فرج ياسين

روعةُ التمشّي في الظل

كاظم الأحمدي وأنا ضيفان نمطيان على مهرجان المربد الشعري منذ زمن طويل لكننا لم نلتق على صعيد الرفقة إلا في مرابد أواسط عقد التسعينيات وما بعدها. قبلها وفي عام1994 جمعنا ملتقى قصصي في الموصل وفي اللحظة التي أردت فيها أن أبادره بملاحظة قفزت إلى روعي فجأة سبقني إليها قائلا : أول مرة التقينا فيها كانت في مقهى البرلمان في عام 1972.

يأتي مع أدباء البصرة  واحضر مع أدباء صلاح الدين ثم نلتقي أمام (رأس) أبي جعفر المنصور المرتفع على منصة واطئة في باحة استقبال فندق المنصور  في الصالحية، وفي كل مرة يكون قد مر علينا عام كامل لم نر عبره بعضنا ولم نتراسل ولم يبلغه خبر عني أو يبلغني خبر عنه.

أديبان يكتبان القصة والرواية قابعان في وكنيهما ومنشغلان بمراودة أطياف سحرية خاصة بهما في الأمكنة التي ألفاها مذ وجدا، لم يغادراهما إلى أي مما تزينه الصبوة أو الحاجة أو الشهرة أو الشهوة.

علاقتنا محيرة لمن يدسه الفضول في دقائقها، بماذا  يهمس هذان الرجلان ؟ وما الذي يبغيانه من عزلتهما وهما في عز الضجيج الذي يسوغه الموسم السنوي وهل تستوجب خلوتهما  التفريط ببريق  المربد: ندواتهِ وجلساتهِ النقدية ومهرجاناتِه الشعرية  وحفلاتِه ودعواتِه الخاصة والعامة ؟

كنا-لمن لا يعرف-لا نتحدث في شيء مما يظنه الآخرون ؛ نخرج في موعد الصباح إلى مقهى صغير في الصالحيه نشرب الشاي وندخن ثم يعن لنا أن نعبر جسر الأحرار إلى ضفة الرصافة من بغداد مشيا على الأقدام، وندخل في سياحة صامتة بين الأرصفة والمتاجر والمكتبات تطالعنا الواجهات المختلفة بألوانها الجاذبة فتتاح لنا فرص صغيرة لتبادل أحاديث عابرة تستدعيها لحظة التعاطي المباشر مع الأشياء والأمكنة والوجوه,وكان يتعيّن علي – لكي اسمع ما يتفوه به- أن أدني مسامعي من فمه (الهمس احد صفاته المفضلة بالنسبة لي)  وبما أن الضجيج يحول دون سماع كل ما ينطقه أبادر إلى مليء الفراغات والقطوع باستحضار شخصيته في سياقاتها المختلفة : اليومية والعقائدية والثقافية .

لم نكن نتحدث عن الثقافة أو عن النظام الحاكم أو عن الزملاء أو عن المربد !

ولكن هل كان ذلك صحيحاً ؟

في صورنا الكثيرة المفترضة الملتقطة من زوايا متعددة في الشوارع والمقاهي والمتاجر والمكتبات وبين الوجوه , تلوح قراءة أشارية باذخة تؤكد على أننا كنا غريبين على نحو ما؛نمارس حضورا في الظل هو أكثر فتنة من حضورنا في الشمس, وتؤكد على أن ما كان يدور بيننا يتجاوز حدود الاعتدال والاقتصاد والتحسُّب والمساومة والخوف ؛ خطابا صاخبا ثائرا ناقدا جسورا يستغرق هموم الثقافة والنظام والزملاء والمربد , ويتعداها إلى رؤية كونية أو رؤية جمعية أو رؤية أستشرافية .

كان صمت الراحل كاظم الأحمدي صمتا صوفيا بليغا , وكان همسه زعيقا من نوع لا تقوى الأذن البشرية الاعتيادية على التقاطه . وكثيرا ما أجدني ارفض ما يطرح من أسباب ومسوغات حول صمته وهمسه ؛ إذ ليس للأمر علاقة بموجهات تتجاوز شغفه بذلك الانصراف الصافي إلى الذات , ومعايشة نوع من الصلاة العجائبية المستوطنة تحت قبعته , منذ أن دبّ الصلع إلى رأسه والحب في قلبه .

لن أتحدث عن قصصه ورواياته ومقالاته النقدية ومقابلاته وتلامذته وتاريخه في مجال التربية والتعليم , ولا عن موقعه الأدبي المجيد بين أدباء ومثقفي جيله والأجيال اللاحقة. ولا يهمّني إن كان في السنين الأخيرة – منذ عام 2003 حتى رحيله – قد عاش شقيا أم سعيدا. كل ما كان يهمني استحضار نسخة مجلوّة بالافتتان والمحبة لصورة كهل ستيني ينتظر كهلا مثله عند (رأس) أبي جعفر المنصور المرتفع على قاعدة واطئة في باحة استقبال فندق المنصور ميليا في الصالحية , لكي ينطلقا في سياحة استكشاف راجله.

مشاركاته في النخلة والجيران

العودة الى صفحة مقالات