الروائي ذياب الطائي

 

 

 

 

 

الفصل السادس و السابع

 (حديث في الممكن)
رواية


مقدمة لابد منها

تعتمد هذه الراواية على خلق عالم افتراضي متخيل يستجيب لمقتضيات البناء الدرامي في الفن الروائي  لمواجهة سؤال مهم مطروح بقوة في الساحة العراقية وأعني به الحدث اليومي على مستوي الفعل( ألأعمال العسكرية لدولة العراق ألأسلامية) وعلى مستوى التنظير الفكري المتمثل بمئات الفتاوى التكفيرية ...

السؤال الذي يتضمن اشكالية بالغة الخطورة  :

كيف سيكون شكل النظام السياسي اذا ما استلمت الدولة الأسلامية الحكم في العراق؟

ولأني اتحدث عن رواية فقد حرصت ان ابتعد عن الحديث المباشر وتجنبت الخوض في اي مشروع سياسي

وكان المتخيل الأفتراضي يتكئ على بعد واقعي يمارس حضوره على صعيد اللغة والبنيات الحكائية والأحالات الخارجية 

انه حديث في الممكن، قد يحتمل الخطأ أو الصواب، ولكنه يظل رؤية استشرافية محتملة ، لايقدم حلولا جاهزة بل يفترض في القارئ ان يشارك بفعالية متوهجة وأترك له حرية الأستنتاج فالنص مفتوح والقارئ جزء من حركة النص وعلى وجه الخصوص القارئ العراقي الذي يعيش التجربة ويلمس يوميا نتائج سلوك (دولة العراق الأسلامية ) وهنا ايضا احاول ان اكشف بمواربة مقصودة الدلالات المطلقة فالنتائج لن تظل محصورة في النهاية في حدود العراق ، لأنها بعد كل شيء تجربة انسانية بكل مالها وما عليها


الفصل ألسادس

لايوجد أحد في بغداد قد رأى أمير المؤمنين , ألأسم المنشور هو عبد المهيمن بن عبد القهار , يسمع الناس صوته العميق والهادئ والمتوعد دائما ولكن لايمكن لأحد ان يدعي انه رآه , ربما يكون رمزا أكثر منه انسانا من لحم ودم يمشي مثلنا وسيموت في يوم ما مثلنا ايضا , جاري يقول ان العراقيين مولعون بتحطيم زعمائهم هذا اذا تعذر عليهم قتلهم , بدأ هذا من يوم ان قال الرجل , انه يخلع صاحبه كما يخلع خاتمه من يده , ثم رسم سياسة عبرت سنين القحط والجفاف كلها

أمير مؤمنين آخر حين قال لولده , لاتناقش العراقيين في مسألة من يتولى أمرهم المهم ان تضمن انه معك !

قال جاري هذا ونحن نشرب الشاي صباحا في حديقة منزلي وبعد ان رفعت الحجب وامتدت مساحات الرؤى المشتركة بيننا وبدأ يرسم لي طريق الهروب , قال هل سمعت برقية العقيد , قلت لآ , قال امس ارسل برقية يطلب فيها من أمير المؤمنين أن لايتردد انصاره بسحق المعارضة , ولكن الغريب ان العقيد مايزال يرفض ألأعتراف بالخلافة!

نحن في المراحل النهائية لأنجاز موضوعك , قال جاري وهو يرتشف الشاي ببطئ , همس , سوف يكلفك ذلك الفي دولار , قلت المهم السلامة , قال بالتأكيد فالخطورة ستمتد الى داري ايضا ! متى ستقوم بجني التمر؟ ! , غمز بعينه , اعرف انه يتمتع بقوة سمع غير عادية , ربما كان استمرار التدريب العامل المؤثر .

في الزقاق كانت خطى عجلة لمجموعة من المجاهدين , كانوا صامتين يتردد صدى احذيتهم الجلدية بوقع رتيب على الأسفلت فيزيد الصمت الذي يتسلل من البيوت غموضا, كانوا منتصبي القامات وكأنهم في استعراض وبأنتظار المصور الذي سيلتقط لهم صورا تذكارية , يمكن ان تعرفهم عوائلهم من بريق العيون الذي سيكون واضحا وساطعا في الصورة ولهذا لم يهتم اي منهم بأن يبتسم !

: متى ستذهب الى المحمودية ؟

: غدا
: وكيف ستقضي يومك ؟

: سأذهب لصلاة الظهر في المسجد, فقد تعذر علي امس الذهاب واعتقد ان الشيخ قد يكون غير راض عن ذلك

: كن حذرا , الشيخ يتمتع بقوة ملاحظة , تأكد انك لن تضطر الى قول شيء قد يسجل ضدك

: تعلم اني بطبعي قليل الكلام

: مساء سنلتقي وسأحكي لك التفاصيل

رفعت اقداح الشاي وغطاء الطاولة , في الداخل مازالت نداوة الصباح تضفي شيئا من البهجة , اشعة الشمس تتسلل مستغلة الفتحات المواربة فتكشف المكان وتجعل الصمت اقل كثافة , كنت أحب الأشعة ألأولى للشمس وهيتتلألأ على صفحة دجلة , بيتنا كان على الشاطئ وغرفتي في الطابق العلوي وأمامي دجلة , استيقظ مبكرا لأستمتع برؤية الموجات الرقيقة وهي تلصف ضاحكة تستحم بالضوء الرخي , كنت اشعر بسعادة غامرة , ولكن دجلة ألأنثى اختفت وهي بعيدة عن الشمس والضوء , في الطريق الى المسجد كان القليل من المارة , بضع نسوة كأنهن كتل سوداء تدرج خارج الزمن وبعيدا عن القوانين التي تحكم عالم العولمة اليوم , عدد من المجاهدين يقفون تتملكهم روح تنزع الى القسوة , ربما يضاعف من توترهم سماع اطلاقات متفرقة بين آونة واخرى

كان الشيخ يجلس على الأرض , تحته سجادة ايرانية بنقش يمثّل زهره حمراء ترف فوقها فراشة طغى اللون الأصفر على اجنحتها المرسومة بعناية فنان محترف أما الجسد فقد كان بنيا , حوله كان بعض المجاهدين يجلسون واضعين اسلحتهم في احضانهم منصتين له بهدوء وبشيء من التوحّد الوجداني بعيدا عن عالم الموت والدم ورائحة الخراب وفي عيونهم كانت النظرات رقيقة وكأنهم على وشك الأنخراط بنوبة بكاء طفولي يغسل احزانهم ويمنح ارواحهم بعض الصفاء , أشار لي بهزة خفيفة برأسه ان اجلس , كنت متضايقا فالبنطلون بدأ يضغط على فخذي وأنا لم اعتد الجلوس على الأرض ولم أجد القدرة على التركيز لأ ستيعاب مايقوله , يمسح على لحيته ثم يبدأ الحديث , صوته كان حادا بنبرة آمرة وهو يوجه أو يجيب على ألأسئلة , التفت نحوي

 : أخ عزيز يزورنا اليوم ومجاهد من نوع آخر !

شعرت بالأحراج ولم افهم ما هو الهدف الذي يتجه اليه , التفت الجميع نحوي .

قلت :  أدعو ان يوفقني الله في عملي

لم يعلق على كلامي وعاد ثانية الى حديثه الذي قطعه , كانت دقائق مضنية , بدأت أستمع الى حديثه , قال لن ينفعكم الفرار ان فررتم من الموت أو القتل واذا لا تمتّعون الا قليلا , صمت وهو يتطلع في الوجوه , ان تقتل وانت تدافع عن دين الله فأنت في الجنة  وان تهزم العدو فان ماله وعرضه غنائم لك وسيجزيهم الله ذلا في الدنيا وعذابا في الآخرة , البساطة التي يتحدث بها جعلتني اشعر بالشلل يتسرب الى اعماق روحي , غيوم تسرع لتسد الأفق وتشوش الرؤية وتختلط ألأشياء , كانت ايمي تقول انت حساس اكثر مما يجب , كنت ابتسم وأقول لها في العراق اما ان أكون حساسا أو عديم الأحساس , مع الصفة ألأولى اشعر اني في نفق مظلم وأنا محاصر تماما وليس غير الجنون في نهاية النفق , ومع الصفة الثانية أكون مهرجا أرقص أمام موكب ألأمير , ولهذا هربت الى لندن !

قال الشيخ : نكتفي بهذا القدر , وفقكم وايانا الله

نهض بتثاقل وأشار الي بأن اتبعه , كانت الغرفة الصغيرة في رواق المسجد مؤثثة على نحو ينم عن تمرس في تنسيق وتنظيمقطع ألأثاث , نسيم خفيف يدفع به مكيف للهواء في أعلى الجدار المواجه يمنح الداخل شعورا عميقا بالراحة والأسترخاء, أغلق الباب ثم طلب مني الجلوس , تقدم رجل ملثم يحمل صينية عليها اقداح شاي تنتشر منه رائحة النعناع, وضع الصينيه على الطاولة وغادر دون ان يتكلم وان كنت قد لحظت انه رمقني بنظرة طويلة متفحصة , كانت فترة صمت تطفو في الجو المفعم بعذوبة مجانية .

قال : الشاي مشروب مرطب والحر في بغداد يرفض ان يغادرنا , كيف هي الحياة في لندن ؟

شعرت انه يلف حولي , يتحدث في اذني...كانت امي تقول لزميلتها , لآ تدوري مثل (أبو الجنّيب ) , يتحدث ببطئ ولكن بطريقة ملتوية ومواربة ولم اكن اعتقد انه بحاجة الى هذا الدوران والمناورة فالمبادرة بيده , كان ذلك يضايقني

قلت : الجو رطب باستمرار والضباب لايفارق المدينة ولكن كل شيء يمكن التعود عليه !

: ماذا قلت بالنسبة لزوجتك ؟

: لاشيء بانتظار ان اسمع منكم

كان لابد من المناورة ,الوقت يظل دائما عامل حاسما

: حسنا , نحن ارسلنا الفتوى الى المحكمة الشرعية لأصدار قرار التفريق والمسألة ستحسم ربما غدا وبالطبع هذا لايؤخر قيامك بالزواج , الرجل يمكن ان يتزوج ليلة طلاقه لأمرأته , انت تعرف هذا ؟

: نعم !

شعرت بدوار واجتاحت كياني ظلمة ومرت بذهني صور كل السفالات التي يمارسها ضباط الأنقلابات في دول العالم الثالث بأسم مثل ينزّ منها الدم والخراب , لكني تماسكت فأنا أمام امتحان عسير ومن غير المسموح به الفشل على الرغم من  كل الطغيان والمكر , كيف يتصور اني استطيع التخلي عن كل ما املكه من ذكريات ومن تاريخ ومن فهم للعلاقات الأنسانية واتحول الى مجرد تابع دونما عقل !

: يمكنك ان تتصفح هذا ألألبوم ففيه اكثر من مئتي صورة

كانت صورا لنساء من مختلف ألأعمار , الوجه هو الوحيد الظاهر في الصورة , بعضهن جميلات ولكن في عيونهن همّ وبقايا حزن يطفو في نظراتهن المنكسرة

قال : اذا ما اخترت احدى اخواتنا المسلمات يمكنك الرجوع الى الكومبيوتر للوقوف على كل التفاصيل , العمر المستوى التعليمي حالات الزواج والطلاق السابقة ان وجدت ثم بعض المواصفات الجسمانية

فكرت ان الشيخ يجيد دور الخاطبة ومن الواضح انه قد مارسه مرات عدة فهو يتكلم بلغة المتمرس

حين وجد اني قد اطلت التصفح في ألألبوم قال بلهجة حاول ان يحملها بعض نفاذ الصبر

: هل تسمح لي بالمعاونة

أخذالألبوم من يدي وقلبه بسرعة

:أعتقد ان هذه الأصلح لك

كانت امرأة في مقتبل ألأربعينات ذات وجه مدور وعينين تحملان الكثير من المراوغة وكأنها تتعمد ان لا تفصح عما يشغلها محاولة ان لاتسمح لأحد باختراق المساحات التي وضعت حولها اسوار النسيان  .

تابع : هذه المسكينة لم يسعفها الحظ في حياتها تزوجت مرتين وكلاهما استشهد دفاعا عن الخلافة .

واذا سأكون انا الثالث الذي ستلاحقه لعنة الموت..

أستأذن أحد المجاهدين , ناول الشيخ ورقة مطوية ووشوشه بضع كلمات , اعتدل  في جلسته وبدى عليه اهتمام قلق..

: سنلتقي لاحقا فهناك بعض الأمور المستعجلة التي تهم الخلافة

لم ينتظر جوابي , فتح الورقة المطوية , ارتجفت يده ربما غضبا وهو يبدأ القراءة , خرجت مستشعرا الأنعتاق , الشمس ترتفع فاتحة ذراعيها للكون الذي بدأ يستحم بدفق الضوء الباهر , عند المدخل الرئيس كانت بضع شجرات ورد تدور حولها فراشات ضجرة , الورود المهملة اقرب الى ان تذبل , وعلى شجرة سدر كبيرة كانت عصافير ثرثارة تثير فوضى وهي تتقافز دونما غاية وكأنها مخلوقات حمقاء , أمام المسجد عدد من المسلحين , كانوا صامتين , بعضهم كان ضجراوهو يجلس القرفصاء ربما من التعب الذي خلفته ليلة طويلة من الترقب !

كان جاري يجلس في الظل , كرسيه الخشبي يصدر انينا فاجعا وهو يتحرك متطاولا ليتحقق من عودتي كلما سمع صوتا في الجوار , الشمس عدائية والسماء بدت بعيدة وواسعة والعصافير تختبئ والخطوات المتسارعة للمجاهدين وهم يمرقون في الزقاق لها صدى مكتوم

: هل عدت ؟!

كان يؤكد ذلك لنفسه , تقدم ليرفع رأسه فوق الحاجز , في عينيه خوف جاد

: لدي الكثير لأحدثك به

في صوته نبرة تحذير اقلقتني , فكرّت ان لديه معلومات تخصني على نحو ما .

: هل يمكنك ان تأتي

: نعم , زوجتي في افضل حالاتها

دخلت على عجل لأرفع بعض الوسائد التي كانت ملقاة على أرضية الصالة , اغلق الباب خلفه بعناية وكأنه يتوقع أن نفاجئ بشخص غير مرغوب فيه !

: أرجو ألا يكون قد ورطك بالتزامات لعينة !

: لا , لقد كرر عرضه بان اتزوج من أرملة لشهيدين , وقال بانه قد اتصل بالمحكمة الشرعية لأصدار قرار التفريق بيني وبين أيمي ولكن كل شيء قد تأجل , وهذا ماكنت ارجوه لأني سأذهب غدا عند الفجر الى المستشفى في المحمودية

: حسنا ولكني لاأعتقد انك ستتمكن من الذهاب !

: لماذا ؟

: لأن المحمودية قد جرى اخلاءها وهي معرضة للسقوط في اية لحظة

كان الخبر مفاجئا , تملكتني مشاعر متناقضة , كان الواجب ثقيلا ولكن البعد عن بغداد وخطط الشيخ كان الطريق الوحيد أمامي لحين التمكن من الهرب , لم يكن من السهل ان احتفظ بتوازن ثابت وانا اشاهد ان الوضع عاد معقدا واني قد اظل في دوامة الخوف التي صنعها الشيخ..

: لقد وجدت هذا المنشور تحت الباب , لابد انهم دسوا لك واحدا وقد تكون اغفلته وانت تخرج ..

: كنا سوية في الحديقة !

: وجدته بعد ذهابك

كان المنشور من نوع الورقة السمراء التي اعطيت للشيخ , بيان من الجبهة العراقية الموحدة موقع من اربعين حزبا ومنظمة , كان البيان يتحدث اولا عن الطغيان والمظالم التي ترتكبها سلطات الخلافة ويشكك بكون أمير المؤمنين عراقيا ثم يشير الى الأنتصارات التي حققتها قوات التحرير التابعة للجبهة وأخيرا يطلب من أهالي بغداد الأنتفاض ضد السلطات الدكتاتورية ويعدهم بأن الفجر قادم , لحظ ان الأحزاب تشمل رقعة واسعة من مكونات الشعب العراقي وان بين الموقعين خمس نساء

قال الجار :  كان أبي الذي تسكنه مرارة يضحك حينما يقرأ عن الجبهة الوطنية

قال له : ولكن يظل التوافق هو اساس الأستمرار بالمشاركة

قال الجار : المصالح هي الأرضية المشتركة , هل تعتقد انهم حددوا مصالحهم ؟

قال : من ؟!

: الجبهة الموحدة

: ربما , الطيور المهاجرة يقودها طائر متفرد ولكن العصافير تتسابق بكل الأتجاهات! !

: ولكن هل عرفت من هي التي عرض عليك الشيخ الزواج منها ؟

: لا , كانت فتاة حنطية لم ارتح لنظراتها التي كانت تتدفق عبر فضاء الصورة  باشتهاء مفضوح !

: انها أخت الشيخ , تزوجت جندي قتل في معركة الفاو وبعد اعلان الخلافة زوّجها من أحد المجاهدين ولكنه أصر على الأشتراك في معركة الموصل وقتل , كان يعرف انه سيقتل وربما وجد في الموت الطريق الوحيد للتخلص منها !

توقفت المروحة الصغيرة المثبتة على طاولة الطعام وسمع (الثلاجة ) ترتج وهي تتوقف وكأنها تعلن احتجاجا على انقطاع التيار الكهربائي وفي الخارج بدأت تسمع رشقات متقطعة من رصاص يطلق في مكان ما وصمتت العصافير التي كانت تحتل النخلة وران عليها قنوط مشوب بخوف طاغ وصرخ طفل محتجا على هذا السكون المفاجئ وهو يصر على الخروج لشراء الشوكلاتة من دكان ام وليد الذي افتتحته الأٍسبوع الماضي وجعلت من شباك غرفة الجلوس المدخل للتعامل مع الزبائن , ولكن امه كانت تحاول ان تثنيه عن ذلك , قال رجل لزميله عبر السياج وهما يسرعان , هذا زمن ينجو فيه من يختبئ ! قال زميله , المهم ان نصل الى البيت !

: لن تذهب الى المحمودية كما ان خططنا تعد لاغية بحكم تطور الأوضاع , اعتقد ان من ألأفضل ألأنتظار !

: نعم , يبدو لي ذلك

: ألأوضاع غير مستقرة وربما تقع الكثير من المفاجئات
: كل شيء وارد

نادت زوجة جاره من خلف السياج بصوت واهن

: تعال فالمذياع سيقدم كلمة مهمة لأمير المؤمنين ويبدو ان الأمور تزداد تعقيدا !

: حسنا سنستمعاليها هنا , هل تحتاجين شيئا آخر ؟

: لا

كان صوتها مستاء ..

 كنت أمس في الباب الشرقي , عدت بالباص كالعادة , كان هناك رجل يحدث نفسه , قال, بان على الجميع ان يحمدوا الله على حكومة الخلافة التي وفرت لهم الأمان , قد يكون الثمن عاليا ولكنه وفق النسبية في القياس لايبدو كذلك , انت تستطيع ان تنام في الساعة التاسعة وأن لاتسمع هياج الأطفال الذين يخلدون للنوم منذ الثامنة , وكذلك لا يشغلك امر ان تتعرض للتسليب حينما يكون الجميع في قيلولة وانت وحيد في الشارع والشمس قد حققت قفزتها الكبرى لتصبح في منتصف سماء تبدو متناهية في البعد , بالمناسبة لماذا تبدو السماء في الربيع قريبة منا وكأنها خيمة زاهية الزرقة تهبط نهاياتها باحكام على الكون في حين تبدو باهتة وقاسية ومتباعدة في الصيف ؟.

 أجابه رجل كان يضحك , لأن الجو في الربيع يرشح بالندى والنسيم يبعث على الأسترخاء أما في الصيف فأن كل شيء متوتر وعلى وشك الأنفجار !

ضرب عصفور يتعلم الطيران الزجاجة ألأمامية للباص فتوقف السائق ليمسح الدم وهو يدمدم , لن يكون هذا فألا  حسنا ,لا اله الا الله..

صمت برهة ثم التفت نحوي :  هل تعتقد ان أمير المؤمنين أفضل من المالكي ؟

: لا أعرف , ولكني متأكد ان الثمن باهض جدا فألأمان وحده لايكفي

قال المذيع : اليكم الأمر رقم 350 الصادر عن مكتب أمير المؤمنين للشؤون األأمنية.

كان الأمر يلغي الأمر السابق ببدء الدراسة في الجامعات في منتصف سبتمبر ويعلق الدوام حتى اشعار آخر محتجا بالأوضاع السياسية..

أنصتنا الى كلمة امير المؤمنين بعناية , كانت مقتضبة , تدعو الى الصمود بوجه ألأعداء الذين عدّدهم بقائمة طويلة بعد ان وضعهم بمجموعتين الأولى الكفرة والثانية المرتدين..

ذهب جاري بعد ان وعدني انه سيفاتح قريبه الضابط , لم احتج محذرا فهو يدرك مدى خطورة الموضوع

بغداد صامتة والمساء الذي بدأ يوشحّ المدينة ,  ينشر ظلالا كثيفة تتسلل مخاتلة الى البيوت فتحيل الدكنة الثقيلة حزنا يطفو على الوجوه المستسلمة لهمها اليومي بامتداده اللانهائي , أزّت فراشة ضالة وهي تصطدم بزجاج الشباك , فتحته لها فدخلت فرحة واستقرت فوق صورة( ايمي وحكمت) الموضوعة بأطار فضي على الثلاجة المتوقفة , ضمّت جناحيها الى بعضهما وربما قررت ان تغفو بعد ان أحست بالأطمئنان وبتعذر الطيران بسبب الظلمة , اختلطت الوانها لتصبح مساحة صغيرة يبتلعها الليل , قالت أمي , الوحدة هي الأحساس بالضياع وليس كونك بدون صحبة, كنت سعيدة وانا اتمدد تحت اللحاف في ليالي الشتاء الباردة واحلم قبل ان اغمض عيني باستسلام مطلق لحلم اليقظة .

 ربما تحلم الفراشة بحقول ملونة تنشر عطرا وبفجر بنفسجي يمسح الندى العالق بازهار نظرة ويتمدد بتثاقل فوق أسطح البيوت, كنا نجمع الفراشات الرقيقة التي تستشهد بأيدينا برقة وكأنها تستعذب الموت الصبياني ثم نضعها على ورقة بيضاء مثبتة بدبابيس صغيرة وكان معلم الرسم وألأعمال يعلقها على لوحة الأعلانات في الصف ومع رنين الجرس مؤذنا بالفرصة ننساها ونحن نتراكض الى )كانتين( المدرسة أو الى الساحة لنتصارع بعنف مثيرين ضجة وصخبا .

 المذياع صامت وما يذاع عن بغداد شحيح , جرّبت ان التقط الأذاعات المختلفة بالعربية أو بالأنكليزية ولكن ليس غير الصمت الذي يعبرون به بغداد وهم يتناولون العالم , مراسلو الصحف ووكالات الأنباء ممنوعون وحتى القناة الفضائية التي كانت تبشر بالخلافة أغتيل مراسلها وقيد الحادث ضد مجهول, نحن نغرق بسكون حد الهمس المرتجف ولاتعبر ليل بغداد أطياف  المسرّات والسماء تتباعد وكأنها تنأى عنّا  والشياطين الوحيدة التي كانت في كل مكان , قال الشيخ اذا لم تشاهد النجوم وهي ترجم الشياطين التي تحاول ان تعرج الى السماء فهذا دليل قطعي على ان الشياطين مشغولة بالناس و بالأرض وعليك أن تقول , لااله الا الله , ثلاثين مرة .

 ماذا تفعل ايمي ألان ؟ مشغولة بمتابعة بحث ما أم نائمة .

 في دبي يظل مكيف الهواء يعمل طوال الليل وفي بغداد نسي الناس ان آباءهم كانوا يفعلون نفس الشيء !

الشيخ يتفنن في ايجاد المقولات التي تلعن الترف وفي كل مكان الدعوة قائمة للقناعة والرضى , كان يعرف ان هذا ثرثرة فارغة لأن الشيخ لايسمح بأن يتعطل مكيف الهواء الياباني في غرفة نوم زوجته الصغيرة وان أمير المؤمنين الذي لم يره أحد لا يستعمل الا سيارة ليموزين امريكية أما الحماية فهم في سيارات مرسيدس سوداء , قال جاره ,السيارات السوداء تدخل الرهبة في القلوب , قالت ايمي , الشياطين لديكم ذات مواصفات خاصة , عندنا ربما اكثر مكرا ولكنها ليست بنفس القسوة وحتى انهااحيانا تتغاضى ولهذا فهي اكثر استقرارا وتجد اوقات فراغ كافية لتلهو في الحقول , الصحارى لديكم قد تبعث فيها الضيق , ضحكت وتابعت, رغم اني لم اذهب للكنيسة منذ كنت طفلة الا ان تجاربي في انكلترا ودبي والعراق جعلتني اعتقد ان الشياطين في الغرب تكون في اجازة يوم الأحد ولهذا تتصاعد دعوات التسامح والحب وتبدو الناس بشوشة في عيونهم فرح وامل أما في بلادكم فانها تنشط عادة يوم الجمعة ولهذا فان عوامل التفريق تزداد ودعوات الثأر ترتفع بقوة ويصبح من السهل تجنيد الصغار للقيام بأعمال القتل عبر التفجير , غمزت بتخابث , شعرت بشيئ من الأنزعاج وقلت بلهجة لاتخلو من الضيق , تذكري محاكم التفتيش , نحن الآن في مرحلة القرون الوسطى , انتظري حتى نجتازها وسترين ان الشياطين ستغير سلوكها في بلادنا ايضا!

في السماء اختفت النجوم كلية وكان قمر باهتا وحزينا يتعلق وحيدا في الجانب الغربي تتقدمه غلالة مكفهرة من الغبار , غاب القمر مرة واحدة وكأنه ملّ أو انتحر فقد اصطبغت السماء البعيدة في الجانب الذي كان يقف فيه بحمرة قانية , ربما اكلته الحوتة التي كنا ونحن صغار نصرخ ونحن ندق على الصفيح الفارغ ( ياحوته يامنحوتة هدّي قمرنا العالي ) , أمي تقول لقد تكررت علامات السماء , العياذ بالله ثم تصلي ركعتين , اللهم انقذنا من شرور انفسنا , ارتفع أذان متقطع من المساجد في المنطقة , كانت الكهرباء غير منتظمة وبدا الأمر كأنه نواح يستبق المأساة ليعلن عنها !

شعرت ان رأسي ثقيل  وفي عيني يذوب ملح يحرق اجفاني , تمددت على السرير , عادت الوجوه المتسارعة تطل علي بشماتة ربما اغرق الان بظلمات شيطانية فقد كانت العيون تلمع بصلف والأفواه تهذي بكلام غير مفهوم وحرارة تندفع من اعماق الظلمة ربما هي حرارة الدماء المجانية في كل مكان ,  تتجمع في ألأسفل , لم يبق من حلم يمكن ان يمنحني مساحة ولو ضيّقة من أمل الخلاص الا الشمس , هل ستشرق ثانية ؟!

كان طرق يدق في نافوخي وصوت متلهف في نبرته حرقة يصرخ باسمي , تصورت اني مدعو لأجيب مسؤولي التحقيق في ظلام القبر كما قال الشيخ , فتحت عيني على آخرهما برغبة شديدة ان أراهما , كان صوت جاري ملتاعا , ربما فكر اني قد متّ وحيدا !

فتحت الباب

: أين انت يادكتور , العالم يغلي وانت نائم , لقد داخلتني الوساوس,اعوذ بالله , ماذا حصل ؟

: لاشيء ,  لم أستطع النوم الا عند الفجر .

: أمير المؤمنين سيظهر على التلفاز بعد حوالي العشر دقائق , الأمور تتطور بسرعة , لقد عزلت بغداد تماما , فمن حي الدورة جنوبا الى التاجي شمالا القوات المهاجمة تتقدم باحكام

: ولكن علي ان أذهب الى المستشفى !

: لقد أعلن منع صارم للتجوال فخلّي عنك فكرة الخروج ! هل تفضل ان تفطر معي؟


 

الفصل ألسابع

 تأكدوا ايها ألأخوة المجاهدون بأن الله لن يتخلى عنا .

كان أمير المؤمنين يتحدث في التلفاز , ولأنه يظهر لأول مرة فأن ألأمر يبدو بالغ الخطورة كما أن قد  الشوارع خلت من العدد القليل الذي كان قد بقي ممن  يمتلك رغبة في الخروج , والذي لاشك فيه ان الجميع ألآن أمام أجهزة التلفاز يتملكهم فضول يلح عليهم مثل) ألأكلان( الذي تتسبب به لسعة حشرة برية , كانت امي تقول انه للتخلص من هذا ألأكلان لابد من غسل الموضع بماء جار ثلاث مرات مع تكرار البسملة , ولكن الفضول هذه المرة ينتشر في انحاء الجسد كافة حتى ان البعضقدأحس بأن قلبه يخفق اسرع من المعتاد فيما شعر آخرون ببرودة تتسلل الى ارجلهم على الرغم من انقطاع الكهرباء وموجة الحر وتوقف تيارات الهوء , كان الجميع ( وهذا ما أظنه ) مدهوشين وهم يتطلعون الى الحاكم المطلق في دولة الخلافة , كان سافر الوجه ويبدو انه لم يتجاوز ألأربعين بعد وقد يفسر هذا روح المغامرة والحلول القاطعة التي تصدر بأوامر يومية كقوانين لمواجهة المستجدات , في عينيه الواسعتين قسوة صارخة وعلى الرغم من تكراره التمثل بآيات من القرآن الكريم فأن حدة القسوة لم تكن تتأثر وكأنه كان منشغلا بامر آخر بعيد جدا عما يقوله , كان أبي يردد ,أن الخشوع من علامات المؤمن , ولكن أمير المؤمنين لم يكن خاشعا ففي نظراته كمية كبيرة من الحقد , كانت لحيته مشذبة بعناية بحيث بدت شعيراتها السوداء مرصوفة الى بعضها , شاربه الصغير كان منفصلا عن اللحية يقف فوق فمه وكأنه قد ركّبه للتو , شفته العليا الرقيقة والرفيعة والمتجهة قليلا الى الداخل تنبئ عن لؤم وطبيعة غادرة لايقف امامها شيء.

تابع : ان الله الذي نصرنا هو الذي سيحمينا .

 كانت ايمي تقول , الجميع يدعي الأستعانه بالله وكأنه على صلة قرابة به ! انت تعلم ان الله لم ينجب الا ولدا واحدا !
حينما اعترضت قالت ضاحكة,لاتتحمس أنا ايضا يصعب عليّ تصديق هذا ولكني استشهد فقط .

قال جاري , هل أنت معي في انّا تعبنا !

 قال أمير المؤمنين , لقد استمتع العراقيون طيلة المدة المنصرمة بأمان واستقرار وعلى الجميع ان يشكر الله على هذه النعمة وان يعمل على نصر الخلافة والأسراع بحمل السلاح مع المجاهدين لأن الدولة مهددة من اعدائها من الكفرة والمرتدين الذين يسعون الى اعادة الفوضى والعودة ثانية الى عمليات السطو على اموال المسلمين والسير بركاب الصليبيين ... الذين آمنوايقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا اولياء الشيطان  ان كيد الشيطان كان ضعيفا .

لم يعلق جاري , ناولني قدح الشاي وهو صامت , كان قد نزع اللثام عن وجهه , انفه الدقيق أكلت (حبة بغداد ) جزءا من أرنبته اليسرى , قالت زوجته التي كانت تقرأ في كتاب لم يظهر عنوانه اذ كان مغلفا بعناية بقطعة من الورق الأسمر , هراء! التاريخ لايبنى على هذا النحو , قال زوجها لو ندع التاريخ في راحة فقد تعب من حماقاتنا ومن هذا الغباء المستشري كسرطان متسارع .

 بضع طلقات مرقت في كثافة الصمت ثم ماتت هي الأخرى بهدوء مثير للقلق , كانت ايمي تنقطع الى المختبر او الى جهاز الكومبيوتر حينما يصبح اي تعليق لايتفق والسياق المثير للأحداث ,  وحينما يقول المعلق وهو يقدم ضيفه : المحلل الأستراتيجي والمختص بشؤون الجماعات الأرهابية ,تعترض ايمي ,  أرجو ان تغير المحطة فسيرقصون على موسيقى من موجات الأربعينات من القرن الماضي!

 قال جاري , لقد انقلب كل شيء رأسا على عقب , أنت لن تذهب الى المحمودية ولن تهرب الى انكلترا وانا لن اخرج الى شارع المتنبئ ولن اتابع القراءة , تصور انها المتعة الوحيدة لي في الحياة الآن !على الرغم من ان الكتب التي افضلها نادرة واقتناؤها يحمل الكثيرمن المخاطرة .

لم اكن قد تحدثـت مع جاري بألأمور الشخصية فقد كانت تأخذنا دوامة الأحاديث التي يفرضها زمن تفكك الوعي وثقافة اللثام والبندقية ورائحة الدم

: كنت تستمع الى مقاطع من باليه لشوبان , هل افهم انك تركت الموسيقى ؟

: لا , هل تعتقد ان الزمن يسمح بالموسيقى , كنت ومنذ دراستي الأبتدائية بمدرسة راهبات الوردية من المتفوقين بالعزف على البيانو , كان لدينا واحدا اشتراه ابي من مزاد علني في الأعظمية , في 1960 , كان الجهاز بخشبه المهاكوني يبعث في نفسي نشوة , لم تتوفر لي الفرصة لدراسة الموسيقى فقد انهيت الدراسة في كلية القانون وفي عام 1993 عينت نائبا للمدعي العام في محكمة العزيزية , هناك العمل محدود والمدينة قرية كبيرة ولايوجد غير ناد الموظفين حيث تقدم البيرة المدفونة في كميات كبير من الثلج والتي لاأميل اليها كثيرا , عدت للتفكير بالموسيقى , انتسبت الى اكاديمية الفنون الجميلة ببغداد , هكذا فانا احمل شهادتين في القانون ! واحدة في القانون النهاري والثانية في القانون الليلي !

اضحك للتورية الطريفة , قالت زوجته : لقد كان يملأ البيت ضجة بحجة التحضير للأمتحانات وكنت اجد ذلك عبثا صبيانيا , لماذا لم يواصل دراسته في القانون ؟!

قال مازحا : لأن دولة الخلافة الغت القانون , واعدك بأني سأواصل الدراسة فمازلت شابا !ولكن لاتنسي بأن الموسيقى هي التي علمتني كيف أحبك !

تورّدت وجنتاها وانبعث من عينيها بريق مشع ببهجة طارئة وقالت

 : سأعد لكما القهوة

الشمس هي الوحيدة التي ترحل ليلا لتعاود التسلق منذ الصباح الباكر على اسطح المنازل , تقفز الى اعلى مثل ضفدع يطارد زميلته على امتداد نهر ضحل أما المجاهدون فهم في أماكنهم عند تقاطع الطرق وفوق اسطح المنازل التى تركها شاغلوها وعلى امتداد الشوارع الواسعة والخالية من السيارات والتي تخترق المدينة تتشهى اقدام الصبيان وهم يعودون من المدارس يغمرهم فرح نزق أو اقدام عاشقين يمسونها برفق وهما يتناجيان يضج همسهمابنسيم المشاعر الرقيقة .

خرج الى الزقاق الذي بدأ يستحم بشمس أيلول الرخية

قال رجل خرج من داره : صباح الخير دكتور

انه اذا شخص معروف , لايعرف الرجل الذي بادره بتحية  والذي حمّل صوته لهجة احترام عميق

: صباح الخير

لاحظ ان الرجل لايضع لثاما , بدا ألأمر مستغربا , قالت امرأة تقف عند الباب

: لاتنسى الزيت !

كانت حاسرة الرأس , ماذا يحدث ! كان الجميع متواطئين على قبول كل الحماقات التي تمارسها سطوة أمير المؤمنين كرر

 : ماذا يحدث؟! .

 تذكر سليمان الخزاعي , لماذا يصر العراقيون على الموت في الزمن الغلط

عاد الى البيت , ادار مؤشر المذياع نحو البي بي سي , قال المذيع في موجز قصير

: الأوضاع في بغداد قد تنذر باحداث مأساوية بعد ان حوصرت من كافة الجوانب والقوات المهاجمة لاتواجه مقاومة عنيفة , الأشكالية ذاتها التي لايجد تفسيرا لها , سقوط ألأنظمة بسرعة اقرب الى التهافت , النظام الملكي , جمهورية عبد الكريم قاسم , سقوط البعثيين عام 63 ثم سقوطهم المدوي عام 2003 , ثم سقوط جموهورية الديمقراطية المروع مع انسحاب آخر دبابة اجنبية, واليوم الخلافة التي احتلت بغداد بمظاهر مسلحة بدا انها لن تقهر , تتآكل ببطئ  وتذوب جماهيرها التي كانت تحتل الشوارع وتفرض فوهات بنادقها احكام الوشاح على بغداد لتتحجب ولتودع كل الرؤى التي كانت تراودها لتعود الى زمن الزهو وعنفوان المعرفة وصراع ألأفكار والنظريات , زمن الجاحظ وأبي نؤاس , والمعتزلة ومدارس اللغة والفقه , لماذا تتماثل النهايات ولايجد الحاكم من يدافع عنه ولو لبضعة أيام ؟! حارب العرب بعضهم اربعين سنة من اجل سباق خيل !

قال مذيع (بغداد الحرة ) ان قواتنا تتقدم من الجنوب وهي الآن على مشارف الجادرية , كما افادنا مراسلنا من الجبهة الشمالية ان قواتنا قد عبرت نهر دجلة عند الأسحاقي , ونحن بانتظار آخر ألأخبار عن الجبهة الغربية

بدأ اطلاق نار متقطع تلاه عدة انفجارات مدوية

قال مذيع الخلافة الأسلامية محذرا من الأستماع الى اذاعة ألأعداء ومؤكدا ان الأخوة المجاهدين يتصدون بكل بسالة لمحاولات التحرش بحدودنا ويكبدون العدو الغادر خسائر كبيرة

ثانية خرجت الى الزقاق , بضعة اطفال يلعبون ويتعالى ضجيجهم  , أشم رائحة الحياة تنتشر في الفضاء وتعرش فوق اسطح المنازل , بدت الوجوه التي تتطلع عبر الشبابيك أو عند ألأبواب انسانية في مظهرها , ألآن ارى الوجوه بكامل ملامحها يسود عليها انطباع الترقب المتفائل ولكن الحذر , المجاهدون الذين يعبرون الزقاق كانوا مهموين ولكن نظراتهم تعبر عن لامبالاة وكأنهم غير معنيين بما سيقع , شعرت ان تناقضا حادا يبدو في حالة نادرة من التوافق وليس من السهل ايجاد التفسير الملائم بالنسبة لي على الأقل وربما ألأمر يحتاج الى عالم اجتماع على دراية عالية ليس بنمو وتشابك العلاقات الأجتماعية في زمن ما وانما بمظاهرها المتشابهة عبر حركة التاريخ , كان قد حصل الأمر على ذات النسق , الدولة المتسلطة والتي كانت تتحكم بكل شيء حتى ليظن انها لايمكن ان تسقط الا بزلزال مدو , سقطت خلال ايام وبصمت , تلاشى الجيش وكل الأجهزة التي بنتها الدولة عبر سنوات طويلة , وذابت كميات السلاح الهائلة ولم يدافع احد عن القيادة التي كان مصيرها مأساويا ! واليوم اين هي القيادة ؟ اين أمير المؤمنين ؟ هل اختفى الجميع  كأشباح شياطين تلاحقها لعنة ابدية !

لم يعترض المجاهدون على عمليات( فكّ ) اللثام , نظروا الى الرجال بوجوههم التي بدأت مسامها تتفتح للنور وللهواء وهزوا رؤوسهم بصمت حزين , كل شيء كان محرما ولكن (التحليل) لم يأت عبر فتوى, كان تلقائيا وعفويا , بعض الرجال ظلوا يربطون اللثام لأن الخوف يلصق بالقلوب الضعيفة كالعليق !

قال جاري : مالايبنى بالأقتناع فألى زوال

كنت مشغولا بالتفكير , هل ستعود بغداد كما عرفتها وانا طالب في كلية الطب , كان ذلك في عام 1989 , عاد الأمل يطفو فوق ضفاف دجلة وبدأت الحياة تتفتح من جديد , قريب لي كان قد استقال من عمله في منشأة حكومية ليعمل على تأسيس مصنع صغير لأنتاج عدد ولوحة مفاتيح كهربائية , كان يحلم , يضع على الورق مسارا ناجحا لنمو المصنع وآفاق العمل الذي ينتظره وكان يحب ايضا ! .

 حين نتلاقي مساء في كازينو على دجلة كان يتطلع الى المياه المنسابة برقة ويكتسب صوته شاعرية رقيقة وتنحو كلماته ان تكون عطرا رقيقا ينتشر موحيا بعذوبة مدهشة , قلت له اذا كان الحب يحول المهندس الى شاعر فماذا سيفعله بالطبيب ؟ يضحك ويقول أبو نؤاس! فاعترض , يرد انت سألت , اذا كنت تعتقد بغير ذلك فأنشدنا ثلاث ابيات غزلية , ياضفاف النيل بالله ويا خضر الروابي , هل رأيتنّ على النهر فتى غضّ ألأهاب , أسمر الجبهة كالخمرة في النور المذاب .

 يضحك بصوت ضاج بالمرح ويقول لن تتخلص من أبي نؤاس ؟

بعد حرب الخليج الثانية عادت الكويت الى اهلها ولكنه لم يعد يطوي جوانحه على حلمه الصغير ورحل عنا ولهذا لم اشعر بالشوق الى ابي نؤاس وانا أعود ثم اكتشفت ان ابانؤاس رحل هو ألآخر بعد سقوط النظام وقرر الا يعود الى بغداد بعد ان تم اجبار( الأنثى) دجلة على ارتداء الحجاب

قال جاري : هل ترافقني الى الشارع العام ؟

قلت : ألا ترى ان الأمر لايخلو من خطورة؟

لازال الضحى يقف مترددا وهو يشهد الشمس تصعد حادة وبضع غيمات بيضاء تحاول ان تعيقها فيما نسيم لطيف يمر عبر الزقاق فتنتشر رائحة عطرة من شجيرات الورد المنتشرة بامتداد أسيجة البيوت وكأنها من عصر آخر مايزال يحتفظ برائحته الخاصة ليغطي رائحة الدم والخراب .

بدا لي الوضع كله غير مفهوم والتغير الذي يحصل سريعا ويحمل تحديا يناقض كل مظاهر الأستسلام والتخاذل التي كانت ترتسم في العيون التي كنت اراها في الطريق أو في الباصأ  وفي المستشفى .

 كلمة واحدة تحمل التحدي ربما قيلت في مكان منعزل (لا) قالها شخص ما مات الخوف في قلبه تحت ركام الذل والأضطهاد والتهميش وملّ التسكع على ارصفة منسية تحت مظلة القسوة المفرطة , رددها شخص آخر ثم اتسعت الدائرة تماما كدوائر الماء في دجلة حينما كنا نرمي فيها الحصى ونحن نتسابق , من يتمكن من صنع دوائر أكبر؟.

المقهى على الناصية يتجمع فيه رجال لاأعرفهم وعلى كرسي عند الباب جلس احد المجاهدين واضعا بندقيته في حظنه وأمامه قدح الشاي لم يشرب منه شيئا فيما لم يعره الجالسون اي اهتمام , كان الجميع قد تخلوا عن اللثام وبدا المجاهد عند الباب كأنه شخص يحاول ان يتخفى , التلفاز يعرض فيلما مصريا قديما والرواد صامتون.

قال جاري : الفيلم مسجل على شريط فيديو

لم اعلق , كنت افكر بالمشهد الذي أراه وأحاول ان أجد تفسيرا منطقيا لمايجري وللتحول في مواقف الناس , انه اشبه بحكاية من مخيلة مجنونة ولكنها قادرة على الفعل , الناس الذين كانوا يخشون البوح بكلمة قد تفسر بما لايتفق وتوجهات النظام يعلنون اليوم رفضهم للنظام كله هكذا دونما مقدمات !

فجأة ارتفع صوت التكبير من المساجد كلها, كان ذلك يحدث عند الرغبة باعلان النفير أو ألأستعداد لمواجهة العدو , فسر لي جاري ذلك وكنا مانزال بعد لم يأتنا طلب الشاي  .

بحركة لاارادية اعاد بعض الجالسين اللثام واغلق صاحب المقهى جهاز الفيديو وفتح المذياع على اذاعة الخلافة الأسلامية , من بعيد بدأنا نسمع اصوات انفجارات متتابعة ومن ثم انهمر سيل من الرصاص من اسطح المنازل ومن منعطفات الشوارع.

اختفت الشمس , كانت غيمة بيضاء كبيرة تتمدد في السماء التي تراجعت متباعدة واصبح الفضاء لانهائيا و يوحي بالفراغ الذي يسكنه خواء موحش , صمت كل شيء وكأن العالم يلتقط انفاسه بانتظار ان ترمي المجرات البعيدة والغامضة هي الأخرى بعصاها السحرية , دخل  رجل بلا كوفية شعر رأسه يقف كأنه مبعوث الشيطان الى بغداد , كان يرتدي ثوبا طويلا لونه كلون الكحل ويرفع ذراعيه .

صرخ بصوت مجنون : لقد سرقوا الشمس والصحراء تعبر دجلة والبحر سيغلي , انه الطوفان الذي يقاتل الصحراء وانتم هنا متحجرون تمضغون التفاهة.

قال جاري : الرجل مجنون !

قال المجاهد الجالس عند الباب : لا , انه جاسوس !

صوب بندقيته للرجل الذي وقف ينتظر وقد اتسعت حدقتا عينيه على وجه بالغ الغرابة وبدا كأن به مس من الجن , لم يكن خائفا ولكن غضب جامح قلّص عضلات وجهه  , في الخارج كان وجوما ثقيلا يسيطر على الكون ولم تكن تسمع اية حركة تنبئ بان الحياة لازالت في تفاعلها العملي بأشكاله المتباينة,في المقهى ساد صمت ثقيل , شعرت ان امرا جللا غير عادي سيقع واننا ننحدر الى اعماق هاوية سحيقة مسكونة بالجن والشياطين , كان جاري يحدق مأخوذا وفي وسط المقهى توقف الصبي الذي يوزع الشاي مشلولا وهو يفتح فمه ببلاهة .

انطلقت ثلاث رصاصات بتتابع سريع من البندقية المصوبة نحو الرجل وشهق الجميع ولكن الرجل تلاشى , تجمدت يد المجاهد وصعق الحضور, مرت لحظات وكأنناّ نتعرض لعملية خداع بصري .

قال رجل : أعوذ بكلمات الله التامّات من فتن الليل والنهار ومن شر كل طارق .

صاح من آخر المقهى شخص وهو يرفع يديه : لنصلي جميعا ركعتين , قال الرجل الذي تلا الدعاء وهو يمسح على لحيته .

:  لن استطيع !

قال جاري بصوت مسموع : هل الشيخ على جنابة؟ !

ضج المقهى بضحكات قطعت تتابع المأساة .

 في الخارج بدأت غيوم كثيفة داكنة تنشر عتمة موحشة تتقدمها موجة حر  , ران صمت عميق وظل صوت النار في الموقد هو الوحيد الذي يسمع صفيرا خافتا وكأنه نذير شؤم للحظات انهيار الأزمنه وتوقف التاريخ على حافة التداعي الذي يصنعه الأصرار على الأحتكام الى ماوراء الزمن لأنعدام الرؤية

قال جاري : لنعد الى البيت

لم أعلق على طلبه ولكني نهضت متجها نحو الباب , هبت ريح جافة تنفخ في الوجوه حرارة كأنها لفح الشيطان , ازداد ضغط الصمت حتى بدا كأنه سينفجر في أية لحظة اعصارا يكتسح كل مظاهر الوجود , خلت الأزقة من الأطفال وبدت المدينة كأن أهلها قد هجروها وان اشباحا تتربص عند المنعطفات .

ودعت جاري عند باب البيت ودخلت , كانت الفراشة التي تركتها في فضاء المطبخ تدور وتصطدم بزجاج الشباك وتكرر المحاولة وكأنها مجنونة بالرغبة في الخروج , حينما شعرت بوجودي هدأت بعض الشيء ثم أخذت ترف بجناحيها حولي , كانت تدعوني ان افتح لها الباب , فتحت الشباك فخرجت مسرعة الى الحديقة ولكن عصفورا خائف كان يختبئ في شجيرة البرتقال انقض عليها , الجوع يقتل الخوف , فكرت بذلك وانا اصعد الى غرفة النوم .

الطقس يبعث على الضيق وممايزيد الأمر سوءا توقف التيار الكهربائي الشحيح كلية عن العمل فلا ماء يمكن ان يساعد على قتل العطش ولا مروحة يمكن ان تحرك الهواء الراكد ولا نور يساعد على تبديد الظلمة التي تتكاثف في الغرفة فتضغط مسببة شعورا بالوحشة التي تتراقص في ظلالها شياطين مصابة بالجنون تملأ المكان بفحيح صامت يسد منافذ التنفس.

توقفت عند باب جاري سيارة , من يغامر بالخروج ! ربما هو قريبه الضابط في قوات المجاهدين , ماذا لديه ؟ لابد انه يعرف الكثير وهو دائما على استعداد لأن يتحدث , لم افكر انه ثرثار ولكني فسرت رغبته تلك بحالة الصمت والخوف التي يعيشها ولهذا فهو ما ان يجد شخصا يثق به فأنه يفضفض في الحديث , انها رغبة النسوة نفسها  من ربات البيوت اللائي يتحدثن بكل شيء , هروبا من الجو الخانق في الغرفة نزلت الى الحديقة , على المتبقي من طبقة (الثيل ) الذي كنت حريصا على ان ارشه بالماء كل صباح , كمية من التمر الناضج ربما أجبرته موجة الحر على التساقط , بدأت اجمع التمر بسلة ممتلئة بثقوب تسمح للماء بالترشح عند غسل التمر , كنت دائما اعشق التمر وأيمي تعرف هذا وكانت تحرص على ان تضع على المائدة صحنا من الكرستال مليئا بالتمر , كان هذا في ايام العطل الأسبوعية حيث نتواجد سوية لتناول الطعام , حكمت ينظر الى التمر الذي كان بلون العقيق ويرفع حباته لينظر اليها مليا ثم يتناولها بلذة , تقول ايمي معلقة , كما يكون الأب يكون الأبن !

صوت جاري يناديني من السياج المشترك , عدت الى المطبخ لأرتدي قميصا قطنيا وأتحول نحوه , كان قريبه مهموما وبدا كأنه قد شاخ , هو مرهق ولحيته تتخللها شعيرات بيضاء وفي عينيه همّ ينوء به , هل مل ّ أن يكون الشريك في هذه المتاهة التي لا تملك حتى مخيلة مجنونة ان تضع نهاية لها , اية نهاية فقط توقف استمرارها على هذا النحو .

قال : دكتور , لقد شغلني امرك كثيرا

صمت وهو يتطلع نحوي بتعاطف ولكن بدا لي مترددا وشعرت انه يعاني من حالة يأس ممض

قال جاري : ارجو ان تستمع جيدا ولا تقاطعه ,لقد بحثنا ألأمر من كل الوجوه .

قال القريب : تعرف ان الوضع بالغ التعقيد ونحن نتوقع اجتياحا باية لحظة لآخر مواقعنا ولا اتحدث بسر ان قلت اننا لن نتمكن من ايقافهم ولكن ماسيقع سيكون كارثيا بكل المقاييس , ربما ستمحى احياء كاملة, فكرت بك فأنت على درجة عالية من الشعور الأنساني كما ان قريبي حدثني عنك كثيرا وفكرت انه من المؤسف ان تضيع مثل كفاءتك الطبية والعلمية هباء ولهذا فاني مع معرفتي بحجم المسؤولية التي اتحملها , أعرض عليك ان انقلك الى الجانب الآخر , وهناك يمكن ان تتدبر نفسك !

كان العرض مفاجئا ومغريا ولكني استغربت ان يقدمه بهذه البساطة

قلت : لايسعني الا أن اشكرك , ماافكر به ربما يختلف , فمن المفروض اني طبيب وان مما يضاعف مسؤوليتي احتمال ارتفاع حالات ألأصابة هنا وبالمناسبة انا انظر الى الموجودين في نطاق الحصار على انهم عراقيون بغض النظر عما اذا كانوا معكم ام لا , من الناحية الثانية وعلى الرغم من عدم اهتمامي بالسياسة فاني اختلف مع استنتاجاتك , لن يتم الأجتياح وسيجري التفاوض على الأستسلام بهدف الحفاظ على الحد الأدنى من فعالية تنظيمات المجاهدين و أعتقد ان هذا هو جوهر ماتسعى اليه الدبلوماسية البريطانية التي استطاعت ان تقنع الأمريكيين به

: ولكن لماذا ؟

: من التحليلات التي سمعتها فان من المصلحة تحقيق شيء من التوازن في جهة اندفاع الجبهة العراقية بعد الأستيلاء على الحكم والتأكد في نهاية المطاف انه يمكن خلق مشاكل جدية امام الحكام الجدد مع التلخص من التوجه السلفي.

: ماتقوله بالغ الخطورة

: شجعني ماعرضته علي !

: اذا انت تفضل البقاء ؟!

: نعم ولكن مايشغلني هو تعذر الأتصال بزوجتي فأنا متلهف لأطمأنها على وضعي على الأقل

: يمكنك ذلك !

بدأت نظراته اكثر حيوية

قالت زوجة  جاري : لن نهرب من القدر , الله يعطي الناس على قدر نيتهم

شعرت باحباط وخشيت ان يأخذنا الحديث الى مناطق بعيدة وافقد ألأمل الذي لاح لي كلون البنفسج في غبش الفجر يمكن ان يهتدي به التائه في الصحراء

قلت : ونعم بالله

التفتّ الى الضيف

: كيف يمكنني ذلك؟

ربما بدت اللهفة على وجهي او قد يكون صوتي الذي حمل الجملة ألأخيرة  وانا اتوجه نحو الضيف  قد حمل شحنة من الحنان والشجن

: الهاتف النقال يعمل بتوسط القمر الصناعي

اخرج الهاتف من حزامه الجلدي

: يمكنك ان تتصل بالأخت زوجتك.

كانت ايمي في البيت , وكان حكمت على الكومبيوتر يتابع لعبة الكترونية  , قالت ايمي , ربما يكون العمل اليومي المرهق الذي اغرق نفسي به نهارا وانشغالي بحكمت مساء هما السبب في اني لم اصب بالجنون حتى اليوم , تحدثت طويلا عن حكمت وحماقاته الطفولية ومدرسته واصدقاءه , أدرك انها لاترغب بالحديث عن نفسها , قالت انها تشتاقه وانها ستظل تنتظر , وأخيرا قالت : أعتقد ان أملا يتقدم نحو بغداد ! فقط حافظ على نفسك فالمسألة في جوهرها الآن هي مسألة وقت !

كانت بعض التحليلات في ألأذاعة البريطانية تشير الى ذلك , بعض المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط كانوا يلمحون الى أن المفاوضات قطعت شوطا بعيدا وان هناك املا بأن يجري انسحاب المجاهدين وتسليم بغداد للجبهة العراقية وعلى ان يتزامن ذلك مع اعلان عفو عام واعتبار حركة المجاهدين شريكا في العملية السياسية , تعود اللعبة الى نقطة البداية وتذهب التضحيات الى مستودع التاريخ , وتناقض المصالح اقوى من طائر الأمل الذي يحاول ان يعبر النهرين ومن ثم يتجه جنوبا الى الخليج  .

قال الضيف : أرجو ان تكون قد ارتحت بعض الشيء بالحديث مع زوجتك ؟!

قالت زوجة جاري:  ليس غير العائلة مايخلق الطمأنينة !

 كان وجهها ينضح طيبه صافية , بشرتها بيضاء بلون الحليب وعيناها بلون البندق الناضج , كان شعرها مايزال يحتفظ بحيويته , ترتسم على فمها ابتسامة ودودة كأنها تقول يمكنك ان تطمئن فأنت بين اصدقاء حقيقيين , على الرغم من اني رأيتها مرات عديدة وتحدثت معها , وقمت بفحصها كطبيب بدقة,  الا أني كنت أتعامل معها كمريضة ولكني الآن أراها كجارة وكأنسانة , تبدو رقيقة وتحمل صفاءا نادرا كملاك حط ّفي المكان الخطأ ,أعني في هذا الجو المفعم برائحة الخراب والدم وفي هذه الأيام التي تشهد نهاية العالم , أما جاري فقد كان انسانا من لحم ودم , انسان حقيقي بكل مايحمله من تناقضات البيئة العراقية , أما الضيف فقد كان على الرغم من  ميله للثرثرة, كحلم يحمل تدافعا من الصور والمشاهد السريعه وعادة مثل هذه الأحلام لانتذكرها صباحا على الرغم مما قد تحمله لنا من بهجة تظل في اعماق سرائرنا ونحن نصحوا , لم احدث أيمي باكتشافي هذا وان كنت اعلم انها ستكون مسرورة لأني وجدت صحبة نادرة .

قال الضيف وهو يشد على يدي ليخرج : دكتور , قد لانلتقي ,من يعرف , ولكن لابد لي من القول انك قد استطعت ان تهز قناعاتي حتى وانت لم تتحدث في السياسة او في منطلقات نظرية , لقد قدمت لي نموذجا عمليا عن سلوك ألآخر الذي امتلأت قناعاتنا بانه فائض عن الحاجة وانه لابد من استئصاله لتصلح الحياة , يجب ان اعترف باني تعرضت قبل ايام الى هزة اخرى , كان الرجل الذي علي أن اجهز عليه من جنود الجبهة العراقية , نظر في عيني مباشرة وقال , صدقني أنا اشفق عليك , انت رجل اعطبوك من الداخل وكل ماأتمناه ان تلحق نفسك قبل فوات الأوان , لم يكن في نظراته وهو يموت اي حقد , في الليل لم استطع النوم , كنت اتمنى لو انه بكى أو شتمني , لم يكن يستعرض قوته امام الموت , كان يشفق علي , لقد عذبني ذلك وأنت اليوم تكمل موجة الأضطراب التي تتملكني

: وداعا

عيناه كانتا غائمتان وفي الخارج ونحن نودعه سقطت بضع قطرات من المطر وكأنها تختبر الأرض التي يلفها غبار ناعم وظلمة , كان طعمها مالحا ولونها عكرا ورائحتها مزيج من رائحة التراب المرشوش بالماء و الدخان المنبعث من رماد العشب المحترق

دخلت البيت , كان الطيران على طاولة المطبخ , نظرا نحوي بشوق ومدا رقبتيهما فيما فرحة تطل من عيونهما , خلفهما كان طير صغيرا يصدر صوتا حنونا ويحاول ان يتقدم .

 بدأ المطر يحدث ضوضاء صاخبة وهو يضرب اوراق الأشجار ويرتطم بأسطح المنازل , السماء تغسل ادران الأرض , كان لجّا يغرق الكون ولكن الأرض العطشى والغارقة بتلافيف المأساة كانت تشرب الماء وكأنها في شك بأنها سترتوي

قفز الطير الصغير الى كتفي فشعرت بدفئ الفة يتسلل الى مشاعري , وضعته على الطاولة ثم جئته باناء الماء وببعض المتبقي من طعام , قفز ألأبوان وهما يرفان باجنحتهما ببهجة , دارا حول الصغير اولا ثم بدءا بتناول الطعام , تركت الطيور لأخلد للنوم فغدا لابد من الذهاب الى المستشفى.... 

 

*******

رواية (حديث في الممكن)

الفصل الاول - الطيور...؟!
 الفصل الثاني

 الفصل الثالث

الفصل الرابع و الخامس
الفصل السادس و السابع
 مشاركاته في النخلة والجيران