علي حسين عبيد

قناديل الخيال في قصائد رسمية محيبس زاير

مابين التطلعات الانسانية المدهشة للأب ياناروس (أحد شخصيات رواية الاخوة الأعداء لكازانتزاكي) وتأرجح قناديل الروح الشعرية في قصيدتين متضادتين للشاعرة رسمية محيبس زاير هما (قناديل الأب ياناروس / فراغ/ المجموعة الشعرية الثالثة)، مابين هاتين الحالتين تتمظهر قيمة الخيال كعنصر أساس في البناء الفني للقصيدة بالتضاد الواضح وربما التأرجح بين حالتي الخفوت والتوهج تبعا للجوهر الشعري الذي تبحث عنه الشاعرة وتكابد في إيصاله عبر جمل شعرية غاية في الوضوح (ألقاً في القصيدة الاولى وخفوتا وتراجعا في القصيدة الثانية) وحسنا فعلت الشاعرة رسمية عندما بدأت هاتين القصيدتين (بالألم والعبث واللاجدوى) وانتهت الى مصابيح الأمل التي أضاءتها أمام المتلقي (حتى لو حدث هذا بفعل الفن) والركون الى الخيال الخلاق.

ولعل الفن في هاتين القصيدتين هو الوحيد القادر على إضفاء صفة ومزايا الشعر على (قناديل الأب ياناروس)، ففي الوقت الذي يرسم فيه كازانتزاكي شخصية مشحونة بالأمل والارادة والتوق الى حياة أعلى شأنا، في هذا الوقت تعمل وقائع اللغة (المتراجعة) على اطفاء روح هذه الشخصية الشجاعة المتوقدة بإزاء كل ما هو معادٍ للحياة واقعا ووجودا شاملا ولعل الشاعرة رسمية محيبس وجدت في طبيعة شخصية الأب ياناروس ما هو نقيض لها تماما (في ظل هيمنة نفسية متعبة) فحاولت ان تصل الى أسرارها وفي حالة الكشف والتحري الناجح ربما ستصل الشاعرة الى هدفها الشخصي من الحياة.

وعندما مثلت هذه القصيدة حالة تضاد صارخة بين الضوء (ياناروس) والظل (ذات الشاعرة) فالهدف هنا هو تسخير التضاد الفني والموضوعي لتحديد حالة بعينها وتأشيرها وجوديا .. فالقصيدة تعد كل محاولات ياناروس النبيلة ضربا من اللاجدوى في عالم مدجج بالخديعة والمكر والخذلان لكن اذا كان الأب ياناروس نفسه شعلة من الألق والشجاعة في البحث عن حياة أرقى فما الذي يسوِّغ ركون الشاعرة رسمية او ذاتها المتسلطة عليها الى شخصية ياناروس تحديدا كي تسقط عليها مأساة الواقع العالمي.

إن ما يسوغ ذلك فعلا هو طموح الشاعرة الخفي أو (المدفوع بنوايا خفية) كي تصل الى غوامض ومزايا ياناروس وروحه الشجاعة في التصدي لكل مساوئ الانسان، والدليل على ذلك دمج الشاعرة لقصيدة ثانية بالقصيدة الأولى على الرغم من انهما لا تلتقيان إلاّ بالنقائض المحصورة بين التوهج والانطفاء وإنْ بدا مطلع القصيدة المتوهجة خائفا مترددا: (لي جناح وحيد / فكيف أطير ....إلخ) لكن ما تلبث الشاعرة أن تركن الى عنصر الخيال الفاعل لتبني حياتها الأكثر سطوعا وروحها الأكثر جمالا وقوة وعذوبة: (لي سرير من الغيم / يركض في أفق من عبير / لي غطاء من حرير ...إلخ) وبهذه الانسيابية يتحرك الخيال ويتدخل بهدوء متنام كي يرسم ما تتمناه وربما تخطط له الشاعرة في نهاية المطاف.

لقد بدأت هاتان القصيدتان بالحيرة والتردد والاندهاش السلبي بإزاء ما يحدث وعندما انتهت القصيدة الاولى (قناديل الأب ياناروس) كانت معالم القنوط في اشد قسوتها ولو أن الشاعرة توقفت عند هذا الحد لكان الاخفاق الذريع من نصيب قصيدتها لكنها حينما استدعت قناديل خيالها وترادفت مع قناديل ياناروس وحدث ذلك التعاضد الشعري (الانساني الأصيل) في قصيدتها الثانية التي حرصت الشاعرة على أن لا تعطيها عنوانا غير الفراغ (..........)، حينئذ قدمت إلينا ما يهدف اليه الشعر في تبني الأفكار والمشاعر الانسانية التواقة الى حياة سامية تخلو من النواقص الروحية ومسبباتها وقد جاءت قصيدة الفراغ معبأة بأنبل ما يمكن أن يسمو به الشعر فمثلت الحالة المضادة لروح القصيدة الاولى واستفزازاتها السلبية ويقينا بأن الشاعرة رسمية محيبس زاير تعاملت مع قصيدتيها بقصدية فنية مدركة فجاءتا على هذا القدر من النجاح الفني والموضوعي في وقت واحد.

هنا يمكن أن نقول للشاعرة رسمية بأنها نجحت في صهر مأساتها مع الألق الروحي المتوثب لشخصية ياناروس وبهذا التمازج والانصهار بين الضدين، المتحرك والساكن، المتوهج والخافت، الايجابي والسلبي، قدم لنا الشعر حياة جديدة قوامها رفض القنوط وطرده خارج أسوار الحياة.

 

alihubeid@yahoo.com

مشاركاته في النخلة والجيران

العودة الى صفحة مقالات