|
|
|
عدنان جبار الربيعي |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
![]()
" ستظل زمنا تستمع إلى وقع خطى الرفاق الذين فارقوك ، وأنت تمضغ آلامك . وكما في بقايا حريق أو في دموع سفينة غريقة تنبت أحزانك فجأة .. " الشاعر الصيني يانغ كيانغمان
الشتاء يثير أحزاني .. أجلس وحيدا في أدنى الأرض بعيدا عن وطني .. البرد يذكرني بكل الأحبة .. واحدا واحدا أراهم وأحدثهم .. أتذكر كيف كنا نجتمع حول المدفأة هناك نتجاذب أطراف الحديث .. أبي يستمع إلى نشرة الأخبار من إذاعة ( لندن ) قبل أن يحمل حقيبته إلى الآخرة ..أمي الحبيبة وهي تضعني في حجرها صغيرا لائذا بثوبها الأسود ودمعتها التي لم تفارقها حتى ودعتني بعينين دامعتين إلى الأبد .. جدتي وهي تنشد شعرا تحفظه عن ظهر قلب وتنام قرب المدفأة بإنتظار حلول وقت الصلاة وأذنها مفتوحة بإتجاه السماء !.. أحبتي الذين تركتهم هناك وتركت قلبي معهم ... أتذكرهم واحدا واحدا ...
حل شهر كانون الأول .. كان البرد في الأيام الأخيرة لا يطاق .. إتصلت بإدارة الحي عبر صديقي لمعرفة إجراءات بدء التدفئة المركزية بأنابيب المياه الحارة جاءنا الرد بأن الإجراءات تبدأ بدفع رسوم فحص شبكة الأنابيب ثم دفع رسوم الخدمة الباهظة والتي تم إحتسابها حسب مساحة كل شقة وتحت عمارة من عمارات الحي ذهلت لرؤية منظومة المراجل الحرارية الهائلة التي ستزود شقق الحي بالماء الحار لغرض التدفئة لمدة ثلاثة أشهر تعبربنا فترة البرد القارس .. بعد أيام بدأت شبكة الأنابيب التي وزعت في أرجاء الشقة تسخن .. لم تكن الحرارة محسوسة في بادئ الأمر .. بدأت الرطوبة تزول رويدا رويدا ثم شعرنا بعد أيام بأن فصل الصيف قد حل داخل الشقة !
خرجنا في أحد الأيام الباردة بجولة في باص يقطع المدينة طولا وعرضا .. لا شيء يضاهي متعة التجول في المدينة داخل باص ! كنت من قبل أجلس في باص يعبر شوارع بغداد وأراقب الناس وهم يتحركون كشريط فيلم ممتع وفي فواصل ذلك الفيلم كنت أتابع ما يجري من حوارات ساخنة بين الركاب مع إختلاف توجهاتهم وطبقاتهم وأعمارهم وووو والآن أجد اني أستمتع كذلك بما يجري في شوارع العاصمة ووهان جالسا في باص أكثر( حداثة ).. لكن الفواصل هنا صامتة إذ أن من النادر أن يدور حوار بين الصينيين في باص عابر !
الجميع
يجلس بهدوء .. البعض يأكل .. البعض ينظر من خلال النافذة بصمت والبعض الآخر
يغط في نوم عميق !
مرة أعجبني مشهد ثلاث فتيات نائمات في المقاعد العرضية الثلاثة التي تلي السائق كانت الوسطى نائمة برأس مطرق فيما توسد رأس كل فتاة من الفتاتين كتفي الفتاة الوسطى الأيمن والأيسر ! بدا المشهد لي وكأني أنظر إلى طيرين نائمين قد غرسا منقاريهما في ريش جناحي طائر حميم !
في الباص يسارع الفتيان والفتيات بمنح مقاعدهم للشيوخ والعجائز الذين لا يجدون مقاعد فارغة .. لا يتوقف الباص إلا في المحطات المخصصة للتوقف ويرافق توقفه صوت موسيقى ينطلق من سماعة داخلية تعلن إسم المنطقة التي يصل إليها لفت نظري وجود أسلاك في سقوف بعض الباصات تكون مرتبطة بأسلاك طويلة ممتدة على طول الشوارع تزودها بالطاقة الكهربائية كبديل عن الوقود ... كان الباص الذي أراه ، يتبع أسلاك الشارع إتباع الفصيل أثر أمه !
مرة قطع ذلك الصمت صوت مثير..
صعد شاب
أنيق المظهر حليق الذقن بشعر خفيف .. كان يحمل جهاز تسجيل للصوت ، وُضع في
حقيبة كان يتقلدها ، إنساب صوت موسيقى حزينة هادئة من سماعة المسجل وسرعان ما صدح الشاب بالغناء ! لم يكتف الشاب بالغناء بل صار يتجول في الباص وهو يدندن تلك الأغنية الحزينة .. إزددت حيرة وأنا أنظر إلى الركاب وقد بدأوا بوضع قطع النقود في حقيبته التي كانت تتدلى على عنقه ! إذن فالشاب ليس سوى متسول ! سارعت بوضع قطعة نقود في الحقيبة .. كنت مرتبكا لأن مشهد المغني كان يجبر على التأثر .. فيما لم تتمالك زوجتي نفسها وسرعان ما رأيتها تكفكف دموعا ساخنة نزلت من عينيها دون تردد !..
جلست أتذكر متسولينا هناك حين يأتي لك الرجل مكتمل الصحة والعافية بشاربين غليظين ويمد لك يده آمرا إياك أن تعطيه من مال الله ! لم أشاهد إلى الآن ، برغم معرفتي بأن أغلب الناس هنا فقراء ، متسولا دون عاهة حقيقية إن كان شابا ، أو أن يكون شيخا محني الظهر أو عجوزا لا تكاد تستقر يدها على العصا التي تسندها .. والجميع يشترك في صفة التسول بصمت !
في الجامعة إستمر حواري مع صديقي الصيني على نحو مثير! كان يسألني عن سبب إرتداء النساء المسلمات الحجاب ؟ وهل أن ذلك تقليد إجتماعي أم إلتزام ديني ؟ وأجبته أن ذلك يعود كما أرى للأمرين معا .. سألني عن أعيادنا الدينية وعن طقوسنا وشعائرنا وأجبته بإختصار عن كل سؤال وجهه لي ، وحين سألته عن دينه هو أجابني : أن ديني هو وطني ! قال إنه يعمل لأجله وهو يؤمن بأن رجال الشرطة والقانون هم من يجب أن يملأون الأرض عدلا ! .. أوضحت له بأن ديننا يعتبر أن حب الوطن من الإيمان ولذا فلا خلاف بيننا في تقديس الوطن والعمل لأجله ...
كان أجمل ما في الحوار إحترام كل شخص منا وجهة نظر الآخر .. لم أشعر بتلك النبرة من السخرية التي أشعر بها حين أجادل عراقيا ملحدا ! لم يكن الرجل يؤمن بوجود خالق للكون لكنه كان ينظر بعين الإحترام لمن يعتنق أي دين آخر..لم يكن يخلط الأمور أبدا كان يعترف بوجود شيء إسمه الحسن والقبح الذاتي للأعمال وبشيء إسمه المنطق والعقل بحيث أن حوارنا كان مبنيا على وجود ثوابت منطقية وعقليه كثيرة وبدا لي رغم صغر سنه أكثر نضوجا من بعض مثقفينا الذين يؤمنون بحرية الرأي ما لم يكن ذلك الرأي ملتزما بتعاليم دين ما !
تحدث لي من جانب آخر عن سنوات الجوع التي مر بها الشعب الصيني في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي .. قال لي أن الصينيين كانوا يأكلون أوراق الأشجار والأعشاب لعدم وجود ما يسد جوعهم ..
ففي إطار سعيه الى امتلاك القوة الإقتصادية والعسكرية أعلن ماو في العام 1958 برنامجا لتحقيق ( القفزة الكبرى الى الأمام ) بدعوى أن الهدف هو أن تلحق الصين بالدول الرأسمالية خلال فترة قصيرة وتصبح من الدول الأكثر تقدما وقوة بارزة على مستوى العالم.
على مستوى
السكان الصينيين كانت ( القفزة الكبرى إلى الامام ) تعد قفزة هائلة بالفعل
ولكن على مستوى ما يتم اقتطاعه منهم من المحاصيل التي يزرعونها ! وقد تطلب
من الفلاحين والعمال حينها ، العمل في ظروف بالغة الصعوبة مقارنة بذي قبل
ولساعات أطول وكانت تعليمات ماو للمسؤولين هي : الإنتاج أولا ثم الحياة في
مرحلة ثانية !
أخبرني صديقي أنهم كانوا يعملون نحو 12 ساعة في اليوم وكان أغلبهم ، في حال فشلهم في الحصول على ما يكفيهم من غذاء يموتون خلال شهور.. لقي نحو 38 مليون شخص حتفهم بسبب تلك المجاعة التي استمرت حتى 1961 وبلغت ذروتها عام 1960 والتي عدت أكبر مجاعة في تاريخ القرن العشرين .
وقد فسر لي ذلك سبب التحية المتعارف عليها في الصين سابقا والتي إنحسر إستخدامها الآن : ( جيفان لما ؟ ) حين يقابل شخص شخصا آخر والتي تعني : هل تناولت طعامك أم لا ؟!
عدت من الجامعة في العاشرة والنصف مساء إذ أن المحاضرات هنا تستمر حتى ذلك الوقت المتأخر من الليل .. كان الجو باردا جدا .. تحولت وأنا أقود دراجتي الهوائية إلى قطعة جليد ! من بعيد تناهى إلى سمعي صوت موسيقى .. لم أصدق المشهد الذي كان ماثلا أمامي تجمع رجال ونساء في ساحة كبيرة .. كانوا يرقصون مرتدين ملابس صيفية ! لم يكن كل هذا البرد ليمنع أولئك من الحضور إلى محراب رقصهم !
وصلت الشقة الدافئة أخيرا .. حمدت الله على نعمتيّ الدفء والعقل معا ! في الغد ستكون عطلة نهاية الأسبوع وقد قررنا الذهاب إلى حديقة حيوانات ووهان التي تقع في قسم المدينة الثالث ( خانيا ) ... وفيها سيكون لنا حديث آخر ..
* نهراليانغتسي أطول أنهار الصين والذي يمر عبر مدينة ووهان التي يقيم بها الكاتب الصين ـ ووهان جميع الصور الحديثة بعدسة الكاتب
مشاركاته في النخلة والجيران
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||