|
|
|
أحمد هاتف
الحرية .. لاأدري لمَّ أرتبطت لدي هذه الكلمة مذ كنت طفلا بالقفز على سياج المدرسة والخلاص من روتين الدروس ، والركض على الجراف .. ورمي الحجارة دون هدف .. أهي مزحة أم حقيقة لأني ألاحقها دون التمكن من أعتقالها منذ سنوات ،لاأدري .. لخلل في نفسي أم خلل في الواقع الذي عشت ؟.. ولأكن صريحا.. فلم أتمكن يوما من تسلق سياج السلطة بكل أشكالها والهرب من دروسها الممله ، رغم محاولاتي التي بلغت رقما قياسيا ، وأصدقكم القول ..أنني لفرط ماحاولت ، لاأصدق أني سأجد متعة في الهرب وتسلق السياج أن كان ذلك متاحا دائما .. والحمد لله أنه لم ولن يكن متاحا أبدا .. وأن قرأت ذلك في جميع الصحف والمحطات الفضائية .. ولاأعتقد أن الأمر لم يكن مماثلا بالنسبة لبقية الكتاب ، وكتاب الدراما بالتحديد ، وأقول بالتحديد ، لأن هؤلاء (المساكين ) هم الأكثر عرضة لرصاصات التجني والنقد وربما الأطلاقات الطائشه (وماأكثرها ) .. إذ أنهم محكومون بكل الأعراف والتقاليد الأجتماعية والسياسية والعشائرية والرقابيه ، وعدم وجود رقابة وتعليمات رقابيه لايعني أننا أصبحنا (في الشمس أكثر مما ينبغي ) كما يدعي المدعون .. وكما يصرح المصرحون ، وكما ينِّظر المنظّرون .. وأرجو أن لاأفاجئ أحدا إذا أدعيت علنا ، أن هامش الحرية أضيق مما ينبغي اليوم ، وهامش التعبير أصعب مما نظن وأكثر تعقيدا مماينبغي ، .. فالرقابه التي أغلقت أبواب دائرتها (وأنحلت ) مع (المنحلين ) صارت وباء العراق الحديث والمعاصر والديمقراطي.. ولاتتخيلوا دائرة أعلامية أوثقافية أوفنية أو تربويه ، دون جهاز رقابي خفي ، لايعلم به إلا الله والضالعون بالسلطة ( والسلطة هنا تعبير سياسي وأقتصادي وأجتماعي وعولمي ) وينبغي القول جهارا أن دائرة الرقابه المنحلة خلفت دوائر ومستطيلات ومربعات ومثلثات لاحصر لها .. وقد تسابقت المحطات( الوطنيه ) في أنتداب طوابير من العاطلين عن الأبداع لألحاقهم في قوائم الرقباء تحت مسميات عديده ، منها المستشار ومنها المحرر ، ومنها المدير ، ومنها الخبير وهو أوسع العناوين أستعمالا حتى الآن .. ومن سوء حظ الكتاب ، أو مايصطلح عليهم ب(كتاب السيناريو ) أن الرقباء هم ضربا من الأشباح ، وخليطا من واهني الخبرة ، والوافدين عبر البحار ، والمتبطلين ، والنكرات ، وأولاد عمومة المدراء وبعض أقرانهم من المجنسين أوالمزدوجي الولاء والجنسية .. وهذا يعني أن يكونوا أي شي .
ولنعترف أن العديد من كتاب الدراما اليوم صاروا تحت ضغط هذه (الفوبيا
الجديده ) وصاروا تحت رحمة من كان يتوسل وغالبا ماتجد مدير المحطة الذي يستقبلك بالترحاب ينهي نقاشه معك بجملة ( يمعود أحنا مانريد مشاكل وي أحد ) ... وأسمحوا لي أن أخاطر قليلا واعلن عن بعض الرقباء غير المصنفين ، وهم جهات رقابيه غير مرخصة أصلا ، لكنها تحكم (بتفويض من الشعب ) كما كانت تصدر بعض الصحف أيام زمان (بتفويض من الشعب ) ، وفي كل الأمرين ، لاندري أي شعب يقصدون ، ربما الشعب الصومالي أو غيره .. لاأدري .. هذه الجهات هي .. فصائل الأحزاب (المسلحه وغير المسلحه ) ، خطباء المنابر على أختلاف مشاربهم وقومياتهم وأتجاهاتهم ، كل فئات السلطة وصولا الى (معاون مدير عام ) .. كل اصحاب النفوذ السياسي والمالي والعشائري ، كل أصحاب المسدسات والأوبلات ومختلف انواع السيارات .. وكل قضاة المحاكم المخولين وكل ضباط التحقيقات ..
ولأكن منصفا وأقول أن هذه الفئات بالنتيجة هي فئات رحيمه إذا ماقارناها
بالرقباء المخولين .الذين يضعون النص تحت الأشعة الحمراء والخضراء
والبنفسجية وفوقها وتحتها ، وينبغي للنص أن يتوافق مع العديد من الضوابط ،
منها على سبيل أبعد هذا هل يمكنني أن أتسلق سياج المدرسة وأهرب من ملل الدروس ؟ لن أفعل بعد اليوم بالتحديد !! ، لابسبب أنعدام الحريه وبروز أنماط متسلسلة من القهر (لاسامح الله ) ، بل لأن حراس المدارس المدججين بالأسلحة لم يعودوا يسمحون لأحد بتسلق السياج أصلا .. هذا أن بقي سياج مدرسة يتحمل ضغط جسدي دون أن يتهاوى لفرط ماناله من أهتزازات المفخخات والقصف المعادي ... ويعيدني هذا الأمر الى مشهد في فيلم الماني يقود النازيون فيه ضابطا شجاعا خالف الأوامر الغبيه ، ليعدمونه رميا بالرصاص ، وعند أكتمال الأستعدادات يمر سرب من طائرات الحلفاء فيقول الجندي وهو يراقب الطائرات مهواصلا تهيئة بندقيته للأعدام .. (أنها طائرات العدو ) عندها يتساءل الضابط بألم وهو يراقب الجندي ..(نعم ....ولكن من هو العدو !! ؟)
|