أحمد الصالح  
 

 

العراقيون على شبكة الإنترنت *

 إن الإستخدام الواسع لشبكة (الإنترنت) لأغراض النشر الصحفي والإعلامي يثير تساؤلا ًعن مواصفات الرسالة الإعلامية، وما دور المرسل والمُستقبل في صياغتها ونشرها؟كيف نواجه التأثيرات الناجمة عن الإغراق المعلوماتي، وإنعكاساته المتوقعة على الفرد والمجتمع؟ أين مكاننا في عصر المعلومات وإنفجار المعرفة، وكيف نستطيع تطوير وسائلنا الإعلامية والعلمية بما يناسب إحتياجاتنا الاجتماعية والفكرية ؟

و هل سيبقى قدرالجمهور متلقياً سلبياً فقط أم أنه سيشارك و يتفاعل مع وسائل النشرالإلكتروني المتيسرة و الرخيصة ، فندخل عند ذاك عصراً جديداً – و قد دخلنا فعلاً - من الإستخدام المتبادل و التفاعلي لوسائل الإعلام بين الباعث والمتلقي و تبادل الأدوار فيما بينهما ؟          

هذه الأسئلة المطروحة، أصبحت اليوم محور تفكير الكثير من المفكرين والباحثين على إمتداد المعمورة ..

  أما في العراق الذي شهد  في العقد الأخير من السنين أحداثاً جسيمة لعل كان أبرزها إطاحة قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية  بنظام صدام حسين في التاسع من نيسان  2003 ،  و ما تلى ذلك من حراك سياسي و إقتصادي وإجتماعي فاعل إتخذ في كثير من الأحيان طابعا عنيفاً و دموياً،  وكان لابد أن يُعبرعن نفسه بشكل أو بآخر عبر وسائل الترويج و الدعاية و الإعلام  لجميع الأحزاب و المنظمات والجهات الفاعلة في المشهد العراقي .

و لقد كان النظام السابق قبل سقوطه بسنين قليلة، قد سمح بإستخدام شبكة (الإنترنت) في العراق لبعض المؤسسات الحكومية، و للمواطنين على نطاق ضيق جداً مع تعليمات و رقابة أمنية صارمة و عقوبات شديدة لمن يخرق هذه التعليمات.

لكن الإنفتاح الواسع للمجتع العراقي عبر وسائل الإعلام المختلفة على العالم الخارجي، تحقق في عهد ما بعد ذلك، حيث عمد العهد الجديد الى تبني الإنفتاح والشفافية في تبادل المعلومات و حق الجمهور في الوصول اليها، كسياسة و مبادئ عمل ثابتة بما ينسجم مع مفاهيم الديمقراطية التي إلتزم بها أمام المجتمع الدولي،  فسارع الى رفع قيود المنع و التقنين التي فرضها النظام السابق على وسائل الإعلام بشكل كامل و يَسّر لجميع المواطنين إستخدام الأطباق اللاقطة و إستقبال البث الفضائي العالمي .

و مع تحسن الحالة المعيشية لقطاعات واسعة من المجتمع في ظل الأوضاع الجديدة خاصة أولئك الذين حظوا بوظائف حكومية بعد أن تم تعديل مرتباتها بشكل جيد .

أقبل المواطن العراقي في البدء على إقتناء أجهزة (الست لايت) التي كان يُحرم عليه إقتنائها و إستخدامها في عهد النظام السابق-  لغرض إستقبال بث العشرات من القنوات التلفزيوينة الفضائية العراقية و العربية والأجنبية ..

ثم مع التحسن الذي طرأ على شبكة الإتصالات السلكية واللاسلكية بعد دخول الإستثمارات العربية و الأجنبية فضلا عن الإستثمارات المحلية في هذا الميدان الإقتصادي الحيوي .

و مع التوسع الكبير في نصب منظومات شبكة (الإنترنت) وفسح المجال واسعاً أمام إستخدام الشبكة العالمية بدون قيود ، و مع تيسر أجهزة الكومبيوتر بأنواعها المختلفة بأسعار متهاودة في الأسواق العراقية .

 فضلاً عن رغبة الإنسان العراقي المتعطش للمعرفة و متابعة قضايا و شؤون بلاده و الأحداث الجارية في العهد الجديد بعد الحرمان الشديد الذي كان يعاني منه .

كل تلك العوامل دفعت أعداد متزايدة من العراقيين للدخول الى شبكة (الإنترنت) و تصفح مواقعها ، و من الجانب الآخر، أزدادت أعداد المواقع العراقية على الشبكة خاصة تلك التي تُعنى بالجانب الإعلامي و الصحفي ، وهي موضوع هذه الدراسة و مادة البحث .

إن إزدحام الفضاء اليوم بالمحطات الإذاعية والتلفازية والمواقع الإلكترونية على (الإنترنيت)، فضلاً عن الصحافة المطبوعة، وفي إطار سباق محموم على تقديم الخدمة الإعلامية والإخبارية للمتلقي، بطريقة سريعة ومؤثرة، يؤكد ما هو مأمول و على نطاق عالمي، من أن مواقع الصحف على (الإنترنت) ستستمر و تتزايد بشكل متصاعد لأنها ستدرك مزايا (الإنترنت) و سوف تستفيد منها الى أقصاها،  مثل تكريس اللامركزية في الإرسال والإستقبال، من خلال ظهور خدمات إعلامية جديدة، توجه رسائل متخصصة تلبي الميول والنزعات الفردية، وتتلاءم مع رغبات فئات محددة من الجمهور، والميل نحو الهيمنة والإندماج وتشكيل ( إمبراطوريات إعلامية) وشركات ضخمة، ذات ملكية مشتركة ومتعددة الجنسية، لأن الإعلام بات يمثل نوعاً من الصناعة، التي تحتاج إلى الأجهزة والخبرات، ومحاولة كسب الأرباح والقضاء على الشركات المنافسة. و التوافق بين التقنية القديمة والحديثة، وسد النقص في التقنيات القديمة، لكي تصبح صالحة للإستعمال في ظل التطورات السريعة، أي أن المتلقي يستطيع الاحتفاظ بجهازالهاتف السلكي والتلفاز الإعتيادي،إلى جانب الكومبيوتر الذي يمكن أن يستقبل ويرسل المعلومات بأنواعها المتعددة.

والتفاعل بين المرسل والمتلقي، حيث لم تعد عملية الإتصال تسير في إتجاه واحد، بل تجري عبر المشاركة في صياغة الرسالة الإعلامية، وقد يصبح المتلقي مرسلاً وصانعاً للنص والمضمون، وذلك عن طريق التحكم في إختيار المادة الإعلامية ونشرها، وإبداء الرأي المباشر والتعليق على الأخبار والحوارات والبرامج الأخرى.(1)

فضلا عن الإنتشار في كل مكان في العالم، وسهولة الإستعمال والقدرة على عرض مزيج من النصوص والأصوات والصور، وإمكانية الوصول إلى القارئ المستهدف بشكل أكثر تحديداً، مع ميزة تفصيل المعلومات لكل قارئ، وكل ذلك يشكل إغراءً لزيادة دخل الصحيفة من الإعلان على (الإنترنت)، وستعمل المؤسسات الصحفية، التي لديها خبرة على جذب القارئ والمعلن، بإتجاه تفعيل نشاطاتها الإعلامية والإعلانية جنباً إلى جنب.
من المتعارف عليه أن قارئ الصحيفة الورقية، ومستخدم (الإنترنت) ليس شخصاً واحداً، بل هما في الحقيقة مختلفان في كثير من الخصائص، ومنها الجنس والعمر ومستوى التعليم والغرض من قراءة الصحيفة، فقراء الصحف الإلكترونية، كما أثبتت الدراسات، يكونون عادة من بين الأصغر سناً، وهو ما يمكن إستثماره في العرض الإعلامي.
ومن المهم القول أن بناء مواقع للصحف على الشبكة يقتضي وجود صحفيين على درجة عالية من المهارة والكفاءة والتدريب على مهارات متعددة مثل الكتابة بعدة وسائل، مثل كتابة خبر يتناسب مع وسائل الإعلام الجديدة، كالهاتف النقال وغيره من أجهزة النشر، وتطوير قدراته في إستخدام الكاميرا الرقمية وإدارة الحوارات، لأن على الصحفي الإلكتروني أن يتحدث بلغة الصحافة الإلكترونية نفسها، ولا يعتمد على الورقة والقلم.

 إن من مزايا و خصائص النشر على شبكة (الإنترنت) ، التفاعلية بين المرسل و المتلقي و القدرة على تحويل و نقل المعلومات من وسيط الى آخر بسهولة ، و الشيوع و الإنتشار حول العالم و بين كل طبقات المحتمع، و زوال الفروق التقليدية بين وسائل الإعلام المختلفة من صحف و كتب و مجلات وتلفزيون و إذاعة ، و زوال الفروق الواقعية الزمانية و المكانية على الشبكة التي يمكن وصفها بواقع إفتراضي جديد يعج بالناس والأفكار .
وفي المجال العلمي والبحثي والجامعي فإن النشر على شبكة (الإنترنت) يتيح الفرصة أمام الباحثين والجامعيين إلى توجيه الجزء الأكبر من جهودهم إلى عمليات التحليل والتفسير والإستنتاج والتنبؤ والكشف عن الظاهرات والمتغيرات الجديدة – وهو ما يمثل العمود الفقري للعملية البحثية – وذلك بدلاً عما كان يحدث قبل ذلك من ضياع نسبة كبيرة من جهد الباحثين في الحصول على المعلومات، وهو ما سوف يؤدي إلى تطوير المعرفة وتحديثها في المجالات البحثية المختلفة، وإزدهار الابتكار والبحث العلمي. و يوفر الإقتصاد الملموس في الوقت والجهد والمال، فالمراحل المعروفة في إعداد النسخ للطباعة كالتنضيد والإجراءات والمتطلبات البشرية والمالية والأجهزة والمعدات التي تستهلكها هذه المرحلة قبل أن تصل النسخة إلى آلة الطباعة هي العامل المؤثر والمباشر في إرتفاع كلفة الطباعة في المطابع، والتأخير والأجور المرتفعة للأيدي العاملة الفنية، وقد إختصر النشر على (الإنترنت) هذه العمليات كلها، وأصبحت الكلفة الحالية تقدر بـعُشْر كلفة الطباعة التقليدية. ناهيك عن السرعة العالية ، و التوفير في التكاليف ، و التوفير في المساحات التي كانت تشغلها الوثائق المطبوعة بعد حفظها ألكترونيا ، و سهولة مراجعتها و التنقيح عليها ، بالأضافة الى مؤثرات التشويق ، و سهولة تداول المادة المنشورة بدون تكاليف الشحن و البريد ، وأخيراً إتساع دائرة القراءة والإنتشار حول العالم، إذا يستطيع أي قارئ يتصل ‏ (بالإنترنت) الإطلاع على الكتاب و المقالة المنشورة في أي مكان في العالم.‏

 و تبعاً لكل هذه المزايا فقد أقبل المواطن العراقي على التعامل مع شبكة (الإنترنت) وإستخدامها  لشتى الأغراض ، و لعل أبرز إستخداماته كانت هي للإطلاع على أخبار بلاده والتطورات الجارية في العملية السياسية و الأوضاع الأمنية المتقلبة ، وهذا يعني بالضرورة تصفح المواقع الصحفية العراقية والعربية على الشبكة بقصد إستحصال الخبر والمعلومة و التثبت من صدقيتها.

 إكتسبت المواقع الصحفية على الشبكة أهمية خاصة كمصدر مهم لدى المتلقي  للتعرف على الأخبار و الإطلاع على المقالات والكتابات تبعاً للظروف الأمنية المتدهورة التي غالباً ما كانت تفرض على المواطنين العراقيين البقاء في بيوتهم و تشدّهم الى شاشات التلفزيون أو الى شاشات الكمبيوتر ليتصفحوا مواقعهم الأثيرة على الشبكة .

كما أن انقطاعات التيار الكهربائي المستمرة لا تمنع المتلقي من إستخدام الكومبيوتر اذ كما هو معروف أن هذا الجهاز لا يحتاج الى طاقة كهربائية كبيرة للتشغيل ، و بذلك فالمواطن العراقي يفضل أستخدامه ، كونه وسيلة سهلة و أقتصادية ، فضلا عن إقدام شبكة (الإنترنت) على إستضافة  الكثير من المحطات الفضائية التلفزيزنية و الإذاعية  مما عجّل الى حد بعيد في الإستغناء عن أجهزة الست لايت و الإعتماد الى حد كبير على الشبكة  لتلقي الأخبار و المعلومات.

و بموازاة هذا الإهتمام المتزايد من قبل المواطنين العراقيين بإستخدام أجهزة الكومبيوتر والدخول الى شبكة (الإنترنت) ،  من جانب آخر عمد منتجو الأخبار والعاملين على الإنتاج الإعلامي و السياسيين و كل من له مصلحة في الترويج الإعلامي والدخول الى هذا السوق الحيوي ، الى تأسيس العشرات من المواقع الصحفية الإكترونية على الشبكة و منهم من أستثمر أموالا كبيرة،   و ذلك يتضح من خلال حجم الموقع وأسلوب أخراجه، وها هم يتسابقون للإستحواذ على سوق الإعلام ( الأنترنيتي ) في العراق و كسب المتلقي العراقي تبعا لمصالحهم وغاياتهم وأجندة الممولين لهذه المواقع .

و بعد سنوات من إستخدام شبكة (الإنترنت) في العراق و خاصة بعد العهد السابق و قيام العهد الجديد في العراق أتضح حجم تأثيرهذه الوسيلة على الوضع السياسي في البلاد و أسهامها المؤثر في تحريك بعض إتجاهات الصراع على الساحة العراقية و الذي للأسف أتخذ أبعاداً عنيفة و دموية في كثير من الأحيان .

و كان لابد من دراسة إستخدامات شبكة (الإنترنت) في العراق و التركيز على المواقع الصحفية التي تأسست على الشبكة وما زالت في إزدياد مضطرد .

بيد أن إستخدام العراقييين لشبكة (الإنترنت) مازال ضئيلا و محدوداً نسبة لما متيسر في بقية مجتمعات العالم الأخرى..

 فقد أشارت دراسة  قام بإعدادها الدكتور" فايز الشهري" بمشاركة الباحث البريطاني "باري فنتر" من "جامعة شيفيلد" في لندن، إلى " تواضع نسبة عدد مستخدمي الإنترنت العرب ( و قسم منهم العراقيين ) قياساً إلى العدد الإجمالي للسكان في الوطن العربي، مشيرة إلى وجود ضعف في البنية الأساسية لشبكات الإتصالات إضافة إلى بعض العوائق الإجتماعية والثقافية والإقتصادية، ما أدى إلى التأخير في الإستفادة من خدمات شبكة الإنترنت، وأثر بشكل رئيسي على سوق الصحافة الإلكترونية.

وعن خصائص قراء الصحف الإلكترونية تقول الدراسة إنهم في الغالب ذكور وشباب، ويشكل الطلبة والمهاجرون العرب حول العالم نسبة كبيرة منهم."(2)
ـــــــــــــ

(1) د. حسن عماد مكاوي: تكنولوجيا الاتصال الحديثة في عصر المعلومات، ط1،القاهرة، الدار المصرية اللبنانية،1996، ص270- 276

(2)الصحافة العربية الإلكترونية. موقع على النت: http://WWW.bab.com,592004

* مجتزأ من رسالة  الماجستير في الصحافة، لكاتب المقال ، بعنوان ( المواقع الصحفية العراقية على شبكة الإنترنت- دراسة تحليلية)



ahmad_alsaleh58@yahoo.com

مشاركاته في النخلة والجيران

 
 

العودة الى صفحة أدب