بديع ألألوسي  
 

                           حكاية المتشرد المنسي  

ألأحلام البراقة تتلاشى في حمى الحياة .... طوارىء ونكبات الزمن تخنقنا حين ندير ظهورنا للجوهري في ألأمر ... ذهب (ألرسام الحزين ) لزيارة صاحبه ألذي يعاني منذ شهور آلآما ً في الظهر , زياره طارئه الى باريس , لم تتعدَ ألأيام السته .  تغير المكان يبث فينا حالة ألأسترخاء ونسيان المتاعب اليوميه التي تشبه ألدوامات الزرقاء , أنتهت ألأيام على عجل , وحان الوقت ليعود  ألرسام الى عوالمة , ودع  صاحبه ألذي كان كريما ً في مساعدته لفك ضائقته المالية .  شعور بالرضا يغمرنا حين تكون جيوبنا عامرة بالمال  . محطة (Lyon ) تعج بالبشر من مختلف ألأطياف والألوان , لفت أنتباهه  أن الغالبية العظمى من المسافرين من الرجال المهندمين ,  أكفهرت وجوههم بسبب شحه القطارات على أثر  ألأضرابات المتواتره , دفء الشمس دفعه الى ترك الزحام , فندلف  نحو الفناء الخارجي . هنالك سينعم بضوء الشمس الذي يشبة الرذاذ , وبقيت  عيناة ترصد ألمكان وكأنه يبحث عن شخص ما . أن الهواجس التي تشبه اليقين تشير الى أنه سيلتقي بشخص ما , سيثرثر معه ساعة ونصف , ولكن التساؤل : مَن ؟  ومتى  ؟, بقيَ يحملق   في الوجوة لاهيا ًوراء ذلك الهاجس الذي يحكمه قانون المصادفات ,ألأجواء باردة , والزمن  يسير بتثاقل , دخن سكارته بلذة , ليتجاهل كل شيء وينصرف الى قراءة( أثنتي عشر حكاية تائهه) لماركيز . ألرحلات السريعة كالعاصفة لاتلد إلا لقاءات عابرة تتبدد كالعطر الرخيص / ألزمن الثقيل كالرصاص يأخذ أبعادا ً متشظية تشبه ألأختناق يدعوها  أنطفاء ألأنوار ....القطارات جاثمة ًفي أماكنها كالأفاعي ألمهولة   , الركاب أنشغلوا بمراقبة اللوحة ألضوئية ألتي تعلن عن مواعيد الرحلات  . ألشعور باللقاء بقي يحز في روحه ففكر : آه ربي مَن سيكون ؟ , أنصرف الى مراقبة طفلة صغيرة تلهو مع سرب من الحمام , راح يضحك من مشيتها القلقة , ولم يأتِ من أحد , ليعاود تتبع (خريف ماريا ) ......... أ لأحزان والأوهام تمتزج لتترك ظلالها الشفافه على مرآة ألروح, متذكرا سنوات ألأرق الحزينه , رغم ذلك  تبقى ألراحة الوردية تبث فية ألأمل والهدوء .....- ’’ حين ننسى قدرية القانون يبدأ يشتغل ’’ بينما هو منصرف شاردا ً عن الخلق , تدحرجت بجنبه كتلة ً , والتصقت به , وحين رفع عينيه لرؤية من يقحم عليه صفوة ألأنسجام , تفاجأ برجل متوسط من العمر , له عينا ضفدع عجوز ,بدين الجسد, شاحبا ً كالأموات ,قد  حلق لحيته بصورة   تثير الضحك , لكن لعينيه بريق عيون الثعالب ,داهمه الشيب والصلع , مرتديا ً أسمال على بعضها , السترتين ألمتناقضتي ألألوان كانت لدفع بلوى البرد القارص , منتعلا ًحذاء ًأسود أنيق المظهر لكنه  قد أهترأ . مَن يتخيل إن هذا المتشرد الوسخ في يوم ما كان متعدد الرغبات والأهواء كزجاج الكرستال , ليعصف به الزمان ويسقطه في براثن ألأنزلاق الروحي والهرم المفاجىء ...... أبتسم  متسائلا ً: من أنت ؟  ,,,, - يدعونني ب ’’ سرج البدين ’’تجاذبا أطراف الحديث بكل سلاسه , كأنهما صديقان عاشا وماتا في نفس النعش , كان صوت الغريب دافئا ًمحملا ًبالحكايات ألتي تأتي من فوضى الحياة وسحرها ,, أستهوت (الرسام الحزين ) اللعبة ,متحررا ً من ثقل ألهاجس , فقد أتى من ينتظر وكأنهما على موعد .ألأسباب كثيرة التي تجعله يتعاطف مع هؤلاء المعدمين ألذين خانتهم الدنيا ورمت بهم كالكلاب في الشوارع ,فهم بشر يحملون رائحة الحياة المزخرفة وعفونة الموت الفولاذية . بدقائق صارا يتحدثان بحميميه مقلبين الحكايات........ليقول( سيرج البدين) : هل تصدق موت المسيح على الصليب ؟.- وانت هل تصدق ذلك ؟ لا ,لا ,لا أصدق , فأن للمسيح من ألقوة الجباره , لو  حرك أصبعة سيغير العالم ,,أن موته على الصليب خدعة . ألأحداث تتسارع , فحب يموت وحب يولد ,وها هو  يستأنس بصاحب غريب ألأطوار الذي يفضل الموت تحت وطأة الوحده الصدئة ,,, هاملا ًكل شيء حتى أنه لم ينتبه ألى انفه الذي يسيل مخاطا ًدبقا ً, كان يعالجة بمسحة بأردان سترته الوسخه ليزيدها تلوثا ً .    تنهد قائلا ً: هل لك من أصدقاء ؟. - لا....- واين تسكن حاليا ً؟ -أنام في زاويه مظلمة من هذة المحطه . - كيف تقضي الوقت الطويل ؟  لم يجب(سيرج البدين) بل مرت في ذهنه فكرة أخرى أراد يوصلها الى جليسه ....ـ أنت حقا ً أنسان صبور .علمت الحياة ( الرسام )أن ألأصغاء أكثر ثراء ً , لذلك بقى صامتا   ًليترك صاحبه يثرثر بأمور متضاربه ومتناثرة , منها أنه من عائلتهٍ  ميسورة الحال , وهو الوحيد  لأمه التي تسكن مدينة ((   bordeaux)) وانه كان يعمل في شركة معروفة هنالك , لم يتردد عن البوح عن عشقه لمومس جميلة جدا ً عاشرها ثلاث سنوات ... - لماذا تركتها ؟ - لأنها متغطرسه ولم توفر لي السعادة , مجنونه , تؤمن بتحضير ألأرواح ولكني كنت فظا ًوحاد الطبع أيضا ً. وحين ينتبه الى أنه بدأ يفيض أوحال روحه , يستدرك قائلا ً :ـ تبا ً للشيطان , لماذا أصدع رأسك بكل ذلك ؟ لديه هوس مفرط بالحديث ,كأنه يعاني توترا ًداخليا ًيريد أفراغه , ثقل أحلام الماضي تتعب كاهله , مَن يراه عن بعد يعتقد أنه محارب ميت في ساحة الوغى , مصيره ألأن مقرون بمن يتصدق عليه , فمد ( الرسام الحزين ) يده  في جيبه وأخرج حفنه من القطع المعدنية ليعطيها له , سائلا ً :ما هي أحلامك ؟ فرَد وكأنه تذكر شيئا ً دقيقا ً : ألبارحه جافاني النوم   ولكني أعتقد أني غفوت ساعتين , حلمت  أن (المحطة) خالية إلا من الملائكه الذين حضروا حفل زواجي  . بعد وقفة من الصمت واصل حديثه بنبره حزينة  - أستفقت مرعوبا ً وكأن أحدا ً يمسك بأنفاسي .  - لماذا ؟ -لأن الزواج فال شؤم ونكد . ألساعه الضوئيه تتراقص أرقامها معلنة ً حركة الزمن وجريانه , لينهال (سيرج البدين ) ساخرا ً من ألأخرين ولم يتردد في نعتهم : مهندمون لكنهم فارغون ، ثم أتجه الى أحدى الزوايا ليتبول وكأن شيئا ً لم يكن . ليعود ملتصقا ً(بالرسام الحزين ) الذي وجد فيه دفء ً التعامل....هكذا (سيرج البدين ) لم يتأقلم مع الجماعه لذلك شق طريقه الفردي ,تاركا ًلقانون الرضا ألداخلي أن يشتغل بأنسجام , فهو تحرر من مبدأ الملكيه ألخاصه ولم يشغله أين وكيف يعيش؟ , حين شعر أن العمل يسبب له ألرتابة والكآبة قرر أن لايعمل ,هكذا وجد ضالته في التصعلك ( البوهيمي ) ملاذا ًوطريقة لردم تصحر الروح وهياج الذاكرة والتملص من أختناقات الزمن المر . كان (الرسام الحزين ) يتواصل معه بالأتفاق والأبتسامه ليسأله : ما الجحيم بألنسبه لك ؟ فرد بصوت خفيض : ألحياة هي الجحيم .ومضى يشكو قسوة الشتاء,ووحشية الشرطه وسوء التغذية , وطول الليالي ألتي لم يهنأ بها بنوم عميق ... لكنه كان يصر أنها تجربته رغم مأساويتها . - لماذا أخترت هذا الطريق ؟ - جربت النعيم ولم أنعم ,فها أنا أجرب ..... تمر من أمام عيني ( الرسام الحزين ) سيرة ’’ البوذا المعلم ’’ ألذي كان همه في ألأجابة على التساؤل العميق : مَن أنا ؟ ....ويبادر في كسر رتابة الصمت بألسؤال :هل أنت منسجم ؟ ليجيب ببرود :وأنت هل منسجم ؟ ....لم يتوقف المتشرد المنسي من التحرش بالنساء المهندمات ممازحاً: ياحلوتي حبا ًبالله هل من مساعدة ؟,,, ردود الفعل متناوبة , لكنه يبقى محافضا ً على روحة الفكهة : أبتسامه لوجه الله ..... لفافة التبغ ترافقة ولم يتوقف عن التدخين والكلام  طيلة الفتره التي قضياها سويا ً... يحز في نفسيهما أن الوقت قد أزف , بقى أمام (الرسام الحزين ) سؤال أرجأه الى أخر دقيقة - هل تخاف الموت ؟ مَن لا يخاف الموت لا يعد حيا ً . كم يكون اللقاء مفرحا ً, كم يكون الوداع ثقيلا ًوحزينا ً. - حان الوقت يا (سيرج ) لنفترق . -أريد أن أبوح لك بسر عميق : لا تنتظر يوم القيامة  أبدا ً, أن  كلَ يوم ٍ قيامة جديدة .توقفا في الصالة ألكبيرة ,كانت عيناهما تحملان صمت الصلاة , ويتصافحا بحراره , وتمنى (الرسام الحزين ) لصاحبه دربا ً موفقا ً ولم ينسَ أن يوصيه بصحته ....فهرول ملوحا ًمسرعا ً, باحثا ًعن قطاره , ملتفتا  ًبين الحين والآخر, نحو صاحبه الذي بدأ يختفي متلاشيا ًبين صفوف المسافرين , متواريا ً الى ألأبد .......... ليعود الى مرسمه مواصلا ًالبحث عن الرؤية الجامحه, ناثرا ً ألألوان , مندهشا ًمن خروج المرئيات من ألامرئيات ...

 

 

 

 

 

b.tautil@free.fr

مشاركاته في النخلة والجيران

 

 

 

العودة الى صفحة ادب