|
|
|
الروائي ذياب الطائي |
||
|
|
تعتمد هذه الراواية على خلق عالم افتراضي متخيل يستجيب لمقتضيات البناء الدرامي في الفن الروائي لمواجهة سؤال مهم مطروح بقوة في الساحة العراقية وأعني به الحدث اليومي على مستوي الفعل( ألأعمال العسكرية لدولة العراق ألأسلامية) وعلى مستوى التنظير الفكري المتمثل بمئات الفتاوى التكفيرية ... السؤال الذي يتضمن اشكالية بالغة الخطورة : كيف سيكون شكل النظام السياسي اذا ما استلمت الدولة الأسلامية الحكم في العراق؟ ولأني اتحدث عن رواية فقد حرصت ان ابتعد عن الحديث المباشر وتجنبت الخوض في اي مشروع سياسي وكان المتخيل الأفتراضي يتكئ على بعد واقعي يمارس حضوره على صعيد اللغة والبنيات الحكائية والأحالات الخارجية انه حديث في الممكن، قد يحتمل الخطأ أو الصواب، ولكنه يظل رؤية استشرافية محتملة ، لايقدم حلولا جاهزة بل يفترض في القارئ ان يشارك بفعالية متوهجة وأترك له حرية الأستنتاج فالنص مفتوح والقارئ جزء من حركة النص وعلى وجه الخصوص القارئ العراقي الذي يعيش التجربة ويلمس يوميا نتائج سلوك (دولة العراق الأسلامية ) وهنا ايضا احاول ان اكشف بمواربة مقصودة الدلالات المطلقة فالنتائج لن تظل محصورة في النهاية في حدود العراق ، لأنها بعد كل شيء تجربة انسانية بكل مالها وما عليها
تنقلت عيناي بكل الزوايا , شعرت بفزع , الغرفةو كأنها بقبضة مننار يملؤها شعاع ساطع من تجليات شهر حزيران , الشمس تجتاح الكون وكأن حالة من الجنون المدمر تتلبسها , هل يكون الحريق هو المطهر ؟ ولكن أين الطيرين ؟ كان اناء الماء فارغا , ولم يكن في) الكاسة (الصغيرة اي طعام ! شعرت بالجوع .. جوع قاس يمسك بامعائي , كنت حين اعلن لوالدتي عند عودتي من المدرسة اني جائع تردّ بعصبية وهي على التنور (جوع الربوع يكسر الضلوع ) وحتى اليوم فأنا لا اعرف ماشكل جوع الربوع. الطيران الصديقان كانا كل صلتي بالعالم , ربما هربا من انفلونزا الطيور ! لا أدري ولكنهما كانا رقيقين وهما يدوران في الغرفة بمحاورة تشدني اليهما بحيث بدأت عينا ( ايمي ) تبتعدان وصوتها الموحي يغيب في ظلال الكلمات المختبئة تحت وسادتها التي ظلت مكانها منذ الشتاء الذي غادرت فيه العراق . شعر بأن العرق الذي ينضح منه يغرق عينيه , تناول الشرشف ليمسحه واحكم اغلاق الستاره ليحمي الغرفة من شراسة الشمس وليتحول الشعاع المتدفق بعنفوان الصيف الى لون ناصل يكشف ألأثاث وكأنها قطعا اثرية , رفع اناء ماء الطيرين وجمع بعض فتات الخبز المتحجر , تذكر انه لم يضع لهما الماء منذ ثلاثة ايام , في البيت انقطع الماء تماما , هو ايضا لم يتناول الطعام منذ ألأمس . أين ذهبا ؟ زجاج نافذة المطبخ مكسور , والزجاج المتشظي على ألموزائيك الرصاصي المعرق بألأسود كان كما حلم به أمس أو قبله ينتشر ببريق كاب ... لقد هربا ! كانا ألفين يدوران حول بعضهما طوال النهار وفي المساء يقفان عنده و في عيونهما حب أعمق من ليل بغداد الخالي من الكهرباء ومصابيح النفط والقمر , دخلا علية في صباح ربيعي , لازال يتذكر ذلك بوضوح لأن الربيع لن يعود ثانية وقد شرب كل الندى وهو ينحسر الى البحر ولهذا احترقت الشوارع الأسفلتية قبل ان يتقدم حزيران على سطوح المدينة. كانا بين الهدهد وحمام البساتين النوّاح حتى في ليل مقمر طري,تماما كأهل العراق اللذين يطربهم الغناء الحزين في حفلة ليلة العرس ! تتمازج الوانهما كقوس قزح مكتمل ولهما ذيلان طويلان يمسان الأرض برقة , منقارهما كلون الياقوت الأحمر وعلى الصدر طرة بيضاء وسط هالة من الزرقة الصافية , يصدران صوتا ساحرا هادئ الجرس ومن الغريب ان لصوتهما وهما يتحاوران او يتغازلان صدى رنينه يبقى عالقا فوق الجدران بتموجات تعطي السكون المخيم عمقا يترشح في نفسه . النوافذ مغلقة والباب الذي تناهى الى سمعه طرقات لجوجة على خشبه السميك لم يفتح والطيران ينصتان بهدوء مترقب سرعان مايعاودان مناجاتهما وهو ينشغل بتتبع تموجات اللحن بصوتيهما ويحلم وهو يسافر الى عوالم غريبة لم يكن يعرفها من قبل ولم يقرأ عنها , القراءة نساها وهويتطلع الى رفوف الكتب مندهشا , عربية ,انكليزية وبعض المجلات الفرنسية , كانت ايمي تغني بصوت رخيم وعميق عددا من مقطوعات أديث بياف ولكن الطيرين في صوتيهما حلاوة وفي عينيهما سيل من الأشتباه الملتبس بغموض ساحر يدفعني الى ان اعشق الصمت واركن الكلمات في كهف الظلمة التي كسوت غرفتي بها , كيف سأعيش من دونهما ؟ ! ثانية شعرت بالجوع يعصر امعائي , علي ان اخرج , لم يدع لي الحر الذي تتوهج به الجدران وتتنفس به الشراشف المتسخة الملقاة على السرير , اية رغبة في ارتداء حتى القطع الصغيرة. كنت انام ... لم يكن النوم حاجة بل كان رغبة في ان أغرق باحلام وكوابيس كنت اراها حياتي التي تاهت في دهاليز وانفاق بغداد التي أحكمت اغلاقها فوهات البنادق وسيارات الهمر وسكاكين الملثمين , كانوا بلا هوية وكأنهم قادمون من عمق جحيم ابوابه من الصفيح الملتهب ومديهم لاتجيد القراءة والكتابة كنت اتذكر , اعاود استخدام العقل ولو على نحو محدود جدا كان ذلك بعد ان غادرت (ايمي ) , شعر بأنه يفقد العالم , ملأ خزانات المطبخ بالطعام المحفوظ واشترى بضع زجاجات من الماء والمشروبات الغازية وقرر ان يعتزل الناس والحياة . اليوم هو الثالث من حزيران 2006 وقد مضى على ترك ايمي للبيت ستة اشهر , لم اتذكر هذا التاريخ وهو لايعني لي أمرا محددا على وجه الخصوص واني اذ اذكره الان لأنه امامي على التقويم المعلق فوق طاولة المطبخ حيث نتناول طعام الأفطار يوميا وهي عادة ملزمة فرضتها زوجتي منذ اليوم الأول لزواجنا وتبرر ذلك بان الذين يتناولون الأفطار هم الأقل عرضة للكآبة اثناء النهار , و على الرغم من عدم قناعتي بهذه المقولة فقد رضخت لها فمع النساء يجب ان لا تخضع المسلمات الجاهزة من وجهة نظرهن الى التدقيق او البحث المنطقي للتداعي النظري , لأني ولمدة سبع وعشرين سنة لاأتذكر اني تناولت افطاري قبل منتصف النهار ولكني لم اتعرض للكآبة بل كنت على طول تلك السنين أخطط لحياتي بدقة متناهية وأضع اهدافا مرحلية اعمل جاهدا على تحقيقها وبالطبع فقد كان هذا النظام يشغلني على نحو مطلق أعني النظام المرحلي بأهدافه المحددة بدقة, ولكني لاأنكر ان ما فرضته زوجتي قد جاء بفائدة لم يكن الأفطار باعتباره تناولا للطعام من مفرداتها , انه هذا التقويم الذي يطالعني باصرار لأقرأ كل لحظة تاريخ اليوم وبعض التفاصيل المتعلقة بالمواعيد والألتزامات لزوجتي ولطفلنا ولي , بيت أم حمزة سيزورونا الساعة السادسة , شراء مستلزمات الزيارة, موعد الطبيب لتطعيم حكمت , ألأتصال بأمي في الساعة الثامنة مساء( بالطبع المعني امها لأنها في ويلز أما امي فقد توفيت قبل عودتنا ) , هذا الأيقاع المنتظم لم يعد مجديا وشكل اضطرابه الصاخب نوعا من ألأنكسار الحاد لدى زوجتي ولهذا فأنها قررت على نحو حازم وغير قابل للمناقشة ان تترك بغداد وتعود الى عملها في ( دبي) , قالت, لن اترك ابني لعلاقة ملتبسة بين الوطن وما يجري في الواقع لأنه قد يجد نفسه في تورا بورا وليس لي القدرة على البحث عنه في تلك الكهوف . اعرف زوجتي عندما تسد كل الأبواب ويصبح الحديث معها من جانب واحد ,عادة اشيح بنظري عنها صامتا لأن وجهها الجميل يتحول الى كتلة من اللحم الأنساني المجمد بدرجة عالية . ليس من السهل ان ابدأ بهذه الطريقة وافترض انكم تتابعوني , أعرف ان هذا يتضمن صعوبة بما يثيره من اسئلة قد يكون بعضها يمتلك مشروعية ! حسنا , تزوجت( أميتي) عام 2001 , كنا في سفرة الى جزيرة كريت اعدتها الجمعية الطبية الملكية للخريجين الجدد , كانت هي طببية اطفال وكنت طبيبا متخصصا في البروتستات وأعدّ لبحث عن سرطان المثانة , كانت ايمي كما كنت اسميها اختصارا ابنة عالم آثار يبحث في فن العمارة عند البابليين وقد خلص الى مقولة مثيرة للجدل بعد دراسات موسعة للجنائن المعلقة مفادها ان المعماري البابلي هو اول من توصل الى التوازن الدقيق بين الوظيفي والجمالي في فن العمارة القديمة , ألوظيفي بالمعنى العملي هو ألأستخدام والجمالي بالمعنى الحسي هو ألأبهار قلت لها : هل تتزوجيني ؟ قالت : نقطتان لابد من دراستهما , الأولى اني قد انفصلت حديثا من أول زواج لي من البرفسور بركلمان , كان استاذي يتمتع بروح مرحة ولكنه غريب الأطوار , ففي الأشهر الخمسة والتي هي عمر زواجنا لم نلتقي الا ثلاث مرات , كان بين السفر للمشاركة بالمؤتمرات العلمية أو في المختبر حيث يقضي ساعات طويلة في البحث , وأخيرا قرر أن يستقر في( الكابون) لبحث ارتفاع نسبة الأصابة بألأيدز, حينما عرضت عليه ان نفترق قال , اعتقد ان ذلك هو القرار الصائب ! وألأمر الثاني هو اننا , أعني أنا وأنت من بلدين مختلفين ومن ديانتين متباينتين! قلت : لم تقدمي حتى الان اعتراضا وجيها ! كان الطقس في كريت صيفيا حارا مع رطوبة عالية ولهذا فان الشواطئ تزدحم بالمستحمين منذ الصباح الباكر , كنت اقرأ في كتاب اعمدة الحكمة السبعة , ممدا على الشاطئ بعيدا عن الزحام , وعندما أتعب من القراءة اتطلع الى البحر الذي كان هادئا تتدافع امواجه برفق , حين لمحت على خط الأفق يد تلوح على نحو بدا كأستغاثة , لم اجد احدا بالقرب مني ولهذا اندفعت الى الماء سابحا باقصى ما استطيع , كانت الدكتورة (أميتي ) بحالة يرثى لها طلبت منها ان تتصرف بهدوء وان تسمح لي بسحبها الى الشاطئ , لم نتكلم طوال اكثر من نصف ساعة , عند الشاطئ تمددت على الرمال , قالت انها كانت تستمتع با لأستحمام كما تفعل كل صباح في كريت وفجأة شعرت بأن تشنجا في فخذها الأيمن يشل حركتها وحين تطلعت الى الشاطئ أحست بالرعب لأنها اكتشفت انها قد ابتعدت كثيرا وان احدا لن يسمع استغاثتها , جال بخاطرها انها قد تغرق , انتابها شعور مرعب , ستموت وحيدة ! : اشكرك خلال ألأيام الثلاثة اللاحقة كنّا متلازمين سواء أكان في الرحلات المنظمة لمعالم المدينة أم في السهرات التي يقيمها الفندق لنزلائه كل ليلة . وجدت ان هناك الكثير من التوافقات بيننا وربما يكون اسمها العراقي اول هذه التوافقات الكامنه في اللاوعي لديها , كنا على الشاطئ حين طلبت منها الزواج. بعد سنتين جاءنا حكمت وفي منتصف عام 2002 قال مدير المركز الطبي (دكتورة اميتي , انت وزوجك مطلوبان للعمل في دولة الأمارات العربية واذا ما وافقتما من حيث المبدأ يمكنكما دراسة تفاصيل العرض ) على الرغم من ان العمل في (دبي ) ممتع بسبب الصلاحيات الممنوحة لنا وتوفر المختبرات العلمية وسهولة الحصول على الأجهزة اللازمة الا ان الحياة العامة امر آخر فأنت لاتستطيع التمتع بالشواطئ أو المتنزهات المعدة بعناية كبيرة وذلك بسبب ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة العالية التي تجعل من عملية التنفس جهدا شاقا ومثيرا للأعصاب ولهذا كنا نقضي مايتوفر لنا من فراغ في المجمعات التسويقية الكبيرة المكيفة والتي تعج عادة بأناس على تباين ملابسهم وعاداتهم التسويقية فضلاً عن اشكالهم . بعد سقوط النظام في بغداد قلت لأيمي: سنذهب الى العراق , في البداية نطلب اجازة لمدة سنة . قالت : والان سأزور بابل وربما التقي هناك باحدى حفيدات أميتي الكبيرة ! من يدري! لن اثقل عليكم , فخلال ستة اشهر ومع كل الشهادات العلمية ونسخ المجلات المتخصصة التي كنا ننشر عليها مقالاتنا وكتب الشكر من المؤسسات البريطانية ذات الصلة لم نستطع ان نجد مكانا ملائما لنؤدي فية خدماتنا للشعب الذي كنت احلم بالعودة الى صفوفه ! كان موظف الأستعلامات يتفحص الملف بعدم اكتراث ويتطلع نحوي مستفهما ما اذا كنت احتفظ باوراق اخرى ! ولكنك ياسيدي لم تتعرف على المحتويات جيدا ,ربما لأنها باللغة ألأنكليزية , يرد علي باقتضاب ونفاذ صبر , لاتعلمني واجبي !وأخيرا قال جارنا , يادكتور ان من المتطلبات ألأساسية كتاب تزكية من احد ألأحزاب المشاركة بالحكم ويفضل ان يكون الكتاب من حزب وزير الصحة مادامت طلباتك موجهة الى الدوائر الصحية ! في اعماقي بدأ يترشح احباط قاس وشعرت بالذنب تجاه ايمي , كانت تتجاهل ما تحمله نظراتي من انكسار ,اعترف انها حاولت كثيرا ان تخفف عني . حين قال لي المدير العام لمدينة الطب انه يمكننا ان نلتحق بالعمل شعرت بان موسم الأمطار قد بدأ وملأت الفرحة اسارير أيمي المستشفى تغرق في ظلام تنز في ثناياه روائح تبعث على الغثيان هي خليط من رائحة الدم المتجمد على الأرض وفوق الشراشف والبراز حيث تظل قطع منه لصيقة الفراش والأدوية الفاسدة التي كثيرا ما تنساب من افواه المرضى لأن الممرضين لا يساعدوهم على تناولها , كانت ايمي مصدومة وهي تسمع بكاء النسوة من ألم الولادة ولاتجد اية وسيلة للتخفيف عنهن وكان ألأكثر ايلاما هو لامبالاة الأطباء وكأنهم ادمنوا الحالة , يمكن تصوير ألأمر على أنه اشبه بتمرين الزامي على فصل لمسرحية من الكوميديا السوداء . حين علمت باختطاف الدكتورة سهام كان الوقت متأخرا وكانت ايمي قد عادت الى البيت بسيارتها اليابانية القديمة والتي قمت باحداث بعض ألأضرار الجانبية بها لأبعاد مختطفي السيارات عنها ولاأكتم اني استفدت من حكاية (الخضر) وهو يثقب السفينة التي تبرع صاحبها بنقله , الدكتورة سهام تحمل الشهادة العليا من انكلترة ولكني لم التق بها هناك وانما تعرفت انا وايمي عليها في المستشفى ببغداد, دعتنا الى بيتها , كانت شاعرة , قالت الشعر لا الطب هو الذي يجعلني قادرة على تحمل كل هذا ألألم , قالت ايمي انا انتظر , متى سيحين دورنا , لقد جئت الى العراق لأني كنت اعشقه ومن ثم عشقتك , العراق الآن يخذلني فلا تفعلها انت لأني لا اعيش بدون عشق , قلت سيبقى لك حكمت , قالت هناك فرق , مع حكمت انا عالم من الحنان ولكن معك انا انثى تشتاق الحنان ! نامت ايمي حزينة ومن يومها بدأت اشعر بألأسف فالأمل الذي غرد كعصفور في قلبي وانا احزم الحقائب للذهاب الى المينا ء حيث الباخرة التي ستغادر نحو البصرة كان يغادرني الآن واستطيع ان اجزم أني أرى ذيله الطويل , كان غرابا أكل الصمت صوته وحتى حفيف الجناحين كان مأزوما كرعشة الخطيئة تتدارى بالليل وبتعويذة الشيطان . كانت رسالة بخط رديء قالت المرأة التي تعتني بالبيت وبحكمت انها استلمتها صباحا بعد خروجنا . : هل تعرفين الذي جاء بها . : لا , كان صبيا في العاشرة. وألان ألأطفال تتعرف على الجحيم تدخل في بدايات اسرارها , انهم حاسري الرؤوس ألآن ولكنهم سيتلثمون بعد ان يتجازوا البوابات الثلاث (( الدكتور المرتد .. وزوجته الكافرة , عليكما مغادرة البيت خلال ثمان واربعين ساعة والا واجهتما الموت )) لم يكن هناك من توقيع , انهم لازالوا يكتبون الكلمات العربية , كم هي كبيرة هذه العربية لتضم الى مملكتها كل ألأفعال المجزومة والمبنيّة حكما والأعراب على منهج اهل البصرة أو بدو الكوفة وحتى الحروف التي لامحل لها من الأعراب والتي تطفو فوق طوفان الحديث لاتغرق وراياتها تظل شاخصة لا تتبلل من رذاذ الماء وكأنها اعلام الزنج وهم يجتاحون أزقة البصرة الطينية , هل ستنتهي الدكتورة ايمي العالمة والباحثة والتي تعشق العراق بسكين ربما التقطها مجهول من مخلفات كربلاء وهو يبحث في الطين عند الفرات عن دودة لصنارته , باعها في سوق الجمعة فاشتراها صبي ليذبح بها الدجاجة الوحيدة التي تملكها امه وحين تلثّم بدأ يذبح بها من يسقط في شبكة اوهامه , كيف جاء الى حينا ومن دفع له ولماذا ؟؟ ! قالت ايمي وقد غابت شموس عينيها واختفى القمر الربيعي الذي كان يعرش فوق خديها وهي تتحدث الي. : والان , ما العمل ؟ : ما العمل ؟ رددت ذلك ورائها : لا أعتقد ان في الأمر مزاح , انهم يقتلون بروح همجية عمياء , وهم اذ يقتلون اعدائهم فقد يكون ذلك مفهوما ! أنا لااعرف احدا منهم ولااتذكر اني التقيت احدهم حتى في زحام المرور في شوارع المنصور وانا ايضا لا اجيد الحديث في السياسة ولست مع السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط او في أي بقعة من العالم فلماذا ؟ : لن تجدي كل التساؤلات وحتى لو اطلقت الرصاص على دورية امريكية فالدورية ستذهب وهم يحدوقون نحوك بضيق , اية مجنونة هذه المرأة ! اما الملثمون فان صوت الرصاص سيدلهم على مكانك وسيذبحونك , انت المرأة البيضاء الكافرة التي تريد ان تقاسمهم العمل ! وحينها لن يكون للجرح ابتسامة ولا للموت حلما بالفرح. في اليوم التالي وعند نقطة اتصال الزقاق بالشارع العريض اوقفنا ثلاثة ملثمين , كان بيد احدهم رشاشا صغيرا وألاخران يحملان مسدسين كبيرين . : تذكر دكتور ان مساء الغد هو آخر ايامكما هنا! . كانت لهجته مؤدبة ولكنها جازمة وشعرت بأن خوفا مرعدا يتسلل الى قلبي وان كفي تتجمد من البرودة فيما راحت ركبتا ايمي تهتزان بارتجاف منتظم , ابابيل لم تسقط بعد والموت لم يعد كلمة تتنفس في قاموس النحو وانما كابوس يقف امامنا نذير شؤم والصوت كعويل ذئب يتربص للأنتقام . قالت ايمي : عد بنا للبيت , علينا ان نغادر اليوم الى عمان , لنترك كل شيء ثلاثتنا مهددون! لم اجبها ولكني عدت للبيت , بدأت ايمي تجمع بعض الحاجيات واخرجت النقود التي كنا نحتفظ بها في خزانة الملابس , كنت مرميا على السرير اشعر باني لم اعد موجودا , ذهني خال من اية افكار او مواضيع أو حتى ألأحساس بأني موجود , كنت ازرع الحلم في خيال ايمي ومن اعماق النسيان كنت اصوغ كل لحظة سنعيشها في الوطن , استمد من رعشات الذكريات الحالمة صورا بهية عن الناس والحياة والمستقبل وكانت هي ترعى معي حدائق الوهم الجميل , وألان كيف سأعود معها الى حياة ماقبل الوهم والحلم ؟! عن ماذا سنتحدث ؟ وهل بقي للحديث صلة ؟ : ألن تأتي ؟ : لا , علي اولا أن أنظف الحدائق التي زرعناها وأن أدفن كل ألأحلام في رعشة هواجس الفجر الذي استعصى على الولادة بعد ان ماتت ألأم ولازالت مشيمتها مدماة لم تقطع بعد . : لست بحال افهم ماتقوله , على أية حال , اوصلني الى شركة نقليات في الرصافة ويمكنك ان تأتي بعد ان تستقر , فقط ادفع للمرأة عن شهر كامل . ناولتني رزمة من الدنانير : والطبع لقدتركت لك بعض الدولارات التي قد تحتاج اليها . عند شركة النقليات اخذت سيارة حديثة دفعت للسائق مبلغا اضافيا فوق الذي دفعته لمكتب الشركة كيما يعتني بها والطفل : ستعرف اين تجدنا وقد اتصل بك في العمل أو في البيت , فقط لا تنسى شحن الهاتف النقال كالعادة , الى اللقاء الغرفة تفور كتنور , حين تركتها الى المطبخ لم اغسل وجهي وبدت لحيتي النامية لأول مرة في حياتي كثة شديدة السواد , حاولت معها بالمقص الذي كانت تستخدمه ايمي في قص القماش , ارتديت قميصا قطنيا بدا متسخا وبنطالا قصيرا وفتحت باب المطبخ , كانت شمس حزيران قاسية تقف على نحو عمودي بتحد صلف , خطوت الى الحديقة , شجيرات الورد جفت والعشب الأخضر في ارضية الحديقة تناثر في الزوايا بعد ان قتله العطش واحرقته الشمس, اشجار البرتقال الثلاث بدت بائسة كسيرة وهي تنحني نحو الأرض , هل كانت حزينة على ايمي التي كانت تستيقظ مبكرا لرشها بالما ء الذي تجمعه طوال الليل في الحوض ألأسمنتي ؟! النخلة هي الوحيدة التي كانت تطل بوقار فيما يتجمع رطب يوشوش بأغراء وتناور الوانه وهي تشرب اشعة الشمس التي كانت تتحين الفرصة لتغمره عندما تحرك ريح خفيفة السعف المتدلي , كان الطيران عند الرطب تمنيت ان يرميا الي ببضع حبات , تحركا فوق (العذوق ) العقيقية , تساقط رطب جني , طارا وهما يودعاني بصوت حنون وانغرست في ذاكرتي النظرة المتعاطفة التي رمقاني بها وهما يبتعدان . : السلام عليكم دكتور ! كان جاري يتطاول عند السياج الذي يفصل بيتينا , على رأسه كوفية عراقية منقطة وتستدير نهاياتها حول وجهه الصغير المعروق بحيث بدت عيناه كثقبين في جمجمة نسج حولها عنكبوت افريقي اكثر من بيت ربما شباكا للصيد أو لأن لديه اكثر من زوجة! : وعليكم السلام : اين كنت طوال هذه المدة , لقد فكرنا بانك ربما عدت الى انكلترة ! اعرف انه يقصد (بفكرنا ) هو وزوجته , كانا يجلسان في الحديقة الصغيرة المرتبة بعناية بحيث كانت ورود الجوري ذات الرائحة العطرة,زاهية بالوانها المدهشة , فيما تنشر شتلات الكاردينيا شذى خفيفا يعطي النسيم المسائي نكهة بغدادية ساحرة , كانا يحرصان على شرب الشاي بأقداح صغيرة تحيط بها دوائر ذهبية ويتعمدان خلط السكر بملاعق صفراء يعطي اصطدامها بالزجاج رنينا هامسا متواطئا مع سكون المساء الذي يتمدد ببطئ فوق ألأسطح ويهبط وئيدا على اسيجة البيوت معطيا ظل الأشجار كثافة ساحرة , وعلى الرغم من ان هذالم يدم طويلا بعد انقطاع الكهرباء وتوقف انسياب الماء وتوقف شجيرات الورد وشتلات الكاردينيا عن التعاطف معهما ومن ثم القرار الجماعي والمفاجئ بألأنتحار فانهما بقيا يجلسان في الساحة ذاتها يلفهما صمت موحش , كانا وحيدين دون ابناء . : ايمي هي التي سافرت : ولكن الى اين انت ذاهب وبهذه الحالاة؟ : اية حالة؟ : حاسر الرأس وبالبنطال القصير : الى السوق القريب لشراء بعض الحاجيات : حسنا انت اذا لاتعرف ماذا حصل ؟! : وماذا حصل ! : لاينفع الحديث من وراء السياج , اسمح لي بأن أحضر عندك , سأجلب لك معي كوفية فائضة عن الحاجة. انهيت أكل حبات الرطب بسرعة ولكني شعرت بالضيق بسبب ماعلق باسناني وبشفتي , كانت انابيب الماء تشكو العطش وبدأت حلاوة الرطب تعصر قلبي وفي جوفي نار اخرى يساعد على انتشارها الجفاف فتمتد الى دماغي , يا ربي ساعدني ! : ارجو ان ندخل لنتحدث بهدوء أي هدوء وانا اشعر اني سأنفجر ! : عيناك حمراوان , هل تعاني من الحمى ؟ : من كل شيء !! بدأت جوقة من العصافير بزقزقة مشتركة , هل هناك حفلة زواج ؟ هذا ما فكرت به وهذا ما وددت ان اسأل عنه. : احتاج قليلا من الماء , ولو جرعة واحدة , لقد نسيت تماما متى شربت آخر مرة . : لحظة كان الرجل كشبح يخرج من اعماق الظلمة في نهار حزيران المفتوح كلية للشمس وللرياح , ينضح من نظراته خوف معد, تطلعت الى البيوت التي أراها لأول مرة , الشبابيك مغلقة والستائر الثقيلة مسدلة بالكامل وعلى نحو يمنع تسرب اية خيوط منفلتة من اشعة الشمس التي بدأت تتسلق الأسطح قوية واثقة وكأنها تعلن عن تحد للصمت الذي يخيم بظلال ثقيلة على الكون الذي حولي . : تفضل . كان في يده كوبا بلاستيكيا , الماء حار والعطش يحش في احشائي بقسوة عابثة والرجل يقف لايظهر منه غير عينين فيهما حديث متوسل , كنت حينما اعود من المستشفى بعد السادسة مساء اسمع موسيقى باليه بنات الحور تتعالى من حديقته, موسيقى متهادية اللحن بطابعها المفعم بالحزن والأ سى وفالس مرح خفيف تخيم عليه اشارات الفرح والغبطة ثم لحن بطيء ينضح بتوسلات عميقة وصادقة وكأنه ابتهال صوفي , لماذا نعشق الحزن ؟ ولماذا يظل التوسل هو وسيلتنا حتى الى الجنة ؟ ارتديت بنطالا طويلا ووضعت الكوفية على رأسي فيما قمت بلف طرفيها حول وجهي , شعرت اني اختنق , كدت ان اصرخ ولكني صممت على الذهاب مع اللعبة حتى آخر الشوط, كيف يتعارف الناس في الشارع والعيون كلها متشابهة ؟ قال جاري بالرائحة ! هذا ما افتى به الشيخ مساء امس في صلاة المغرب . : يبدو ان علي ان ازودك ببعض المعلومات !... حسنا قبل اسبوع سقطت الحكومة , آسف أعني الدولة بكاملها , الرئاسة واعضاء الحكومة واعضاء البرلمان في سجن الكرخ المركزي وهم معروضون للمشاهدة بمبلغ الف دينار للفرد الزائر أما باقي اعضاء الحكومة كالمدراء العامين ووكلاء الوزارات وضباط الجيش والشرطة ففي سجن الرصافة والمشاهدة بمبلغ خمس مائة دينار للزائر مرت سيارة مسرعة في الزقاق , كانت جوارحه كلها تتمعن في الصوت . قال: لابأس سيارة اللجان الخاصة ! صمت برهة ثم عاود الحديث : أما أعضاء الأحزاب والمليشيات ورجال قبائل الأنبار فقد تقرر حجزهم في البيوت على ان يفصلوا عن نسائهم لمدة ثلاث سنوات وان يؤدوا الصلاة كل خمس واربعين دقيقة تكفيرا عن ذنوبهم وبالطبع هذاالفرائض فضلاعن ! تساءل : ولكني اعتقدك مهتما بما يتعلق بالأمور الطبية ! صمت متطلعا نحوي , عيناي كانتا من زجاج مطلي تعكس انطباع الآخر , ربما كانتا ايضا تضخّمان الصورة , اندفع جاري يتحدث بعجالة : منعت النساء من مراجعة المستشفيات والمريضة عليها ان تراجع الشيخ ليكتب لها تعويذة تساعد في طرد الشياطين المسؤولة عن مرض النسوة أما الحالات الخطرة كحالات الكسور أو الولادة المستعصية فتنقل الى المستشفى حيث هناك قسم خاص بالنساء وبالمناسبة فقد منعت الفتيات من الأستمرار بالدراسة وقد ساعد هذا على حل مشكلة اكتضاض المدارس بالتلاميذ والتي كانت مزمنة في العهود السابقة , كما الغيت الدراسة الأبتدائية وعلى الطلاب ان يؤدوا امتحان السنة السادسة من منازلهم ومن ينجح يستمر بالدراسة ويلتحق بالمدرسة المتوسطة النظامية وهي مجانية ... امور كثيرة عليك ان تتعرف عليها بقليل من الصبر واذا احتجت الى اية معلومات فأنا حاضر. الشارع خال تماما وعلى امتداده بدا الأسفلت لامعا وكأنه مغسول للتو , مرت ثلاث سيارات باص بطابقين , المحال التجارية سحبت بضائعها التي كانت تحتل الأرصفة , ضوء الشمس العارية في منتصف الطريق الى قبة السماء يغمر كل شيء , ليس غير الشمس والصمت والشارع المغسول ! : مرحبا قلت لرجل كان قد خرج لتوه من الزقاق , نظر نحوي بضيق ولم يجب , فكرت انه لم يسمعني لأن أذنية محكمتا التغطية. كررت بصوت خافت : مرحبا : ألا تخجل يادكتور ؟ ! لقد صمتّ في المرة ألأولى لأدع لك فرصة ألتصحيح ولكن من الواضح انك لم تتعود بعد , حسنا , اليس لدينا تحية أدبنا بها ألأسلام , لماذا لآتقول السلام عليكم ؟ : ارجو ان تتقبل اعتذاري فالحر والعطش اتعباني ولكن قل لي كيف عرفت اني دكتور ؟ : بالشم , وبالنسبة لي فأنا استطيع ان اشم رائحة الطبيب على بعد مئة متر , ستقول وكيف ذلك ؟ أنا أجيبك , لقد ذبحت ثلاثة أطباء من المرتدين واحدهما كان دكتورا من لندن وزميلا في جمعية جراحي القلب البريطانية ! سمع ابي حديث رفيقي في العمل ونحن نتحدث في بيتنا فقال , كيف يمكن ان يقتل انسان بهذه الطريقة قال رفيقي , الرياح المسمومة يجب عزلها, اقامة جدران عالية امامها وهل افضل من الموت جدارا للقضاء على ألأفكار المعادية , انها حرب وجود فلا مجال للتردد ! شعرت بخوف يتسلل بقوة الى قلبي وأن حرقة العطش عادت تحش في احشائي , وددت لو اصرخ ولكني لا املك القدرة على ذلك و الصراخ ايضا ارادة حرة أو فضاءات الم دون اسرار , يضربك احدهم على رأسك فتصرخ , ولكن مع الخوف تحت ضوء الشمس المبهر وتوقع ما هو اسوء يتحول الصراخ الى لهات مكتوم يدفع الى اعماقك بسكينعصية على ألأستمرار : الحمد لله , ولكن كيف استطيع الوصول الى المستشفى ؟ : يمكنك ان تأخذ الباص رقم 140 : اليست هناك فرصة للحصول على تاكسي ؟ : لا . : هل بسبب البانزين؟! : لا , اذ لم يعد هذا يشكل مشكلة : الحمد لله , اذا فان واحدة من المسائل المستعصية قد تم حلها , ولكن لماذا اذا لايتوفر تاكسي؟ : لقد حرّمت سيارات الأجرة الصغيرة , لأن كثيرا من المفاسد ترتكب بها وثانيا لأن الشيخ يرى ان تشغيل خطوط النقل العام سيقضي على ازمات المرور وسيجعل الجميع سواسية كأسنان المشط . : وسواق ألأجرة ؟ : تم تعيينهم في الباصات بعضهم سواقا أو مساعدين وبعضهم رجال حماية والآخرين مفتشي خطوط , النقل العام مجاني فالدولة في خدمة المجتمع صمت فيما رانت على نظراته رؤى توله صوفي وقال كمن يخاطب شخصا آخر : لله الأمر من قبل ومن بعد كانت ساعة طويلة ليأتي الباص رقم 140 , الحرارة ترتفع كل دقيقة والظل تأكله قبضة النار التي تتصاعد باصرار وأنا اشعر كأني في حالة انعدام وزن وربما اقرب الى الجنون والكوفية تخنقني , صعدت الى الباص , كان بضعة ركاب من الرجال الملثمين يرين عليهم صمت قلق ممض وعيونهم تائهة في فراغ صاخب تشغله شياطين تتقافز بعصبية , في المقعد الخلفي كتلة سوداء متكومة على نحو مريب , كانت تصدر صوتا متقطعا يكشف عن محاولة مستميتة لخنقه . قال السائق دون أن يلتفت : اسكتوا هذه ( الحرمة ) ! لم يتحرك احد , تحرك الباص , كان نظيفا , كراسي الجلد تفوح منها رائحة غريبة , كانت مقبولة ولكني لم اتعرف على مثيلتها من قبل , مسح رجل يده بالمسند الجلدي ورفعها الى انفه ليشمها وهو مغمض العينين , فكرت ان افعل مثله , من يعرف , قد يكون هذا ايضا من قواعد السلوك الجديدة , لم يتبادل اي من الركاب الحديث مع .البعضبعضهم قال السائق وهو يوقف الباص : دكتور , تفضل بالنزول ... منطقة المستشفى!! يتبع... ******* رواية (حديث في الممكن) |
|
|
|