|
|
|
علي حسين عبيد
الطبيعة والذاكرة الشعبية
في لوحات
وأنت تقرأ همسات اللون المائي، المتحرك في المساحات المفتوحة للوحات عبد
الأمير علوان، انه ولع له ديمومة الطبيعة الأبدية المعمدة بماء الحياة والمستقاة من العوالم الشعبية بما تزخر به من أشكال وأنماط ورموز وطقوس حياتية متوارثة، ولعل المتخصصين يتفقون على ان التعامل مع الألوان المائية يعد من أصعب الأساليب الفنية في التعامل مع الفضاء التشكيلي عموما، غير أن هذا الأمر يختلف مع عبد الأمير علوان بسبب رفقته الطويلة مع اللون المائي التي امتدت من بواكير حياته ورحلته المبكرة مع الرسم، أي منذ طفولته الفنية اذا جاز القول، حتى كهولته التي شارفت على الخمسين، واذا اتفقنا مع (ماركيز) الذي يقول بأنه كتب أرقى أعماله الابداعية بعد الخمسين، واذا وافقنا على ان الجذور الابداعية للأدب والفن هي جذور واحدة متشابكة، عند ذاك سنرى في كهولة عبد الأمير علوان الفنية ميدانا تشكيليا واسعا وأصيلا افصح العديد من اللوحات المتفردة التي أفرزتها خصوصية التجربة ونضجها في آنٍ واحد.
لقد تذكرت - وأنا أخط هذه القراءة - ذلك الطفل الصغير (عبد الأمير علوان)
عندما كنا ندرس معا في مدرسة ابتدائية واحدة في ستينيات القرن الماضي، حين
كان هذا المبدع الغض يسحر أنظار الكبار بلوحاته آنذاك مما دفع بمحافظ
كربلاء (مدينتنا التي نسكنها آنذاك) الى تخصيص راتب شهري له تقديرا لموهبته
الفذة التي أفصحت عن قوتها وأصالتها منذ الخطوات الأولى، ولعل المتتبع
لمسيرة هذا المبدع منذ بواكيرها سيعثر في لوحاته على مسارين متشابكين على
الدوام، الأول كما ذكرنا رصده للحياة الشعبية من دون كلل، والثاني ميله شبه
الدائم الى الطبيعة ونقلها للمتلقي عبر (همسات الألوان المائية) بما يجعلها
أقرب الى الأحلام، وغالبا ما يلتقي هذان المساران في لوحة واحدة ويتسربلان
بصدقهما الى حد التوحد، فقد نرصد في احدى لوحاته البيوتات والأزقة و(الدرابين)
القديمة بكل رموزها وتشكيلاتها من أسواق قديمة نابضة بالحركة والحياة، الى
أعمدة نور مشرئبة بأعناقها وأضوائها، الى عربات بيع النفط وعربات الدفع
اليدوي وأزياء النساء الشعبية وبخاصة العباءة السوداء وأزياء الرجال (الدشاديش
البيض الشفيفة) والمنائر التي تعتلي المساجد والجوامع وكل ما يمت بصلة لهذه
الاماكن الشعبية الضاجة في الذاكرة الجمعية، ويكلل هذا التسيّد الشعبي على
لوحاته حضور طبيعي دائم من سيول وامطار وعواصف تترك آثارها الآنية المباشرة
على الناس والمكان في آن، ولعل عبد الأمير علوان يتوق الى تأبيد الحياة
الشعبية بوساطة توثيق (الشعبي الطبيعي) وترسيخه في ذاكرة جمعية لا يطالها
النسيان هي الذاكرة (الفنية) إن صح القول. ويمكننا أن نتلبس ذلك الاحساس الهائل بالحرية والحنين الى الماضي الأمين ونحن نقرأ لوحات عبد الأمير علوان إذ يدركنا قول باشلار بشأن الأزمنة عندما قال (إن الانسان سيظل يحن الى الماضي لأنه يخلو تماما من الخطر) ولقد أصاب المبدع الراحل جبرا ابراهيم جبرا حينما اكتشف كقارئ متمرس تلك (الفضاءات الخفية) التي تتمتع بها أكثر لوحات عبد الامير علوان، وهذه المساحات غير المرئية هي التي تولِّد لدينا ذلك الاحساس العميق بالانطلاق والتحرر، إذ غالبا ما يهيمن علينا بالتوحد الحر مع الطبيعة والرموز الشعبية في وقت واحد ويتجلى ذلك في القدرة المذهلة التي يتمتع بها عبد الامير والمتمثلة بتحكمه التام في الإيحاءات اللونية المنعكسة من الألوان المائية حصرا. وعندما نرصد الآن فرسان الساحة التشكيلية في العراق فإننا سنكتشف ذلك الابتعاد (شبه الجماعي) من التعامل مع الالوان المائية في تشكيل اللوحات الأكثر قربا وحميمية من المتلقي، وهكذا يمكننا القول من دون أدنى تردد بأن الفنان المبدع عبد الأمير علوان هو الفارس الأول وصاحب الصهوة الأعلى في التمكن من ترويض اللون المائي وتسخيره كي يؤبد الذاكرة الشعبية الطبيعية (الفنية) في وقت واحد. عبد الأمير علوان فنان تشكيلي عراقي يقيم في الامارات العربية المتحدة. ******* |