مركز دراسات المجتمع العراقي

  IRAQI SOCIETY STUDIES CENTER

   ISSC



 

                       



 

الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية   (بحث ميداني)

 

 فارس كمال نظمي

 


                                                                                                                                                                          

مستخلص البحث

أسهمت الحضارة الغربية جزئياً في تشكيل بعض هذه الاعتقادات الجامدة لدى أبناء الشعوب النامية عن أنفسهم. ولا يقع المجتمع العراقي خارج تأثيرات هذا الإطار، إذ تشير الملاحظات اليومية إلى أن هناك اعتقاداً متداولاً بين الأفراد، مضمونه: (( إن القسوة والانتقام والعدوانية والتطرف والأنانية والتعصب، هي خصائص سائدة في سلوكنا نحن العراقيين)). إن هذا الاعتقاد قد يرسّخ لدى الفرد العراقي بمرور الزمن ((صورة نمطية)) شديدة السلبية عن الشخصية الاجتماعية السائدة في مجتمعه، وهذا يمكن أن يدفعه إلى تبني هذه الصورة في سلوكه الشخصي؛ بمعنى إنه قد يتجه لممارسة العنف ضد الآخرين، ليس بتأثير دوافع عدوانية متأصلة أو مكتسبة في شخصيته، إنما بفعل رغبته الوقائية بالتصدي للعنف الذي يفترض ((نمطياً)) وجوده في شخصيات الآخرين، إذ يوجد افتراض مفاده أن الجيل الحالي من الشباب العراقيين ((تشكلت لديه صورة عن أن العالم عدواني وظالم، وأن العنف وسيلة مطلوبة من أجل البقاء)). ومن هنا تتحدد مشكلة البحث الحالي بضرورة التحقق من هذا الافتراض عبر الإجابة عن السؤال الآتي: ((ما هي طبيعة الصورة النمطية التي يحملها طلبة الجامعة العراقيون عن خصائص العنف في الشخصية العراقية؟)).

ولأجل التعامل السيكومتري مع هذه المشكلة، عمد الباحث إلى بناء مقياس للصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية، بطريقة ((التمايز الدلالي))، يتألف من (13) بعداً لمفهوم العنف، جرى تحليلها بأسلوبي ((القوة التمييزية لكل بُعد)) و((ارتباط درجة كل بُعد بالدرجة الكلية للمقياس))، كما تم الحصول على مؤشر لثبات المقياس بطريقة ((معامل ألفا))، ولصدقه بطريقتي الصدق الظاهري وصدق البناء.

وبعد تطبيق المقياس على عينة طبقية عشوائية مؤلفة من (144) فرداً من مجتمع طلبة جامعة بغداد، تم التوصل إلى عدد من النتائج، أهمها:

·                        إن لطلبة الجامعة اعتقاداً بأن الشخصية العراقية ((غير عنيفة))، ذلك أن صورتهم النمطية عن هذه الشخصية تنحو في مجملها إلى تغليب الخصائص المناقضة للعنف.

·                        إن الشخصية العراقية من وجهة نظر هؤلاء  الطلبة لها ثلاث خصائص عنيفة (متعصبة، ومتوترة، وانفعالية)، وثلاث خصائص محايدة (بين التطرف والاعتدال، وبين الرقة والقسوة، وبين الأنانية والإيثار). أما بقية الخصائص السبعة فكلها نقيضة للعنف (مسالمة، ومجاملة، ومتسامحة، ومحبة، ومستبشرة، وبنّاءة، وعطوفة).

وقد نوقشت نتائج البحث في ضوء المنظور ((الدافعي – المعرفي)) المتبنى في هذا البحث، وصولاً إلى عدد من الاستنتاجات، من بينها:

 إن للشاب العراقي حاجة لاشعورية لامتلاك صورة ايجابية عن هويته الاجتماعية. وهذه الصورة النمطية تعمل بوصفها ((آلية دفاعية)) وظيفتها خفض القلق الناجم عن الصورة السلبية الشائعة عن عنفية الشخصية العراقية. وفي الوقت نفسه، تعمل هذه الصورة النمطية بوصفها ((اعتقاداً)) متحيزاً يحمله الشاب العراقي لصالح شخصيته الاجتماعية.

وبناءاً على نتائج البحث وتوصياته، جرى تقديم توصية وعدد من المقترحات.

 

الفصل الأول

مدخلات البحث

 

مشكلة البحث وأهميته

((الصورة النمطية)) Stereotype هي مجموعة من التعميمات المتحيزة والمبالغ بها، يكوّنها الفرد عن خصائص جماعة معينة من الناس، تتخذ شكل فكرة ثابتة يصعب تعديلها، حتى إذا توافرت الأدلة على خطئها(بدوي،1982، ص410). وعلى الرغم من أن الصور النمطية يمكن أن تساعد الفرد في التعامل مع تعقيدات البيئة الاجتماعية، إلا أن معظم المنظـّرين في العلوم الاجتماعية يرون أن لها تأثيراً ضاراً على الشخص الذي يحملها وعلى المجتمع عامة، ذلك أن منظورها المتحيّـز يجعلها تحرّف الواقع الاجتماعي، فضلاً عن أنها لا تولـّد أخطاءاً إدراكية فحسب،بل يمكن، وبسبب تصلبها، أن تمنع التغيرات الاجتماعية البنـّـاءة (Albrecht et al.,1980,p.259). ولذلك فإنها توصف في حالات كثيرة، بالمكوّن المعرفيcognitive component للتعصب prejudice (Bourne & Ekstrand,1976,p.364).

وقد أسهمت الحضارة الغربية جزئياً في تشكيل بعض هذه الاعتقادات الجامدة لدى أبناء الشعوب النامية عن أنفسهم، إذ اتجه بعض العلماء الغربيين لإبراز الصفات الدموية العدوانية في بعض المجتمعات المتخلفة التي احتكوا بها ولاحظوها. وقد مالوا انطلاقاً من تحيزات وأحكام مسبقة إلى تعميم هذه الصفة على سكان تلك المجتمعات، حتى وصلوا حد الزعم بأنها خاصية أنثروبولوجية عند الأقل تحيزاً منهم، وبأنها خاصية إحيائية عند الأشد تحيزاً منهم، غافلين بذلك عن ربط العدوانية ببنية المجتمع والشرط الوجودي للإنسان فيه(حجازي،2001،ص166). ولا يقع المجتمع العراقي خارج تأثيرات هذا الإطار، إذ تشير الملاحظات اليومية إلى أن هناك اعتقاداً متداولاً بين الأفراد، مضمونه:((إن القسوة والانتقام والعدوانية والتطرف والأنانية والتعصب، هي خصائص سائدة في سلوكنا نحن العراقيين)). وبعيداً عن مدى موضوعية هذا الاعتقاد من عدمها، فإنه اتخذ من الناحية الإدراكية شكل صورة نمطية في أذهان أفراد ينتمون إلى فئات متنوعة في مستوياتها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية في العراق، وأصبحت (أي هذه الصورة) تعبّر عن مضمونها النفسي من خلال عدد غير محدود من الألفاظ اليومية المتداولة، والتي تشترك جميعاً في توصيف الشخصية العراقية بخصائص تنتمي إلى مفهوم ((العنف)).

وإذا كانت الاستدلالات النمطية تشتق في العادة من مصدرين رئيسين هما: خبرات الفرد الخاصة، والمعلومات التي تصله من الآخرين(Campbell,1967,pp.817)، فيمكن الافتراض إذن أن جزءاً مهماً من الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية، قد نتج عن مصدر أساسي يومي للمعلومات هو وسائل الإعلام، من تلفاز ومذياع وصحافة إلكترونية وتقليدية، فضلاً عن مصدر لا يقل عنه أهمية وتأثيراً هو آراء وتحليلات المفكرين والباحثين والمؤرخين والكتـّاب العراقيين أنفسهم، إذ تعج الأدبيات الآثارية والتأريخية والسوسيولوجية والنفسية المتخصصة بهذا الشأن، بوقائع عيانية واستنتاجات فكرية، أسهمت خلال السنوات الخمسين الماضية (بصرف النظر عن مدى نجاحها أو فشلها في استقراء الحقائق الموضوعية) في تعزيز هذا الاعتقاد الجامد في أذهان عامة الناس في المجتمع العراقي. وفيما يأتي نماذج موجزة من هذه الإسهامات:

·   تمتاز البيئة التي نشأت فيها حضارة وادي الرافدين بالعنف والشدة من ناحية تبدلات مواسمها وطغيان أنهارها، مما جعلها تمتاز بالحدة والتوتر وتوقع المفاجآت والفواجع (باقر،1955،ص78 ، 79) .

·                        قد يكون من النادر أن يُذكر العراق وأهل العراق في حديث، دون أن تـُذكر ظاهرة العنف الدموية اللصيقة بهذا الشعب. والغريب أن العراقيين لم يجدوا في وصفهم بالعنف والقسوة والدموية أي غضاضة أو منقصة أو إحراج (ياسين،1999،ص15).

·                        تتصف سيكولوجية المجتمع العراقي بأنها ما زالت عنيفة الروح والسلوك، دموية البطش، متطرفة الانتقام، عالية الأنا، شديدة الغرور، عظيمة الكبرياء، وحساسة المزاج والتطبع (القبانجي،2000أ)Y.

·                        مشكلة الكبت مشكلة عويصة يعاني منها الفرد العراقي، ومنها كبته لدافع القوة بسبب سيادة الاستعباد في العراق لمئات السنين. فينشأ الطفل العراقي وقد نمت فيه شخصيتان: شخصية مؤدبة خاضعة، وشخصية ثائرة معتدية. كما أن انتشار القيم البدوية في المجتمع العراقي، أدى بالفرد العراقي إلى أن يصبح شديد التمجيد للقوة كثير التباهي بها(الوردي،2001، ص 54–55 ، 52 ، 45).

·                        إن حوادث العنف المستمرة في تأريخ العراق قديمه وحديثه، جعلت الكثير من المؤرخين والمحللين بعلم النفس والاجتماع، يجمعون على أن العنف سمة راسخة فيه وليست طارئة،ولا يسهل انتزاعها بتبديل الظروف الحضارية الطارئة وتغيير البنى التحتية(حسن،2004،ص5).

·                        إن مرحلة الحروب التي خاضها المجتمع العراقي منذ العام 1980م، شهدت عسكرة متصاعدة لحياة هذا المجتمع، كان من أبرز تداعياتها توتر المزاج العام للمجتمع، وسرعة الاستثارة، وشيوع ثقافة العنف والقتل والانتقام والاستئثار(الهاشمي،2004).

·                        العراقيون أكثر الشعوب قسوة في ممارسة العنف، إذ ترسب العنف في لاشعورهم الجمعي                     (صالح،2004،ص 7، 13).

إن اجتماع هذه التصورات النمطية الشائعة عن عدوانية الشخصية العراقية، مع ما استجد خلال الحقبة التي أعقبت نيسان 2003م من ولادة أنماط إضافية من العنف في المجتمع العراقي، تمثلت بأعمال السلب والنهب والحرق للممتلكات العامة، وبتصاعد شديد في معدلات الجريمة المنظمة والعشوائية، وبتفشي ظاهرة العنف السياسي الدموي بكل أشكاله، يمكن أن يرسّخ لدى الفرد العراقي بمرور الزمن صورة نمطية شديدة السلبية عن الشخصية الاجتماعية السائدة في مجتمعه، مما قد يدفعه إلى تبني هذه الصورة في سلوكه الشخصي؛ بمعنى إنه قد يتجه لممارسة العنف ضد الآخرين، ليس بتأثير دوافع عدوانية متأصلة أو مكتسبة في شخصيته، إنما بفعل رغبته الوقائية بالتصدي للعنف الذي يفترض ((نمطياً)) وجوده في شخصيات الآخرين.

إن هذه المشكلة ذات الأبعاد المهدِّدة لتماسك المجتمع وتطوره، يمكن أن تتضح بشكل خاص في شخصيات الشباب، بسبب معايشتهم لواقع الحروب والعنف الاجتماعي منذ ولادتهم وحتى اليوم، إذ يوجد افتراض مفاده أن الجيل الحالي من الشباب العراقيين (( تشكلت لديه صورة عن أن العالم عدواني وظالم، وأن العنف وسيلة مطلوبة من أجل البقاء))(صالح،2004،ص11). ومن هنا تتحدد مشكلة البحث الحالي بضرورة التحقق من هذا الافتراض عبر الإجابة عن السؤال الآتي: ((ما هي طبيعة الصورة النمطية التي يحملها طلبة الجامعة العراقيون عن خصائص العنف في الشخصية العراقية؟)).

أما أهمية هذا البحث، فتتحدد بما سيتوصل إليه من نتائج واستنتاجات يمكن أن تسهم في توضيح أبعاد العلاقة النفسية القائمة بين الفرد والمجتمع في العراق، ومدى تأثير هذه العلاقة في صياغة سلوك الأفراد آنياً ومستقبلياً نحو بلادهم؛ فضلاً عن المسعى الريادي لهذا البحث في تأصيله لمباديء القياس النفسي في حقل حيوي من حقول الفكر الاجتماعي، لطالما سادت فيه وجهات النظر الذاتية بعيداً عن المقاربات الميدانية الموضوعية.

 

أهداف البحث

يستهدف البحث الحالي ما يأتي:

    1.  قياس الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية، من وجهة نظر طلبة الجامعة، وتقويم دلالتها الإحصائية.

   2.  قياس الفرق في الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية من وجهة نظر طلبة الجامعة، على وفق متغير الجنس (ذكور/ إناث)، وتقويم دلالته الإحصائية.

حدود البحث

تقتصر حدود البحث الحالي على ما يأتي:

     1.   متغير نفسي واحد هو : ((الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية)) .

     2.   طلبة جامعة بغداد من الجنسين، من حملة الجنسية العراقية حصراً، والملتحقين بالدراسات الأولية الصباحية بكافة مراحلها واختصاصاتها.

     3.   العام الدراسي 2004 – 2005م .

 

تحديد المصطلحات

أولاً) الصورة النمطية        Stereotype

 يمكن تصنيف التحديدات المفاهيمية للصورة النمطية ضمن منظورين: منظور يراها عملية ((دافعية))، ومنظور آخر يراها عملية ((معرفية)):

التعريف الدافعي

·                                                صور عقلية، يستعملها الناس لحماية مكانتهم في المجتمع (lippmann,1922).

·                                                آلية دفاعية، تنتج عن حاجات لا شعورية وحوافز دفاعية(Deaux & Wrightsman,1984,p.90)           

التعريف المعرفي

·                        اعتقاد belief  جامد يجري تعميمه على جميع الأفراد المنتمين إلى جماعة معينة، ودون الالتفات إلى فردانية كل واحد منهم(Gibson & Hanna,1992,p.84).

·                        اعتقاد يكوّنه الفرد عن الخصائص الشخصية لجماعة من الناس، يتسم بشدة التعميم، وبعدم الدقة، وبمقاومة المعلومات الجديدة (Myers,1996,p.608).

ونظراً لأن كلاً من المنظورين أعلاه يوفر قاعدة نظرية مناسبة لمتطلبات البحث الحالي، فقد تم دمجهما لصياغة التعريف التكاملي الآتي  ليتم اعتماده في هذا البحث:

الصورة النمطية: (( اعتقاد جامد، يكوّنه الفرد عن الخصائص الشخصية لأفراد جماعته أو جماعة أخرى من الناس. ويتسم هذا الاعتقاد بعدم الدقة،وبمقاومة المعلومات الجديدة، ويجري تعميمه على شخصيات جميع أفراد الجماعة المنَمّطة، دون الالتفات إلى وجود فروق فردية بينهم. ويمكن لهذا الاعتقاد أن يعمل بوصفه آلية دفاعية تـنتج عن حاجات لا شعورية غايتها تحقيق الحماية النفسية للفرد)).

أما التعريف الإجرائي للصورة النمطية،فهو ((الدرجة التي يحصل عليها المستجيب على مقياس الصورة النمطية الذي سيتم بناؤه في البحث الحالي)).

ثانياً) العنف       Violence     

غالباً ما يرد في الأدبيات الاجتماعية مصطلح ((العنف)) Violence متداخلاً مع مصطلح ((العدوان))Aggression، إلى الحد الذي يستعمل فيه أحدهما بدل الآخر دون تمييز، وكأنهما يعبّران عن مضمون واحد. وقد ارتأى الباحث اختيار مفهوم ((العنف)) بدلاً من ((العدوان)) لقياس صورته النمطية في الشخصية العراقية،بعد أن أجرى تفريقاً مفاهيمياً بينهما على النحو الآتي:

تكاد أن تتفق الموسوعات النفسية حول معنى العدوان، بوصفه سلوكاً Behavior قصدي، يستهدف إيقاع الأذى بالناس والممتلكات(Kazadin,2000,pp.162-168)، ويتخذ مظهرين: بدني ولفظي، ويمكن أن يظهر بنوعين: ((عدوان عدائي)) Hostile Aggression  ينبثق من الغضب، ويكون الأذى فيه غاية بحد ذاته (كمعظم جرائم القتل) ؛ و((عدوان وسيلي))Instrumental Aggression   يكون فيه الأذى وسيلة إلى غاية أخرى (كالدفاع عن النفس) (Myers,1996,pp.436-437). أما مفهوم العنف، فبتداخله مع مفهوم العدوان من جهة، وبتشعب دلالاته اللغوية والنفسية والاجتماعية من جهة أخرى، ظل خارج الاتفاق الدقيق على دلالة موحدة له في أغلب مراجع العلوم الاجتماعية، وكما سيتضح في التعريفات أدناه:

1- يشير المضمون اللغوي لمفردة Violence  في اللغة الإنجليزية إلى :

((الإيذاء البدني / التعامل الخشن / المشاعر القاسية / اللغة الفظة / البغض والضغينة / تشويه المعاني والحقائق والأفكار / خرق القوانين وانتهاك الحقوق / التبرؤ من شخص وإنكار الصلة به / تحقير الآخرين/ المشاعر الهدّامة / الظواهر الطبيعية المتطرفة كالعواصف ((

. (Benton,1961,p.2554) (Stein & Urgang,1983,pp.1594-1595)                                  

2- أما المضامين النفسية والاجتماعية للعنف، فيمكن تحديدها بالتعريفات الآتية:        

·                        استخدام الضغط أو القوة استخداماً غير مشروع وغير مطابق للقانون، من شأنه التأثير في إرادة فرد ما     (بدوي،1982،ص144).

·                        ضغط جسدي أو معنوي، ذو طابع فردي أو جماعي، ينزله الإنسان بالإنسان، بالقدر الذي يتحمله على أنه مساس بممارسة حق اُقر بأنه حق أساسي، أو بتصور للنمو الإنساني الممكن في مرحلة معينة   (مجموعة من الاختصاصيين،1993،ص148–149).

·                        سلوك يتسم بالعدوانية، يصدر عن طرف قد يكون فرداً أو جماعة أو طبقة اجتماعية أو دولة، بهدف استغلال طرف آخر وإخضاعه، في إطار علاقة غير متكافئة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، مما يتسبب في حدوث أضرار مادية أو معنوية أو نفسية ، لفرد أو جماعة أو طبقة اجتماعية أو دولة أخرى   (عبد الوهاب،1994،ص16).

·                        التهديد باستخدام القوة، إلى جانب الاستخدام الفعلي لها (إبراهيم،1999،ص43).

·                        القيام بفعل مؤذ، أو محاولة القيام به، أو التهديد بالقيام به نحو الآخرين بما يجعلهم يعتقدون باحتمال وقوعه عليهم، كالإيذاء البدني بمختلف أنواعه، أو الشتائم،أو الصراخ، أو رمي الأشياء، أو التلويح  بقبضة اليد والقيام بحركات بدنية عدائية، أو التهديد عبر البريد والمكالمات الهاتفية، أو تهديد عائلة الفرد، أو حمل السلاح بهدف تخويف الآخرين (Workplace Violence,2003).

يتضح من محصلة هذه التعريفات أن مفهوم العنف يغطي مدى واسعاً من المتغيرات النفسية –بضمنها العدوان– المتصلة بالأضرار النفسية والبدنية، الفعلية والمحتملة، التي قد يتعرض لها الفرد في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية والقانونية للمجتمع. ومن ذلك يستدل على أن مفهوم العنف هو الأجدى بالدراسة في البحث الحالي من مفهوم العدوان، ما دام الهدف هو شخصية الفرد العراقي بإطارها الاجتماعي الواسع ذي الصلة التفاعلية مع كافة جوانب حياة المجتمع. ولأن البحث الحالي لا يختص بقياس خصائص العنف في الشخصية العراقية بحد ذاتها، بل بقياس صورتها النمطية لدى طلبة الجامعة، لذلك لا تقتضي الحاجة إلى تبني إطار نظري محدد لمفهوم العنف، بل سيكتفى بالتعريف التكاملي الآتي الذي اشتقه الباحث بعد استقرائه للتعريفات السابقة:

العنف:(( ضغط نفسي أو لفظي أو بدني، ذو طابع فردي أو جماعي، يتسم بالقسوة والفظاظة، يصدر فعلياً أو رمزياً أو على شكل محاولة أو تهديد، مما يتسبب في إحداث أضرار معنوية ومادية لدى طرف آخر فردي أو جماعي، نتيجة التنكيل النفسي أو البدني به، أو استغلاله، أو إخضاعه، أو التأثير في إرادته، أو تخويفه، أو انتهاك حقوقه الأساسية أو القانونية، أو تعويق نموه الإنساني الطبيعي)).

 

ثالثاً) خصائص العنفCharacteristics of Violence      

بالاستـناد إلى تعريف العنف الذي تم اشتقاقه في الفقرة السابقة، وبمراجعة عدد من الأدبيات المتخصصة بموضوعتي العنف والعدوان في إطارهما الأكاديمي العام والعراقي الخاص: (Kagan & Haveman,1972,p.585)             (Buss & Perry,1992,pp.452-459) (Malle,1996) (القبانجي،2000أ) (حجازي،2001،ص 168-169 ، 176-180) (البصري،2002) (الهاشمي،2004) (صالح،2004،ص7–13)، تم استخلاص المجموعة الآتية من الخصائص المعرفية والانفعالية والسلوكية التي يمكن أن تتصف بها الشخصية العنيفة:

(( اعتدائية / انفعالية / متوترة / كارهة / متعصبة / قاسية / سوداوية / أنانية / انتقامية / مخرّبة / متطرفة / متهكمة / حقودة )).

وسيتم توظيف هذه الخصائص الثلاثة عشرة في بناء مقياس الصورة النمطية، بعد التحقق من صدقها وإجراء ما يلزم من تعديلات عليها في فصل الإجراءات.

 

رابعاً) الشخصية العراقية           Iraqi Personality

تتنوع المفاهيم النفسية التي تناولت الشخصية بوصفها نمطاً نفسياً مشتركاً بين الأفراد المنتمين إلى جماعة بشرية معينة. وفيما يأتي تعريف بعدد من هذه المفاهيم:

  ·                        الشخصية الاجتماعية: يرتبط هذا المفهوم بـ((إريك فروم)) E. Fromm . ويقصد به النواة الجوهرية لمكـّون شخصية معظم أعضاء الجماعة،التي تطورت نتيجة التجارب الرئيسة ونمط الحياة المشترك في تلك الجماعة(فروم،1972،ص221).

  ·                        السمات المشتركة: ينسب هذا المفهوم الى ((جوردون ألبورت)) G. Allport . ويقصد به وجود تنظيم disposition نفسي يمكن تعميمه على شخصيات جميع الأفراد في حضارة معينة، بسبب خضوعهم لتأثيرات تطورية واجتماعية مشتركة، مما يدفعهم إلى التقارب في اتجاهاتهم الاجتماعية وتوجهاتهم القيمية وقدراتهم اللغوية وأنواع القلق والمسايرة لديهم  (Hjelle & Ziegler,1981,p.292).

  ·                        البناء الأساسي: هو سمات معينة للشخصية يشترك بها أفراد المجتمع المنتمين لثقافة واحدة. ويتشكل هذا البناء نتيجة الخبرات المشتركة التي يمر بها جميع أفراد المجتمع في طفولتهم بفعل أنماط التنشئة الاجتماعية السائدة(وصفي،1977،ص156–159).  

  ·                        الشخصية القومية: يهتم هذا المفهوم بشرح الخصائص النفسية للمجتمعات الكبيرة، مثل الدول والأمم       (السلمان وآخرون،1984،ص8). كما يعنى بدراسة أكثر السمات شيوعاً للوصول إلى تقديم صورة عن تجمع هذه الخصائص(وصفي،1977،ص165).   

يلاحظ أن ما يجمع كل هذه المفاهيم، على الرغم من بعض الاختلافات الفرعية بينها، هو توكيدها على أن ثقافة أي مجتمع قادرة على إنتاج شخصية مشتركة بين أفراده. وبناءاً على هذه الرؤية، يمكن الاقتراض أن هناك مفهوماً يدعى ((الشخصية العراقية))،يقصد به:

((تنظيم نفسي جوهري، يمكن تعميمه على معظم أفراد المجتمع العراقي، يتألف من مجموعة من السمات والاتجاهات والقيم والخصائص النفسية التي نشأت وتطورت بتأثير أساليب التنشئة الاجتماعية السائدة، والتجارب الرئيسة المشتركة، ونمط الحياة المشترك بينهم)).

 

الفصل الثاني

أطر نظرية ودراسات سابقة

 

المبحث الأول

الصورة النمطية

 

يعدّ Lippmann 1922 أول من أدخل مصطلح الصورة النمطية في الأدبيات الاجتماعية، بقوله أنها ((صور في عقولنا))(Deaux &Wrightsman,1984,p.90)، وبأنها تستند إلى عمليات استدلالية خاطئة لا أساس لها من الصحة في الغالب (Madon et al.,1998,p.1304)، ولكنها ضرورية لمساعدة الفرد على التعامل مع صخب الواقع وتشوشه، إذ أنها تختصر الجهد والوقت اللازمين لتفسير الكم الهائل من المثيرات التي يتلقاها كل لحظة  (Albrecht et al.,1980,p.254). أما الميدان الذي أشتق منه هذا المصطلح فهو عالم الطباعة،إذ تستعمل هذه الكلمة للإشارة إلى قالب يعد للطباعة، ويصعب تغييره بعد صنعه(مكلفين و غروس،2002،ص223).

ويقع موضوع الصور النمطية ضمن ميدان ((الإدراك الاجتماعي))Social Perception الذي يعنى بتفسير الكيفية التي يكوّن بها الناس انطباعاتهم عن بعضهم، وتحديداً ضمن مبحث ((النظرية الضمنية في الشخصية))   (Albrecht et al.,1980,pp.254,260).

 

  ·                        النظرية الضمنية في الشخصيةImplicit Personality Theory        

ابتكر Bruner & Tagiuri 1954 هذا المصطلح لوصف عمليات الاستنتاج اللاشعورية التي تمكـّن الفرد من تشكيل انطباعاته عن الآخرين بناءاً على أدلة محددة جداً بشأنهم(مكلفين و غروس،2002،ص225). فمعظم الناس يميلون إلى تحديد خصائص بعضهم دون أن تكون لهم معرفة بعلم النفس. وقد تحدث عن هذه الظاهرة عدد من علماء النفس، إذ درس عالم النفس الاجتماعي F. Heider ما يسمى بـ((نظريات نفسية ساذجة)) يعتنقها الأفراد العاديون. وكتب عالم نفس الشخصية G. Kelly عن أن الشخص بوصفه ((عالِماً)) يقوم ببناء نظريات عن عالمه الاجتماعي؛ بمعنى أن فهم الفرد للواقع شبيه بنظرية نفسية ضمنية. ولذلك فإن دراسة مثل هذه التصورات تعد جزءاً طبيعياً ومهماً من علم النفس، صار يطلق عليه ((علم النفس الضمني))Implicit Psychology. فكل شخص يقوم على نحو نشيط، ببناء تمثيل معرفي للواقعين المادي والاجتماعي. وإن هذا البناء المعرفي الضمني شبيه بالنظريات التي يطورها علماء النفس من زاوية كونه مدفوعاً بالحاجة إلى الفهم والتنبؤ والضبط. وتعد النظرية الضمنية حول الواقع مهمة بشكل خاص، عندما يحاول الناس فهم الظواهر الاجتماعية، والإجابة عن أسئلةٍ كهذه: لماذا يفعل الناس ما يفعلونه؟ وما هي حقيقتهم؟ وهل هم أصدقاء أم أعداء؟ (ويجنر و فالتشر،1988،ص5–7 ، 57).

ولكن من المحتمل جداً أن تكون النظرية الضمنية خاطئة على نحو كبير ونهائي، بحيث لا يمكن تغييرها. فقد يخلص الناس إلى تصديق كل الأشياء الغريبة، سواء كانت عن العالم، أو حول بعضهم البعض، أو حول أنفسهم        (ويجنر و فالتشر،1988،ص42). وتمثل ظاهرة ((التـنميط))Stereotyping  إحدى أشكال التعبير عن النظرية الضمنية في الشخصية. ففي هذه النظرية تقود معلومة واحدة عن الشخص إلى استنتاجات عن مظاهر أخرى في شخصيته، أما في التنميط، فتنحصر المعلومة المولدة للاستنتاجات في جانب بارز لدى الشخص المعين، مثل جنسه، أو العنصر الذي ينتمي إليه، أو قوميته، وما إلى ذلك. فتولد تلك المعلومة أحكاماً بأن أي فرد ينتمي إلى الجماعة المعينة يتصف بخصائص شخصية معينة (تمثل صورة نمطية للفرد)، وبأن جميع الأفراد الذين ينتمون إلى تلك الجماعة يمتلكون خصائص مشابهة، تمثل صورة نمطية للجماعة (مكلفين و غروس،2002،ص226).

 ·                        كيف تنشأ الصور النمطية؟ وما مدى دقتها؟

تنشأ الصورة النمطية من مصدرين،هما: الخبرة الشخصية بالآخرين موضوع الصورة، ونقل هذه الخبرات للآخرين. فالخاصية النمطية التي تعزى إلى جماعة ما، لا بد أن تكون قد جرت ملاحظتها لدى عضو واحد على الأقل من أعضاء تلك الجماعة. وتؤدي عملية الاتصال اللاحقة التي يتم بها نقل تلك الملاحظة إلى الآخرين إلى تكوين الصورة النمطية في عقول الناس. فإذا كانت النظرة النمطية إلى الألمان مثلاً بأنهم مجدون، فلا بد أن أحد الناس قد لاحظ ذلك نتيجة خبراته معهم(مكلفين و غروس،2002،ص230). والصور النمطية قد تنبثق من التفاعلات الاجتماعية بعيدة المدى، أو يتم تعلمها من الآخرين بشكل محدد. وحالما تنشأ هذه الصور، يبدأ الفرد بحصر اتصالاته الاجتماعية داخل التصنيف النمطي المناسب، ويأخذ بمعاملة أفراد كل جماعة بأسلوب معين (Albrecht et al.,1980,p.255).

وينظر الكثير من علماء النفس إلى الصورة النمطية بوصفها تعميماً يفتقر إلى الدقة، وهي الأساس الذي يستند إليه التعصب، الذي هو اتجاه خاطيء قائم على تعميمات خاطئة عن جماعة من الناس. فالصور النمطية بهذا المعنى مؤذية لأنها تضعف قدرتنا على التعامل مع كل عضو في الجماعة بوصفه فرداً، ولأنها تفضي إلى عزو خاطيء للأسباب(Lahey,1998,p.542)، ولأنها تغفل مقداراً مهماً من المعلومات، وغالباً ما تستعمل لتبرير التمييز ضد الجماعات العرقية(Albrecht et al.,1980,p.259). كما إنها لا تبقي مجالاً للاستثناء، ولذلك يظل من المشكوك فيه إلى حد كبير أن تكون الصور النمطية مطابقة للحقيقة، فليس هناك جماعة متجانسة تماماً، وأن وجود فروق فردية داخل الجماعة هو القاعدة وليس الاستثناء (مكلفين و غروس،2002،ص235).

لكن بعض علماء النفس الاجتماعيين في أوربا عارضوا هذه النظرة السلبية إلى التنميط، لأن من يعيش في الإطار الثقافي الأوربي يعد تصنيف الناس في جماعات شيئاً عادياً، ويألف التنوع والاختلاف بين الناس واعتزازهم بهوياتهم. فالصورة النمطية بهذا المعنى ما هي إلا طرائق مختصرة وفطرية في التصنيف والتفكير الاجتماعي، فهي عامة لدى البشر وحتمية. وقد تعود مقاومتها للتغير، إلى أنها تمثل طريقة مريحة لتبسيط العالم الاجتماعي المعقد                           (مكلفين و غروس،2002،ص233–235 ، 237).

وإذا كانت معظم نظريات التنميط شددت على عدم الدقة المتأصلة في الصور النمطية، فإن الأدلة الامبريقية الداعمة لهذه النظريات تعد قليلة، إذ أن هذه الأدلة قدمت في حالات عديدة تصوراً مختلطاً عن الصور النمطية ، تمتزج فيه عناصر الدقة مع عناصر عدم الدقة. وبسبب عدم الاتفاق هذا، ولأن التوكيد على وجود عدم دقة متأصل في الصور النمطية يثير الكثير من الصعوبات المفاهيمية والمنهجية، فقد أخذت الكثير من الأدبيات النفسية منذ سبعينات القرن الماضي، تميل إلى عدم الأخذ بصفة ((عدم الدقة)) في تعريفها للصور النمطية (Madon et al.,1998.p.1305).

 ·                        الصور النمطية والتمثيلات الاجتماعية

تقدم الصور النمطية الدليل على الطبيعة الاجتماعية المشتركة للأفكار الاجتماعية. فهناك مقدار كبير من المعلومات والمفاهيم الجمعية المشتركة بين أي مجموعة من الأفراد أو الجماعات أو المجتمعات. وقد أشارت العديد من الدراسات إلى أن الإدراك الاجتماعي يتحدد بالمحيط الذي يجد الناس أنفسهم فيه. وقد استخدم Mosocovici 1981 مصطلح ((التمثيلات الاجتماعية))Social Representations  للإشارة إلى الاعتقادات والأفكار التي يحملها أفراد مجتمع ما. وقد عرّفها بأنها ((منظومة من المفاهيم والمقولات والتعليلات تنبثق عن الاتصالات الاجتماعية التي تأخذ مجراها بين الأفراد في سياق الحياة اليومية)). وهذه التمثيلات الاجتماعية في المجتمعات المعاصرة تناظر الأساطير والاعتقادات الخرافية التي كانت تحملها المجتمعات القديمة. وما هي بذلك إلا الصيغة الراهنة لـ((المنطق العام)) Common Sense، إذ أنها تعمل على تزويد الجماعة بإطار معرفي يستطيع معه أعضاء تلك الجماعة تشكيل رؤية مشتركة للعالم، وتناقلها والتفكير بها. وبذلك فإن التمثيلات الاجتماعية تشكل جوهر المعرفة الاجتماعية                  (مكلفين و غروس،2002،ص238).

 ·                        تـنظيرات ودراسات سابقة

يمكن اختزال التنظيرات الخاصة بمفهوم الصور النمطية إلى منظورين هما: المنظور الدافعي والمنظور المعرفي:

(أ) المنظور الدافعي (منظور التحليل النفسي) :

 يفسر هذا المنظور  الصورة النمطية بوصفها آلية دفاعية تنتج عن حاجات لا شعورية وحوافز دفاعية، يستعملها الناس لحماية مكانتهم في المجتمع. فالبيض مثلاً،إذا كانوا هم الفئة السائدة في المجتمع، فإنهم قد يطورون لاشعورياً صوراً نمطية سلبية تجاه السود ليبرروا سيادتهم (Deaux & Wrightsman,1984,p.90). والمنظور الدافعي ينظر إلى الصورة النمطية بوصفها ((عملية)) process تستدعى التحليل لمعرفة الكيفية التي يطور بها الأفراد اعتقاداتهم النمطية (Madon et al.,1998,p.1307) فجميع الناس مدفوعون لتكوين صور نمطية لإضفاء النظام على الفوضى، إلا أنه ينبغي التعرف على الأسباب التي تجعل من صورهم النمطية موجهة نحو جماعة معينة دون غيرها، ولماذا تتضمن بعض هذه الصور خصائص إيجابية عن جماعة ما، فيما تتضمن بعضها الآخر خصائص سلبية عن جماعة أخرى      (Albrecht etal.,1980,p.255).

(ب) المنظور المعرفي:

يدرس  هذا المنظور الصور النمطية بوصفها مخططات عقلية Schemas أو أبنية معرفية Cognitive Constructions، تسمح للناس بالتغلب على قدراتهم المعرفية المحدودة، من خلال قيامهم بملء الثغرات المعرفية أو المعلوماتية لديهم بالرجوع إلى مخططات إدراكية واسعة ذات طابع تعميمي، أي تبنّيهم لمسارات عقلية مختصرة Mental Shortcuts. وهذا المنظور لا يساعد في الغالب على تفسير كيفية حدوث الصور النمطية، إلا أنه يتضمن بعض التفسيرات عن كيفية ديمومتها(Gleitman,1995,p.428-429)،ذلك إنه يدرس الصورة النمطية بوصفها ((محتوى))content يتضمن الاعتقادات التي يكونها الناس عن خصائص الجماعات الاجتماعية المختلفة، والى أي مدى تتسم هذه الاعتقادات بالدقة(Madon et al.,1998,p.1307)، وما إذا كانت قائمة على أخطاء معرفية cognitive errors نتيجة قلة المعلومات عن تلك الجماعة  (Deaux & Wrightsman,1984,p.92).

ويتبنى البحث الحالي رؤية تكاملية تجمع بين المنظورين الدافعي والمعرفي، إذ أن الطابع الاجتماعي القوي للظاهرة المدروسة (أي الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية) يتطلب الإحاطة بجذورها الدافعية فضلاً عن تكويناتها المعرفية.

وفيما يأتي نتائج عدد من الدراسات التي تفرعت عن هذين المنظورين:

1) دراسات تناولت الصور النمطية نحو الجماعات الخارجية والجماعات الداخلية:

أشارت دراسة Linville 1982 إلى أن وجهات نظر الأفراد نحو الجماعات التي ينتمون إليها (الجماعات الداخلية in-groups) تكون أشد تعقيداً مما هي عليه نحو الجماعات الأخرى (أي الجماعات الخارجيةout-groups)(Linville,1982,p.193)؛ بمعنى أن الناس يميلون إلى إدراك التشابه بين أفراد الجماعات الخارجية، مقابل ميلهم إلى إدراك التنوع بين أفراد المجموعات الداخلية (Deaux & Wrightsmam,1984,p.90). أما عن طبيعة الصور النمطية التي يكونها الفرد عن الجماعات الخارجية، فتوصلت دراسةBrewer 1979 إلى أنها ليست سلبية بالضرورة، إذ قد يدرك الأفراد الجماعات الخارجية على أنها أكثر إيجابية من الجماعات الداخلية في بعض الحالات. وتعتمد شدة التقويمات على مدى بساطة أو تعقيد الخصائص التي توصف بها الجماعة. فكلما ازدادت هذه الخصائص بساطة، سواء لدى الجماعة الداخلية أو الخارجية، كلما ازدادت الصورة النمطية لدى الأفراد شدة ً في سلبيتها أو إيجابيتها نحو تلك الجماعة(Brewer,1979.p.307).

وفي سلسلة من التجارب، أجراها   Sherif &Sherif 1969،اتضح أن المفحوصين يميلون إلى التحيز في إعطاء تقويمات إيجابية لصالح جماعتهم، مقابل إعطاء تقويمات سلبية للجماعات الأخرى، بالرغم من تساوي الظروف والخصائص بين المجموعتين. وفسرت هذه النتائج في ضوء أن الفروق في الثقافة واللغة والمظهر، فضلاً عن سياق الموقف الاجتماعي الذي يحدث فيه السلوك، يمكن أن تسهّل ظهور ردود الأفعال المتعصبة نحو الجماعات الخارجية(Sherif & Sherif,1969,pp.243,252).

2) دراسات تناولت علاقة الارتباطات الوهمية بالصور النمطية:

قد تعكس الصور النمطية في جزء منها تحيزاً معرفياُ يتضمن مغالاة في تقدير قوة العلاقة بين متغيرين. وهذا ما أطلق عليهChampan &Champan 1969 مصطلح ((الارتباط الوهمي))Illusory Correlation               (Deaux & Wrightsman,1984,p.92). فعلى الرغم من أن نظام الاستنتاج لدى الفرد يقوم على أساس تفاعلاته مع الواقع، إلا أن إدراكاته تنحرف أحياناً، فيستنتج وجود علاقات غير موجودة على الإطلاق في ذلك الواقع. وعلاوة على ذلك، ما أن يتشكل لديه ارتباط وهمي معين حتى ينزع إلى البحث عن المعلومات التي تدعم فكرة وجوده، والانتباه إلى تلك المعلومات وتذكّرها أكثر من غيرها، بينما يهمل المعلومات التي لا تدعم ذلك الارتباط. ويمكن لهذه الارتباطات الوهمية أن تقود إلى سلسلة من الأخطاء الخطيرة في الاستنتاج(مكلفين و غروس،2002،ص233). ويعزو أحد التفسيرات هذا التحيز المعرفي إلى النسق الذي تتكرر فيه الأحداث التي يحاول الفرد تفسيرها. فمثلاً،في حالة وقوع حدثين معاً في آن واحد، كليهما نادر الوقوع لوحده، فإن الفرد يميل إلى إقامة رابطة بينهما حتى في حالة عدم وجودها                            (Deaux & Wrightsman,1984,p.92). وبهذه الطريقة فإن الصورة النمطية تصبح انطباعاً خاطئاً يفترض وجود علاقة ارتباطية بين عضوية الناس لجماعة معينة وبين خصائصهم الشخصية، كافتراض أن هناك علاقة بين جنس الفرد ودرجة ذكائه مثلاً(Myers,1988,p.520). فقد أوضحت دراسة McArthur & Friedman 1980  أن الصورة النمطية المسبقة يمكن أن تقود الناس إلى رؤية ارتباطات غير موجودة أصلاً، إذ طلب من مجموعة من الطلبة أن يقرؤوا أوصافاً معينة لأفراد ينتمون إلى فئات مهنية متنوعة.ووزعت الصفات: ((جبان/ غني/ ثرثار)) على جميع المهن: ((محاسب/ طبيب/ بائع)) بشكل متساو. ومع ذلك، اعتقد هؤلاء الطلبة بأن هذه الصفات موزعة بحيث يكون المحاسبون جبناء، والأطباء أغنياء، والباعة ثرثارون. إن التنميطات المسبقة قادت هؤلاء الطلبة إلى إدراك ارتباطات لا وجود لها أصلاً، وهو أمر يعمل على إدامة هذه الصور النمطية لديهم  (McArthur & Friedman,1980,pp.615-624).   

3) دراسات تـناولت علاقة السمات المركزية بالصور النمطية:  

 افترض Asch 1946 أن هناك سمات مركزية Central Traits يمكن أن تؤثر جوهرياً في تكوين الانطباعات والصور النمطية. وفي واحدة من تجاربه، أعطى مجموعة من المفحوصين قائمة من الخصائص التي تصف أحد الأشخاص: ((ذكي/ماهر/مجد/ودود/عزوم/عملي/حذر)). ثم قدم القائمة نفسها إلى مجموعة ثانية من المفحوصين باستثناء كلمة ((ودود)) إذ استبدلها بكلمة ((جاف)). وبعد أن طلب من المجموعتين أن يكتبوا تقويماً عن ذلك الشخص، اتضح أن المجموعة الأولى وصفته بالكرم والسعادة، بينما وصفته المجموعة الثانية بكلمات مناقضة. وفسرت هذه النتيجة على أساس أن سمة ((ودود/ جاف)) كانت البؤرة التي انتظم حولها الانطباع الكلي عن الشخص(Gleitman,1995,p.427). وتمثل هذه النتيجة ما صار يعرف بـ((أثر الهالة)) The Halo Effect ، أي إذا تم الإبلاغ أن شخصاً يمتلك سمة مركزية مرغوبة معينة، عندها يميل الناس إلى عزو سمات إيجابية أخرى إليه، مما يخلق هالة إيجابية حوله، والعكس بالعكس (مكلفين و غروس،2002،ص224).

4) دراسات تناولت الصور النمطية الخاصة بالعرق والقومية والجنس والطبقة الاجتماعية:

استقصت البحوث المبكرة منذ ثلاثينات القرن الماضي، مضامين الصور النمطية للجماعات العرقية المختلفة، وما إذا كان الناس يحملون حقاً الصور النمطية التقليدية التي تروج لها وسائل الإعلام عن الجماعات المختلفة. فقد توصلت دراسة Katz & Braly 1933  بالفعل إلى وجود صور نمطية تقليدية عن الأقليات العرقية والقومية والدينية، بالرغم من عدم وجود صلة شخصية بين المفحوصين وأعضاء تلك الجماعات. ومن أمثلة هذه التنميطات وصف طلبة الجامعة الأمريكان للزنوج بـ((الكسل)). كما اتضح أن الصورة التي يحملها الأمريكان عن أنفسهم كانت أفضل الصور، إذ تضمنت أوصافاً، كالجدية والذكاء والطموح، بينما كانت الصورة النمطية التي يحملونها عن الأتراك هي الأسوأ                  (مكلفين و غروس،2002،ص227).وفي دراسة Karlins et al. 1969 تبين أن طلبة الجامعة الأمريكان يمارسون التنميط بوضوح نحو بعض القوميات، إذ وصفوا الأمريكان بأنهم: ماديون وطموحون وباحثون عن اللذة؛ ووصفوا الألمان بأنهم علميو التفكير وكفوءون ويعتزون بقوميتهم؛ فيما وصفوا الصينيين بأنهم متأملون ومخلصون لعوائلهم ويحترمون تقاليدهم(Feldman,1989.p.69).

أما عن الطبقة الاجتماعية، فتوصلت دراسات أجريت في خمسينات القرن الماضي، ومنها دراسةBayton et al. 1956 إلى أن الأفراد السود والبيض على حد سواء يميلون إلى حمل صور نمطية إيجابية عن الأشخاص المنتمين إلى الطبقة الوسطى مهما كان عرقهم، وصور نمطية سلبية عن الأشخاص المنتمين إلى الطبقة الدنيا مهما كان عرقهم أيضاً(Baron & Byrne,1981,p.151).

وفيما يخص الصور النمطية الخاصة بالجنسين، تبرز في معظم المجتمعات اعتقادات متحيزة ضد المرأة، فقد توصلت دراسة Frieze et al. 1979 إلى وجود صورة نمطية عن المرأة أكثر سلبية في مجملها مما هي عليه عن الرجل، إذ عبّر المفحوصون عن اعتقادهم بأن النساء: خاضعات، وتابعات،ولبقات، وثرثارات، وسلبيات، ويفتقرن إلى الطموح والثقة بالنفس، وحساسات نحو مشاعر الآخرين؛ فيما الرجال: عدوانيون، وقياديون، وطموحون، ومغامرون،ومنطقيون، وحاسمون،وخشنون، وواثقون بأنفسهم. كما أظهرت دراسة أخرى لـ   Sternglanz & Serbin 1974  أن للعديد من البرامج التلفازية دوراً في إشاعة هذه الصورة النمطية عن الدور الجنسي، من خلال تعليمها للأطفال أن الذكور والإناث مختلفون عن بعضهم، وأن الذكور أكثر قدرة على القيادة والتخطيط، فيما النساء أكثر تبعية وسلبية                      (Baron & Byrne,1981,pp.167,180) .

لكن نتائج الدراسات الحديثة،أخذت تميل إلى التخفيف من سطوة الصور النمطية وتأثيرها في الإدراك الاجتماعي للناس. ففي دراسة Madon et al. 1998 ظهر أن المعلمين يمارسون تقويماً دقيقاً لأداء وخصائص طلبتهم بصرف النظر عن جنسهم وطبقتهم الاجتماعية وما إذا كانوا من العرق الأسود أو الأبيض، غير انهم يعتمدون بين وقت وآخر على صورهم النمطية لإجراء هذا التقويم. وقد فسرت هذه النتائج على أساس أن الصور النمطية لا تمارس تأثيرها في الإدراك الاجتماعي على الدوام، فذلك يظل مرهوناً بالشروط الموقفية والدافعية للموقف الاجتماعي

 (Madon et al.,1998,pp.1304,1314)       .

5) دراسات تناولت علاقة الصور النمطية بالخصائص الجسمية:

أثبتت الكثير من الدراسات أن أحد مصادر تكوين الصور النمطية هو الخصائص الجسمية للأفراد الذين يجري تكوين الأحكام بشأن شخصياتهم، كلون الشعر والطول وشكل الجسم وملامح الوجه. فقد توصلت دراسة Roll & Verinis 1971 مثلاً بأن الشعر الأشقر هو الأكثر مرغوبية، مقابل الشعر الأحمر الأقل مرغوبية، بسبب الصورة النمطية القائلة أن ذوي الشعر الأحمر أكثر عدوانية من غيرهم. كما اتضح أن ذوي الشعر الأسود يتم الحكم عليهم بأنهم يتمتعون بالفاعلية والقوة (Rolls & Verinis,1971,pp.975-980). وفي دراسة Feldman 1971،اتضح وجود فكرة نمطية مفادها أن كفاءة الرجل تزداد بازدياد طوله. ومن بين تطبيقات هذه الفكرة أن المرشحين ذوي القامات الطويلة هم الأوفر حظاً في الفوز في الانتخابات الرئاسية الأمريكية. أما عن علاقة المظهر الجسمي بالخصائص الشخصية، أشارت دراسة Condie 1975 بأن الفرد يميل إلى وصف الآخرين المشابهين له بالمظهر الجسمي، بالسمات الإيجابية نفسها التي يعتقد بوجودها في شخصيته. كما توصلت دراسة Miller 1970 إلى أن الفرد كلما ازدادت جاذبيته المظهرية، كلما ازداد اعتقاد الآخرين بامتلاكه خصائص شخصية إيجابية،والعكس بالعكس (Albrecht et al.,1980,pp.256-257).

 

المبحث الثاني

العـنف

((العنف)) مفهوم حديث نسبياً، بالرغم من أنه بوصفه ممارسة، قديم قدم العالم. فالأقدمون لم يكونوا ينظرون إلى العنف في ذاته ولذاته، بل كونه نتيجة لخرق يتصل بالآلهة. ولذلك لا نعثر في اللغة اللاتينية على تمييز بين العنف والقوة. فهو بهذا المعنى ليس ظاهرة محدثة أو وليدة حضارة بعينها، إنما هو ضارب بجذوره في تأريخ الحضارات كلها. وقد غدا العنف عاملاً من الصعب أن يغفل تداخله في نسيج الصيرورات الاجتماعية، أو ينكر حضوره في صلب الممارسات السياسية للجماعات البشرية بقدر أو بآخر(زيادة،1999،ص 97، 95). فحين يعجز الفرد المقهور عن إيصال صوته بوسائل الحوار العادي، وحين تترسخ لديه القناعة بالفشل في إقناع الآخرين بالاعتراف بكيانه وقيمه، وحين تفشل كل الآليات الدفاعية النفسية في حل مأزقه الوجودي بشكل ملائم يرد إليه توازنه النفسي، عندها يظهر العدوان الموجه إلى الخارج بوصفه الوسيلة الأخيرة لإعادة شيء من الاعتبار المفقود إلى الذات، كونه لغة التخاطب الأخيرة الممكنة مع الواقع والآخرين(حجازي،2001،ص 165). فالقهر الاجتماعي، ممثلاً بالسخرية والاستهزاء بشخصية الفرد، فضلاً عن عدم المساواة والنبذ الاجتماعي واغتصاب الحقوق، كلها عناصر مولدة للعنف والعدوان الفردي والاجتماعي              (القبانجي،2000ب).

والعنف مفهوم متعدد الأبعاد والمضامين والمظاهر، إذ يصنفه بعض الباحثين إلى عنف سياسي وعنف فوضوي وعنف  أسري (زيادة،1999،ص 109 – 115). ويصنفه آخرون إلى عنف عائلي وعنف مدرسي وعنف إعلامي وعنف حكومي. وفي تصنيف آخر، يقسّم إلى عنف نفسي وعنف لفظي وعنف جسمي (القبانجي،2000ب). واتجه عدد من الباحثين إلى حصر العنف بالسلوك "المادي" المباشر، وتوسع بعضهم ليتناول "التهديد" باستخدام العنف، وتوسع آخرون أبعد من ذلك ليتناولوا ما يسمى بالعنف "الرمزي"(البصري،2002). إن هذه الأبعاد والتصنيفات تستدعي بالضرورة وجود مستويات مختلفة لتفسير ظاهرة العنف: حضارياً وسياسياً واقتصادياً وقانونياً وسوسيولوجياً وبيولوجياً ونفسياً. وفيما يأتي إيجاز بالتفسيرات البيولوجية والنفسية للعنف:

أولاً) الأسس البيولوجية للعنف:

 وتتحدد بثلاث مجموعات من العوامل:

1- العوامل العصبية: توصل عدد من الدراسات إلى وجود أنظمة عصبية تسهل العدوان، فحينما تـُنشـّط مناطق معينة من الدماغ تزداد العدوانية، وعندما يقل نشاطها تقل العدوانية (Myers,1996,p.439).

2- العوامل الوراثية: تؤثر الوراثة على حساسية النظام العصبي للإشارات الوراثية، إذ وجد أن تلقيح فئران عدوانية ببعضها يؤدي إلى نشوء سلالات عنيفة من الفئران، فيما يؤدي تلقيح فئران هادئة ببعضها إلى إنتاج سلالات هادئة(Myers,1996,p.440).

3- العوامل الكيميائية: ومنها الكحول والهرمون الجنسي الذكريTestosteron  ، إذ أن (65)% من جرائم القتل في الولايات المتحدة مثلاً ارتكبت بتأثير تناول الكحول في العام 1993(Myers,1996,p.443). كما إن حقن الفئران بالهرمون الجنسي الذكري يجعلها تتقاتل باستمرار وإصرار(دافيدوف،1983،ص512).

ثانياً) الأسس النفسية للعنف:

وتتحدد بمجموعتين من النظريات:

1.         النظريات الفطرية:

 يعد "لامبروزو"Lombroso  من أشهر أنصار هذا الاتجاه، بقوله أن المجرمين يتميزون عن الأسوياء بامتلاكهم لمجموعة من السمات الأثرية أو المرتدة عن الإنسان القديم، سماها بـ((سمات الانحطاط))Degradation Traits ، كصغر الجمجمة وضخامة المنكبين وجحوظ العينين وبروز الأذنين وقلة شعر اللحية. لكن هذه النظرية لم تحظ بقبول كبير لاسيما بعد أن توصلت دراسات أخرى كثيرة إلى عدم وجود فروق كبيرة بين خصائص التكوين الجسمي للمجرمين وغير المجرمين (عباس،1988،ص55 ،61). أما "فرويد"Freud  فجاء بالفكرة  القائلة أن الإنسان لا يسير مدفوعاً بغريزة الحياة Eros Instinct فحسب، بل بجملة أخرى من الدوافع اصطلح عليها بـ((غريزة الموت))Thanatos Instinct والتي وظيفتها تدمير الفرد وإعادته إلى حالة الجمود وانعدام الحياة. إلا أن ((الكوابح)) ضد العنف تتطور برأيه من خلال تفاعل الفرد مع البيئة، وتحديداً بواسطة ((الأنا العليا)) التي لديها الفرصة للتخفيف من العنف(ميجارجي و هوكانسون،1986،ص19 ،13 ،20). ثم جاء "لورنز"Lorenz الحائز على جائزة نوبل 1973، لينتقد "فرويد" بأن استثنى العدوان من غريزة الموت وجعله جزءاً من غريزة الحياة (Albrecht et al ,1980,p.315)، وعدّ الفرق الأساسي بين البشر وبقية الحيوانات هو أن البشر يتفردون تقريباً في مملكة الحيوان بعدم امتلاكهم لآليات كابحة Inhibiting Mechanisms ضد قتل بعضهم، لأن الإنسان البدائي فشل في تطوير مثل هذه الآليات بسبب عدم حاجته إليها نظراً لضعفه الجسدي أمام الحيوانات المفترسة(Severy,1976,p.269). ولذلك لا جدوى في نظر "لورنز" من كل محاولات إنقاص العنف البشري من خلال التعليم أو إزالة الإحباطات. ولكن يمكن تفريغه عبر المشاركة في الأنشطة التنافسية غير الضارة، كالألعاب الرياضية مثلاً (ميجارجي و هوكانسون،1986،ص16).

2- النظريات الاجتماعية:

تؤمن هذه النظريات بأن العنف ظاهرة سلوكية اجتماعية، تكمن عواملها في أساليب التنشئة الاجتماعية وطبيعة النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي تبرز فيه. ففي نظرية ((الإحباط–العدوان)) Aggression -Frustration  افترض "دولارد" و"ميلر"  Dollard & Miller 1939 أن وجود الإحباط يؤدي دوماً إلى شكل من أشكال العدوان، والعكس صحيح، أي حدوث السلوك العدواني يعدّ مؤشراً على وجود الإحباط (ميجارجي و هوكانسون،1986،ص31). ويقصد بالإحباط أي عقبة تمنع الفرد من الوصول إلى هدفه، أو حاجة لديه، أو رغبة، أو توقع، أو عمل شيء (دافيدوف،1983،ص507). وعلى الرغم من انتشار هذه النظرية، إلا أنها انتقدت على أساس أن الإحباط لا يؤدي في كل الحالات إلى العدوان، وأن العدوان قد لا يكون منشؤه الإحباط؛ الأمر الذي مهد لظهور ((نظرية التعلم الاجتماعي))Social Learning Theory  لكل من "باندورا" و"وولترز"Bandura & Walters في ستينات القرن الماضي، والتي ترى أن الفرد والجماعة يكتسبان العنف من خلال التعلم المباشر، أو بالتعلم العَرَضي بطريقة ((المحاولة والخطأ))Trial & Error ،أو بالتعلم بالملاحظةObservational Learning، أي ((النمذجة))Modelling (Albrecht et al ,1980,p325)). فالفرد يتعلم العدوان عن طريق الخبرة المباشرة بملاحظة النماذج العدوانية المحيطة به، كالنماذج العائلية ونماذج الأقران والنماذج التي تقدمها وسائل الإعلام، متوقعاً الإثابة على مثل هذه السلوكيات عند محاكاته لها (صالح،1988،ص155). ثم تعمل المكافآت العرضية التي يلقاها السلوك العدواني على تطوير العادات العدوانية والحفاظ عليها وتعميمها، مما يمهد الطريق لأشكال من العدوان أكثر تطرفاً أو تضاداً مع المجتمع     (ميجارجي و هوكانسون،1986،ص41).

ولأن البحث الحالي لا يختص بقياس خصائص العنف في الشخصية العراقية، بل بقياس صورتها النمطية من وجهة نظر طلبة الجامعة، لذلك يكتفى بما تم عرضه من منظورات، دون الحاجة إلى تبني إطار نظري محدد لمفهوم العنف.

 

 

الفصل الثالث

إجراءات البحث

أولاً) مجتمع البحث:

شمل مجتمع البحث الحالي طلبة جامعة بغداد (ذكوراً وإناثاً)، من حملة الجنسية العراقية حصراً، والمنتسبين إلى الدراسات الأولية الصباحية، للعام الدراسي 2004 – 2005م، ولكافة الاختصاصات العلمية والإنسانية في الجامعة.

ثانياً)عينة البحث الرئيسة:

اختيرت كلية الآداب لتكون ممثلة عن الاختصاصات الإنسانية، فيما اختيرت كلية الصيدلة لتكون ممثلة عن الاختصاصات العلمية. ثم جرى اختيار (153) طالباً وطالبة من مختلف المراحل الدراسية في الكليتين، بالأسلوب الطبقي العشوائي ((إذ يراعى استعمال هذا الأسلوب إذا ما أريد للفئات الفرعية أن تكون ممثلة بنسبة معينة في العينة))(Goodwin,1995,p.455). وبعد أن تم تطبيق مقياسي البحث على هذه العينة، استبعدت (9) استمارات بسبب وجود أخطاء أو نواقص في الاستجابة عليها، فأصبح العدد النهائي لأفراد عينة البحث الرئيسة (144) طالباً وطالبة. والجدول (1) أدناه يوضح توزيع العينة:

الجدول (1)

عينة البحث الرئيسة موزعة حسب الاختصاص والجنس

الكلية

الاختصاص

ذكور

إناث

المجموع

الآداب

إنساني

34

37

71

الصيدلة

علمي

39

34

73

المجموع

 

73

71

144