
الشاعرعبد الرزاق الربيعي
كتاب ساعات (جونو)العصيبة
*قصائد
حب تحت اعصار (جونو)

في بغداد
ماجد مطرود
*بانوراما
بلا عجلات
*ملوك و سكارى

صباح الخير
قصيدة شعبية لجعفر كمال

لأنك عراقي
د.ياسر الياسري
|

قصة
قصيرة
تناسل الأسوار
(دعوا الجدران تتناسل،إياكم والمساس بها،
إنها تحافظ على عفتنا)
أفشيت سري لصديقي الوحيد، عشرة أعوام بل أكثر ، وأنا أعيش عذابي وإنصهاري ،
وعندما حكيت له عن خطتي التي سأنفذها من غير تراجع بصق في وجهي ، ، وأحدث
حفرة في جبيني.. اللعاب تدفق منها ثم بدأ يسيل على حافة أنفي وعبر شفتيّ
وراح يتقاطر من حنكي ، خط اللعاب قسم وجهي الى نصفين ، أحدهما يحثني على
المضيّ قُدُما نحو هدفي ، والآخر يقف مذهولا صامتا مليئا بالحزن لما يحدث
لي ، إنه نصف عاجز ، لا دور له فيما حدث أو فيما سيحدث هذه الليلة ، لقد
قررت أن أنفذ خطتي من غير تردد إذ أنني كنت أفشل نتيجة الرأفة أو التخاذل
الذي غالبا ما كان يجتاحني في اللحظات الأخيرة التي تسبق شروعي بالتنفيذ ..
سنوات مضنية .. طويلة.. مليئة بالخراب .. قضيتها مع زوجتي رغما عني ،
الجدران وحدها المسؤولة عن هذا العذاب ، الجدران التي كانت تفصل بيني وبين
زوجتي ، بيني وبين الآخرين، هي التي دمرت وجودي وأحالت حياتي الى جحيم،
إنني أتقدم الآن في طريق اللاّعودة .. طريق المضي بإتجاه الهدف المخطط له،
حصل زواجي قبل أكثر من عشرة أعوام، لا أدري كيف سمحت لنفسي بارتكاب هذه
الكارثة، كل شيء حدث وأنا في غفوة أشبه بغيبوبة ثقيلة دائمة ، سبات متواصل،
وفي عمق الليل ، وفي ليلة الزفاف ، شعرت بالفاجعة التي هبطت على روحي الى
هوة ظلماء سحيقة ، إنسحاق جسدي في حلكتها، كابوس مرير يملأ نفسي بالصراخ
الذي لا يسمعه أحد ، أبدا ، فما أن أمد روحي على سرير النوم الى جانب زوجتي
حتى أشعر بالإحتقان يفور في خلايا جسدي .. يطعنني.. ويحيلني الى جمرة دماء
مشتعلة.. وتوتر يصل حد الفزع ، يجتاحني، مشاعري تصل درجة الغليان ، وخوف
دائم يركض في شرايين دمي .. إنها تنام الى جانبي أو أنا الذي ألتحق بها فأ
جدها بإنتظاري على السرير ، أخاف أن تمد يدها وتمس جسدي ، يفزعني حدث كهذا
، واذا مدت يدها سأترك السرير ضجرا مصابا بقرف مقزز ن أبتعد عن السرير حتى
تغفو ثم أعود ن وفي هذه الليلة، سيحدث الشيء نفسه، لكنني قررت أم أضع حدا
لهذا العذاب ، فأوقف حياة زوجتي كي تتهاوى الأسوار التي غالبا ما تلتف حول
روحي وجسدي في كابوس أخشى أن يظل قائما في حياتي الى الأبد ، خطتي متقنة
تماما، لا يمكن ان يطالها الفشل إلاّ إذا عدلت عن قراري تحت وطأة الخزف أو
الشفقة ، إبنتي الوحيدة يجب أن لا تشعر بما سأقوم به هذه الليلة ، يجب أن
أتصرف بذكاء حاذق ، وأبدو هادئا مسالما بمزاج رائق مستريح ، فنوبة التوتر
التي كثيرا ما تبدأ مع اللحظات الأولى لحلول الظلام يجب أن لا تظهر اليوم ،
يجب أن أكون زوجا رؤوفا حقيقيا وأبا كله محبة وشفقة ، انتصف الليل وعمَّ
سكون مخيف أرجاء البيت ، كنت أتصور مشهد موتها قبل ان يحدث ، كنت ارى جسدها
الأبيض الهزيل، والمذهل في الأمر انني كنت اتمنى ان يحدث هذا المشهد قبل
هذه الليلة بكثير ، اتمنى ان لا افشل ، اتمنى ان لا تنقلب خطتي الى حلم هش
كذوب مخادع ، في ليلة الزفاف ، في السلعة التي سبقت طلوع الفجر ، في تلكم
الدقائق الستين ،كنت اتمنى ان اتخلص منها ، ان تغادر الحياة ،لكن الأمر
العجيب الذي سيحدث دائما ، هو افتقادي لها اذا ابتعدت عني الى مكان بعيد ،
فأنا لا احتمل ذلك نهارا واحدا ،كنت اتمناها الى جانبي اذا غابت ،أشعر
بأنفاسها ، وأسمع صوت ضحكتها ،العجيب ان ضحكتها وهي بعيدة ، تبدو ساحرة
،ممتعة حد الدهشة، ولاكن حين أجدها بين يدي ، قريبة من نظري ، سيخفت كل شيء
، وستنقلب ضحكتها الى عذاب مرير دخلت غرفة النوم، خطوات التنفيذ بسيطة جدا،
تخلو من التعقيد وانا احفظها جيدا، كان السرير كبيرا اسطوريا واسعا، وكان
الفراش ابيض حريريا وثمة فراشات حمر تطرز اذياله الساقطة نحو الارض، وكان
المصباح الاحمر المتوهج يحيل الغرفة كلها الى بحيرة دم حمراء غامقة اثارت
في اعماقي رغبة جامحة لانجاز هدفي على افضل وجه كانت زوجتي نائمة وحزمة
الضوء الدموية تنسكب بقوة على وجهها، كانت تستلقي على ظهرها ورأسها يميل
الى الجانب قليلا،خطوات ببطء شديد لااريد ان تستيقظ فتفشل خطتي للمرة
الألف!! وقفت الى جانب السرير انظر بهدوء الى عينيها المغلقتين وشعرها
الاسود اللامع الذي يتكون بسكون فوق صدرها ووسادتها، بدت لي وديعة، مسالمة،
وعجبت من نفسي، لماذا افكر بالقضاء عليها.. بكيت.. وعرفت ان رأفتي التي
تتكرر دائما في لحظات كهذه ستقودني الى فشل اخر، لكني رأيت شيئا ما يتحرك
الى جانبها، فوق فراشها، انهيت بكائي، كان الجدار قد بدا يتاسس.. يولد
لتوه، وكنت ارى الطابوق الحجري السميك يتساقط بعضه فوق بعض بانتظام عجيب
حتى تنامي الجدار واصبح سورا شاهقا.. لم اعد ارى زوجتي، السور فصلني عنها
وعن الحياة برمتها ، إنطفأت رأفتي بها، نظرت اليها نائمة فوق السرير وفي
لحظات كهذه كنت اشعر بالحب تجاهها وفي الوقت نفسه اخشى ان تفتح عينيها
وتراني انظر الى وجهها، اصابني الفزع وانا اتوقع صحوتها،ولذلك انا اتحاشى
ان اطيل النظر اليها وخصوصا عندما تكون مستيقظة،كنت ابعد نظري عن عينيها
واذا حدث ان التقت،فان هذا يحدث لامر خارج قدرتي، يحدث عنوة ومع ذلك
لايستمر الا لحظات خاطفة، جلست على السرير المدمى كان اللعاب لايزال يهبط
من جبيني ويسيل على انفي ويقسم وجهي الى نصفين، مددت جسدي ببطء الى جانبها،
كانت المسافة بيني وبينها تكفي لنوم ابنتنا بينا، وكنت احرص على ان تبقى
هذه المسافة، بل احاول ان ازيدها، دائما، اما هي فتفعل العكس.. دائما تفعل
العكس دائما، مئات الليالي التي مرت علينا وهي التي تقرب ساقها من جسدي،
فانهض كالملدوغ، ثم اعود الى سريرها فاسمع بكاءها بوضوح واحيانا ارى الدمع
يتلامع فوق سواد عينيها، وبعد ذلك لاتمد يدها ولاتقرب جسدها الا بعد مرور
ساعات طويلة من الليل ومع ذلك في غمرة النوم وعمقه حينما يحدث ان تلامسني،
أفزّ مرعوبا من كابوس السوار المتناسلة واترك السرير، مشهد لا يتغير ابدا،
بل يزداد رسوخا، وفي اللحظات التي اجدني مرغما على النوم الى جانبها، ينبثق
جدار حجري.. يتصاعد.. يتصاعد.. حتى ينوش وجه السماء، كنت أفاجأ بهذا
المشهد.. لم اتعود عليه ابدا، كان يبدأ عندما اقف الى جانب السرير، انظر
الى وجه زوجتي تحت بقعة الضوء الأحمر، أمد جسدي الى جانبها وفي المسافة
التي تكفي لنوم ابنتنا ينبثق الجدار حتى يلامس السماء وحينذاك اختراق ببصري
حجر السور فأرى قبضتي كفيها الملمومتين بقوة وهما تضربان الحجر لكي تفتح
ثغرة ترى من خلالها ما يحدث في الجانب الاخر، كنت اسمع الناس على قلة
اختلاطي بهم، ان حالات كهذه التي افسدت حياتي يمكن معالجتها، لكن لم اكن
اصدق ذلك، فتتلاشى رغبتي بالشفاء، ولم احاول ذلك، ابدا، حتى من اجل ابنتي
البريئة الجميلة التي لا تشبه امها إلاّ بصوتها وحزن عينيها ووجهها
المستدير وشعرها الاسود المتلامع وهزال جسدها!! ابنتي التي احبها كثيرا لم
اجد فيها سببا لتجاوز محنتي مع الأسوار، لكن حينما كانت امها تغيب عن البيت
.. كنت اشعر بالغربة التي لم تستطع إبنتي القضاء عليها أو الحد من ثقلها
ومرارتها، وعندما تحضر أمها ،فإن كل شيء يتحول الى جحيم ، حتى إنني أتمنى
غربتي المريرة في غيابها ، ولهذا كله قررت أن أتخلص منها وقبل ذلك فكرت أن
أفرّ بإبنتي بعيدا عنها وقمت بهذا فعلا ، إذ رافقتني إبنتي من دون بكاء،
ذهبنا الى أحد الفنادق الكبيرة في مدينة تقع بأقصى البلاد ،لكنني بعد
ليلتين فقط أحسست انني أسكن في قعر الجحيم ن كنت أشتاق إليها بعنف، بمحبة
مفرطة، بشوق لا يوصف وكنت أتجاهل هذا الشوق العارم وأذكِّر نفسي بالعذاب
الذي يجتاحني بوجودها ومع ذلك لا أتذكر ألمي وإحتقان خلايا جسدي ، وأُتفِّه
الجدران، والمشهد الليلي المريع الذي يتكرر مرارا ، الشيء الوحيد الذي
يتوهج بذاكرتي هو انني بحاجة إليها، وهكذا عدت بإبنتي الى البيت،فوجدتها
جالسة عند عتبة البيت بعينين مذهولتين ووجه شاحب وجسد هش هزيل ممتع وما أن
صرنا على مقربة منها حتى قفزت ورقصت في باحة البيت كالأطفال.. بريئة..
مسالمة حد الخوف، لم تسأل أين كنا، لماذا تأخرنا ،ليلتان وثلاثة نهارات ،
كانت فرحتها بعودتنا عارمة، فأنستها كل شيء، ومثل هذا الأمر يتكرر في جميع
الهروبات التي قمت بها سواءً بمفردي أو مع أبنتي ، كانت تفرح حينما أعود
لدرجة أنني كنت أرى الدموع تتقافز في عينيها، وفي الليل، في ساعاته الأولى،
تتلاشى نوبات الشوق، شوقي إليها ، ومع الدقائق الثقيلة التي تسحق جسدي وأنا
أتمدد الى جانبها فوق السرير، يبدأ المشهد اليومي الدائم، ينبثق الجدار،
فأمد يدي وأمسح اللعاب الذي بدأ يتدفق من نقطة ما في جبيني ،ويسيل الى حنكي
عابرا أنفي وشفتي تتحجر روحي ويبدأ كل شيء مثلما يحدث في كل ليلة، فأشعر
إنني ملزم بإنقاذ نفسي من هذا الخراب الذي دمر انسانيتي ودمر وجودي
بالكامل، لااحد يعرف بهذا السر سابقا، فقط صديقي الذي بصق في وجهي، وانتم
الذين تسمعونني الان، حتى ابنتي لا تعلم بذلك، صبرت طويلا، لكنني لم استطع،
يجب ان افعل شيئا، لم اصدق ان أحدا قادر على مساعدتي، لا أخ ولاصديق ولا
طبيب ولا ولي صالح، كان اليأس هو الشيء الوحيد الذي يقف امام عيني،هو الشيء
الوحيد الذي يعلن بجدارة حضوره الى جانبي، كنت اخشى ان اتحدث بما قلته لكم
الان ، اخشى ان تصفوني بالجنون، انتم او غيركم، ولذلك أتيت على نفسي، صبرت،
حتى وصلت بصبري الى آخر المطاف، علي ان اهدم الجدران، خصوصا بعد ان عرفت ان
الكابوس الاول لم يكن هو الشيء الوحيد الذي كرس محنتي مع زوجتي، لقد بدا
كابوس جديد في مشهد جديد في ليال تتوالد بانتظام مخيف،جدار واطئ هش غير
سميك .. يعلو ويصبح سميكا.. يقوى.. تتفرع منه جدران كثيرة.. وعنها جدران
اخرى كثيرة وتخرج من جوانبها اذرع مثل رؤوس الرماح لها مخالب وحوش جائعة..
آلاف الاسوار الشاهقة والأذرع المتوحشة تلتف حول جسدي حتى الموت.. تفصلني
عن زوجتي.. عن ابي وامي.. عن اخوتي.. عن ابنتي.. عن أصدقائي على قلتهم.. عن
السماء البعيدة.. عن الحياة برمتها......... والآن ماذا علي ان افعل علي ان
افعل، بحثت عن حلول كثيرة.. دخت.. تصدع رأسي بجنون سيصيبني حتما اذا لم
انتبه لما يجري.. الحل الوحيد الذي يخلصني هو ان انهي حياة زوجتي واترك
سريرها الى الابد.. لكن ابنتي طفرت امام عيني،ومع ذلك اصبحت مصرا على هدفي
هذا ، أزحت ابنتي عن طريقي، فوقفت ـ هي ـ زوجتي امامي بجسدها الهزيل وروحها
الذابلة ، وعينيها اللتين ما رأيت مثل حزنهما وصبرهما الجميل في حياتي،
عينان واسعتان مغمضتان الى النصف،فيهما حزن أثير يجعلك تلامس روحها الشفيفة
الهادئة (كل هذا أراه وهي نائمة) فأفكر بحل اقل عنفا.. سأنفصل عنها.. وحين
اخبرها بذلك، لم تسال لماذا، لم تتوسل،لم تفكر بمصيرها، لم تقل ان ثم طفلة
ستضيع اذا ما حدث اللانفصال، انها على الأغلب عرفت الجحيم الذي يطوق روحي
وجسدي، ولذلك ساعدتني، ساعدتني كثيرا من دون ان تصرح لي بذلك، انها لا تريد
ان اشعر بالمهانة، انها لا تقبل ان تشعرني بفضلها على، ابدا، انها ترغب
بصدق حقيقتي نابع منى اعماقها ان تخلصني من اسوار الجحيم التي تستدير وتشهق
حولي،ولما يئست من ذلك،فلم تعارض ، كل ما اطلبه منها تنفذه حتى لو كان
يعرضها للخطر التشرد او الموت، انها تقول نعم.. نعم حقيقية.. صادقة.. قالت
لي..افعل ما تراه مناسبا لك.. لا تفكر بي انا.. فكر بنفسك وبالبنت.. اذا
كان الانفصال حلا فأنا موافقة، في صباح اليوم التالي كان البيت خاليا
منها.. من انفاسها.. من عذوبتها.. من هدوئهاوسكونها.. من جسدها الهزيل
الناصع.. من رنين ضحكتها الباكية.. من عينيها الواسعتين الحزينتين، حتى
ابنتي لم تسال عن امها، انها لاتعرف شيئا مما يحدث بينا، غابت زوجتي عن
البيت اربع ليال فاشتعل البيت من جديد.. احترق مرة اخرى.. غربة، وشوق جارف،
خوف ، نار يتلوى فوقها جسدي وروحي هرعت الى سماعة الهاتف، طلبتها بأصابع كف
مرتجفة جاءني صوتها.. بعيدا.. خفضا.. مخذولا، طيلة ايام الغياب وهي تقف قرب
الهاتف، قلت لها انا احتاجك في البيت، كانت صامتة في طرف الاخر، لم ترفض،
لم تشعر بالاهانة، لم تسأل لماذا ذهبت الى اهلها ولماذا عليها ان تعود،
أعادت السماعة على الهاتف وبعد ساعة كانت تقف في باحة البيت،إمتلأ البيت
بعطرها، بأنفاسها اللاهثة، بل حزن الذي يتدفق من عينيها، الان يتوجب علي ان
اقوم بمهمتي من دون خوف او تردد، مسحت بكفي سيل اللعاب المتواصل من جبيني
الى حنكي،ان خطتي سهلة التنفيذ ودقيقة جدا تؤدي هدفها حتما،سنوات طويلة
وانا احفظ واضع الخطوات البديلة..المناسبة.. انفذ خطواتها مثل الممثلين في
الافلام ،او مثل الخطط العسكرية،اتدرب،هي نائمة وانا على كيفية القضاء
عليها،والآن انا وهي في غرفة النوم ،غرفة واحدة،سعتها مناسبة لكلينا ، نمد
جسدينا فوق سرير واسع،انه اشبه بمملكة شاسعة ،لكنها مزروعة بالدماء ، ضوء
احمر،حزمة دم تسقط على وجهها مباشرة،فيبدو ذلك الوجه مضطربا بالخوف ..
مفزوعا..يائسا، ومع ذلك فهو لا يستغيث،ابدا،ها نحن في أواخر الليل، في
ساعاتة الثقيلة المليئة بالحزن والندم والخوف من الاسوار المتناسلة
كالفئران ،انهض واترك السرير ،خطواتي قصيرة واثقة من غير صوت او قرقعة
،الخطة تتطلب الصمت ،الغدر بأسوأ درجاتة،ابنتي نائمة في مكان ما من البيت
،وسيل البصاق يزداد تدفقا من جبيني،زوجتي نائمة ،مطمئنة ،اذهب الى مطبخ
البيت، خطوات قليلة واصل ،ادخل المطبخ ،اسد جميع الفتحات والنوافذ،واصبح في
صندوق حجري مغلق تماما ،امد ذراعي الى المطبخ ،اطوق قبضتة تدفق الغاز
بأصابع مرتجفة ،أدير القبضة الى جهة اليمين ،يتدفق الغاز مثل نافورة ماء
،وفي لحظات اكاد اختنق،فاهرب،اترك المطبخ واغلق الباب خلفي ،انا الان في
غرفة النوم ،انظر الى وجة زوجتي المدمى بالضوء الاحمر ،والغاز يتدفق،يملا
جوف المطبخ ،البصاق ايضا يستمر بالتدفق من حفرة ما في حبيني ،ساطلب منها ان
تستيقظ،ستراني نائما الى جانبها ،سوف أتثاءب واشكو من صداع الرأس ،ساطلب
منها ان تذهب الى المطبخ ،ساطلب منها ان تصنع لي كوبا من الشاي الثقيل ،لن
تمانع ،انا اعرفها ،انها زوجتي، سوف تشعل عود الثقاب لتشعل عين الطباخ،وعند
ذاك سينتهي كل شيء، سيشتعل الجحيم، سينفجر المطبخ بقوة الغاز، الزجاج
سيتشظى، هي ستحترق، ستتهشم، ستموت،اتذكر ابنتي، اتخاذل، فانسي ابنتي، استمر
بتنفيذ خطتي، البصاق يكسو وجهي، امد يدي الى جسدها، هذه المرة الاولى التي
ابدا فيها انا، المرة الاولى التي امد فيها يدي الى جسد زوجتي، لم اتتحرك..
لم تستجب ليدي، هذه المرة الاولى التي لم تستجب فيها الي، كان جسدها
باردا.. باردا مثل الثلج، وكانت ابنتي تجلس على رأسها وتبكي.. الاسوار
تنمو، تبدا ولادتها فوق السرير، تتفرع، تتعالى بالتجاه السماء ، تخرج من
الجدران اذرع كثيرة.. اذرع بأكف واصابع متوحشة، مخالبها طويلة حادة تنغرس
في لحم جسدي.. تحملني الى المطبخ.. يشتعل عود الثقاب، فيأتي الخلاص دفعة
واحدة، الخلاص الذي خططت له منذ اعوام طويلة، الخلاص الذي وضع حدا للخراب
في حياتي.
*استدراك
لم يسمع من ابي شيئا عن الاسوار، انا ابنته الوحيدة، لم يقل لي عما كان
يدور بينه وبين امي، عشت معهما طويلا، لكنني مثلكم تمام، لم اعرف ما حدث
إلاّ بعد ان عرفتم انتم، قالوا ان امي هي التي دبرت موت ابي بغاز المطبخ،
لكنها كانت ميتة قبله،كل ما اعرفه او اتذكره الان، ان ابي كان رجلا رائعا
محبوبا ومحبا للحياة، وما حدث لم اسمع به طيلة حياتي التي قضيتها معهما تحت
سقف واحد.
alihubeid@yahoo.com
*******
مشاركاته في النخلة والجيران
|

كل الجدران ستتهاوى أيتها الأعظمية
قصيدة للشاعر الكبير عيسى
الياسري

امل الجبوري
سوريالية القيامة العراقية

مجموعة قصائد
هاشم معتوق
*معادل الصباح هو العقل

قلبي في الجبال
قصة
وليم سارويان
ترجمة زعيم الطائي
عراقية
للشاعر علاوي كاظم كشيش
|