احسان التميمي

 

 

من السيبرناتية إلى النص المترابط

ملاحظات حول القصيدة التفاعلية العربية الأولى للشاعر

مشتاق عباس معن 

أولاً : القصيدة التفاعلية ، المفهوم ، الإمكانية :

Interactive poem هو المقابل الغربي للقصيدة التفاعلية التي شاطرتها الحضور مصطلحات أخرى من مثل القصيدة الرقمية ( Digital poem ) والقصيدة الإلكترونية ( Electronic poem ) ، ولا أخوض في الفروق بين هذه المصطلحات إذ تكفلت د فاطمة البريكي بذلك العناء [ ينظر كتابها : مدخل إلى الأدب التفاعلي : 74 ] .

ويراد بها ( نمط من الكتابة الشعرية الذي لا يتجلى إلاّ في الوسيط الإلكتروني ، معتمداً على التقنيات التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة ، مستفيداً من الوسائط الإلكترونية المتعددة في ابتكار أنواع مختلفة من النصوص الشعرية ، تتنوع في أسلوب عرضها وطريقة تقديمها للمتلقي / المستخدم ، الذي لا يستطيع أن يجدها إلاّ من خلال الشاشة الزرقاء ، وأن يتعامل معها إلكترونيا ، وأن يتفاعل معها ، ويضيف إليها ويكون عنصراً مشاركاً فيها ) [ السابق : 74 ]

و( تستعين القصيدة التفاعلية بكل ما يمكن أن يتوفر لها من خلال برامج الحاسوب المختلفة ، والتي تتطور يوميا ، ولكنها عموما تستخدم الصور الثابتة والمتحركة ، والأشكال الجرافيكية ، والأصوات الحية وغير الحية ، وكل ما من شأنه أن يبثّ شكلاً جديدا من أشكال الحيوية والتفاعل في النص ، إن روح ( التفاعلية ) تسيطر على هذا النوع من القصائد ، الذي يحاول أن يجد له مكاناً في البيئة الإلكترونية الجديدة

عربياً لم تظهر القصيدة التفاعلية لا على مستوى المفهوم ، ولا على مستوى المصطلح ، ولا على مستوى التطبيق أو الممارسة الفعلية ، حسب علمي ، ورغم محاولات بحثي المستمرة ، إلا أنها كانت تبوء دائما بالفشل ) [ السابق : 78 ] .

وهذا التصريح من الناقدة التفاعلية د فاطمة البريكي المهمة بكتابها الصادر عام 2006 ، وقبلها صرّح بذلك الناقد التفاعلي سعيد يقطين بالأمر عينه بكتابه الصادر 2005 ، يتأكد أن القصيدة التفاعلية التي كتبها الشاعر مشتاق عباس معن هي العربية الأولى في العالم .

وقد استثمر فيها الشاعر كل الإمكانيات التي ذكرتها الدكتورة البركي بحيث تتفرع القصيدة إلى عدة نوافذ كل نافذة لها خاصية صورية وصوتية وكتابية تختلف عن خاصية النافذة التي تفرعت عنها ؛ لتحقق بذلك سعة التأويل وتعدد القراءة للنص بما ينسجم والفضاء الحرّ لشبكة الانترنت والحاسوب .

ثانياً : الوسائط المتفاعلة ( cmc ) :

لا يقتصر عصرنا الحاضر المعروف بـ ( عصر التكنولوجيا ) على الوسائط التقليدية في التواصل ، بل حاول أن يوجد وسائط جديدة تتناسب مع الطاقة التقنية التي توصل إليها ، ولعل أهم تلك الوسائط هي الوسائط المتفاعلة ( CMC ) التي يعتمد بأساسها على التعامل الحسوبي ( Computer Mediated Communiction ) .

لكنها ( ما تزال ... للأسف في ثقافتنا العربية لم تحظ بالاهتمام النظري والعلمي الضروريين ، في الوقت الذي نجد الاهتمام بهذه الوسائط كبيراً جداً وقطع أشواطاً مهمة في اللغات الحية ) [ من النص إلى النص المترابط : سعيد يقطين : 59 ] .

وتختلف تلك الوسائط في مستوى استعمالها ، إذ تكون بعضها متوفرة لجميع الناس وبعضها محصور على المتخصصين ، ومن أهم تلك الوسائط العامة ، فهي ( الأقراس المدمجة C – D ) .

إذ يعدّ ( جزءاً أساسياً من الوسائط المتفاعلية وهي تتكامل مع شبكة الإنترنت لتشكل المادة التي يتم التواصل بها عن طريق الحاسوب ) [ السابق : 62 ]  .

وأكدت المسألة عينها الدكتورة فاطمة البريكي بقولها ( كما يمكن أن تتوفر على أٌراص مدمجة ( CD-ROM ) ويمكن كذلك تبادلها بالبريد الألكتروني ، وهذا يعني أن القصيدة التفاعلية لا ترتبط دائما بشبكة الإنترنت ، إذ يمكن الحصول على الأقراص المدمجة والتعامل معها دون شرط الاتصال بالشبكة ) [ مدخل إلى الأدب التفاعلي : 78 ] .

وتتمثل أهمية هذه الوساطة في الميزات التي تمتاز بها دون سواها ، ومنها :

1-    الطاقة الخازنة التي تستوعب لحجوم لا بأس بها تفوق القرص المرن [ الفلوبي ] بمرات عديدة .

2-    الحماية اللازمة لمحتوياتها من التلف .

3-    السعر الزهيد الذي يمكن أن يكون بمتناول أي فرد .

4-    سهولة التعامل معه خاصة تلك التي تعمل عملاً تلقائياً ( أوتوران ) بمجرد دخولها بجيب الحاسوب .

كل هذه الأمور كانت بذهن الشاعر مشتاق عباس معن وهو يعدّ قصيدته التفاعلية الأولى ( تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق ) .

فالاحتراف في التعامل مع الحاسوب وشبكته الأثيرية ( الإنترنت ) لم يتحقق عند جميع أفراد المجتمع العربي ، لكن التعامل مع الأقراص المدمجة ، فهي من أبجديات العمل ذاك فتكون حصيلة المتقنين له أضعاف مضاعفة لحصيلة المتقنين للتعامل مع الإنترنت .

فكان اختيار الشاعر المبدع هذه الواسطة لتوصيل عمله الإبداعي للمتلقي اختياراً موفقاً ؛ خاصة وهو العمل الأول العربي بالعالم ، فلئلا ينصدم المتلقي بصعوبة التعاطي معن ، اختار تلك الواسطة .

ثالثاً : من السيبرناتية إلى النص المترابط :

كتب الأستاذ محمد مصطفى الخولي سنة 1972 كتاباً أسماه ( السيبرناتية : في الإنسان المجتمع والتكنولوجيا ) ويراد بهذا المصطلح المعرّب عن أصله ( السيبرنطيقا Cybernetics ) ويراد به ( علم الضبط ،... ويعني الدراسة المقارنة لنظم السيطرة الآلية والاتصال في الجهاز العصبي والدماغ ، وفي الآلات الميكانيكية والكهربائية ، وبين الجهاز وتلك الآلات ) [ البريكي : 29 ] .

وكان من معطيات هذا العلم في التواصل التكنولوجي أن أثمر ( النص المترابط ) أو ما يسميه بعض المترجمين بالنص المتفرع المترجم عن المقابل الغربي ( Hypertext ) لأن السيبرناتية أعطت للنص ميزات هي في صميمها ميزات النص المترابط ، وأهما :

-   نفي الخطية وهي جوهر التنظير لطبيعة النص المترابط ، وتكمن في القول بالسببية الدورية بدل السببية التقليدية القائمة على الخطية .

-   ( فكرة الترابط : إن الفكرة التي ترى أن الدماغ يعمل على أساس الترابط نجدها بارزة في السيبرنطيقا من خلال نتائج الأبحاث التي جرت في البيواوجيا وسواها من العلوم بما فيها الاجتماع ، والتي ترى أن الترابط سمة أساسية لمختلف العلاقات التي لا تنهض بين مختلف مكوناتها ومجزوءاتها إلا على أساس الربط والارتباط

-   نتبين من خلال هذا العرض أن السيبرنطيقا كانت وراء تبلور الصورة الجديدة للعالم والتكنولوجيا وللتواصل ... وفق مبادئ تقوم على ركيزة ( الترابط ) في مختلف المجالات التي نشتغل بها ) [ يقطين : 94 ] .

والنص المترابط على مستويات منها المبتدئ ومنها المتوسط ومنها المعقّد ، ومن الطبيعي أن تكون بدايات الكتابات الرقمية يسيرة التعاطي مع المتلقين الذين لم يحترفوا التعامل مع الحاسوب ، فكان ميل تلك الكتابات إلى المستوى المبتدئ والمتوسط ، وكان نص المبدع الشاعر مشتاق عباس معن من النصوص المنتمية إلى المستوى المتوسط ، وسبب ذلك إضافة إلى ما سبق :

1-   مراعاة مستوى المتلقي وسحبه إلى مساحة الاستجابة .

2-   الابتعاد عن صدم القارئ وتنفيره من استقبال أول نص .

3- الانسجام مع مقولة ( شفافية التجربة الرائدة ) بحيث لا تعتمد على المستوى الصعب في التناول والصياغة ؛ لأن كل مبدع يفكّر في ( القارئ الضمني ) وهو يصوغ نصّه ، وبلا شك كان الأمر حاضراً مع مبدعنا المتألق مشتاق عباس معن .

رابعاً : كلمة أخيرة :

تؤكد لنا الفقرات السابقة أن تجربة الشاعر العربي مشتاق عباس معن هي تجربة أولى ورائدة في المجال الرقمي ليس محليا ولا إقليمياً وإنما عالمياً ؛ لأنها قصيدة تفاعلية بكل معانيها :

-       المفهوم .

-       الإمكانية .

-       الواسطة الناقلية .

-       التعامل السيبرناتي .

نتمنى على المبدعين الآخرين أن يختطوا خطى هذا المبدع الرائد ليسجلوا بصماتهم على النتاج الرقمي الذي يعدّ بحقّ نتاج العصر والغد القريب .

 

 

عضو اتحاد أدباء الانترنت

حاصل على جائزة النقد الأدبي / الشارقة / 2006

العودة الى صفحة مقالات