم العام الهجري إلى قسمين النصف الأول يضم الأشهر الفردية ويبلغ عدد أيامها 30 يوما والقسم الثاني الأشهر الزوجية ويبلغ عدد أيامها 29 يوما ، ولما كان شهر رمضان يوافق الشهر التاسع في ترتيب الأشهر الهجرية لذلك يكون على الدوام 30 يوما ولم يحدث مطلقا أن كان رمضان 29 يوما على مدار أكثر من 14 قرنا ! ... في مساء اليوم التالي قررت مع زوجتي أن نستعيد ما كنا فقدناه خلال العامين الماضيين في العراق ، متعة التجول بعد الإفطار في مدينة آمنة ! خرجنا ليلا للتجول في المدينة قاصدين السوبر ماركت الكبير الذي يقع على بعد خمسمائة متر تقريبا من الحي لكننا فوجئنا بأبواب السوق وقد أغلقت بوجه المتبضعين وإتضح بأن أغلب الأسواق هنا تغلق أبوابها مبكرا حالها حال بقية المحلات التجارية .. وأمام السوق الكبير توزع رجال ونساء وهم يرقصون، فرادى ، رقصتهم اليومية المعتادة على صوت أغان صينية .. الحركة قليلة في ووهان بعد حلول الليل .. تلك مفاجأة غير سارة ! بعد أيام خرجنا صباحا للقيام بجولة في مدينة ( خانكو ) التي تقع على الضفة الأخرى لنهر هانشوي.. كان الجو لطيفا رغم إرتفاع الشمس .. بدت لنا الحركة هناك أكثر والمحلات أكبر بما يوحي بأن للمدينة طابع تجاري .. شاهدت صورا كبيرة لماو تسي تونغ تباع على الأرصفة وأبرزها تلك التي يظهر فيها ماو رفقة لين بياو وزير الدفاع السابق، الذي كان يفترض ان يكون خليفته، والذي قتل، حسب الرواية الرسمية، عام 1971 في حادث طائرة في منغوليا بعد ان حاول الاطاحة بماو إذ يبدو أنه ، وعلى الرغم من مضي ثلاثين عاما على وفاته ، ما زال ماو تسي تونغ حاضرا في كل مكان تقريبا في الصين حيث يولد الاهتمام باقتناء صوره والتذكارات المرتبطة به تجارة رائجة لدى عدد متزايد من الهواة الصينيين في شارع ضيق ذكرني بسوق الغزل ببغداد وجدت أنواعا متنوعة من الطيور وأسماك الزينة وأنواعا من الأقفاص وشتلات نباتات الظل المختلفة لكن أكثر ما لفت إنتباهي تلك الأكواخ الصغيرة الأنيقة التي صنعت من القماش الملون والقطن بأشكال رائعة لتباع كبيوت لكلاب الزينة والقطط ! ذات يوم وفيما كنت أتابع أحد مهرجانات الأطفال من على شاشة سلطنة عمان إستعدادا للإحتفال بيوم الخامس عشر من رمضان الذي يسمى هناك ( القرنقشوه ) ، كان الصينيون رجالا ونساء يستعدون للإحتفال بعيد منتصف الخريف (تشونغ تشيو) الذي يسمى أيضا (عيد البدر) !
و يأتي عيد
منتصف الخريف في اليوم الخامس عشر من الشهر القمري الصيني الثامن الذي
يصادف أواسط فصل الخريف، ومنه استمد العيد اسمه ، و يعد مناسبة لتوحيد ولم
شمل أفراد الاسرة والاحبة ، اذ يأكلون في هذه المناسبة كعكا دائري الشكل
يسمونه ( كعك القمر) كرمز للحلقة التي يجلس فيها أفراد العائلة ، بعد أن
يضيئوا الفوانيس ، مستمتعين بمشاهدة القمر مكتملا ، في اشارة مبشرة للوفرة
والتآلف والحظ متمنين أن يبقى كل إلى جانب الآخر دون فراق..
وكعادة إرتباط الأعياد في الصين بأساطير قديمة يرتبط هذا العيد باسطورة (تشانغ أيه) الجنية الوحيدة الموجودة على سطح القمر! تقول الأسطورة أن ( تشانغ أيه ) كانت زوجة جميلة لـ (هو يي ) ، البطل الذي رمى تسع شموس أحرقت الارض لكنه قتل من قبل تلميذه ( فنغ منغ) ، ولحزنها الشديد على زوجها أكلت ( تشانغ أي) عشبا وطارت الى القمر! أشفقت الآلهة على (هو يي) الذي صار يعيش على سطح الشمس و سمحت له بملاقاة زوجته مرة في السنة و تحديدا في اليوم 15 من الشهر الثامن من السنة القمرية ! في الأسواق كان إقبال الناس كبيرا على شراء ( كعك القمر) رغم إرتفاع أسعاره ، وكذلك تبادل معظم الناس هنا هدايا الفواكه حيث إنتشرت في المحلات تلك السلال الكبيرة الأنيقة ، التي تربط بكيس شفاف والتي تحوي مختلف الأنواع من الفاكهة قضينا أيام وليالي رمضان التالية في الشقة .. نتناول السحور والإفطار كما نتناول العشاء والغداء متأخرين عن وقتهما المقرر! كانت الذكريات ، تلك الجنة التي لا يستطيع أحد أن يطردك منها ، كما يقال ، هي كل مالدينا .. وبذلك فإننا صنعنا أجواءنا الرمضانية الروحية بأنفسنا .. في الثالثة والنصف فجرا وصلتني رسالة على هاتفي من أحد الأصدقاء العراقيين تهنئني بحلول العيد ! ثم توالى تبادل الرسائل مع بقية الأصدقاء إذن فقد حل العيد .. لكنه هذه المرة جاء بلا لون ولا طعم ولا رائحة !
منعنا
المطر الذي هطل فجأة ، دون إنقطاع ، من الخروج إلى أي مكان .. في مساء
اليوم التالي توقف المطر قليلا .. كانت فرصة طيبة للتوجه إلى أحد المطاعم
الإسلامية لتناول طعام العشاء هناك .. ولم تفتني هناك فرصة تبادل التهاني
مع بعض المسلمين الصينيين بالعربية الفصحى ! في صباح اليوم الثالث من العيد كان لنا مع عوائل الاصدقاء لقاء في مطعم يقع في الطابق الثامن من سوبر ماركت كبير إسمه (جي كوني) كان المطعم يقدم وجبة مفتوحة لكل فرد وكانت فرصة حقيقية للجلوس والتسامر مع عراقيين بشحم ولحم ! بباب المصعد الأنيق خرجت فتاة أنيقة ترتدي ملابس بيضاء رسمية بأكف بيضاء شبيهة بأكف العروس.. إلتفتت يمينا ويسارا لتعلن رقم الطابق الذي كنا فيه ثم دخلت المصعد بخطوة خفيفة إلى الوراء ..إتضح أنها لم تكن سوى عاملة مصعد ! أصرت زوجتي على إلتقاط صورة معها ، إبتسمت هي موافقة ووقفت مع زوجتي لإلتقاط الصورة ..سترة بيضاء بخطين سوداويين وتنورة بيضاء ، حذاء أبيض وأكف بيضاء شفافة وقبعة بيضاء ! طلبت إبنتي مني قليلا من الماء .. ذهبت النادلة إلى الداخل وجاءت لي بقدح ماء حار ! وحين سألت أصدقائي عن ذلك قالوا لي بأن الصينيين يفضلون شرب الماء حارا ! لم تستطع طفلتي شرب الماء إلا بعد أن اضفت له الكثير من مكعبات الثلج التي تلاشت في الكأس على الفور! لم يبهجني شيء في هذا العيد أكثر من بهجتي بمرور أول أيامه في وطني بأقل عدد من الضحايا ... إنتهى العيد هكذا فجأة كما حل فجأة وستأتي أعياد أخرى وستنتهي ببرود ما دمنا تحت السماء الغريبة .. لكن أعياد الصين لا تنتهي ! فللفوانيس عيد وللمشاعل عيد وللربيع عيد وللألعاب النارية عيد .. غير أن أغرب تلك الأعياد هو : عيد الموتى أو ما يسمى بعيد كنس القبور !..
* نهراليانغتسي أطول أنهار الصين والذي يمر عبر مدينة ووهان التي يقيم بها الكاتب الصين ـ ووهان
مشاركاته في النخلة والجيران
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||