|
|
|
عصام حسين
في السنوات الاخيرة وبعد ان بداء الفنان العراقي المسرحي في دول الغربة والاغتراب يهتدي الى طريقة الابداعي ليمارس ما جبل عليه في الوطن ، ليتحسس وجوده الفني مرة اخرى وليكون على تماس وتواصل مع المسرح بكل تجلياته، اخذ ينتج المسرحيات ويقدمها تارة الى جمهور الجالية العراقية ـ وفي هذه الحالة تكون باللغة العربية ـ ومرة بلغات اخرى كل حسب مكان تواجده فشهد المسرح العراقي المغترب تجارب مسرحية عديدة تنوعت فيها اللغة ، المضمون ومعطيات المنجز المسرحي , فقد اكتفى بعض المخرجين بتقديم مسرحيات ذات اطر وملامح عراقية او عربية الى جمهور الجالية العراقية ، وغالبا ما تكون هذه العروض بسيطة بمواصفاتها بسبب المصاعب التي يواجهها الانتاج المسرحي في دول المهجر وقد لايتعدى مشاهديها في بعض الاحيان العشرين متفرج وهذا لايعني ، ومن الجانب القيمي للعرض المسرحي، بعدم جودة العرض المسرحي بل لندرة المشاهد وقلة حضورة لمثل هذه النشاطات، ففي معظم الاحيان يكون الجمهور من ذوي العلاقة بالمسرح او الفنون الاخرى . وليس ثمة اشكالية في ما لو استخدم منتج العرض المسرحي المورث المحلي العراقي في العرض المسرحي اذا كان المتفرج ينحدر من نفس البيئة التي انطلق منها العرض، فستكون في هذه الحالة كل علامات العرض المسرحي مفتوحة وغير مستعصية على المتلقي في تفكيكها واحالتها الى منشئها وبالتالي استيعابها وفق قراء تطابقية بين الانحدار البيئي/ المكاني للمتلقي وبين الامتداد الطبيعي للعلامة وتجذرها في تلك البيئة. فاستعارة بعض ملامح التعزية الحسينة وتوضيفها في العرض المسرحي سيكون سهل الادراك لمتلقي ينحدر من بيئة عراقية وهذا ينسحب ايضا على توضيفات اخرى ذات صلة بالتراث والمورث المحلي العراقي كلاغاني العراقية القديمة والازياء البغدادية والسوق الشعبي والمقهى والى اخرة من مفردات ذات ملاامح عراقية . غير ان هناك بعض المخرجين العراقيين من حاول اقحام الموروث المحلي العراقي في عروضهم التي قدموها بلغات غير العربية والى جمهور غير عراقي مما اثار تسائل مهم هو لماذ يتم توضيف البيئة المحلية في عرض لاينتمي لتلك البيئة ولاينطلق منها ؟ وهل هناك هدف معين من وراء ذلك ؟ وكيف سيتقبل المتلقي تلك العلامات ذات الطابع المحلي لبيئة غير بيئتة ؟ وقبل الشروع في الاجاب على هذه الاسئلة اسوق هذا المثال لكي نتعرف على الاشكالية التي حدثت في تلك العروض . يقوم المخرج بعد مرور النصف الاول لعرضة المسرحي بتوزيع السجائر والشاي على المتفرجين لينقل طقوس العزاء العراقي (الفاتحة) في مسرحية التي تعرض في بلد اوربي وامام متفرجين اوربيين ويتوقف العرض قليلا حتى يتم شرب الشاي والسجائر من قبل المتفرجين . ويقوم مخرج اخر باستحظار اغاني فيروز والاذان ورقصة الجوبي في عرض مسرحي لمتفرج اوربي، واخر ياتي بالتنور واشياء اخرى لمتفرج قد لايستطيع ادراك المعنى المنشود من وراء ذلك ، فهل استطاع المتفرج الاوربي قراءة طقوس التعزية العراقية كما ارد لها المخرج ان تكون ام تعامل معها على انها استراحة قصير ـ وهذا معمول به في المسرح الاوربي فغالبا ما تكون هناك استراحة بين الفصول المسرحية يحتسي خلالها المتفرج الشراب او القهوة ـ. وهل ادرك المتفرج اغنية فيروز او حضيري ابو عزيز التي يغنيها الممثل وهل ادرك تأثيرها في المشهد من اجل شحنه عاطفيا . هنا لابد ان اعرج على موضوع العلامة المسرحية وكيفيت قرائتها من قبل المتلقي لكي ندرك ابعاد توضيف المورث المحلي في العرض المسرحي في بيئة غير بيئتة. فالعلامة في العرض المسرحي لها امتدادات تاريخية واجتماعية وفكرية في البيئة التي ينحدر منها المتفرج وهنا لااخص العلامات ذات الصلة بالموروث العالمي بل بالبيئة المحلية للعلامة فوجود متفرج عراقي في عرض مسرحي ياباني الكابوكي مثلا سيكون غير مجدي بالنسبة له احالة العلامة الى بيئتها المحلية حتى يتسنى له قرائتها وتئويلها وذلك لعدم تمكنه اوعدم انحداره من نفس بيئة العلامة ـ وهذا ماله علاقة بخبرات المتلقي التي تتكون نتيجة نشأته في بيئة معينه ـ و التي يسقطها على العلامة من اجل ادراكها فبالتالي تصاب انساق التلقي بين المتفرج والعلامة بالعطل فيلجاء المتفرج الى التعاطي مع العرض المسرحي من الناحية الجمالية فقط وهذه مغامرة بحد ذاتها قد ينجح المتلقي معها في استيعاب العرض المسرحي جماليا او لاينجح لان هذا يعتمد على مزاج المتفرج وادراكه البصري . تنشاء العلامة في محيطهاالمحلي وتنتعش من خلال تداولها اجتماعيا لتصبح جز مهم من مفردات تكوين البيئة الاجتماعية ويبقى عملها منحصرا داخل اطار تلك البيئة بغض النظر عن عمرها التاريخي وقيمتها الفكرية التي تعتمد في تشكيلها على المجال التي تستخدم فيه العلامة وتبقى العلامة محافظة على مدلولها الاحادي الجانب والغير قابل للتأويل ضمن اطارها الواقعي المحلي ، وعند تصدير العلامة الى خشبة المسرحية ـ بمعنى اخر استعارة العلامة وتوضيفها ضمن سياقات العرض المسرحي ـ تكتسب العلامة طاقة تعبيرية جديدة ضمن الفضاء المتاح لها عبر خشبة المسرح وتمتلك قدرة تولدية لمعان جديدة تفرضها عليها سياقات العرض المسرحي تشترك في تفعيلها واستنطاقها كل عناصر العرض المسرحي من اجل بثها وتوصيلها وفق انساق بصرية وسمعية الى وعي المتلقي . تتم قراءة وتأويل العلامة عند المتلقي وفق الية ذهنية تعتمد على استلام العلامة وتفكيكها واحالتها الى منشئها الاصلي وصولا الى انتاج المعنى وقد يحدث ان تحافظ العلامة على معناها الاصلي ضمن اطارها الواقعي فلا يبذل المتلقي جهدا كبير في ادراكها اذ انها في هذه الحالة غير قابلة للتاويل . وغالبا ماتكون العلامة في المسرح ذات طلبع توليدي اي تتجاوز معناها المحلي المحدد في اطار معين لتكتسب معاني جديدة يقترحها العرض المسرحي على المتلقي ليبداء المتلقي في انتاج المعاني الجديدة وفق ما يمتلكه من خبرات حياتية وقدرة تخيلية في مختبره العقلي. تتكون الخبرات عند المتلقي من خلال استيعابة للتجارب الحياتية التي تبداء من لحظة ادراكة لعالمه الذي يتعامل معه ومن معطيات البيئة التي ينحدر منها ، وكل ما يتعامل معه المتلقي في حياته اليومية يعد تجربة تضاف الى خزين الخبرات التي يمتلكها لتشكل التراكم الخبروي لديه الذي يستفيد منه في قراءة العلامات. وبالتاكيد ان المتلقي هو المسئول الاول عن تطوير تلك الخبرات من خلال تطوير قابلياته الذاتية وادراكاته الحسية . وتلعب البيئة دور كبير في تشكيل الخبرة عند المتلقي خاصة اذا كانت البيئة متنوعة وشاملة لاغلب مفردات الحياة ، فمتلقي ينحدر من بيئة ريفية قد يجد صعوبة في تحليل علامات مسرحية رمزية ، في حين قد تكون نفس المسرحية سهلة القراءة لمتلقي ينحدر من بيئة مدنية . وقد يحدث ان تكون صعبة الفهم عند الاثنين ، بسبب ما يمتلكة العرض المسرحي من خبرات تفوق خبرات المتلقي. علاقة المتلقي بالعرض المسرحي هي علاقة صدام خبروي بين مايمتلكة العرض المسرحي من خبرات وبين خبرات المتلقي ومن خلال ذلك نستطيع اصدار الاحكام على جودة العرض او ردائته ، ففي حالة تفوق خبرات المتلقي على خبرات العرض المسرحي يُحكم على العرض المسرحي بالردائه . في حين اذا تفوقت خبرات العرض المسرحي على خبرات المتلقي يُحكم على العرض المسرحي بالجودة. تتكون خبرات العرض المسرحي من حصيلة العلامات الموضفة على الخشبة وامكانية هذه العلامات على استيعاب الافكار بتجليلتها الاجتماعية والفلسفية وبثها وفق انساق خاصة الى المتلقي. ويلعب الصانع الاول للعرض دور كبير في توجيه العلامة وفق ما يرتيئه ويحدد خطوط العلامة وانساقها وانشغالاتها داخل العرض المسرحي لينقل خطابه الفكري والجما لي الى المتلقي. وبعد ان استعرضنا بشكل بسيط العلاقة بين المتلقي والعرض المسرحي وكيفية قرأة العلامة ،نعود الى سؤالنا عن استخدامات الموروث المحلي العراقي في العرض المسرحي المقدم لمتلقي اوربي ، فهل نجح المتلقي الاوربي في استيعاب علامات العرض المسرحي التي على صلة وطيدة بالموروث العراقي ؟ تبقى عملية ادراك المتلقي للعرض المسرحي غير مكتملة اي بمعنى اخر منقوصة اذ ان جزاء كبير او صغير من العرض قد تعطل من حيث انتاج المعنى وهذا ما يربك المتلقي في تحقيق لحظة التماهي مع العرض المسرحي . لندن |