علي حسين عبيد

                قطط كزار حنتوش في ذكرى رحيله الأولى

عندما مات كزار حنتوش قبل عام في مثل هذا اليوم 29 / 12/ 2006 كنت حابسا نفسي وحيدا في غرفة باردة في أحد فنادق الرباط بالمغرب ولا زلت أتذكر لحظات الوحشة التي كنت اعيشها في تلك الغرفة قبل ان يرن هاتفي النقال لأتلقى خبر موت كزار صبيحة اليوم المذكور في اصبوحة تكريمية لزوجت رأسي مواء قطط ملحاح ومتواصل وتحولت غرفتي الصغيرة الباردة الى بوقه الشاعر الشطرية رسمية محيبس زاير في الديوانية، العجيب انني بعد أن تلقيت خبر رحيله (كان ذلك بعد منتصف الليل) طارت وحشتي تماما وضج فيكبير يتناثر من فوهته (القمعية الشكل) نثيث مواء مسالم بلا انقطاع.

لم أنم منذ ايام بسبب عرقلات مرت بها العملية التي كنت أخوضها عبورا من المغرب الى اوربا لكنني بعد سماع خبر رحيل الانسان الأسعد في العالم*، نمت، نعم نمت بالتذاذ لم استشعره في حياتي الماضية ولربما القادمة ايضا، وتحول المواء رويدا الى ترنيمة ام جنوبية (دللول يلولد يبني دللول ...عدوك بعيد وساكن الجول) نمت بعمق، بلذة نوم لم اتذوقها خارج العراق إلاّ في هذه اللحظات، وأخذت القطط نفسها، القطط التي تغرد بمواء جنوبي مذهل يشيع الدفء في غرفتي المغاربية الموحشة، القطط نفسها أخذت تجول على مهل في شقة كزار ورسمية الكائنة في احدى عمارات الديوانية كأنها تمضي أوقاتها بترف شديد في شقة من شقق برجيت باردود.

حين وصلنا شقة كزار (الشاعران حسن النواب وماجد موجد وأنا ومعنا احد صعاليك الشعلة النادرين جاسم كماش) فرت الشاعرة رسمية محيبس زاير من شقتها الى النجف حيث صديقتها الشاعرة فليحة حسن، لم نلحق نلقي عليها التحية غير ان كزار نقل لها حقيبتها السوداء الصغيرة وعباءتها وهو يدعونا الى الصمت والتريث ريثما تنجلي هذه الواقعة (واقعة الهروب المتوقع)، في الحقيقة كنا نرغب ان نظل وحدنا في شقة كزار لأننا لن نعرف كم ستدوم إقامتنا فيها ثم اننا كنا نعيش جوا تمرديا يستحيل على امرأة مجاراته مهما بلغت من اللطف والشاعرية كما هو حال الشاعرة رسمية وهي تعرف ذلك طبعا ولهذا تترك لنا بيتها او شقتها اياما وليال من دون ان يطلب منها احد هذه الخدمة التي لن تقدم عليها النساء إلاّ ما ندر، بعد ساعات حين تجاوزنا الظهيرة لم ينتبه احد لغياب كزار عن مجلسنا الخرافي، مجلس يستحيل وصفه لانه ما ان ينتهي حتى تغيب ملامحه وتفاصيله وتشكلاته الصورية والصوتية وغيرها وهذا هو ديدن اللحظات الحقيقية التي تنتمي الى روح الزمن، كان النقاش في اوجه عن الشعر العراقي تحديدا وعن الاجيال الشعرية في العراق وكان الشاعر ماجد موجد يستقتل في النقاش والدفاع ويحاول تفادي وليّ ما يمكن ليّه من رشقات حسن النواب النارية المتتالية، انسحبتُ ببطء من دون جلبة، بهدوء، خلسة، غبت عن المجلس الضاج بهدير الشعراء، دخلت في الممر المظلم الذي يقسم الشقة الى جانبين ورأيت اللمعان المدهش لثلاجة كزار البيضاء التي كنا نحسد (ماطورها الكهربائي لأنه لم يتعطل بسبب الانقطاعات الكثيرة والسريعة للكهرباء) غبت في هذا الدهليز دهرا ابحث بصمت عن أسعد انسان في الديوانية ثم في العراق ثم في العالم كما أسرًّ لي ذات يوم عندما استضافه اتحاد ادباء كربلاء قبل رحيله بشهرين وأمضى وشاعرته الشطرية ليلتين في بيتي، انهيت الممر وبزغ ضوء شحيح ثم قادتني خطواتي المبعثرة الى الباب الخلفي المغلق، فتحته بهدوء وخرجت من الشقة، لا أعرف كم مضى من الوقت حين انتبهت لنفسي وانا اتجول في سوق ضاج لم أره من قبل ولا ادري كم من الوقت مضى بعدها حين وجدت نفسي ألبد خلف شجرة توت وارفة كثيفة الاغصان تقع في الحديقة الامامية لشقة كزار، وكم كانت المفاجئة رهيبة وسامية حين عثرت على ضالتي، لقد رأيته يقرفص وسط الحديقة فوق الثيل الضامئ المصفر وهو يعلف احدى القطط السمان، سمعت صوته الهامس وهو يتحدث الى القطة من دون ان افهم كلماته تماما، وبين همسة وأختها يضحك فتظهر اسنانه الاصطناعية اللؤلؤية البارقة، لم ينتبه لي، كان منشغلا الى الحدود القصوى مع حيواناته، اولاده وبناته، يطعمها بحنان اب وأم معا، وكان طابورا من القطط ينتظر الاطعام وكانت يده الراعشة لا تكل ولا تمل، تندفع بحنو مهذب وشفوق بأروع ما تكون عليه الشفقة لتصل فم القط او القطة، لقد لحظت الأمان والعافية العجيبة التي تتمتع بها هذه الحيوانات في حضرة كزار الذي يفتقد إليها هو نفسه بوضوح، أقصد عافية اللحم المتراكم في الجسد، بقيت صامتا أتابع المشهد حتى نهايته، وفجأة رأيت إحدى القطط تضرب بالطابور عرض الحائط وهي تتدانى بدلال من يد كزار الذي لم يتذمر او يحتج على هذا الخرق المفاجئ للنظام والعدالة في آن واحد، بل حاول طرد القطط الاخريات وهن يزاودن القطة المدللة غير انه عبثا يفعل ذلك، فالجميع تتزاحم حوله، ضحك قليلا ثم صفن كأنه يبحث عن حل ثم فجأة حمل القطة المدللة وفر الى مكان آخر من الحديقة المتشابكة الاشجار والاغصان، بدا يترنح من شجرة الى أخرى كأنه يريد ان يصنع متاهة للقطط الدائبات الباحثات ابدا عنه، حين دخلتُ بغتة على عالمه القططي وهو يراني أقرفص خلف شجرة قريبة أتطلع اليه باستغراق، قال لنفسه من دون ان ينظر إلي كأنني لم أسمعه (هذا العتوي منين اجاني) وهو يشير إلي من دون ان ينظر إلي ايضا، ثم اختفى عني، وعبثا حاولت العثور عليه اذ صارت الحديقة غابة بل متاهة واسعة وغامضة خاصة ان رذاذ الغروب بدأ يتهاطل ببطء، بعد حين دخلت الشقة من بابها الخلفي ودخلت الممر المظلم وفتحت باب الثلاجة فسمعت الماطور الكهربائي يعمل وحسدتُ من جديد هذه الروح العملاقة التي تحيي الثلاجة ليل نهار دونما تعب، بعد لحظة شعرت بجسد ذي شعر املس يلامس ساقي، دققت النظر فرأيت قطة تريد فتح باب الثلاجة كأنها تنتظر دورها وغالبا ما كنت ارى القطط تتزاحم مع بعضها في هذا المكان، انها القطة المدللة كما ظننت في حينها وقلت لنفسي ان قطط كزار كائنات بشرية لها حصتها من اللحوم الموجودة في الثلاجة، وحين دخلت على مجلس الشعراء كانت الاصوات لا تزال عالية كأنها بدأت لتوها ورأيت كزار يجلس الى جانب حسن النواب وفوق الكنبة الخشب تتمدد تلك القطة المدللة التي ضربت الطابور، لا احد يسأل ما الذي تفعله هذه القطة في هذا المكان.

أمضيت الليل بطوله حالما مع قطط كزار في غرفتي المغاربية الباردة الموحشة، لم أبك وقتها على الانسان الذي مضى الى السماء سعيدا ولا اعرف لماذا ابدا، اعتقد ان الاحزان الثقيلة التي كنت اعيشها قبل سماعي لنبأ موته هي التي منعتني عن البكاء طيلة حلمي الطويل مع قططه، لكنني في نهار اليوم التالي ضحى حين كنت أتمشى في شارع السويقة في الرباط وكنت انظر الى القطط المغاربية التي تهنأ في هذا الشارع (لا بد لمن زار المغرب ان يلاحظ الدعة والهناء والبحبوحة التي تعيشها القطط هنا) كان دمعي يتساقط بصمت وأنا أتطلع لقطط المغرب وقطط كزار واتابع بدهشة ذلك التشابه الكبير بينهما ولشد دهشتي حين كنت ارى (بوضوح لا يقبل الشك) كف كزار وهي تمتد بحنو عظيم الى سرب قطط كان يموء ويموء ويموء ولا يكف ابدا عن المواء يحتشد خلفي ويسير وراء خطواتي وأنا ألف شوارع الرباط على غير هدى مستذكرا حلمي الطويل لقطة بلقطة ولحظة بلحظة.
 

أسعد انسان في العالم / عنوان المجموعة الشعرية الثانية للشاعر كزار حنتوش.

 

قاص وناقد من العراق

alihubeid@yahoo.com


*******

مشاركاته في النخلة والجيران

   العودة الى صفحة مقالات