عدنان جبار الربيعي

 

 

 

 

    على ضفاف ( نهر اليانغتسي *)
 يوميات عراقي في الصين / 7

         حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا الكهف 93  

 

" أخرج رأسي من القمّرة،

راغب في الاستمتاع بدقّات المطر على وجهي ،

طويلا ، طويلا حتّى يصبح من الصّعب عليّ فتح عينيّ ،

تحت الزخّات ، آلاف الأسئلة تحاصر روحي .

فأمسح وجهي بقفا كفي ،

كطفل ، ابن ستّ سنوات .

هل هو المطر ؟

أم هي الدّموع ؟ "   

                                  الشاعر الصيني باي هوا

 

 أمطرت السماء .. 

كان الهواء ثقيلا باردا كالماء

إمتلأت رئتاي بالمياه التي أغرقت الفراغ

المطر في ووهان له طعم آخر .. طعم لا يشابه المطر في بغداد أبدا ..

تنزل قطرة المطر هنا لتستقر في خلايا دمك ..

تشعر أن الأرض ليست مبتلة كإبتلال روحك !

الشوارع نظيفة تماما .. لا أكاد أرى أي أثر للطين هنا ، فالأرصفة مشجرة والشوارع مبلطة والمياه تستقر في الأجساد !

كما إن المطر هنا لا يتوقف .. كدموع أمهات وطني بالضبط !

الآن فقط آمنت بأن بلدي هو بلد الطين الأول !

حين قرأت في المدرسة أن أول من كتب على الطين كان عراقيا والتي لم تكن سوى كلمة ( آه ) حسب ظني !...

تساءلت مع نفسي : لماذا يفيض الطين في بلدي كلما أمطرت سماؤه  بدلا من المياه ؟

 

من على ( صهوة ) دراجتي الهوائية بدأت ذاكرتي تئن .. كانت السماء تمطر..وروحي تنزف فإلتقى الماء على أمر قد قدر !

هكذا فار تنور روحي وابتدأ الطوفان !

لم أعد أميز بين قطرات المطر وقطرات الدموع التي نزلت فجأة دون أن أشعر .. شعرت بالغرق رويدا رويدا .. تذكرت أحزاني التي تمتد أمامي حتى لتلامس الأفق .. تذكرت وجه أمي الحبيبة وهي تئن على فراش السفر الأخير .. تذكرت رائحتها التي كنت أدفن فيها رأسي كما لو كان العالم كله يحتضنني ..

أمي .. إبنك الآن تحت سياط المطر والغربة

أعرف أن قلبك الآن يتقطع ألما لفراقي بالضبط كما تقطع لفراقي قبل خمس سنوات مضين

أين أنت الآن ؟ هل ترين حبيبك الصغير من شرفة السماء ؟

إجتاح المطر سفينة قلبي ..

كان شراعي في إبحاري هذا عباءة أمي

وكان قلبي مبتلا كعصفور صغير ...

إمتدت المظلات الملونة أمامي ..  الناس هنا يمشون تحت المطر بمظلات و يقودون الدراجات النارية والهوائية بمظلات ..

يمر كل لحظة أمامي راكب أو راكبة دراجة بزي غريب يتميزون  به وقت المطر، زي أشبه بخيمة تمتد من أعلى الرأس حتى المنتصف صممت لتكون مضادة لرصاص المطر! و يميز تلك الخيمة ألوانها البراقة  حمراء أو برتقاليه أو خضراء ويبدو الذي يرتديها كالخفاش !

مستمتعا برذاذ المطر الذي بلل وجهه رأيت جبلا أخضرا يلـّوح لي من بعيد .. لم يكن ذلك الصوت الهادر الذي رافق سقوط المطر سوى صدى ضحكاته المجلجلة !

وسط أمواج الدراجات الهوائية المتجهة صوب واحد من مجمعات القاعات الدراسية ، كنت أقود دراجتي بصعوبة .. الشارع كان طويلا و الطلبة كانوا كجراد منتشر !

وصلت المجمع بعد إجتياز نفق خصص لعبور السيارات تحاشيا للإزدحامات ..

كان المجمع عبارة عن أربع بنايات مذهلة صممت لتكون على ضفة بحيرة جميلة هادئة ..

وقفت لأتأمل المنظر الذي أمامي .. حدائق واسعة بأشجار متنوعة ، أشجار خضراء ، اخرى دون أوراق ، أشجار مطاط كبيرة وأشجار صفصاف ... أحيطت البحيرة بسياج أنيق من الحجر الأبيض وعلى الجوانب كتبت كلمات كبيرة بالخط الصيني بواسطة شجيرات حمراء وسط شجيرات خضراء ..

كانت البنايات الأربعة كبيرة جدا ، بواجهات زجاجية ، تتكون كل بناية من خمسة طوابق يحوي كل طابق 20 قاعة كبيرة وبالتالي فإن كل بناية تحتوي على 100 قاعة كبيرة وإذا علمنا بأن سعة كل قاعة تتراوح بين 90 إلى 160 طالبا أصبح بمقدورنا تقدير حجم هذا المجمع بالضبط !

 

في إحدى قاعات الدرس جلس الطلبة والطالبات كالبنيان المرصوص !

لم أحصل على مقعد فارغ إلا بصعوبة بالغة ..جلست إلى الخلف وبدأت العد ! كان العدد يقارب المائة طالب وطالبة وبالرغم من هذا العدد الكبير فقد كان الهدوء مثيرا للإنتباه وخاصة حين بدأت أستاذة المادة بإلقاء محاضرتها عبر مايكروفون ، بحيث لو أنك أسقطت أبرة لسمعت صوت رنين إرتطامها بالأرض !

لفت نظري أن معظم الطلبة كانوا قد وضعوا ترامس الشاي الصغيرة بالقرب من دفاترهم فيما رأيت طالبا هنا وطالبا هناك  وقد غطا بنوم عميق !

لم أكن لأفهم سوى ما يكتب من رموز المعادلات الرياضية على السبورة المساعدة لشاشة عرض المحاضرة الكبيرة ..لا يتكلم الطلبة مع بعضهم أبدا إلا همسا وقد جلسوا منتبهين وكأن على رؤوسهم الطير !

قاعة الدرس مقدسة هنا لا يدخل أحد إلا بهدوء شديد ولا يخرج منها إلا كذلك ما دامت المحاضرة مستمرة ..

دق جرس إنتهاء الساعة الأولى من المحاضرة .. بقي معظم الطلبة جالسين فيما خرج البعض منهم وإحتسى البعض الآخر الشاي بهدوء وتأمل !

أخرجت الأستاذة ترمسها وإبتدأت بإحتساء الشاي متجولة في أرجاء القاعة الكبيرة ...

" لطفا .. من أي بلد أنت ؟ "

قال لي طالب كان يجلس بجانبي .. أجبته : من العراق .. هتف بي : أوه العراق ! لديكم فريق قوي لا يغلب !

شعرت بالفخر وهو يحدثني عن فوز فريقنا الكروي ببطولة كأس آسيا 2007 وتذكرت ذلك اليوم ، حين جلبت اشارات الحزن السوداء المربوطة على أيدي اللاعبين فرحا غمر البلاد بطولها وعرضها ...

كان محدثي يتحدث الإنكليزية بطلاقة .. كنت أشعر أن هذا الطالب سيفتح لي مغاليق أسرار هذا الشعب .. كيف يفكر الصينيون ؟ ما هي عاداتهم وتقاليدهم ؟ ما هي معتقداتهم ؟ كيف ينظرون إلى العالم وما الذي إليه يطمحون ؟ ما هو سر نشاطهم الدائم ؟ ما الذي يميزهم دون غيرهم ؟      

تجولت مع صديقي بعد إنتهاء الساعة الثانية من المحاضرة في أرجاء الجامعة .. سألني عن سر وجود خاتم في بنصر يدي وحين أجبته بأن ذلك إعتزازا مني بمن أهداني إياه يوما ، أخبرني بأن التختم لديهم يمثل رموزا عديدة  وكمثال على ذلك أن من يضع خاتما أو حلقة في سبابته فهو يعني أنه غير متزوج لكنه أغلق قلبه على إنسان واحد وإن كان الخاتم في الخنصر فإن هذا يعني بأنه غير متزوج لكن قلبه مستعد لإستقبال قلوب جديدة!

كان صديقي يتحدث بحماسة عن وطنه ..لم يكن يتجاوز سن الثالثة والعشرين لكنه كان يعرف ما الذي يريد وما الذي يخطط له .. سألني عن أشياء عديدة وأجبته بصراحة عنها .. وأول تلك الأسئلة كانت إن كان لدي إخوة في العراق ؟! أجبته نعم وهل لديك أنت .. كان سؤالي عفويا لكنني أحسست بأن صديقي نطق الجواب بحسرة : كلا ! لكن لدي أصدقاء كثر !

تكتسب الصداقة هنا في الصين بعدا آخر فالصديق هنا هو أكثر من أخ لعدم وجود مفهوم الأخ او الأخت خاصة بالنسبة  للشباب اليافعين الذين ولدوا بعد فرض قانون تحديد النسل عام 1979 ولذا فقد استبدلت تلك الحاجة الروحية للأخ بالصديق ..

يقول المثل الصيني ان الصداقة الحقيقية تاج على رؤوس البشر لا يدركها إلا سكان الجدران الخالية والقلوب الخاوية كما أن الحكم والأمثال الصينية تزخر بالنصائح التي تؤدي إلى دوام الصداقة : لا تترك أي سوء تفاهم ولو كان صغيرا يدمر الصداقة العظيمة ... لا تستخدم الفأس لإزالة ذبابة عن رأس صديقك !

كان أكثر شيء يثير فضولي هو مسألة الأديان في الصين .. لم أستطع فهم كيف يمكن أن يعيش شعب بدون دين !

قال لي صديقي أن مسألة الأديان لا تعني الشباب اليافعين في الصين ، لأن أغلبهم يعيشون دون دين ، غير أن بعض كبار السن لا زال يؤمن بمعتقدات قديمة عديدة ومنها إيمانهم بالإله فو !

وليس الإله ( فو) سوى  ثالوث بوذي،انتشر في الهند والصين واليابان ومتى أراد البوذيون الصينيون  ذِكر هذا الثالوث يقولون الثالوث النقي ( فو )  تذكرت ذلك التمثال الذي أجده منتشرا في الساحات العامة والذي يجسد رجلا أصلع الرأس بكرش عريض وهو يتقلد مسبحة ضخمة ! وإتضح بعد ذلك أن تلك الصورة التي تتكرر دائما ما هي إلا صورة ذلك الإله ..

أما كيفية توصلي إلى تلك الحقيقة فقد جاءت بالمصادفة حين شاهدت رجلا في سوق شعبي يفترش أحجارا كريمة صممت على شكل أساور وقلائد وميدايات وقد لفت نظري صورة ذلك الرجل الأصلع وهي تتكرر على الميدايات وقد نقشت نقشا .. فأشار لي البائع أن هذا هو( فو )!

و تعد الصين من الدول المتعددة الأديان، وتضم الأديان الرئيسية المنتشرة فيها: البوذية والطاوية والإسلام والكاثوليكية والأرثوذكسية فقد دخلت البوذية الصين قبل أو بعد القرن الأول الميلادي، وبدأت تنتشر في نطاق واسع بعد القرن الرابع ، وأصبحت تدريجيا أكثر الأديان تأثيرا في الصين. وتنقسم البوذية في الصين إلى ثلاث فصائل: الصينية وهي الأكثر إنتشارا إذ يعتنقها أبناء قومية هان التي تمثل  حوالى أثنين وتسعين بالمائة من إجمالي سكان الصين ، والتبتية والبالية. ولهذه الفصائل الثلاث الآن نحو 200 ألف راهب وراهبة و13 ألف معبد و33 مدرسة ومعهدا إضافة إلى نحو 500 مجلة دينية.

تحدثت طويلا مع صديقي حول الأديان الأخرى المنتشرة في الصين .. سألته عن تلك الحاجة الفطرية لعبادة المطلق بغض النظر عن إسم ذلك المطلق فأجابني أن ليس هناك مثل هذا الشعور بداخله !

وحين سألته عن الموت أجابني أنه يعتقد أن الموت هو النوم إلى الأبد ! قلت له ولمن تعمل إن لم تكن هناك حياة أخرى قال إنه يعمل لأجل والديه وأبناءه في المستقبل فأجبته بأن الدين لا يعارض ذلك إذ أن لدينا كمسلمين رجل عظيم القدر إسمه الإمام علي يقول ( إعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا وإعمل لآخرتك كأنك تموت غدا ) فأعجب بهذا القول كثيرا ..

كان كلانا مستمتعا بالنقاش حول جدوى الدين أو عدم جدواه وقد أخبرني بأنه يحب ذلك النوع من النقاش الفكري الذي يستفز العقل ويدفعه للتفكر في ذاته وما حوله

وقد وعدني بإكمال الحديث عند لقائنا القادم ....

* نهراليانغتسي أطول أنهار الصين والذي يمر عبر مدينة ووهان التي يقيم بها الكاتب

الصين ـ ووهان

                                                                                      جميع الصور بعدسة الكاتب

rainman3009@yahoo.com

 

مشاركاته في النخلة والجيران
على ضفاف نهر اليانغتسي...يوميات عراقي في الصين

1

2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20

21

22

23

24

25

26

27