|
|
|
عدنان جبار الربيعي |
|
|
|
![]()
لا شيء يعدل بهجة أن ترفع علم بلادك تحت سماء غريبة ... لاشيء يعدل فرحة أن تقف في ملعب وسط عشرات الآف الصينيين وتهتف مرددا إسم وطنك البعيد لاشيء يعدل تلك البهجة ، بهجة أن تصرخ بأعلى صوتك مناديا أهلك هناك علهم يسمعون نداءك المستحيل لن تكون مطالبا داخل الملعب بالحديث بلغة أخرى لأن الأقدام التي تشجعها لها آذان عراقية والهواء الذي يوصلك بتلك الأجساد التي تقاتل على أرض الملعب الغريب كان عراقيا بالحث ! في الطريق إلى تيانجين حيث ستقام مباراة العراق المصيرية مع الصين كنا في القطار .. طلبة قدموا من أقصى البقاع حاملين الأعلام العراقية والقلوب العراقية والحناجر العراقية حملنا الوطن روحا وقلبا وقطعنا تلك المسافات الشاسعة لنكون على موعد مع الظفر .. إصطحبنا عوائلنا معنا تماما كما يفعل المحاربون القدامى وإلتفت الأعلام العراقية على أجساد أطفالنا بينما كانت الأعلام ترفرف بأيديهم الصغيرة كان الطريق طويلا .. لم تنفع معه الأحاديث مع الأصدقاء ولا التأمل ولا النوم .. إستمر القطار بطي الأرض لعشر ساعات كاملة .. مررنا بمدن عديدة وتضاريس عديدة ومساحات شاسعة .. وسط ظلام الليل كانت القلوب تحاول أن تبصر طريقها جيدا ...
لم تكن الرؤية ممكنة لكننا كنا نبصر ( أحد عشر كوكبا ) ستضيء يوم غد سماء ملعب تيانجين ... عند وصولنا إلى محطة القطار في بكين كان للملحقية الثقافية في العاصمة الصينية بكين الدور البارز في تنظيم تظاهرة الفرح العراقي الخالص ..حيث وفرت لنا نحن الطلبة الدارسين في الصين والقادمين من شتى بقاع الصين المترامية الأطراف وسائل النقل التي أقلتنا للقاء أعضاء المنتخب الوطني ثم إلى ساحة المعركة الكروية الحاسمة حيث يقع الملعب المذهل وتخلل ذلك تأمين وجبات الإفطار والغداء لنا .. لم يكن من السهل الحصول على بطاقات الدخول بعد أن كانت تباع بأسعار خيالية لولا تدخل الملحقية الثقافية مرة أخرى وجهودها الكبيرة في إيصال أسعار البطاقات إلى السعر الرسمي .. ولم يكن من السهل على اللاعبين التكيف مع أجواء مدينة تيانجين لولا تكليف الملحقية الثقافية لطالب الدكتوراه في الطب الزميل د.علي فؤاد المقيم العربي والعراقي الوحيد في المدينة والذي قام بإستقبال الوفد الرياضي وتوفير كافة الخدمات والإستشارات وبذل جهدا إستثنائيا لتذليل الصعوبات التي واجهت الفريق ... قبل بدء المباراة دقت قلوبنا بشدة مع النشيد الوطني ومع بدء تحرك الكرة كان العراق يقف حابسا أنفاسه حبا بتلك الأقدام التي ستصنع البهجة المنتظرة كان الملعب رائعا بكل معنى الكلمة .. أرض خضراء ومدرجات زرقاء أنيقة وجمهور غفير هادئ ! لم نكن جمهورا كبيرا أبدا لكننا لم نهدأ حتى إنطلاق الصافرة التي أعلنت فوزنا بالنقاط الثلاثة بجدارة ... لم نكف عن الهتاف بحياة العراق .. كان الوطن يطالبنا بالمزيد وكانت حناجرنا تسعى لأن يصل صوتها قلب بغداد الحبيبة ! بمرور الوقت أجبرنا الجمهور الصيني الكبير على التعاطف معنا وقبل نهاية المباراة بقليل أصبحت حناجر الصينيين عراقية وهي تردد معنا ( عراق ..عراق )
وبينما كانت إبنة أخي تقرأ القرآن في الملعب وتدعو كانت دموع زوجتي تنهمر توسلا إلى الله بأن يمن علينا بفرحة ممكنة .. كنا نصلي على النبي (ص) مع كل هجمة تفشل لفريق الخصم العنيد وخيل لي أني أرى صراعا مثيرا بين تنين قوي وأسد جريح ومع صافرة حكم المباراة النهائية أطبق الأسد بفكيه على ذلك التنين وأخرجه من حلبة الصراع منكسا رأسه ... بإنتهاء المباراة شعرنا بتعب كبير ..كنا كمن خاض المباراة بالضبط بإختلاف بسيط هو أن حناجر اللاعبين كانت سليمة بينما فقد كل منا صوته ! لن نسى أبدا وقوف الجماهير الصينية الطيبة خارج الملعب لتحيتنا ..كانوا يرفعون الأعلام العراقية ويقدمون لنا التهاني .. لم تفارق وجوههم الإبتسامة أبدا وحين تحرك الباص الذي كنا بداخله رفعت الجموع الصينية أيديها بالتوديع وإرسال القبل ... وهكذا عدنا إلى مدننا من جديد على أمل أن تدق أجراس الفرح في لقائنا القادم والحاسم مع قطر وسيكون للأسد العراقي زئيره هناك في دبي حيث ستكون أرض ملعب ( راشد ) وطنا مستعارا لأقدام لاعبينا لتسعين دقيقة فقط !
جميع الصور بعدسة صاحب المقالة الصين ـ ووهان
|