|
|
|
علي حسين عبيد
مابين التطلعات الانسانية المدهشة للأب ياناروس (أحد شخصيات رواية الاخوة
الأعداء لكازانتزاكي) وتأرجح قناديل ولعل الفن في هاتين القصيدتين هو الوحيد القادر على إضفاء صفة ومزايا الشعر على (قناديل الأب ياناروس)، ففي الوقت الذي يرسم فيه كازانتزاكي شخصية مشحونة بالأمل والارادة والتوق الى حياة أعلى شأنا، في هذا الوقت تعمل وقائع اللغة (المتراجعة) على اطفاء روح هذه الشخصية الشجاعة المتوقدة بإزاء كل ما هو معادٍ للحياة واقعا ووجودا شاملا ولعل الشاعرة رسمية محيبس وجدت في طبيعة شخصية الأب ياناروس ما هو نقيض لها تماما (في ظل هيمنة نفسية متعبة) فحاولت ان تصل الى أسرارها وفي حالة الكشف والتحري الناجح ربما ستصل الشاعرة الى هدفها الشخصي من الحياة. وعندما مثلت هذه القصيدة حالة تضاد صارخة بين الضوء (ياناروس) والظل (ذات الشاعرة) فالهدف هنا هو تسخير التضاد الفني والموضوعي لتحديد حالة بعينها وتأشيرها وجوديا .. فالقصيدة تعد كل محاولات ياناروس النبيلة ضربا من اللاجدوى في عالم مدجج بالخديعة والمكر والخذلان لكن اذا كان الأب ياناروس نفسه شعلة من الألق والشجاعة في البحث عن حياة أرقى فما الذي يسوِّغ ركون الشاعرة رسمية او ذاتها المتسلطة عليها الى شخصية ياناروس تحديدا كي تسقط عليها مأساة الواقع العالمي. إن ما يسوغ ذلك فعلا هو طموح الشاعرة الخفي أو (المدفوع بنوايا خفية) كي تصل الى غوامض ومزايا ياناروس وروحه الشجاعة في التصدي لكل مساوئ الانسان، والدليل على ذلك دمج الشاعرة لقصيدة ثانية بالقصيدة الأولى على الرغم من انهما لا تلتقيان إلاّ بالنقائض المحصورة بين التوهج والانطفاء وإنْ بدا مطلع القصيدة المتوهجة خائفا مترددا: (لي جناح وحيد / فكيف أطير ....إلخ) لكن ما تلبث الشاعرة أن تركن الى عنصر الخيال الفاعل لتبني حياتها الأكثر سطوعا وروحها الأكثر جمالا وقوة وعذوبة: (لي سرير من الغيم / يركض في أفق من عبير / لي غطاء من حرير ...إلخ) وبهذه الانسيابية يتحرك الخيال ويتدخل بهدوء متنام كي يرسم ما تتمناه وربما تخطط له الشاعرة في نهاية المطاف.
لقد بدأت هاتان القصيدتان بالحيرة والتردد والاندهاش السلبي بإزاء ما يحدث
وعندما انتهت القصيدة الاولى (قناديل هنا يمكن أن نقول للشاعرة رسمية بأنها نجحت في صهر مأساتها مع الألق الروحي المتوثب لشخصية ياناروس وبهذا التمازج والانصهار بين الضدين، المتحرك والساكن، المتوهج والخافت، الايجابي والسلبي، قدم لنا الشعر حياة جديدة قوامها رفض القنوط وطرده خارج أسوار الحياة.
alihubeid@yahoo.com
|