علي السوداني

 من سقف السيل الى بغداد

قبل تمام اسبوع من آنكم الذي انتم عليه ، جاءت بي قدماي الى منطقة شعبية عتيقة مزروعة عند حاشية قلب الربة عمون ، اسمها سقف السيل وقيل ان لقبها الذي ولدت عليه ، كان السيل فقط قبل ان يجف ويتلاشى وتنضب أمواهه وتموت أشجاره وتغرب نزهاته ويسخن هواؤه وتضيع بهجته بعد ان تمّ سقف ما تبقى من خرير أيامه بالقير وبالأسمنت وبالمشاة وبالدكاكين ، لتطوى أخير صفحات نديات من نهير عمّان الوحيد .

في الاسبوع الفائت ، كنت في غزوة هناك ، هواها المعلن هو شراء قندرة " نص عمر " ومثلها بنطال أو بنطلون أو بنطرون أفرنجي وقميص أحمر وثان أصفر وثالث أسود سأرتديه تالياً في ألأيام المبهجة . عثرت على ما اردت وأشتهيت بأثمان سلسة كأنها " أخو البلاش " بعدها متّعت عينيّ بوساطة التلصص على باب سينما " ريفولي " وحمّامها المشهور وفقاً لرواية ثقة من صاحبي القصّاص العمّوني جمال القيسي ، ومنها الى قبو ينخسف تحت ألأرض بمقدار رأيته أقل من ثلاثة أمتار ومنه الى باب سوق الخضار الشمالي الذي تنوجد على هامشه سوقاً معروفة بأسم " سوق الحرامية " وهي تسمية منفّرة وقعت عليها في غير حاضرة وعاصمة عربية ، بعدها حطّمت قلبي وأشعلت روحي بمرأى عجائز عراقيات يستعمرن الرصيف ويعرضن بضاعة أشكالوية كأنها نصّ شعري مفكك ، ومن بضاعتهن - عمت عيني عليهن - السكائر الرخيصة وأعواد البخور وأمشطة خشبية تستعمل حصرياً لتسييل وتنعيم الشعر الفاحم المغسول بصابون غار العيسى مقياساً للشوق وتوكيداً للحنان ، وأيضا ، قدّاحات تعمل بالغاز وعلكة ، وكذلك صخرة سوداء خشنة الملمس حجمها أضمامة كف تشتريها النساء القديمات أحايين ، والحديثات بعض حين ، وهذه الصخرة المثيرة تستعمل لحك وجلي وتنظيف كعب القدم المفطّرة حتى منطقة التقويس ، من الشحافير الجلدية والتقرحات وعوادي الزمن ، وقد ذاع صيت تلك الصخرة العجيبة حتى اشتكت منها سلة من مالكي ومالكات مراكز العناية بالقدمين وبألأظفار !!

من هذا المشهد الدامي الى قلب سوق الخضار اذ كلما غطست الشمس شبرا في خاصرة الغروب ، كلما انخفض سعر الطماطة والخيار والبصل والمشمش والبطيخ والعنب ألأحلى من السكر والفجل والرشّاد والبقدونس ، لكن ثمن باقة الجرجير سيبقى على حاله ، لا ينزل قرشاً أحمر حتى لو عبر الليل ثلثه ، مدعوماً بالطبع ، بقول تراثي ملهم جميل أو محض شائعة حلوة تقول : لو عرفت النساء سرّ الجرجير ، لزرعنّه تحت السرير !!

من الخضرة والخضار قفزاً الى الجانب الآخر من السقف ، سقف ألسيل أقصد ، حيث دكاكين متصلة تنادي عليك وتشهر سلعها بوساطة شريط مسجّل مكرور ملحون بصوت راديوي رحيم " كل حاجة بنص ليرة " وكانت الصيحة من قبل ، أكثر رحمة وأقل قسوة اذ كانت زمانها " كل شيء ببريزة " والبريزة هنا هي مقدار مائة فلس تامّة . دلفت الى دكان لجوج زاد فوق صوت المسجّل ، انشتال شاب وسيم يصطادك بالعينين وبالشروح وبألأضافات وبما يمور بداخلك من أسئلة المصير . حملت من البضاعة كيسين مملوئين بحيوانات معمولة ومجبولة من مادة النايلون المقوى . فيلة وحمير وأسود وذئاب ونمور وقردة وخراف ودببة ودايناصورات وتنانين ومنقرضات ، وبهذين الكيسين العزيزين ، طرت الى الدار حيث الولد المدهش نؤاس ينطر يدي . قبض نؤاس الحلو على الكيسين وأخرج الغابة كلها ثم ورّطني بأسئلة تعجيزية عن ملك الغابة واين أختفت التنانين ولماذا لا نشتري دايناصوراً ضخماً ونركب فوق ظهره ونطير فنحط على بغداد واذ يرانا جنود وجنديات أمريكا ، سيهربون ويتركون البلاد للعباد ، وأسئلة أخرى تجلب المهانة والغمّ ووجع القلب .

 

 مشاركاته في النخلة والجيران

alialsoudani61@hotmail.com

العودة الى صفحة مقالات