عدنان جبار الربيعي

 

 

 

 

    على ضفاف ( نهر اليانغتسي *)
 يوميات عراقي في الصين / 6

         حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا الكهف 93  

"اعتدت في الشتاء ان اقتسم 

متعة الموقد مع قطتي اللهفى

ويحدق احدنا بالآخر                  

ونحن نقتات الافكار           

التي سارت جنبا الى جنب دون ان تلتقي ..."

                                           الشاعر الصيني( لو مين )

حل الشتاء سريعا في ووهان ..

وبدون سابق إنذار شن البرد هجوما شاملا لم يبق أثرا من آثار صيف المدينة الخانق ..

الجو في ووهان ميزته التطرف !

في الصيف يكون حارا رطبا وفي الشتاء باردا رطبا ولا مكان هنا للربيع ولا للخريف !

يدخل البرد هنا إلى العظام .. يصير الهواء ثقيلا كالماء وتصبح الأرض باردة كالثلج فيما ترسل السماء الغيوم إلى الأرض تباعا لتغطي  الشوارع  و الأسواق ..

أحاط بي الضباب يوما ما  فلم أستطع رؤية شيء إلا بصعوبة بالغة ! .. كانت إحدى الغيوم تقف في  مكان شرطي المرور عند التقاطع بالضبط !..

لكن هذا البرد لم يمنعنا من مواصلة إكتشاف المدينة الكبيرة ..

في ساحة ( خوشان كوان شان ) نزلت العشرات من الحمامات البيضاء على أكف وأكتاف الناس !

كانت الطيور تغطي مساحة واسعة من الحديقة المفتوحة فيما جلس بعض الناس لمراقبتها

                                          

وقفت أنظر إلى الطيور وهي ترفرف حول شاب صيني وتساءلت مع نفسي عن الطريقة التي أقنع فيها الشاب تلك الطيور كي تحتفي به هكذا ، فجأة جاءتني فتاة وهمست في أذني : هل تريد فعل ذلك ؟ ما عليك سوى شراء تلك المحفظة الصغيرة من تلك المرأة التي تقف هناك

توجهت إلى السيدة التي كانت تقف تحت مظلة كبيرة.. إقتنيت تلك الحافظة الصغيرة ..أخبرتني البائعة : عليك أن تمد ذراعيك  بتلك  الحافظة  وسترى كيف ستأتيك الطيور سعيا !

لم تكن تلك الحافظة سوى قطعة من الجلد تحتوي حبوبا تعرفها الطيور وتأتي لتلتقطها حبة حبة !

وهكذا إنقض الحمام أسرابا علينا وتحولت مع طفلتي إلى شجرتين من الحمامات البيضاء الرائعة ..

                                              

كانت الساحة تستقر على سقف نفق كبير .. وقد صممت لتكون تقليدا لساحة سانت مارك المشهورة بمدينة البندقية في إيطاليا لكن بفارق أن الطيور هنا بيضاء فيما هي سوداء هناك ..

غطى العشب الأخضر أجزاء كبيرة من الساحة .. لم يكن أحد من الحرس المنتشرين ليسمح بأن تطأ أقدام الناس ذلك العشب الممتد كسجادة بينما كانت المساحات الكبيرة الباقية موطئاً لأقدام الزائرين وإنتشرت المصاطب للجلوس فيما توزعت في أرجائها نوافير على شكل أعمدة كبيرة ملونة  تعمل على أنغام سمفونية رائعة .. كان الماء يتدفق إلى الأعلى كلما إرتفعت حدة الموسيقى ويعود للهدوء عند هدوء الأصوات .. تذكرت بحسرة كبيرة نوافير بغداد التي تستفيق مرة أو مرتين في السنة ثم تعود لتكون مقرا للشعارات والملصقات الممزقة ..

لماذا تنبت الطحالب، في مشهد مؤلم متكرر، على ذراع كهرمانة ببغداد  وتمتلئ جرارها بالمياه الآسنة ؟!

رأيت مجموعة من الفلاحين والفلاحات وهم يرتدون قبعاتهم العريضة المميزة من القش يأتمرون بأمرة موظف .. كانوا يقومون بتقليم أغصان الأشجار المحيطة بالساحة بواسطة مقصات خاصة ، لفت إنتباهي مقص غريب الشكل ..كان المقص يستقر أعلى سلك سميك يصل إرتفاعه إلى عدة أمتار بشكل يتيح للفلاح أن يقلم ما شاء من الأغصان أينما كانت !

إستأذنت أحد الفلاحين بإرتداء قبعته ووقفت لألتقاط صورة معهم ..

هؤلاء الناس يثيرون حيرتي حقا فعملهم مستمر لا يتوقف أبدا برغم كون ساحاتهم وشوارعهم جميلة أنيقة

وهم مهتمون بالتشجير بشكل غريب ومثير ..

في حينا لا تتوقف زراعة الأشجار أبدا فإن إمتلات الأرض بالأشجار أتى فريق آخر ليقلع بعضها ويستبدلها بأنواع جديدة !     

بإتجاه سوق (كارفور) الكبير الذي  يقع بالقرب من الساحة وجدت رساما صينيا تفترش لوحاته الرصيف ..

جاءتني فكرة أن أطلب منه رسم إبنتي الصغيرة في الحال .. أتفقت معه على الأجر  وسألته عن الوقت الذي سيتغرقه في الرسم مشيرا له إلى ساعتي فأجابني بالإشارة أن الأمر لن يستغرق أكثر من عشر دقائق !

كانت طفلتي تجلس هادئة لحسن الحظ .. وفي الحال هرع  ليمرر خطوطه بالفحم على الورقة البيضاء .. تجمهر الناس حولنا وصاروا يتدافعون خلف الرسام !

أما أنا فوقفت لأتأمل الرسام نفسه وليس ما يرسم لأنني كنت مطمئنا إلى النتيجة..

رجل في الخمسين من العمر بشعر طويل ولحية خفيفة نبتت كالزغب وعينين صغيرتين وأصابع تتحرك بخفة

أكمل الرسام اللوحة وختمها بتوقيع إسمه ، وبخفة يد أخرج ورقة نايلون لاصقة .. لصقها بعناية على اللوحة فأصبحت آمنة من العبث !

على مقربة منه جلس رجل آخر مفترشا ورقة كبيرة ُرسمَ عليها كف وقدم وطلاسم وأرقام وتوزعت بعض الأحجار على الورقة الكبيرة بما يوحي بأن الرجل من المنجمين ..تجاوزته مع زوجتي بسرعة لأسباب عديدة أهمها عدم إعتقادي بصحة ما يقوله المنجمون من جهة ولإستحالة فهم ما سيقوله لنا من جهة أخرى !  

توجهنا بعد ذلك إلى سوق كارفور الفرنسي الذي إنتصبت أمام بنايته ساريتا علم فرنسا والصين

أمتدت الطوابق الكبيرة ممتلئة بالبضائع والمعلبات من مناشئ مختلفة ولذا فقد عثرنا أخيرا على الجبن والخبز والمعكرونة !

و تعد مجموعة أسواق كارفور الفرنسية المنتشرة في أغلب دول العالم ومن ضمنها الصين ، ثاني أكبر مجموعة أسواق في العالم بعد مجموعات وول مارت التي تعتبر الأضخم من نوعها من حيث حجم المبيعات

 

                                   

في الطابق الأرضي عثرنا على فرع لمطعم ماكدونالد الشهير... كانت فرصة طيبة لتناول العشاء.. إستقبلتنا صورة الرجل الشهيرة بلحيته البيضاء ونظارته وتوزعت في أرجاء المطعم أحرف الـ ( KFC )  التي هي مختصر عبارة Kentucky Fried Chicken  ( دجاج كنتاكي المقلي )

إرتدى النادلون والنادلات ملابس وردية وحمراء وكان المطعم كخلية نحل .. وقفت في أحد الطوابير لطلب وجبة الطعام  ..جاءتني النادلة التي كانت تمسك بورقة وتقوم بتأشير الطلبات ثم يقوم الزبون بتسليم الورقة إلى أحد المحاسبين الذين كانوا يقفون خلف حاسباتهم  فتأتي الوجبة بعدها بأقل من دقيقة !

لم تفهم الفتاة طلبي فجاءت لي بكتلوك يعرض الأكلات المتوفرة مع أسعارها .. طلبت شطائر السمك مع البطاطا تلافيا لشطائر الدجاج الذي لا أعلم  طريقة ذبحه .. كانت الوجبة لذيذة .. جلسنا بعده لنستمتع بشراب الكاكاو الدافئ  ..

تعود فكرة إنشاء مطاعم ماكدونالد إلى رجل أعمال أمريكي إسمه (راي كروك ) كان بائعا لخلاطات اللحم وذلك حين زار مطعما  صغيرا يبيع الهمبرغر، في العام 1954 ، كان قد باعه ثمانية "خلاطات"، لكن ما لفت انتباهه، هو الطريقة التي يعمل بها الأخوان ( موريس وريتشارد ماكدونالد ) ، صاحبا المطعم الصغير، والازدحام الشديد على طلب شطائرالهمبرغر التي يصنعانها، بالإضافة إلى النظام والنظافة، والسرعة الكبيرة في العمل، فتمنى لو أن هناك المئات من هذا المطعم الصغير، لأنه كم سيبيع من الخلاطات عندها؟!

وحين إقترح على الأخوين ماكدونالد إن يقوما بإفتتاح عدة فروع للمطعم رفضا الفكرة فاقترح عليهما أن يفتتح هو المطاعم، بنفس تصميم المطعم الأصلي، وبذات أسلوب الخدمة والتحضير، على أن يبقى الاسم دون تغيير، ويعطي الأخوين ( ماكدونالد ) لقاء ذلك، مبلغاً قدره نصف في المئة من إجمالي دخل كل مطعم ،ووافق الأخوان ماكدونالد ، ليتم افتتاح أول مطعم في العام 1955

وبمرور الزمن تحول العالم إلى عالم الماكدونالد حيث وصلت سلسلة الوجبات السريعة إلى 30 الف فرع منتشرة فى 121 دولة من 200 دولة فى العالم حتى أصبحت ثاني شركات العالم التي تحقق ارباح خيالية بعد شركة الكوكا كولا ..

وفي الصين تنتشر فروع الكي أف سي في كل المدن وقد شاهدت بالمناطق التي مررت بها في مدينة ووهان وحدها أكثر من عشرة فروع .. 

                                                      

تساءلت مع نفسي وأنا أنقل قدمي خارج المطعم الأنيق لماذا لا يفتح مثل هكذا مطعم في بغداد ؟ لكني تراجعت حين تذكرت أن التكفيريين والمتطرفين سيقولون ساعتها بأن هذا المطعم بدعة قادمة من بلاد الإفرنجة ! وربما سيقومون بتفجير أول فرع لهم هناك وخطف كل من يفكر أن يتناول ، مع زوجته ، وجبة عشاء أوغداء سريعة فيه  !

بدأت درجات الحرارة تقترب من الصفر رويدا رويدا .. أصبحت الشقة كثلاجة ..كنت انتظر موعد فتح التدفئة المركزية بأنابيب المياة الساخنة التي تتميز بها الشقة .. سألت جاري بلغة الإشارات عن تلك الخدمة .. وحين أعيتني الحيلة في كيفيه إفهامه إتصلت بصديقي الذي يتقن اللغة الصينية فأتاني الجواب أن موعد فتح التدفئة سيكون في الأول من شهر كانون أول القادم أي بعد حوالي شهر ..كنت مضطرا لشراء مدفأة كهربائية إذ لا وجود للمدافئ النفطية هنا ..

في السوق شاهدت مراوح كهربائية تستخدم كوسائل تدفئة !

وقد صممت تلك المدافئ على شكل مراوح أرضية تنفث الهواء الذي يصبح حارا بعد مروره بأسلاك حرارية

 نصحني الأصدقاء بالجلوس في غرفة صغيرة واحدة في الشقة تتمتع بالتدفئة لكننا شعرنا بالإختناق حين نفذنا النصيحة .. عدنا لنستخدم بقية الغرف وصرنا نعد الأيام لكي يأتي شهر كانون الأول ! ...

* نهراليانغتسي أطول أنهار الصين والذي يمر عبر مدينة ووهان التي يقيم بها الكاتب

الصين ـ ووهان

                                                                                      جميع الصور بعدسة الكاتب

rainman3009@yahoo.com

 

مشاركاته في النخلة والجيران
على ضفاف نهر اليانغتسي...يوميات عراقي في الصين

1

2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20

21

22

23

24

25

26

27