عدنان جبار الربيعي

 

 

 

 

    على ضفاف ( نهر اليانغتسي *)
 يوميات عراقي في الصين / 9

         حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا الكهف 93  

 

" املأ عربة النّقل ، املأها

فلن يقول شيئا لا محالة

الحمل الثّقيل سيأكل لحم ظهره

ولكنّه سيخفض رأسه بمرارة

جاهلا هذا اليوم ما يخبئ له الغد

لن يبقى له سوى ابتلاع الدّموع

وعندما يمرّ ظلّ الكرباج أمام عينيه ،

سيرفع رأسه لينظر إلى الأمام ." 

 

                                            الشاعر الصيني زانغ كيجيا

تثيرني الحيوانات دائما ..

تلك المخلوقات الصبورة الهادئة !

لم يكن الإنسان يوما بمستوى المسؤولية تجاه تلك المخلوقات التي تشاركه أو يشاركها هو العيش على كوكب الأرض ..

لم تنافس يوما على كرسي حكم .. لم تسرق من المال العام ولم يدخل الفساد الإداري مملكة الحيوانات الممتدة على طول غابات العالم !

لم تقصر أبدا يوما في إسداء خدماتها للإنسان وضحت (بحياتها ) لأجل أن يتلذذ بأكل لحومها وإرتداء أصوافها وجلودها وركوبها وتسخيرها لخدمته ولم تكتف بذلك بل قامت أيضا بدور تسليته ومرافقته !..

إستيقظنا منذ الصباح الباكر فأمامنا رحلة طويلة إلى مدينة ( خانيا ) حيث تقع حديقة حيوانات ووهان ( دونغ كو يان ) إحدى حدائق الحيوانات الثمان الأكبر في الصين ... كانت تلك ثاني زيارة لنا لحديقة حيوان منذ ودعنا بغداد قبل ستة أشهر والتي بدأت بزيارة حديقة حيوانات ( العدوي ) في دمشق في طريقنا إلى بكين وكانت ممتعة رغم صغر حجمها قياسا لحجم حديقة حيوانات متنزه الزوراء ببغداد التي أنشئت عام 1973 والتي كانت تحتوي في حينها على ما يقارب 500 نوعاً من الحيوانات المختلفة بالإضافة إلى الحيوانات المحلية والطيور والاسماك ..

كنت قد سمعت كثيرا بحديقة حيوانات ووهان التي نتوجه الآن إلى (خانيا ) لزيارتها .. قرأت كثيرا عنها وأثارتني تلك الحادثة الطريفة التي حدثت فيها قبل شهور حين ألقى فيل أفريقي بخرطومه حجرا تجاه السائحين ليضرب فتاة في وجهها ، إنتقاما لتعرضه للسخرية من قبلهم ، حين قاموا برشقه بالحجارة والطين والزجاجات البلاستيكية !

وصلنا إلى حديقة الحيوانات بعد رحلة إستمرت لساعتين ..

إنتصبت سارية العلم الصيني عند المدخل وسط ساحة كبيرة تلاها نصب لدلافين راقصة ..

على الجهة اليمنى من البوابة الرئيسية أنشئ سيركا لحيوانات الحديقة قيل لنا أنه يبدأ إستعراضاته عصر كل يوم ، فيما إفترشت طيور بيضاء ، على الجهة اليسرى من مدخل الحديقة ، مدخل مدينة ألعاب كبيرة ، ووقفت ( الأميرة والأقزام السبعة ) أمام سور مدينة الألعاب الأبيض ..

 كانت الطيور تطير أسرابا وتحط لتلتقط ما تجود به أكف الأطفال الذين كانوا يمرحون معها ..

لم نمض في مدينة الألعاب الكثير من الوقت .. كنا متلهفين لرؤية معالم ومناظر الطبيعة الرائعة التي تميزت بها الحديقة وكذلك لرؤية الحيوانات المتنوعة وبشكل خاص دب الباندا الشهير والذي تتميز بوجوده حدائق حيوانات الصين بصورة عامة ..

أحاطت بحيرة كبيرة بحديقة الحيوانات من كل جانب.. وإحتوت بداخلها كذلك على بحيرات للأسماك وللأوز وللبجع ولفرس النهر ولليخوت والقوارب

إستقبلتنا في بوابة الحديقة فتاة تعمل كدليل سياحي وزودتنا بكاتالوك يوضح خريطة الحديقة الكبيرة ، التي تحتل مساحة 80 هكتار ، وأول مكان نصحتنا بزيارته غابة الحيوانات البرية المفتوحة التي تضم أسودا ونمورا كثيرة ، وتقتضي طريقة دخول تلك الغابة صعود سيارة مدرعة بنوافذ كبيرة تتيح لنا رؤية الحيوانات المفترسة تلك وهي حرة طليقة !

وهكذا دخلنا السيارة المدرعة وأغلقت علينا أبوابها بإحكام كانت البوابات تفتح إلكترونيا تباعا .. بشكل يتيح للغابات أن تكون منفصلة فيما بينها ومعزولة.. ظننت في البدء أن الأسود والنمور ستحيط بالسيارة لكن شيئا من ذلك لم يحدث إذ بقيت الحيوانات في أماكنها جالسة أو متجولة وهي تنظر إلينا بحزن !..

غريب أمر ذلك الحزن الأبدي للحيوانات !

كنت اظن من قبل أن سبب حزنها هو شعورها بالذل أولإدراكها كونها محبوسة في أقفاص .. لكني ازددت حيرة حين رأيتها كئيبة حزينة رغم كونها طليقة في الغابة !

نصحتنا مرافقتنا بالذهاب بعد ذلك إلى حيث تسكن الحيوانات المتنوعة في عمق الحديقة وأشارت علينا بالذهاب عبر باص صغير ذكرني بباصات الجامعة الصغيرة المفتوحة

تحرك الباص ونحن بداخله ليعبر بنا جسرا إنتصب على سطح البحيرة لنصل إلى الجزيرة التي ضمت أماكن كثيرة ومناظر جميلة ..

كانت الزرافة ( أطول حيوان في العالم ) برقبتها الطويلة أول حيوان وقعت أعيننا عليه .. ثم توالت أقفاص وساحات الحيوانات وتنوعت بأحجامها وأشكالها الكثيرة .. مررنا بأماكن تواجد الأيائل البرية والجمال ذات السنامين  ثم الكنغر، و طيور النعام ،  فالحمير الوحشية فيما أنشئت بناية منفصلة للزواحف المختلفة من تماسيح وسحالي وثعابين مختلفة الأحجام .. كانت الطرق تقودنا بتفرعاتها لإكتشاف الأماكن تباعا وكنا نعود أحيانا للكاتالوك الذي كان بحوزتنا حتى أوصلتنا أقدامنا إلى ساحة رائعة الجمال ..

 إنتصبت مجموعة رائعة من الصخور البيضاء على شكل سلسلة جبال صغيرة وانتشر عدد كبيرمن الصخور الملونة والشجيرات المتنوعة وغطى العشب الاخضر باقي المساحات الفارغة من الساحة التي أحيطت بسياج من الزجاج بإرتفاع لا يتجاوز المتر الواحد ثم بسور من الخشب .. لم يكن ذلك المكان الرائع سوى بيت ( الباندا الأحمر ) الذي كان يتسلق تلك الصخور ويتجول بذيله الأحمر الطويل ..

والباندا الأحمر حيوان هادئ جميل ، بوجه دائري الشكل وآذان مستقيمة متوسطة الحجم ، ينتشر بشكل أساسي في المناطق الجنوبية من الصين لا يتعدى طوله 40 - 60 سم بينما قد يتراوح طوله (بالإضافة إلى ذيله) ما بين 79 سم إلى 120 سم. يتميز بفرائه الحمراء أو البنية الصدئة اللون والكثيفة التي تغطي أجزائه العلوية ..

كان( القط الدب ) كما يسمى أو ( الثعلب الناري ) يتجول بأرجله القصيرة المغطاة بفراء أسود تحميها من الثلوج وتخفي غدد الرائحة التي تشبه رائحة المسك ..

 على الجهة المقابلة أنشئ بيتا خشبيا رائعا لعدد كبير من الطواويس  .. مررنا ببحيرة البجع وبحيرة الأوز البري ثم جلسنا عند البحيرة الكبيرة لتناول طعام الغداء ..

كانت طفلتي فرحة برؤية الأوز البري .. لم أرها فرحة برؤية الحيوانات التي أخافها منظرها كثيرا لكنها أحبت تلك الطيور العائمة على وجه البحيرة الهادئة ..

بدأ الجو يبرد في الحديقة المفتوحة وزاد من برودة الهواء إحاطة مياه البحيرة بالجزيرة التي نتجول فيها إحاطة تامة ..

لكننا ورغم قسوة البرد ، الذي منع أغلب الحيوانات من التجول في الساحات المخصصة لها والإكتفاء بالجلوس في الغرف المخصصة لكل منها ، أصررنا على إكتشاف باقي الأماكن..

وصلنا إلى أماكن تواجد الفهود الذهبية اللون والمرقطة بالأسود والتي تعد أسرع الحيوانات في العالم حيث تبلغ سرعتها 110 كلم في الساعة  .. ثم أقفاص الأسود والنمور وقد لفت إنتباهنا وجود قفص يعيش فيه أسد وكلب كصديقين !

عدنا بعد ذلك للبحث عن وحيد القرن .. أذهلتنا ضخامة ذلك الحيوان الذي يتراوح وزنه بين طن إلى طنين ولأنه من الحيوانات المهددة بالإنقراض فقد وجدنا إثنين منهما وهما ينعمان بغرفة مزودة بمكيفات لتدفئة الهواء ومحارير مراقبة درجة الحرارة  وكانا يقفان بباب الغرفتين المنفصلتين للتمتع بأشعة الشمس ثم توجهنا إلى مكان الفيلة الأفريقية التي تركت ساحاتها المخصصة ولجأت هي الأخرى إلى الغرف المكيفة !

على بعد منها إصطفت أقفاص الكلاب المتنوعة فأقفاص القرود الكثيرة بمختلف أحجامها وألوانها واشكالها ثم تسلقنا تلا إكتشفنا بعده حديقة كبيرة للدببة السوداء والبنية التي كانت تعاني من الملل !..

شاهدنا دبا نائما كجثة ، فيما كان هناك دبا ضخما آخر يجوب الساحة طولا وعرضا وكأنه يفكر بقلق في أمر ما !

لم نجد مكان تواجد دب الباندا الذي جئنا إلى الحديقة من أجله !

سألت أحد الزائرين فدلني إلى المكان .. وجدنا حديقة جميلة مليئة بأعواد الخيزران ذلك الغذاء المفضل للباندا وحين بحثنا عن الدب في الغرفة هالنا أنا وجدناه محنطا !

وحين سألت أحد الواقفين أخبرني أن دب الباندا الوحيد الذي كان في الحديقة كان قد توفي قبل سنتين ولإعتزاز الحديقة به فقد خلدوه بتحنيطه جالسا على تل صغير ماسكا لأعواد الخيزران بيديه !

وهكذا إكتفينا بإلتقاط صورة مع الفقيد المحنط !

تفتخر الصين على دول العالم بانها الحاضنة الوحيدة والمناسبة لدبب الباندا والتي أصبحت من أكثر السلالات المهددة بالانقراض بسبب الانتشار السكاني الذي قلل من مساحات غابات البامبو( الخيزران ) التي تعتمد عليها تلك الدببة كغذاء أساسي ..

ويبلغ عدد دببة الباندا 1590  باندا عملاقة فقط فى الحياة البرية بالعالم ، متفرقة بشكل أساسي  فى الجبال والتلال الواقعة حول حوض سيتشوان فى جنوب غرب الصين، وهناك 160 فقط في الأسر، وقد أنفقت الصين  12.5 مليون دولار منذ عام 2003 لتدريبها قبل اطلاقها في البرية.

ويعيش في العالم ، بإستثناء الصين ، الآن  27 باندا عملاقًا فقط  منها 12 في الولايات المتحدة و8 في اليابان و2 في تايلاند و3 في النمسا و2 في إسبانيا ، جاءت 18 منها من الصين وولدت التسعة الباقية في الدول المذكورة  

فقد أعارت الصين ( كمثال على ذلك ) لحديقة حيوان مدريد في أسبانيا في شهر أيلول من العام 2007 إثنين منهما لمدة عشر سنوات وقد اقامت اسبانيا مراسم ترحيب رسمية بقيادة ملكة أسبانيا صوفيا  لاستقبال زوجي الباندا الصينيين اللذين إستقلا طائرة من مقاطعة سيتشوان إلى شنغهاي وأمضيا ليلة واحدة في مطار شنغهاي ثم طارا برفقة عمال من حديقة الحيوان إلى مدريد في رحلة إستمرت 30 ساعة تقريبا !  

وقد هيأت حديقة حيوان مدريد قفصا مريحا لكل منهما ، معدا بمكيفات للهواء واجهزة مزودة بالرطوبة وانظمة مراقبة مغلقة الدائرة لابقاء العين عليهما 24 ساعة يوميا. كما وفرت لهما قاعدة رياضية في الهواء الطلق مجهزة بمنشآت تساعدهما على التمرن للابقاء عليهما في صحة جيدة وقامت غابات الخيزران الخصبة في ضواحي مدريد بتقديم الغذاء الوفير لهما  فيما تعهدت مدريد باستيراد الخيزران الطري من الدول المجاورة كفرنسا والبرتغال في حال عدم الإكتفاء بذلك !

لم يتبق لنا وقت لرؤية سيرك الحيوانات فقد قيل لنا حين ذهبنا إلى هناك بان وقت الإستعراض كان قد إنتهى .. كما لم نتمكن من زيارة حديقة الطيور الطليقة التي إحتلت جزءا كبيرا من الحديقة ...

إشتد البرد كثيرا لدرجة كادت معها أطرافنا أن تتجمد .. قررنا العودة سريعا إلى الشقة .. في طريق العودة الطويل كانت المحلات  والمطاعم الأنيقة تعلق مصابيح الزينة والنشرات الضوئية الملونة ووقفت أشجار الميلاد وتماثيل بابا نويل عند أبوابها .. ستحل أعياد الميلاد قريبا وسنرى إن كان للصينيين حصة في تلك الإحتفالات أم لا ؟! ...

 

 

* نهراليانغتسي أطول أنهار الصين والذي يمر عبر مدينة ووهان التي يقيم بها الكاتب

الصين ـ ووهان

                                                                                      جميع الصور الحديثة بعدسة الكاتب

rainman3009@yahoo.com

 

مشاركاته في النخلة والجيران
على ضفاف نهر اليانغتسي...يوميات عراقي في الصين

1

2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20

21

22

23

24