|
|
|
د.احمد ناهم
كانت ولادة القصيدة التي نحن بصدد الحديث عنها نتيجة حتمية لما أفرزته الحضارة العالمية من تقنيات إبداعية وصورية ؛ إذن هذا هو التواصل المعرفي والحوار الثقافي الذي تطمح إليه ، ومحاولة المبدع مشتاق عباس معن في ريادة هذا النوع من الكتابة ( الإنتاج ) تستحق وقفة طويلة . فإنتاج هذه النصّ ( تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق ) ؛ محاولة جريئة محفوفة بالكثير من المجازفات والإشكالات ؛ أولى هذه المجازفات : هي تسويق هذه ( القصيدة / السلعة ) إن جاز لنا التعبير ، فهذا النوع من الإبداع يحتاج إلى نخبة خاصة جداً ، نخبة مهتمة بالأدب والحاسوب في آن ٍ واحد ، فضلاً عن إتقان لعبة المبدع في الولوج إلى شاشات مدمجة داخل شاشة واحدة وهذه الشاشات ؛ الفرعية تنتج أبواباً بفضل الأيقونات والصور والأرقام ، وما إلى ذلك ، وقد حاولت أن أفيد في مجموعتي الورقية – أي كونها مكتوبة على الورق - من تقنيات الشبكة العالمية وأيقونات الحاسوب لاسيما في مجموعتي الأخيرة ( مشاعر رقمية : قصائد ألكترونية بألوان مضيئة 2004 ) [1] ، ولكن محاولتي الورقية على الرغم من جدتها تبدو متواضعة أمام ما أنجزه الشاعر المبدع مشتاق عباس معن في قصيدته الرقمية التفاعلية الأولى ؛ لأنه استثمر إمكانيات الحاسوب في عرض النص على الشاشة لا الورق . ففضاء الشاشة يتيح له استخدام المؤثرات البصرية واللونية وبعض الرسوم واللوحات التشكيلية إلى جانب المؤثر الصوتي والموسيقي المصاحب للنصوص . فضلاً عن الشريطين الكتابين في الأسفل والأعلى ما يتيح الفضاء بعداً متحركاً ومتحولاً على صعيد الصورة والدلالة إلى جانب الضياع في الشاشات المختلفة بما يعطي اختلافاً دلالياً أو انسجاماً معرفياً . فتوظيف الطاقات الصوتية والصورية واللفظية والشكلية يضفي على النصّ بُعداً كونياً يحتاج إلى متلق ٍ نادر وخاص يستطيع اقتحام أبواب الدلالة الأولى وصولاً إلى الدلالات العميقة ثم تأويل مناسب والحديث عن الأدب التفاعلي هنا يقودنا إلى مبدعه ورائده العالمي الشاعر الأمريكي ( كاندل ) ليكون المبدع مشتاق عباس معن الأول في العالم العربي ... وقد حاول المبدع في هذه القصيدة أن يجانس بين الأشكال الشعرية العمودي / الحر / النثر : فالعمود يستدعي الحر والحر يستدعي النثر والنثر يستدعي كل من الحر والعمود وهكذا في حركة عنكبوتية شبكية مما يعطي فرصة التشظي الشكلي بين الأنواع وفي رأيي لو أن الشاعر اقتصر على النثر لإمكاناته المتحررة لكان أعطي فرصته لقول ما يريد بكل حرية . كلمة أخيرة : هذه محاولة ريادية جادة وجريئة قام بها الشاعر مشتاق عباس معن وهي القصيدة الرقمية التفاعلية العربية الأولى في العالم ؛ لذا تستحق منّا الاحتفاء بهذا وقصيدته الرائدة بالرغم من كل هذه الملاحظات تبقى ريادة الشاعر مشتاق عباس معن مهمة في هذا الوقت بالذات ، ولكن ولادة القصيدة تتطلب ولادة النقد التفاعلي ولا أقصد النقد التقليدي الورقي [2] ، ولا أقصد كتاب الدكتورة فاطمة البريكي : مدخل إلى الأدب التفاعلي الصادر عن المركز الثقافي العربي [3] ، أقصد أن يكون النقد هنا متفاعلاً مع القصيدة الرقمية وبالتقنيات نفسها أي أن يكون النصّ الذي يحاور القصيدة إبداعاً مماثلاً على الشاشة وهذا ما سوف أقوم به مستقبلاً لكي تكون الولادة لهذه القصيدة مرعية بمباركة نقدية متجانسة ، فلغة النص ينبغي أن تكون مماثلة للغة القصيدة . ولكن كيف ستجاري هذا الإبداع بالوسائل وبالتقنيات الألكترونية ذاتها ، هذا ما سوف نحاول أن نجيب عنه في الأيام القادمة بعد قراءات متعددة ومختلفة بالجلوس لساعات أمام شاشة الحاسوب وابتكار لغة نقدية ملائمة مع الحدث ( القصيدة ) . الإحالات : ينظر : [1] مشاعر رقمية : قصائد ألكترونية مضيئة : أحمد ناهم / ط2 2007 . [2] من النص إلى النص المترابط : سعيد يقطين / المركز الثقافي العربي / لبنان / ط 1 / 2005 . [3] مدخل إلى الأدب التفاعلي : د فاطمة البريكي / المركز الثقافي العربي / بيروت / ط1 / 2006م .
************ |