|
|
|
داود سلمان الشويلي |
|
|
|
* وهكذا مرت سني ُ العمر من غير صدى ، لم تترك السبعون من هم ومن منتجع مرسى لاحلام ٍ اضاعتها ليالينا سدى ، ولم اكن اول منسي ، ولا ... اول من أخطأه زمانه منذ بدا ، امنيتي ... لا ادري ما امنيتي ، واي اوهام سوى ما يتعب النفس ، وما يوكلها لقسوة الايام .. والايام حان مغلق وضاميء لم يرتوي .. ومرتوٍ لم يدرِ انه ارتوى ، وكان ان اوقدت الشموع ، والعمر على اخره ، وكل ما في رحمة الدرب هوى فلنملأ الاقداح يا صيف العطاشى طالما، اينعت الكروم ، وارتد عن الفم الظمأ، ولتذهب الاحزان يا هذي العذابات لبتي ، عشت معاناتي ومأساتي بها ، ولتنتهي ... ولتهدأ الجراح في محرابها وليهجع القلب الذي ، لم يبرح التيه ، ولا الوحدة في شعابها (1) *****************
منذ ذلك التاريخ ، بدأت اواصر الزمالة تتوثق بيننا ... من خلال الجلسات التي تضمنا سوية ، او مع بعض الزملاء في الجمعية المذكو رة ، او في نقابة الفنانين في ذي قار ... وكنت مستمعا جيدا لما يقرأه من قصائد في هذه الجلسات . وفي عام 1992 م ، وبعد تأسيس فرع اتحاد الادباء في ذي قار ، ضمتني جلسات ثنائية معه ، اذ كنت اطرح عليه بعض الاسئلة المتعلقة بحياته وشعره ... وكنت اسمع منه مباشرة - وبصوته المعروف- آخر قصائده ... وكنت اسجل ما يقول في اوراق خاصة . وعندما افتتحت لي محل لبيع الكتب والقرطاسية في شارع الحبوبي ، اصبح ذلك المحل المحطة الرئيسية لاستراحة الشاعر اثناء خروجه من بيته ليذهب الى اي مكان يريد(زيارة احد الاصدقاء ، مراجعة الطبيب ، شراء الدواء ،التنزه ) وكان يحرص اشد الحرص على ان يُسمعني آخر ما كتب . مرة ، سألته ان كان يحتفظ بمسودات قصائده ، فأخبرني، بأنه لا يحتفظ بها ، ذلك لانه لا يكتب مسودة ، وانما يصحح قصائده مباشرة على نفس الورقة ، اذ انه يقوم بذلك التصحيح باستخدام الممحاة ان كانت الكتابة بقلم الرصاص او بالشطب او بالقلع بالموسى او التصحيح بالحبر الابيض ... عندها طلبت منه ان يبقي الكتابة الاوليية للكلمة الخطأ كما هي ويكتب الصحيحة بالقرب منها بعد ان يشطب عليها ، ثم يكتب النص النهائي في ورقة جديدة ، ففعل ذلك ، فتجمعت لدي حصيلة لا بأس بها من مسودات قصائده او قصاصات منها . كانت جلساتي معه في مكتبتي من اهم الجلسات الشعرية بالنسبة لي وله ، اذ كنت - وقتها - اعد لمشروع دراسة عنه ، وكان هو يزودني بكل ما اريد ، حتى جمعت عشرات الاجابات عن اسئلة سألتها اياه ، وصورة تذكارية تجمعنا سوية توثق احدى هذه الجلسات ، الا ان مشاغل الحياة ، ومن ثم بيع المحل ، ابعداني عنه ، سوى بعض اللقاءات العابرة ، او الزيارات الشخصية المتباعدة التي اقوم بها الى بيته ، وكثيرا ما كنت اراه جالسا على كرسيه امام باب دار بيته عندما هده المرض . في آخر ايامه اقعده مرض القلب الذي اودي به فلحق برحمة باريه الذي خاطبه مرة : * ونحن الرحالون ... فيا من اطلقت مسيرتها الكبرى يا من سويت مصائرها ، فيما تحصده ، او تزرع و ملأت جوانحها طمأ ، وهوىً مضرم لو ندرك حكمتك الازلية ... فيما تبنيه ، وتهدم ، فيما تعطي ، تعطي ، واذا تمنع ... تمنع يا من سويت مصائرنا وهزأت بها وبنا اجمع (2) رحم الله رشيد مجيد انسانا، وشاعرا. ***
بين عامي (1921 - 1922 م) ضاع التاريخ الحقيقي لميلاد رشيد مجيد ، بين ما مدون في سجلات الاحوال المدنية ، وبين ما اخبره به والده ، اذ ان سجلات الاحوال المدنية تخبرنا ان المولود البكر لـ (مجيد سعيد محمد صالح العنزي) قد رآى نور الحياة عام 1922م ، فيما يقول مجيد سعيد لابنه (رشيد) بعد ذلك ، ان ولادته كانت عام 1921م ... وكان ذلك في محلة (السراي) في متصرفية المنتفك - الناصرية بعد ذاك ، ثم ذي قار لعموم المحافظة - .(3) ***
(( افراد عائلتي : ابي وامي وجدتي واخوتي السبعة مع اختين ، اما حاليا ، فأنا وزوجتي وولدي وزوجته وابنته ، اما ولدي الاكبر فهو وزوجته وابنتيه في بيتنا القديم )). ثم تابع القول عن علاقته بوالديه: (( احببت والدي كأي انسان احب والده مع ان الرجل ليس له تأثير سلبي او ايجابي على اهتماماتي او ميولي الشخصية . اما بالنسبة لشعوري اتجاه والدتي ، فلا يختلف عن شعوري تجاه والدي . لم اخرج عن طاعتهم لانهم لم يفرضوا عليّ شيئا لا احبه)). وعن طفولته قال : (( لم اتذكر عن طفولتي مع والدتي الا ما هو عادي ، علاقة الطفل بالام ، ولم اكن متعلقا بها تماما ، ولا نافرا منها ، ولم اسافر معها ابدا)) . ومما ذكر : (( ربما اعتبر نفسي مدللا في العائلة ، لانني كنت الولد البكر ، هذا في ايام الطفولة ، وبعدها اصبح كل شيء عاديا )) . وعن تأثير البيت على نشأته الاولى ، قال: (( كانت عائلتي تعيش في بيت مستقل ، فهو ليس لجدي ولا لاحد من اقربائي ، ولا اعتقد ان لهذا الشيء علاقة في نشأتي الاولى)). وعندما سألته عن داره الحالية ، اجاب : (( ارادت مديرية السياحة والاصطياف استملاك بيتي لتتخذ منه محطة سياحية ، لولا ان الرفيق طاهر توفيق العاني ، عضو قيادة قطر العراق وقتذاك ، حال دون ذلك ، لاسباب ، اهمها : انه ربما سيكون يوما ما من اثار الشاعر عندما يسأل البعض عن البيت الذي عاش فيه الشاعر ، وكتب قصائده فيه وعن اصدقائه واهم مؤلفاته)). اقول : انها امنية ندعو تحقيقها . ***
(( في بداية مشواري الشعري ، كنت لا استطيع قراءة قصائدي امام الجمهور ، مما دفعني الى ان اعطي قصائدي الى احدى الفتيات!؟ (4) لتقرأها نيابة عني ... كان ذلك في فترة صداقتي لبعض الشيوعيين ، وكانت هذه الفتاة تذهب الى بغداد وتقرأ قصائدي الوطنية ، خاصة في ايام الوثبة ، وقد تكون الفتاة شيوعية ، او قومية ، او مستقلة ، لكنها كانت تقرأ قصائدي ، حتى ان السياب ، عندما كتب مقالاته عن الشيوعيين ، قال مخاطبا اياهم ": ان الشاعر الذي كنتم تحاولون كسبه اليكم ، كانت قصائده تقرأها فتاة" ... وكان السياب يحب تلك الفتاة ويسلمها رسائلا منه لتوصلها لي - كما قيل لي وقتها - لكنني لم استلم اية رسالة ، وعندما التقيت به اردت ان اسئله عن ذلك ، الا ان الشاعر عبد القادر الناصري دخل المقهى التي كنا نجلس فيها وهو ثمل( وخربط) الحديث ... فنسيت ان اسأل السياب عن ذلك . ان موافقتي في ان تقرأ هذه الفتاة قصائدي ، ليس بسبب صفتها الحزبية ، وانما كان ذلك بالنسبة لي لكونها فتاة جميلة . وان اول من ساعدني على القراءة امام الجمهور هو الاستاذ) ريسان مطر( اذ قال لي مرة) : اشرب بيك عرق واقرأ (5) ( وهكذا استطعت مواجهة الجمهور الكبير الذي امامي ، حتى انه في احدى الاحتفالات،وامام(المتصرف) شربت )بيكين) مما جعلني لا ارى الجالسين امامي ، لكنني استطعت قراءة قصيدتي بصورة جيدة )) . ***
(( بدأت علاقتي بحزب البعث سنة 1963 م ، واوقفت بعد ردة تشرين ، وسحبت يدي من الوظيفة لاكثر من سنة على ما اتذكر ، ثم انقطعت عن العمل الحزبي لاسباب ، اهمها : حالتي الصحية ، ووضعي النفسي ، وعدم كفاءتي للقيام ياعباء العمل الحزبي ، والانصراف لعملي المعيشي بعد اوقات الدوام الرسمي )) . بتاريخ 19 / 5 /1992 م سبق وان اجابني الشاعر عن هذا الموضوع قائلا : (( بعد ثورة 14 رمضان ، انتميت لصفوف حزب البعث العربي الاشتراكي ، وكان الذي فاتحني بالانتماء صديقي (ريسان مطر) ، وبعد ردة تشرين اعتقلت بتهمة انتمائي للحرس القومي ، اذ اتهمني احد ضباط الشرطة بانني المصور الرسمي - وكنت كذلك - للمسؤولين ... وعندما سألني المحقق عن ذلك ،اجبته بأنني موظف في الدولة ، ووظيفتي تحتم علي القيام بتصوير المسؤولين ، فأقتنع المحقق ، واطلق سراحي . عدها لم اعد للتنظيم الحزبي ، اذ لا يمكن ذلك ، بعد ان تركته في وقت الشدة )). ***
(( لم انه دراستي المتوسطة ، وبقيت عاطلا عن العمل ، وكان لي صديق امر عليه في بعض الاحيان ، كان يعمل رساما للصور الشخصية وخط اللافتات في محل خاص به . بعدها عملت في ستوديو احد الاصدقاء ، وكان عملي هو (ترتيش) الصور واختيار جلوس العملاء ، اعتمادا على حسي الفني ، ولكنني تركت العمل لانه اخذ يستغلني ، بعدها عملت في سينما الاندلس الصيفي ، وكان صاحبها قريب لي من عائلة (آل طالب) ، بعدها انتقلت للعمل في سينما الاندلس الشتوي . بعد فترة من الزمن ، طلبت من قريبي (حمودي طالب) ان يقرضني مبلغا من المال لفتح ستوديو للتصوير ، فأقرضني مبلغ مئتي دينار ، وافتتحت الاستوديو ... كانت (اعظم ستوديو في الناصرية ). كنت اصور الحفلات والمهرجانات والزيارات الرسمية للمصرفية، وان المتصرف في ذلك الوقت طلب مني ان اعمل موظفا في الادارة المحلية براتب شهري ، وان مواد التصويرعلى نفقة المصرفية ، وان لي الحرية كاملة في الدوام اليومي ، لان المتصرف - وقتها - قد شعر ان عملي معهم دون ان اكون موظفا يكلف الدولة مبالغ كثيرة ، فرفضت ، وكرر الطلب ، ومرة قال لي : ان هذا الراتب سيفيدك في حالة المرض او الموت . في احد الايام زرت احد الاصدقاء في دائرته ، في الادارة المحلية ، فوجدته قد هيأ لي (عريضة) (6 ) مكتوبة ، وقد السق عليها طابع رسمي ، وطلب مني التوقيع عليها ، فوقعت ، وهكذا اصبحت موظفا في الادارة المحلية )) . ***
لم يدفعني احد لقراءة الكتب ، فقد كان هذا صدفة ، عندما قرأنا احد كتب المنفلوطي المترجمة عن الفرنسية ، وكنا يومها هاربين من المدرسة انا واحد اصدقائي ، وكان معه الكتاب صدفة . وكان هو اول كتاب خارجي أقرأه ، ولعله الفضيلة او ماجدولين ، وهما من الكتب المترجمة عن الفرنسية ... ثم قرأت الكثير لجبران خليل جبران ، فكنت اميل الى قراءة الكتب العاطفية ، خصوصا التي تنتهي نهاية مأساوية ، ومع هذا فقد كانت قراءاتي متقطعة ولا طاقة لي على مواصلة القراءة ، وهذه حالة ما زالت تلازمني حتى الآن . في المرحلة المتوسطة ، بدأت اشعر بميل الى الرسم، خصوصا عندما نقلت بقلم الرصاص صورة لـ (فريدة) زوجة الملك فاروق ، وكانت بمنتهى الدقة مع انها التجربة الاولى ، ولعلها كانت الدافع لممارسة هذه الهواية التي برزت بها الى حد انني حصلت على البعثة الى لندن من قبل الحاكم العسكري عام 1941 م ، غير انني رفضت ، لاعتقادي بانهم سيتخذون مني عميلا لهم )) . ***
هذا ما بادرني به الشاعر رشيد مجيد عندما سألته عن (عزران البدري) الذي كثيرا ما كان يتذكره اثناء احاديثه ، او في شعره ، فتابع ذكرياته عن (عزران البدري) قائلا :(( كان يعمل "صبي" في مقهى (عبد ضيدان) ، ثم استقل مع اخيه (إسمُير) في مقهى خاص بهم ، فكان (احسن جايجي) ، اذ استطاع ان يستقطب الناس الى مقهاه . كانت رجلاه مفطورتين (يقصد راحتي قدميه) ، وكان يموع (يذوب) البلاستك ، ويملأ به (الفطور). كانت المقهى الخاصة به في سوق الندافين ، وكان الشباب من رواد المقهى لهم اهتمامات ادبية ، قراءة وتناقل اخبار الادب والشعر ... وكان هو يصغي لكل ما يقال... بعد ذلك ، اصبحت المقهى منتديا ادبيا وسياسيا ... اذ فكرنا ، نحن الرواد المهتمين بالادب و الشعر ، ان نجعلها كذلك ، فرحب - رحمه الله - بالفكرة ، وكان يتفقدناواحدا واحدا . في يوم ما ، اخبرني احد الاصدقاء ، بأنه قد تعرف على شاعر (معكّل) (7)، وطلب مني ان اتعرف عليه ... فكان الشاعر (ملا عباس ملا علي) الذي انضم الى مجموعة المقهى ... وكان شاعرا مجيدا مقتدرا من اللغة العربية ، اذ كان يحاضر في المدرسة الثانوية في مادة اللغة العربية... فأخذ يدرسنا المنطق والعروض والفقه (وكنا نقبل دراسة الفقه مجاملة منا له ، اذ كنا بعد ان يغادرنا نهزء بهذه المادة). كان (ملا عباس) ذا ثقافة دينية ، وكان من عادته ان يسألنا في اليوم التالي عما تعلمناه منه في اليوم السابق ، بعدها اخذ يطلب منا ان نكتب مواضيعا في الانشاء . بعد ذلك اتسعت المجموعة ... وكان عبد القادر الناصري في بغداد ، وعندما عاد الى الناصرية ، نعرفنا عليه ، ورحب كثيرا بفكرتنا ، واللقاء في المقهى ، فأصبح الاثنان (ملا عباس ، والناصري) اساتذة جيدون لنا . ..( قادر) في الشعر و (ملا عباس) في اللغة والادب . (عزران) كان يصغي لنا ، وفي بعض الاحيان كان يشترك معنا في الحديث ، وكان يصحح لنا بعض المعلومات على الرغم من اميته . اخذ (عزران) يشتري الكتب الادبية ، ويجمعها في شباك المقهى الذي جعله على شكل مكتبة ، وضع لها ابوابا زجاجية . وعندما سألناه عن المكتبة ، قال : ((الناس تصرف اطنانا من التبغ وهذه الفلوس التي اشتري بها السكاير التي لا ادخنها ، اشتريت بها الكتب)). مرة قال لي(عزران) : لدي مقال اريد انشره ، وطلب منا ان نكتبه وهو يملي علينا المقال ... وكان ما اراد ... وبدء النشر. عندها قرر تعلم القراءة والكتابة ... وكنا معلمين له ... فتعلمها بسرعة ، فأصبح (ينافس) جبران خليل وارسطو ، ويناقش في الفلسفة والمنطق . مرة ، طلب منا تخصيص ليلة ادبية في داره في كل اسبوع ، فكنا نجتمع ، ونحن متعددي الاتجاهات السياسية ( الشيوعي ، القومي ، المتدين ، الملحد) اذ كان هناك تعايشا فيما بيننا . انضم لنا (السيد سعيد) وهو اخ الشاعر (كمال الدين) قاضي مدينة الناصرية الى اماسينا الادبية ، وفي بعض الاحيان ننقل هذه الاماسي الى دار القاضي ، ليبعد اية شبهة سياسية عن تجمعنا ، كما كان يقول لنا القاضي . عندما سمع الاستاذ المرحوم جعفر الخليلي بهذا المنتدى ، اذ كان ينشر نتاجاتنا في جريدته (الهاتف) قام بزيارتنا ... كان يزورنا مرة او مرتين في الشهر ، واوقف مجلته لادباء الناصرية استمر هذا المنتدى حتى وثبة كانون ، اذ كنا على رأس المظاهرات في الناصرية ... اذ شاركنا بقصائدنا و كلماتنا ، شجبا للمعاهدة ، وهكذا اتهمت بالشيوعية ، انا والمجموعة ، فأنحلت هذه المجموعة التي كانت تضم كل من : * لطيف جاسم - كاسب . * كاظم جواد - اخ حازم جواد . * عبد الرحمن رضا - والد الفنانة سناء عبد الرحمن . * جابر حمود - كان يحضر معنا دون ان يشارك . * محمد ... * حميد ... * رشيد لفتة - كان ضابطا واخرج من الجيش برتبة ملازم لاسباب سياسية . )). ويستمر رشيد مجيد يتذكر ... وكان ذلك في صبيحة يوم السبت المصادف 14 / 11 / 1992 في مكتبتي ، قال : (( لعزران قصتين ، وموضوع عن " الادب شاهد الاجيال" . والقصة " هذا من فضل ربي " قصة قصيرة عن بائع الباقلة الذي كتب على "عربته" هذه العبارة ، وكان القاص يهزء من مثل هذا الفضل . بعد ان تنتهي ندوتنا في المقهى ، نبقى ثلاثتنا " انا وقادر وملا عباس " حتى يقفل " عزران " لمقهى ، فنذهب الى شارع الحبوبي " عكد الهوه" لنتمشى حتى ساعة متأخرة من الليل ، ونحن نتحدث في الادب والشعر . مرة شاهد " عزران " صورة لشكسبير ، فسألني : هل صحيح هذا هو شكسبير؟ اجبته : نعم . فقال : ان وجهه "فاهي " ليس كوجه شاعر عظيم )). *** المشروع الشعري الجديد والهم الاكبر: * وحشتيني ، وحشتيني، عمر واتعدت ايامه وجيتيني، اجيتيني على غفلة .. وندهتيني مثل تايه لكه دربه ... لكيتيني بعد ما ضاعت سنيني لكيتيني ... على تراب العمر لَمّن جِزَ وكتي ، و لمّن ذِبلَت رياحيني اجيتيني وانا احلم .. يناسيني اجيتي و الصبا موَذّح(8) و لا واحد يواسيني تراني شاعر ملوّع تعالي ...لو ذكرتيني زماني العَرَّفج بيَّ وعرفتيني بعد ما عتكت (9) ايامي ... لكيتيني مثل طير اهتده إلوِكره اهتديتي لي .. بعد غربه وبعد هجره اهتديتي لي .. وانا مسودن (10) كضت (11) عمري سواديني(12) اهتديتي للهوه ، وإذعنتِ لامره وهذاك آنه لَمَن جيتي ويا محله حنين الحلوه للعشره " تمايزتي " بقاياي واشفقتِ(13) على ما فاتني منها لتغريني فأسلمتِ لسلطاني وفي عينيك الحاحٌ.. ترى ماذا وراء الناس في هيكلها الطيني؟ وهذا المنزوي خلف حناياه؟ اذا حنّ... فلا طهري يزكيه ولا رجس الشياطين وقد جئتِ كمن يبحث عن شيء توارى في دجى الماضي وفي اشلاء سبعيني وها قد مرت الايام .. لا انتِ ولا صوتك يأتيني فأين الالق الساجي؟ وتلك الاعين الوسنى؟ ------- ------- الخ (14) *** طلب مرة مني ان اكتب مقدمة لقصيدة (اسم الله) ذات النمط الشعري الجديد (لغة وافكارا وبناء). كانت القصيدة تنتقل فيها اللغة (والافكار) - اذا جاز لنا ان نسمي اللهجة المحكية لغة - بين مقطع واخر ، ودار نقاش طويل بيني وبينه ، كنت من مشجعيه في ابداع مثل هذه النصوص ، وكان هو مهووسا بها ، واكبر هم كان يشغله ان لا يرى مشروعه هذا النور قبل وفاته ... وعدته ان اكتب تلك المقدمة ... فمما كتبت : ((يستدعي - النوع الجديد - الذي بدأ يكتبه الشاعر رشيد مجيد اكثر من وقفة ، ويطرح اكثر من سؤال . فالشاعر رشيد مجيد ، له تجربة طويلة تمتد على مساحة خمسين عاما من الشعر ، وله دواوين ستة مطبوعة ، وضعف العدد مخطوطا . اذكر انه سألني قبل اكثر من اربعة اشهر عن كيفية تدوين (الشعر العامي) ... وقد دار حديث بيننا بهذا الخصوص ، وقتها سألته ان كان يزمع كتابة (القصيدة العامية) فأجابني قائلا : انتظر . وانتظرت اياما ، حتى فاجأني بقصيدة تجمع بين اللغة الفصحى ، وبين اللهجة العامية التي هي الاخرى تتصف بقربها من الفصحى والتي اثير حولها قبل اكثر من عقدين من السنين نقاش طويل ، وسميت وقتها بـ (اللغة الثالثة) ، او لغة الصحافة ، او لغة المثقفين ، والتي تتصف ببعدها عن حوشي الكلام واعجمية اللفظة والمفردة ، وتركيبها (النحوي والصرفي) القريب من التركيب اللغوي الفصيح . انه (نوع جديد) يختلف عن النوع الذي سمي بـ (الشعر الملمع) ، اذ ان هذا النوع يستدعي عمود الشعر الذي يبدأ صدر بيته فصيحا ، فيما يكون عجزه باللهجة العامية ، ومثل هذا الشعر له غاية محددة ، هي (الهزل). ان قصيدة رشيد مجيد (الجديدة) والتي يحاول نشر بعض نماذجها على اساس انه اول من كتبها - كما يدعي - ستبقى مجالا لابداء الرأي حولها ... ونحن في هذه السطور اذ نقف عند هذا الحد ، فأننا نطالب الزملاء الشعراء والنقاد والمهتمين بالادب الى دراسة هذه (القصيدة الجديدة) وابداء الرأي والملاحظة حولها)) . سألته مرة عن مشروعه هذا ، فأجاب قائلا : (( لا ادري هل يحق لي ان اسميه مشروعا ؟او انها محاولة قد يكتب لها البقاء ، او انها تموت ساعة ميلادها ؟ ومع هذا ، فهي لا تخلو من انها محاولة كبقية المحاولات التي استطاعت ان تقف على قدميها رغم كل المعوقات وهذا ما اتمناه ، واذا لم يتحقق ذلك ، فهي على الاقل لا تخلو عن كونها محاولة ، وانها ستبقى من خصوصيات الشاعر ، ومع الايام فقد تجد لها منفذا لتطل به على القراء، علما بأن للادب الشعبي ، كما للادب العربي قراؤه ، وقد يلتقي القارئان مع هذا النموذج من الشعر )) . وظل الشاعر يكتب هذا النوع من الشعر ، حتى اصبح له منه اكثر من ديوان مخطوط .
*** ((اسم الله ، اسم الله)) (( ما اسرع ما تتردد على فمنا هذه الكلمة عندما يتملكنا الخوف على من لا نريد ان ينتابه اذى ، او يصيبه مكروه ... )) *( اسم الله ... اسم الله ) كلمة خوف تنسل الى شفة امرأة يتملكها الاشفاق ، فلا تتذكر ((غير الله))(15) من غير استئذان خرجت ، وبغير استئذان دخلت ، قلبا اغلقتُ منافذه ، تلك الكلمة ، ما اعذبها؟ وهي تطل على شفتيك .. ((اسم الله ، اسم الله)) ---------------------- ------------------------ يا محلاها من تتخطى ابخوف ورغبه يا محلاها بياقوت الفم ، خمره بكاس القبله العذبه ، يا محلاها ، ويا مِسعَد ذاكَ اليشربها ، ويطفي النار المستعره ابكلبه وملتهبه ، يمته اشوفج يمته؟ واشوف الدنيا ابعينج؟ ------------------- --------------------- هذا الصوتُ الدافئُ والهمسة والنجوى، والبوح المتلفتُ في شفتيك ... ***
ان ظاهرة حضور المرأة في الخطاب الشعري للشاعر رشيد مجيد ، تأخذ فرادتها من كونها : آ - ان المرأة عند الشاعر هي : الحبيبة// المعشوقة فقط ، ولا وجود لاي صنف آخر عنده ... حيث ان بنية الحب // العشق ، تتشكل بين الشاعر والمرأة فقط دون سواها من البنى ، ويكون الخطاب الشعري عند ذلك موجها - اساسا - اليها ، اذ يفتقر شعره الى المرأة / الام ، والمرأة // الابنة ، والمرأة // الاخرى. ب - ان العلاقة التي تربط الشاعر بالمرأة ، حياتيا ، هي علاقة يمكن وصفها بأنها علاقة عذرية ، على الرغم من ان مثل هذه العلاقة هي المهيمن الكبير على حبه للمرأة خارج النسق الشعري ، ولا شيء غير ذلك . ان الحب عند الشاعر - في الواقع - هو حب روحي ، استجابة روحية بين (روحين ) ، اذ تصبح هاتين الروحين عند ذاك واحدة في جسدين. ج - رغم عذرية الحب ، الاان الشاعر يجعل من خطابه الشعري موجها - اساسا - الى ما هو حسي ، فيقع التناقض بين الخطاب الشعري ، وما هو خارجه في حياة الشاعر المعاشة ، فتأخذ النظرة ذات الطابع الحسي للمرأة مساحة واسعة من ذلك الوصف ، عندها ينتقل ذلك الحب العذري ، من خطاب الروح الى خطاب الجسد ، وتتحول بنية العلاقة من بنية روحية الى بنية جسدية ، حسية. ان التناقض هذا ، مرده الى ذلك التعفف الذي يبديه الشاعر امام المرأة // الحبيبة = المعشوقة ، حيث تسكت جميع الحواس امام تلك المرأة سوى حاسة البصر التي تطوف في الوجه المليح ، والقد المياس ، والبسمة الفاتنة ، وعند انتهاء لحظة المواجهة الروحية هذه ، تأخذ باقي الحواس بالعمل ، ليس على جسد امرأة حقيقي ، بل على ما هو متخيل ، وما هو متخيل ينتقل مباشرة الى الخطاب الشعري ، الى كلمات وجمل وقافية وبحور شعرية ، على الرغم من قوله في احدى قصائده : *انني لا املك طهر القديسين ولا مارست احابيل الشيطان. (16) مرة كان يجلس معي في مكتبتي ، فدخلت علينا صبية جميلة ، لون حمرة شفتيها غامقا ، وكانت تضع خاتم الخطوبة في يمناها ، سألته : ماذا اوحت لك ؟ فأجاب بخط يده بتاريخ 15 / 6 / 1994 : (( كانت جميلة حقا ، وانها تسترعي الانتباه ، غير انها لم تمكث طويلا في الذاكرة ، وهل ذلك يعود لعدم التحدث معها وسماع صوتها ؟ لذا فهي لم توح لي بشيء )). ولهذا الكلام دلالة كبيرة لمن يقرأ شعر رشيد مجيد في المرأة وعنها ، اذ ان المرأة عنده ، ليست صورة جميلة حسب ، بل صوت ، وحديث ، وجسد متشكل امامه ... كل ذلك مجموعا امام ناظريه ، لهذا ، فعندما سألته ، بتاريخ 10 / 5 / 1992 عن علاقته بالمرأة اثناء فترة الطفولة والصبا، اجاب : (( ليست لي علاقة مع ابنة الجيران ، وان كنت قد احببت كثيرا في حياتي قبل الزواج ، غير انه حب سرعان ما ينتهي ، لانه بلا امل )) . وفي لقاء معه تم بتاريخ 2 / 5 / 1992 م سألته عما اذا كانت قصائده عن المرأة هي عن تجارب متعددة ومتنوعة ،ام انها عن تجربة واحدة عاشها ، اجاب : (( اكثر قصائدي كتبت عن تجربة واحدة مع امرأة واحدة ، وبعضها - القليل - مع اكثر من امرأة )). وعندما قلت له - وقتها - انه متهم من البعض بأنه يكتب عن المرأة بلا تجربة ، اجاب : (( كل ما كتبته عن المرأة ، وفيما يتعلق معها ، كان صحيحا الى ابعد الحدود ، لم اتخيل الموضوع ، ولو تخيلته لكانت القصيدة هزيلة ، فكل الذي كتبته عنها هو حصيلة تجربة اعيشها بكل مفرداتها ، وبكل ما فيها من ملابسات ، ومن تناقضات ، اما اني اكتب القصيدة بلا تجربة ، فهذا حطأ كبير ... ان هذا الموضوع ، هو الذي اكتب عنه بكل احاسيسي )) . في صبيحة يوم 8 / 11 / 1992 ، وبعد خمسة اشهر من اقامة اتحاد ادباء ذي قار حفلا تكريميا له ، زارني الشاعر في مكتبتي ، وبعد حديث طويل ، بثني اشواقه ، وحبه الاول ، فسألته عن (ليلى) التي ذكرها شاعر سوق الشيوخ ، وزميله ، الشاعر الكبير جميل حيدر، في قصيدته التي القاها في حفل التكريم و التي يقول فيها : *اللحن الرهيفِ عريشُ نجـــــوى سوى عرش الجمال بمن تسامى سلوا: ((ليلاه)) كيف له افاضت مفاتنها وكيف بـــــهن هـــــــاما سلوه : هــــل لغير القدس صلى وهـــــــــل حفظت له فيها ذماما اهاجته على (ذي قار) برقــــــا وزوبعت المدى فيها قتــــــــــاما تــــــــــــــألق حبها وطنا فغابت بـــــــــــــــه عنه وخانته التزاما استعاضت من يهودا وجه حــقد ونازلت المحب بـــه خـــــصاما وظل العاشق العربــــــــي فيها برغم الحقد ينشدها الســـــــلاما عندها غاب عني قليلا ، فيما عيناه تنظران الى كفيه المشتبكتين في حضنه ، وفجأة خاطبني قائلا : اكتب . كنت دائما - عندما تضمنا جلسة مثل هذه - اضع ورقا وقلما امامي لاستخدمهما في تدوين ما يقول ، فكتبت هذه القصيدة وهو يمليها علي من حافظته ، وكانت ردا على قصيدة الشاعر الشيخ جميل حيدر: انت اذكيت بقايا جــــــذوة اوشكت تخبو ولـــكن ما خبت من مدى اي زمان جأتــها والــــــــــــــى اي زمان بُعثت اربعون اقتحمتني وانتهت وصدى ذكرى هواها ما انتهت هي ليلى منذ ان كانت هنا وهي ليلــــى يا اخي واغتربت هي ليلى رجعُ انغام الصبا والتعــــــــــــلات التي ما نفعت اودعت في شفتي علقمــها ليتها تعـــــــــرف ماذا اودعت اتراها يا (جميل) اعتذرت ام تناست مـــــــن انا ام نسيت اين مني لحظات الملتـــقى عفت الريح خطاها ومـــــحت فلم اخترت معاناتي بــــــها وتخيرت عــــــــــــهودا سلفت عندما لمّحت عن ليلى معي كنت قاس ٍ معها اذ رحـــــــلت قلت عن ليلى مقالا ظالــما انت ادرى لِمَ ليــلى هـــــــجرت
ونحن نتساءل بدورنا : لِمَ ليلى هجرتك ايها الشاعر ، ومن هي ليلى ؟ وراح الشاعر يستذكر ليلاه ، فقال : (( ليلى فتاة يهودية ... القصة غريبة ، لكنها حقيقية وليست من نسج الخيال ... هناك صورة في ذهن اي شاب عن فتاة ما...صورتها ، صوتها ، نبرته ... فوجأت امام فتاة في يوم ما فيها كل الصفات التي كنت احب ، حتى رنة الصوت ... احببتها دون معرفة ، سألت ، قالوا : انها يهودية ، طالبة ، كان ذلك في نهاية الاربعينات ... احببتها بعنف دون ان تشعر هي ، ومن خلال مراقبتي لها ، ونظراتي ، وابتساماتي ، شعرت هي بحبي لها . احد الشباب اليهود سمع بقصتي من احد الاصدقاء ، فأخبرها بحبي و ما كتبته عنها من شعر ، وفي مرة ، التقيت بها في الشارع ، سلمت عليها ، ابتسمت ... بعدها ، طلبت من احد الشباب اليهود ان يأتيها بقصائدي التي كتبتها عنها ، وبعد فترة ، اوقفت انا ثلاثة اشهر بتهمة سياسية ((الانتماء للحزب الشيوعي)) وبعد ان اطلق سراحي ، لم ار صاحبتي ، اذ انها قد ارتحلت مع اهلها الى اسرائيل ... وكانت قصائدي عندها ، خاصة (ملحمة ليلى) فسلمتها هي الى احد الاصدقاء ، وطلبت منه ان يخبرني بأننا سوف لن نلتقي مستقبلا . انها الحب الاول ، وهي الصورة المثالية التي كانت في ذهني ....ان ليلى هي (لوشا) اليهودية ... لهذا خاطبتها مرة : * كنيت عنك بليلى غير ان دمي يضج بأسمك من آن الى آن. *** كانت قصيدة الشيخ جميل حيدر بين يدي ، وهو امامي جالسا على كرسيه ، فيما كفيه متشابكتين - كعادته - في حضنه ، فرحت اقرأ له : * وما كانت "نهال" غـير كرم تنضرت الكؤوس بها مُداما اقام على اعتكاف الراح منها فتيمه السراب بها اوامـــــا ومهما زاغــــــت الرؤيا لديه فمراى الحسن عنه ما تراما وريشته التـــــي راشوه عنها ستكبر من تراشقهم سهاما . فسألته عن (نهال) ... لا اعرف فيما اذا كانت حركة يده وهي تنتزع نظارته من على عينيه كانت طبيعية ام انها جاءت بفعل الذكرى ؟... عندها سحبت ديوانه (العودة الى الطين) ورحت اقرأ له قصيدة "نهال" فيما هو ينصت الى صوتي ... وبعد ان انهيت قراءة القصيدة ، ظل هو صامتا ينظر في وجهي ، فسألته : ما هي قصة هذه الفتاة التي شاكسك بها الشيخ جميل حيدر ، اذ رحت تخاطبها في قصائدك لها بـ (يا اختاه)؟ بعد لحظات اجابني : (( في مهرجان قطري في البصرة ، قرأت قصيدة " وجه بلا هوية " التي حازت على الجائزة الاولى ، وبعد عودتي الى الناصرية ، جاءتني ابنتي "ذكرى" وكانت طالبة في الثانوية - وقتها- برسالة من مدرستها "نهال" فيها تحية واعجاب بالقصيدة تلك ، وطلبت نسخة منها ، فأرسلتها لها ، ثم دعوتها الى البيت ، وكانت جلسة عائلية جميلة ، وتوطدت العلاقة الاخوية بيننا ، وكثيرا ما زارتنا هي ووالدتها . لـ "نهال" ديوان منشور بعنوان "شيء اخر للحب" ، ولها اخر معد للطبع . " نهال" فتاة حساسة ، وكان اشد ما يؤلمها ويحز في نفسها ، نظرة عائلتها لها كشاعرة ، حيث لا تقبل بأن تكون ابنتهم شاعرة ... وكذلك كان ما يزعجها النظرة (المريضة) لبعض الادباء المحلقين بها ... حيث انها تعتبر الاديب قائدا للمجتمع ولا يمكن ان يكون مخادعا وكذابا او مرائيا ... وكذلك كان ما يزعجها ، هو قطع اطراف اصابع كفها بعد ان اصيبت بـ "الغنغرينا " . استشهد اخيها "عماد" في القادسية ، وكان الوحيد في العائلة الذي يفهمها كشاعرة ... وقد كتبت ُ عنه قصيدة نشرت في ديوان " يحترق النجم ولكن ")). القصيدة : (( الى روح الشهيد الرائد عماد حسن العبيدي )) *حدثتني (نهال) امس عن عماد ، لكنني لم ار غير مرة واحدة وجه عماد كنت احس ان شيئا يتصدى لعماد ، وان صوتا وراء الغيب ، مخنوق الصدى ... ما انفك يدعوه ، ينادي ... يا عماد . وان افقا ازرقا، اقرأ ما يقرأه الشاعر في وجه عماد ؟ في لقاء مع الشاعر تم بتاريخ 15 / 6 / 1994 م ، سألته : تقول ان (جذوة) الجنس عندك قد خبت منذ سنوات ، ولكنك ما زلت تكتب عن الحب والجنس ، ووصف جسد المرأة ، كيف تعلل ذلك ؟ اجاب : (( نعم ... انطفأة جذوة الجنس ، وانتهى ما كان بيني وبينها من وشائج ، غير ان الحنين لفردوس المرأة هو مبعث الرغبة للكتابة عن الجمال الذي يتجسد بأحلى مظاهره في المرأة ، ولعل عقدة الحرمان هي السبب المقبول منطقيا للحنين للمرأة روحا وجسدا )) . قلت له : ذكرت لي ان المتنبي في المسلسل التلفزيوني الذي كتبه مالك المطلبي صرخ قائلا : لماذا تموت النساء ؟ ما هو رأيك في ذلك ؟ اجاب : (( هذا ما شاهدته وسمعته خلال مشاهدتي للمسلسل التلفزيوني عن المتنبي ... ولا ادري هل هذه الصرخة كانت من المتنبي عند سماعه بموت خولة الحمداني ، ام انها من عنديات المؤلف ؟ وعلى كل حال ، فلا يسعني الا ان اضم صوتي الى هذه الصرخة :(لماذا تموت النساء؟) ، اكانت من المتنبي ، او انها من المؤلف )) . ***
لم اقرأ لشاعر ، قد شغله تصرم سنين العمر ، وراح يذكرها في جل قصائده ، كما قرأت للشاعر رشيد مجيد ، اذ كان للعمر عنده ثقل كبير ، وكان ينظر الى سنين عمره ، وهي تنصرم من بين يديه ، نظرة خوف وترقب ، والمرض ينهش قلبه ، خوف من ان تنتهي سنوات عمره غير المعروف دون ان يصل الى ما يريد ويرغب ، وان ما يريد ويرغب مجهولا ، وترقب لميزان تلك السنين كي لا ينقص مثقال ذرة دون شعر . * شارفت الخمسين ، استهدفت الدرب و ما زال الدرب وحملت خطاي على عيني ، فلا ارتد ولا اكبو، صفعتني الريح ، مددت يدي لكي القاك الى جنبي (17) فها هو يأسه لما بعد الخمسين يشتد : * لم تعد اليوم بقايا عمره كما هي ولم تعد "حواؤه" سوى لهاث اغنية وتهجرت ، وانحدرت في قافية او قصة منتهية (18) عندما يحسب الشاعر سنين عمره ، يجمعها ، ينظر الى فعلها فيه ، ، يصيبه اليأس ، وها هو يعود من رحلة الخمسين صفر اليدين ، كما عاد جلجامش خالي الوفاض دون ان يجلب عشبة الخلود : * وجئتكِ الان كما ترينني صفر اليدين لم ارتشف كأسا، ولم احلم بثغر امرأة ابحث عن سر البقاء ، عن مكان ذلك الاكسير ليعتق الانسان من حتمية المصير وليغلق الدرب الذي لا ينتهي (19) ان مقدمة قصيدة "الصوت والباب المغلق" المكتوبة عام 197.م، وخاصة المقطع الاول منها ، تمثل خير شاهد للحالة التي يعيشها الشاعر ، حتى قبل ان يرحل من دنياه ، اذ يقول : (( لقد سقطت حنجرتي وتمزق صوتي وتمرغ فمي في التراب ، وما زال بابك موصدا يا رب )) * ياضمير الله اين الملتقى؟ اين يستوطن ظلي ؟ فلقد تاه بدربي ، وانتهى ... كل شيء كان حولي(20) ويقول في مقطع اخر : * يا ضمير الله ... يا صمت شفاه لم يحركها لسان من زمان ايها الصبر الجليدي المسجى من زمان كل يوم تلد الارض نبيا مستهان كل يوم الف مأساة "حسين" في مكان كل يوم "كربلاء" ومزيد من سبايا ودماء(21) وبتاريخ 3 حزيران 1992 م ، كتب يقول : * وهكذا مرت سني العمر من غير صدى... لم تترك السبعون من هم ومن منتجع مرسى لاحلام اضاعتها ليالينا سدى ، ولم اكن اول منسي ، ولا... اول من اخطأه زمانه منذ بدا، امنيتي... لا ادري ما امنيتي ... (22) كان ثقل السنين ثقيلا عليه ... قرأ امامي مسودة قصيدة "الصمم" في الساعة الرابعة من مساء يوم الاربعاء المصادف 1/2/ 1995 ، عن " العلة" التي كان يرزح تحت وطأتها في سنين عمره الاخيرة : * معذرة ان لم اكن اسمعكم من اغلقت يداه بابي... اغلقت، سمعي... فلا اعي سوى حشرجتي ، ورفة الحزن وما ينزف قلبي في فمي (23) سمعي محاط ، بل محشو بالصمم الكوة الصغرى التي اسعدني الحظ بها يوما بأن اسمعكم وان اروي نهمي اغلقها الله... لاحيا مثلما ارادني اصم لااعي، ومطرقا بلا مترجم وفي مقطع اخر يقول : * يا حسرتي كم من فم يندهني ، ولا اعي؟ وكم صدى يسحرني ... فيحتويه سقمي، ابكي بصمت حجري، وبحزن آدمي، وانزوى في اللا مدى ، وانتهى للعدم ***
ففي مرثيته لصديقه الاديب الراحل " صبري حامد " (24) يقول : * ... " صبري ، صبري" هل تذكر ليلة كنا نتحدث عن؟ عن اخوتنا الموتى وعن الموت ، وكيف تمنيت بها مني ... ان ارثيك باشجى ما ينزفه شعري؟ وكما شيعت به "عبد الرحمن"، و"عبد القادر"، و"البدري" لم ندر ، بأن الموت ، على خطوات منا... لم ندر وبأن حديث الامس ، نبوءة رحال... يتأهب ليلتها للتوديع بها ، في رحلة هجر وبأن الركب على وشك الايغال الى المجهول، وان مسافري الاخر ،"صبري"... وها هو يرثي صديقه الاديب الراحل "عزران البدري" مخاطبا اياه وكأنه يرثي نفسه : *... "عزران" عندي ما اقول ... كثيرة غصص الليالي والتعلات التي ... اغلقت بابك دونها وكثيرة... هذه الاحاديث التي اجتر وحدي في الحياة شجونها (25) لقد وجد الاصدقاء والاعزاء يتناهبهم الموت الواحد بعد الاخر ، وكان يرثيهم بقصائده ،وعندما وجد نفسه وحيدا بعد ان رحل الجميع ، انتبه لنفسه ، وتساءل : من سيرثيه بعد موته ؟ عندها تيقن انه سوف لن يرثى ، فرثى نفسه بقصيدته هذه بتاريخ 12 / 4 / 1995: (كان بالامس) (عندما يحس الشاعر بنهايته ، عليه ان يؤبن نفسه)
من سيبكيك في غــــــــد يا رشيد يــــــــــــــوم يحدو بك الفناء الاكيدُ عندما يرحـــــــــــل النهار وتبدو وحشة الليــــــــــل والمسوخ السود وتدب الهوام فـــــــــــــــي مستقر اطبق الطين فـــــــــــــــوقه والدود واراني ، ولا ارى غـــــــير شلو غيبته عـــــــــــــــــن الحياة اللحود من سيبكي الذي بكى مـــــن تناؤا ثم اغــــــــــــــفى وما وفاه القصيد هجروه، انتهى، نسوا كــــل شيء الخليل الذي نأى لا يــــــــــــــــعود كان بالامس ، وانطوى كـل شيء عمره... والجفاف.. والتسهيد فلمــــــــــــن تهرق الدموع ويشدو وتر الشعر ، والمــــــــــراد بعيد ؟ انها ســـــــنة الحياة .. ستهوى بالقدامـــــــــــــــــى ليستقر الجديد شاعر مات وانتهى ، ثـــــم ماذا ؟ كلنا ننتهي غــــــــــدا ... او نبيد فلمـــــــــن يكتب الرثاء ، ويزرى بالقوافــــــــــــــــي ويستباح النشيد آه مـــــــــا اثقل الحياة .. اذا ما لفظت عـــــــــــــمرها لديها |