|
|
|
حامد الحمداني
مقتل الملك غازي أولاً:بريطانيا ونوري السعيد وعبد الإله يتآمرون على الملك غازي: لم تكن بريطانيا راضية عن تولي [الملك غازي] المُلك بعد وفاة والده الملك فيصل الأول، فقد أصيبت بخيبة أمل كبيرة منه أثناء توليه منصب [ نائب الملك] ،بحكم كونه ولياً للعهد، أثناء غياب والده عن البلاد، والأسلوب الذي اتبعه في معالجة قضية ثورة لآشوريين بقيادة المار يوسف]. كما أن بريطانيا كانت تراقب العلاقات المتنامية بين الملك غازي ودكتاتور ألمانيا [ أودولف هتلر] بشئ كبير من الشك والريبة، خوفاً من أن تحصل ألمانيا على موطئ قدم لها في العراق، ومنطقة الخليج الغنية بالنفط . كما كانت محاولة الملك غازي احتلال الكويت بالقوة أثناء غياب رئيس الوزراء نوري السعيد، والذي كان قد سافر إلى لندن لحضور مؤتمر حول القضية الفلسطينية، في 7 شباط 1939، حيث كان قد استدعى رئيس أركان الجيش الفريق [حسين فوزي ] عند منتصف الليل،وكلفه باحتلال الكويت فوراً، كما اتصل بمتصرف البصرة، داعيا إياه إلى تقديم كل التسهيلات اللازمة للجيش العراقي للعبور إلى الكويت واحتلالها.(1) وهكذا تجمعت كل تلك العوامل لتفعل فعلها في تصميم بريطانيا على التخلص من الملك غازي بأسرع ما يمكن، وكان رجل مهماتها الكبرى [نوري السعيد] ،الذي حاول بكل جهده منع الملك غازي من تولي العرش بعد وفاة والده الملك فيصل، واستبداله بالأمير[ زيد] عم الملك غازي على كامل الاستعداد لتنفيذ مهمة التخلص من الملك غازي بالتعاون مع[عبد الإله] وشقيقته [ الملكة عالية ] زوجة غازي التي كان قد هجرها دون أن يطلقها بصورة رسمية. كانت هناك الكثير من الدلائل التي تشير إلى النية للتخلص من الملك ، فقد ذكر السفير البريطاني [ باترسن ] في كتابه Both sides of Curtain حول تصرفات غازي ما يلي : { لقد أصبح واضحا للعيان أن الملك غازي إما يجب أن يُسيطر عليه، أو أن ُيخلع من العرش، وقد ألمحت إلى ذلك، وبهذا المقدار في زيارتي الوداعية للأمير عبد الإله }!!. (2) أما العقيد صلاح الدين الصباغ فيذكر في مذكراته [ فرسان العروبة] أن نوري السعيد الذي كان يقيم في القاهرة كان قد أرسل إليه، والى العقيد فهمي سعيد، ولده صباح، بعد مقتل بكر صدقي بأسبوعين ليستفسر منهما عما إذا كانا يريان قتل الملك غازي، وإلحاقه ببكر صدقي، وتخليص البلاد من عبثه أمرٌ ممكن !!. وقد رد عليه فهمي سعيد بصوت جهوري قائلاً: { لا يا صباح لن يحدث هذا أبداً}. أما صلاح الدين الصباغ فقد رد عليه قائلاً: { أما بصد اغتيال الملك غازي، فنحن أبعد الناس إلى التطرق لمثل هذا العمل، ولا نسمح بأن يذكر أمامنا، ونصيحتي لكَ أن لا تكرر ما قلته لي وأن لا تفاتح به أحد بعد اليوم}. (3) وجم صباح السعيد وتلعثم، وأدرك خطورة ما تفوه به أمام الصباغ وفهمي سعيد عن أفكار والده نوري السعيد. وتطرق توفيق السويدي إلى نفس الموضع في مذكراته المعنونة [ نصف قرن من تاريخ العراق، والقضية العربية] قائلاً: {أتذكر بهذا الصدد أنني عندما كنت في لندن،والتقيت بالمستر[ بتلر] وكيل وزير خارجية بريطانيا الدائم، وقد أبدى لي شكوى عنيفة من تصرفات الملك غازي فيما يتعلق بالدعاية الموجهة ضد الكويت من إذاعة قصر الزهور، وقال لي بصراحة: {إن الملك غازي لا يملك القدرة على تقدير مواقفه لبساطة تفكيره، واندفاعه وراء توجيهات تأتيه من أشخاص مدسوسين عليه، إن الملك بعمله هذا يلعب بالنار، وأخشى أن يحرق أصابعه يوماً ما}. (4) كما استدعى الملك غازي صباح اليوم التالي نائب رئيس الوزراء [ناجي شوكت] بحضور وزير الدفاع، ووكيل رئيس أركان الجيش، ورئيس الديوان الملكي، وأبلغهم قراره باحتلال الكويت، لكن ناجي شوكت نصحه بالتريث، ولاسيما وأن رئيس الوزراء ما زال في لندن، وأبلغه أن العملية سوف تثير للعراق مشاكل جمة مع بريطانيا، والمملكة العربية السعودية وإيران، واستطاع ناجي شوكت أن يؤثر على قرار الملك غازي، وتم إرجاء تنفيذ عملية احتلال الكويت. (5) فلما عاد نوري السعيد إلى بغداد، وعلم الأمر، سارع بالاتصال بالسفير البريطاني، وتداول معه عن خطط الملك غازي، فكان قرار الاثنان التخلص من الملك بأسرع وقت ممكن، وهذا ما صار بعد مدة وجيزة ،حيث جرى تدبير خطة لقتل الملك والتخلص منه، والمجيء بعبد الإله وصياً على العرش، نظراً لصغر سن ولده الوحيد [فيصل الثاني] الذي كان عمره لا يتجاوز الخمس سنوات آنذاك. (6) ثانياً : مقتل الملك غازي : في صباح يوم الخامس من نيسان 1939 فوجئ الشعب العراقي ببيان رسمي صادر عن الحكومة نقلته إذاعة بغداد جاء فيه : { بمزيد من الحزن والألم، ينعي مجلس الوزراء إلى الأمة العراقية انتقال المغفور له سيد شباب البلاد [جلالة الملك غازي] الأول إلى جوار ربه، على اثر اصطدام السيارة التي كان يقودها بنفسه بالعمود الكهربائي الواقع في منحدر قنطرة [نهر الخر]،بالقرب من [قصر الحارثية] في الساعة الحادية عشرة والنصف من ليلة أمس. وفي الوقت الذي يقدم فيه التعازي الخالصة إلى العائلة المالكة على هذه الكارثة العظمى التي حلت بالبلاد يدعو الله سبحانه وتعالى أن يحفظ للمملكة نجله الأوحد جلالة الملك فيصل الثاني، ويلهم الشعب العراقي الكريم الصبر الجميل، وإننا إلى الله وإننا إليه راجعون}. (7) بغداد في 4 نيسان 1939 لم يكد خبر مقتل الملك غازي يصل إلى أسماع الشعب حتى هبت الجماهير الغاضبة في مظاهرات صاخبة اتجهت نحو السفارة البريطانية وهتافات التنديد بالإمبريالية البريطانية ورجل مهماتها الكبرى [نوري السعيد] تشق عنان السماء، وامتدت المظاهرات الشعبية الهادرة إلى سائر المدن العراقية من أقصاه إلى أقصاه، وظهرت المنشورات التي وزعتها الجماهير، والتي تقول أن الملك لم يصطدم بالسيارة كما تدعي حكومة نوري السعيد، وإنما قتل بعملية اغتيال دبرتها الإمبريالية البريطانية ورجالها، وعلى رأسهم نوري السعيد بالذات، وكانت الجماهير بحالة من الغضب الشديد بحيث أنها لو ظفرت بنوري السعيد في تلك اللحظات لفتكت فيه ومزقته إرباً، ولذلك فقد هرب نوري السعيد، بعد إتمام مراسيم دفن الملك غازي في المقبرة الملكية في الاعظمية، حيث استقل زورقاً بخارياً من المقبرة إلى داره في جانب الكرخ. حاول الإنكليز إبعاد التهمة عنهم، وادعوا أن الدعاية الألمانية هي التي تروج مثل هذه الدعاية ضد بريطانيا، كما ادعوا أن موظفي السفارة الألمانية، والأساتذة الجامعيين، هم الذين يحرضون جماهير الشعب ضد بريطانيا، وضد حكومة نوري السعيد. كان رد فعل الجماهير الشعبية في الموصل شديداً جداً، حيث خرجت مظاهرة ضخمة، وتوجهت نحو القنصلية البريطانية وهاجمتها، وقتلت القنصل البريطاني في الموصل، المستر [مونك ميسن ]، وكانت الجماهير تهتف بسقوط الاستعمار البريطاني، وحكومة نوري السعيد ، وكانت الجماهير بحالة من الغضب الشديد بحيث أنها لو ظفرت بنوري لمزقته. لكن ما يؤسف له هو قيام الجماهير الغضبة بمهاجمة الحي اليهودي في بغداد والموصل، ووقوع عمليات النهب، وحرق مساكن اليهود. استغل نوري السعيد الأحكام العرفية التي كانت قد أعلنت في البلاد قبل شهر من مقتل الملك، وقام بنشر أعداد كثيفة من قوات الشرطة لقمع المظاهرات، وجرى اعتقال الكثير من المتظاهرين. ولتغطية جريمة الاغتيال سارعت حكومة نوري السعيد إلى إصدار بيان رسمي يتضمن تقريراً طبياَ صادراَ عن هيئة من الأطباء عن سبب وفاة الملك غازي، وجاء في البيان ما يلي : { ننعي بمزيد من الأسف وفاة صاحب الجلالة الملك غازي الأول، في الساعة الثانية عشرة والدقيقة الأربعين من ليلة 3 / 4 نيسان 1939 متأثراً من كسر شديد للغاية في عظام الجمجمة، وتمزق واسع في المخ، وقد حصلت هذه الجروح نتيجة أصطدم سيارة صاحب الجلالة عندما كان يسوقها بنفسه بعمود كهرباء بالقرب من قصر الزهور في الساعة الحادية عشرة والنصف ليلاً، وفقد الملك شعوره مباشرة بعد الاصطدام ولم يسترجع وعيه حتى اللحظة الأخيرة}. (8) 3 /4 نيسان 1939 الدكتور جلال حمدي الدكتور صبيح وهبي الدكتور سندرسن الدكتور صائب شوكت الدكتور أبراهام
وعلى اثر إعلان وفاة الملك غازي، تولى مجلس الوزراء حقوق الملك الدستورية، وفقاً للمادة 22 من الدستور، وجرى الإعلان عن تولى الملك فيصل الثاني الملك،على أن يسمى وصياً عليه، نظراً لصغر سنه، بعد دعوة مجلس النواب الذي سبق أن صدرت الإرادة الملكية بحله، وقرر مجلس الوزراء تعين الأمير عبد الإله وصياً على العرش، وادعى نوري السعيد أن ذلك القرار كان بموجب وصية الملك غازي نفسه،غير أنه لم يثبت أن هناك أي وصية من هذا القبيل، وكان معروفاً آنذاك أن الملك غازي كان يكره عبد الإله كرهاً شديداً، ولذلك فلا يعقل أن يوصي بالوصاية لعبد الإله ويأتمنه على طفله، كما أن الملك غازي كان حسبما ورد في التقرير الطبي قد فقد شعوره فوراً ولم يسترجعه حتى وفاته. والحقيقة أن وصاية عبد الإله قد رتبت من قبل السفارة البريطانية وحكومة نوري السعيد. (9) كما أن أحداً لم يقتنع بما أذاعته الحكومة عن اصطدام سيارة الملك ومقتله في الحادث، وهناك شواهد عديدة على أن الملك قد قتل نتيجة تدبير مؤامرة حبكتها السفارة البريطانية، وجرى تنفيذها من قبل نوري السعيد وعبد الإله، وأهم الشواهد على ذلك ما يلي: 1 ـ قبل مقتل الملك بتسعة أشهر، وبالتحديد في 18 حزيران 1938، وُجد خادم الملك غازي الشخصي مقتولاً داخل القصر، وجاء تقرير خبير التحريات الجنائية البريطاني أن القتل كان نتيجة إطلاق النار بالصدفة من مسدس القتيل نفسه !!. سبّب قتل الخادم رعباً في نفس الملك غازي لازمه لأيام، وبدأت الشكوك تنتابه حول مؤامرة لقتله فيما بعد، وكان شكّ الملك يحوم حول عبد الإله ونوري السعيد، وزوجته الملكة عالية ـ شقيقة عبد الإله ـ المنفصل عنها بصورة غير رسمية، وكانت تضمر له الكراهية والحقد. (10) 2ـ إن أي حادث لسيارة يؤدي إلى الوفاة،لابد أن تكون إصابة السيارة شديدة وكبيرة، إلا أن الواقع كان عكس ذلك تماماً، فقد كانت الأضرار التي لحقت بالسيارة طفيفة جداً، وهذا ما يثير الشكوك حول حقيقة مقتل الملك. 3ـ كان بمعية الملك في السيارة كل من خادمه، وهو شقيق الخادم السابق القتيل، وعامل اللاسلكي، جالسين في المقعد الخلفي بالسيارة، ولكنهما اختفيا في ظروف غامضة، ولم يعرف أحد عن مصيرهما نهائياً، وقد أثارت عملية اختفائهما شكوكاً كبيرة حول مقتل الملك، وحول صدقيه حادث الاصطدام، واستمرت تلك الشكوك تحوم حول عبد الإله ونوري السعيد والسفارة البريطانية. فقد ذكر الفريق نور الدين محمود، الذي كان قد شغل منصب رئيس أركان الجيش ثم رئيساً للوزراء عام 1952 حول حقيقة مقتل الملك غازي ما يلي: { إنه اصطدام غامض وعويص، لا يسع الإنسان مهما كان بسيطاً في ملاحظته إلا أن يكذّب زعم الحكومة وهو يقارنه بالأدلة التي يراها في مكان الحادث}. (11) أما العقيد صلاح الدين الصباغ فيقول في مذكراته: { قضت المصالح البريطانية اغتيال الملك غازي، فتم في ليلة 3 / 4 نيسان 1939 وهو في السابعة والعشرين من عمره}. (12) ويقول الأستاذ [ جان ولف ] في كتابه [ يقظة العالم العربي ] : { مات الملك غازي على أثر حادث غريب، فقد اصطدمت سيارته دونما سبب وجيه، بينما كان يقودها بسرعة معقولة، فتعالى الهمس في بغداد بين أبناء الشعب متهمين بعض الجهات بتدبير الحادث}. (13) وقال الأستاذ [كارتاكوز ] في كتابه [ ثورة العراق ] ما يلي : { لعل مأثرته الرئيسية ـ يقصد الملك غازي ـ انه قد لاقى حتفه بشكل عنيف في حادث سيارة يٌعتقد أن البريطانيين وأعوانهم من العراقيين هم الذين فعلوه}. (14) وجاء الدليل القاطع بعد سنوات طويلة، عندما التقى الأستاذ [عبد الرزاق الحسني] مؤلف تاريخ الوزارات العراقية في 8 نيسان 1975 بالدكتور [صائب شوكت ] طبيب الملك غازي الخاص، وأول من قام بفحصه قبل وفاته، وسأله عن حقيقة مقتله فأجابه بما يلي: { كنت أول من فحص الملك غازي بناء على طلب السيدين [نوري السعيد] و[رستم حيدر] لمعرفة درجة الخطر الذي يحيق بحياته، وأن نوري السعيد طلب إليّ أن أقول في تقريري أن الحادث كان نتيجة اصطدام سيارة الملك بعمود الكهرباء. وأنا أعتقد أنه قد قتل نتيجة ضربة على أم رأسه بقضيب حديدي بشدة، وربما استُخدم شقيق الخادم الذي قُتل في القصر، والذي كان معه في السيارة لتنفيذ عملية الاغتيال. فقد جيء بالخادم فور وقوع العملية إليّ وكان مصاباً بخلع في ذراعه، وقمت بإعادته إلى وضعه الطبيعي، ثم اختفي الخادم ومعه عامل اللاسلكي منذ ذلك ليوم وإلى الأبد، ولا أحد يعرف عن مصيرهما حتى اليوم. (15) كما التقى السيد عبد الرزاق الحسني بالسيد [ ناجي شوكت ] الذي كان وزيراً للداخلية آنذاك وسأله عن حقيقة مقتل الملك غازي ما يلي: { لقد احتفظت بسر دفين لسنين طويلة، وها قد جاء الآن الوقت لإفشائه، كانت آثار البشر والمسرة طافحة على وجوه نوري السعيد، و رستم حيدر، ورشيد عالي الكيلاني، وطه الهاشمي، بعد أن تأكدوا وفاة الملك، وكان هؤلاء الأربعة قد تضرروا من انقلاب بكر صدقي، واتهموا الملك غازي بأنه كان على علم بالانقلاب، وأنا أعتقد أن لعبد الإله ونوري السعيد مساهمة فعلية في فاجعة الملك غازي}. (16) وهكذا أسدل الستار على مقتل الملك غازي، وتم نقل جثمانه إلى المقبرة الملكية في الأعظمية، في الساعة الثامنة من صباح يوم الخامس من نيسان على عربة مدفع، وسط موجة من الهياج اجتاحت جماهير بغداد الغاضبة، والمنددة بالاستعمار البريطاني وأعوانه القتلة، وانهمك المتآمرون بعد دفنه، بترتيب الأمور لتنصيب عبد الإله وصياً على العرش وولياً للعهد. ثالثاً: فيصل الثاني ملكاً، وعبد الإله وصياً على العرش وولياً للعهد: كان مقتل الملك غازي هو الجانب الأول من مؤامرة نوري السعيد وأسياده الإنكليز، وكان الجانب الثاني يتمثل بتنصيب عبد الإله وصياً على العرش وولياً للعهد. فمنذ الساعات الأولى لمقتل الملك غازي عمل نوري السعيد جاهداً ليقنع مجلسا النواب والأعيان، والشعب العراق بما ادعاه بوصية مزعومة للملك غازي بتكليف عبد الإله بالوصاية على العرش فيما إذا حصل له أي مكروه له. إلا أن[ طه الهاشمي] قال في مذكراته: {أن الوصية التي عزاها نوري السعيد إلى الملك غازي كانت مزيفة دون شك }. (17) أما وزير الدولة السيد [ علي الشرقي ] فيقول في كتابه [الأحلام ] ما يلي: { أوعز نوري السعيد إلى الملكة عالية أن ترفع كتاباً إلى مجلس الوزراء المنعقد للنظر في إقامة وصي على العرش تشهد فيه أن الملك غازي قد أوصاها أن يكون عبد الإله وصياً على العرش إذا ما حدث له أي مكره}. (18) وقال السفير البريطاني [ سندرسن ] في كتابه [Both Side of Curtain]: { كان معروفاً أيضاً أن الإنكليز كانوا يميلون إلى عبد الإله أكثر من ميلهم إلى الملك غازي }. (19) ويقول الدكتور [ صائب شوكت ] طبيب الملك غازي الخاص ما يلي:. إنه عندما تأكد من وفاة الملك غازي، كان عبد الإله وتحسين قدري بالقرب مني. دنا تحسين قدري مني وهمس في آذني أن الأمير عبد الإله يرجوك بأن تقول بأن الملك أوصاك قبل وفاته بأن يكون عبد الإله وصياً على ولده الصغير فيصل، ولكني رفضت ذلك رفضاً قاطعاً قائلاً له: إن الملك غازي كان فاقداً الوعي فور وقوع الحادث وحتى وفاته}.(20) ويقول طبيب الملك البريطاني [ سندرسن ] في كتابه المعنون: [Thousand and One Night] حول مقتل الملك : { في خلال 20 دقيقة من وفاة الملك غازي طلب إليّ[ رستم حيدر] أن أعلن أن الملك غازي قبل أن يموت قد عّبر عن رغبته بأن يتولى عبد الإله السلطة كوصي على العرش،غير أني رفضت أن أفعل ذلك، لأن الملك لم يستعيد وعيه لحظة واحدة، وحتى لو ارتكبت جريمة مثل هذا الإدعاء الكاذب فلابد أن يكون هناك الكثير من المستعدين لتكذيبه}. (21) ورغم كل ذلك فقد اجتمع مجلس الوزراء، واتخذ قراره بتولي عبد الإله الوصاية على العرش وولاية العهد، ودعا نوري السعيد مجلسا النواب والأعيان إلى عقد جلسة مشتركة في يوم الخميس المصادف 6 نيسان 1939، وكان عدد الحاضرين 122عضواً فقط من مجموع المجلسين، وكلهم من مؤيدي نوري السعيد، حيث قاطع الجلسة عدد كبير من النواب والأعيان لكي لا يكونوا شاهدي زور على جريمة الاغتيال، وقد عرض عليهم نوري السعيد قرار مجلس الوزراء، وتمت الموافقة عليه بإجماع الحاضرين، وبذلك تم تنصيب عبد الإله وصياً على العرش ،وولياً للعهد. رابعاً: نوري السعيد يقدم استقالة حكومته،وتكليفه من جديد على اثر انتخاب عبد الإله وصياً على العرش، قدم نوري السعيد استقالة حكومته في 6 نيسان 1939، وتم قبول الاستقالة، وعلى الفور كلف عبد الإله نوري السعيد من جديد بتأليف الوزارة التي جاءت على الشكل التالي: 1 ـ نوري السعيد ـ رئيساً للوزراء ووزيراً للخارجية . 2 ـ ناجي شوكت ـ وزيراً للداخلية. 3 ـ رستم حيدر ـ وزيراً للمالية . 4 ـ محمود صبحي الدفتري ـ وزيراً للعدلية . 5 ـ طه الهاشمي ـ وزيراً للدفاع . 6 ـ عمر نظمي ـ وزيراً للاقتصاد والمواصلات . 7 ـ صالح جبر ـ وزيراً للمعارف . وهكذا جاءت الوزارة من نفس الأعضاء السابقين باستثناء إضافة ناجي شوكت لوزارة الداخلية، حيث استوزره نوري السعيد لكونه شقيق طبيب الملك غازي الخاص[ صائب شوكت] لكي يأمن من عدم فضح صائب شوكت لدوره في مقتل الملك غازي، وفرض عبد الإله وصياً على العرش بأساليب الكذب والافتراء. (22) خامساً: السعيد يحل البرلمان ويجري انتخابات جديدة: كانت أولى المهام التي أخذ نوري السعيد على عاتقه تحقيقها هي إجراء انتخابات جديدة. فقد سبق أن حصل إرادة ملكية بحل البرلمان في أواخر أيام الملك غازي، لكي يؤمن لوزارته الأغلبية المطلقة، ويصبح طليق اليدين للمهمات الخطيرة التالية، والتي كان على رأسها مشروعه للتآمر على سوريا، ومحاولة ضمها إلى العراق. وبعد أن تم له ما أراد وأجرى الانتخابات في 29 نيسان 1939 بأسلوبه المعروف في التزوير والممارسات غير المشروعة، وجاء بالمجلس كما يريده، عقد المجس أولى جلساته في 12 حزيران بحضور عبد الإله، الذي ألقى خطاب العرش لأول مرة، ودافع في ذلك الخطاب عن إجراءات نوري السعيد ضد حكمت سليمان، والضباط الموالين للفريق بكر صدقي، بدعوى وجود المؤامرة السالفة الذكر. كما برر إعلان الأحكام العرفية في الموصل، إثر مقتل القنصل البريطاني فيها، بعد إعلان مقتل الملك غازي، وإحالة أعداد كبيرة من المواطنين الموصليين إلى المجالس العرفية التي أصدرت بحقهم الأحكام الجائرة والقاسية، والتي وصلت إلى حد الحكم بالإعدام على بعضهم. كما برر عبد الإله لجوء نوري السعيد إلى حل المجلس النيابي، وإجراء انتخابات جديدة. سادساً:السعيد وعبد الإله يتآمران على سوريا لضمها للعراق بعد أن انتهى نوري السعيد من الانتخابات، وأمّن له الأغلبية المطلقة في المجلس أنصرف إلى المهمة الأساسية والخطيرة، إلا وهي مشروعه للتآمر على سوريا ومحاولة ضمها إلى العراق بالقوة. كان باكورة مشروعه تكليف وزير الداخلية[ ناجي شوكت] بالسفر إلى تركيا، واستطلاع موقفها من مشروعه، وبالفعل غادر ناجي شوكت إلى تركيا، وأجرى محادثات مع أركان الحكومة التركية حول المشروع، ولم تعارض الحكومة التركية رغبة نوري السعيد بضم سوريا، بعد أن ضمنت لنفسها ضم لواء الاسكندرون السوري إليها. (23) وفي الوقت الذي كان ناجي شوكت في تركيا يجري مباحثاته مع الحكومة التركية،أجرى نوري السعيد تعديلاً على وزارته، أخرج بموجبه ناجي شوكت من وزارة الداخلية وأسندها لنفسه، كما أسند وزارة الخارجية التي كانت بعهدته إلى [علي جودت الأيوبي ]، وهكذا تخلص نوري السعيد من ناجي شوكت، ولما يمضي على تشكيل الوزارة سوى أيام قلائل، وهذا ما يؤكد كون نوري السعيد استوزر[ ناجي شوكت] حينذاك لغرض في نفسه. (24) وفي 10 تموز من ذلك العام قُتل مدير الشرطة العام [ هاشم العلوي ] في الرطبة،عندما كان في طريقه إلى لبنان، وأحيط مقتله بظروف غامضة، حيث قالت الحكومة أنه انتحر، ولكن الحقيقة التي كان يتداولها العارفون ببواطن الأمور آنذاك يقولون أن هاشم العلوي كان يعرف أسرار مقتل الملك غازي، وأراد نوري السعيد أن يتخلص منه بأسرع وقت خوفاً من أن يقوم بإفشاء تلك الأسرار لدى وصوله إلى لبنان، نظراً لكونه كان يشغل أعلى منصب أمني في البلاد، وانه كان مطلعاً على كل شيء. (25) التوثيق (1)مذكرات طه الهاشمي ـ ص 200 . Both side of Curtain(2) ـ ص 150 ـ موريس باترسن سفير بريطانيا في العراق (3)فرسان العروبة ـ ص 90 صلاح الدين الصباغ . (4)مذكرات طه الهاشمي ـ ص 300 . (5)مذكرات توفيق السويدي ـ نصف قرن تاريخ العراق ـ ص 326 . (6)تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الخامس ـ ص 76 ـ عبد الرزاق الحسني . (7)المصدر السابق ـ ص77 . (8)نفس المصدر ـ ص78 . (9)حديث الدكتور صائب شوكت ـ طبيب الملك غازي مع الحسني في 8 نيسان 1975 . (10)تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الخامس ـ ص 79 ـ عبد الرزاق الحسني . (11)فرسان العروبة ـ ص 87 ـ صلاح الدين الصباغ . (12)المصدر السابق ـ ص 87 . (13)يقظة العالم العربي ـ ص 120 ـ جان ولف . (14)ثورة العراق ـ ص 32 ـ كارتاكوز . (15)تصريح صائب شوكت لعبد الرزاق الحسني ـ ت ، ز ، ع ، ص 79 . (16)تصريح ناجي شوكت ـ وزير الداخلية ـ لعبد الرزاق الحسني ـ ت ، و ، ع ، الجزء الخامس ، صحيفة 81 ـ (17)مذكرات طه الهاشمي ـ ص 241 . (18)كتاب الأحلام ـ ص 170 ـ علي الشرقي . (19)تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الخامس ـ ص 79 . (20)نفس المصدر السابق . (21)الف ليلة وليلة ـ ص 170 ـ طبيب الملك غازي سندرسن . (22)مذكرات طه الهاشمي ـ ص 305 . (23) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الخامس ـ ص 90 ـ عبد الرزاق الحسني (24)نفس المصدر .
الحرب العالمية الثانية وحركة الكيلاني ومواقف نوري السعيد
أولا: نوري السعيد والموقف من الحرب العالمية الثانية: لم تكد بريطانيا تعلن الحرب على ألمانيا، واشتعال لهيب الحرب في أنحاء أوربا، حتى بادر السفير البريطاني للاتصال بنوري السعيد على الفور طالباً منه تطبيق معاهدة التحالف المبرمة بين البلدين في 30 حزيران 1930، وإعلان الحرب على ألمانيا، وقد طمأن نوري السعيد السفير البريطاني، ووعده بقطع العلاقات مع ألمانيا، وإعلان الحرب عليها بأسرع وقت. (1) وعلى الفور أبلغ نوري السعيد الوصي عبد الإله برغبة بريطانيا بإعلان الحرب على ألمانيا، وتقرر عقد اجتماع لمجلس الوزراء برئاسة عبد الإله في 5 أيلول 1939، وطرح نوري السعيد أمام مجلس الوزراء الطلب البريطاني، لكن خلافاً حاداً حدث داخل مجلس الوزراء، فقد رفض وزير الدفاع [طه الهاشمي ] ووزير العدل [ محمود صبحي الدفتري ] فكرة إعلان الحرب على ألمانيا، طالبين الاكتفاء بقطع العلاقات الدبلوماسية معها، وأعلنا أنهما سيقدمان استقالتهما إذا ما أصر نوري السعيد على إعلان الحرب. (2) وإزاء ذلك الموقف اضطر نوري السعيد للتراجع مؤقتاً، والاكتفاء بقطع العلاقات الدبلوماسية، وسارع بالطلب من السفير الألماني [الدكتور كروبا] بمغادرة البلاد تحت حراسة الشرطة نحو سوريا، كما قام نوري السعيد باعتقال كافة الرعايا الألمان، وسلمهم للقوات البريطانية المتواجدة في قاعدة الحبانية، ثم جرى تسفيرهم إلى الهند كأسرى حرب. أما عبد الإله فقد سارع إلى إرسال برقية إلى الملك جورج، ملك بريطانيا، يبلغه أن العراق سوف يلتزم تماماً بمعاهدة الصداقة والتحالف المعقودة مع بريطانيا عام 1930، وسوف يقدم العراق كل ما تتطلبه المعاهدة. (3) كما أذاع نوري السعيد بياناً للحكومة في 17 أيلول أعلن فيه التزام العراق بمعاهدة التحالف مع بريطانيا، واستعداد الحكومة للقيام بما تمليه تلك المعاهدة من واجبات تجاه الحليفة بريطانيا. سبب موقف نوري السعيد وحكومته موجة من السخط العارم على تلك السياسة المتعارضة مع المصلحة الوطنية، والتي تهدف إلى زج العراق في الحرب الإمبريالية. أما نوري السعيد فقد أقدم على تعطيل مجلس النواب الذي نظمت وزارته انتخابه قبل مدة وجيزة، ولجأ إلى إصدار المراسيم المخالفة للدستور، والهادفة إلى قمع كل معارضة لسياسته الموالية لبريطانيا، وكان من بين تلك المراسيم مرسوم مراقبة النشر رقم 54 لسنة 1939، ومرسوم الطوارئ رقم 57 لسنة 1939، منتهكاً بذلك الحقوق والحريات التي كفلها الدستور للشعب. (4) وتطبيقاً لمعاهدة 1930، فتح نوري السعيد الباب على مصراعيه للقوات البريطانية لكي تحتل العراق من جديد، وليصبح العراق طرفاً في حرب استعمارية لا ناقة له فيها ولا جمل كما يقول المثل. لم تترك الحرب العالمية الثانية بعد أن أمتد لهيبها ليشمل أوربا وأسيا وأفريقيا بلداً إلا وكان لها تأثير كبير عليه، سواء كان عسكرياً أم اقتصادياً، أم اجتماعياً، وكان العراق غارقاً في خضم تلك الحرب بعد أن احتلته القوات البريطانية احتلالاً كاملاً لمنع القوات الألمانية من الوصول إليه، حيث يمتلك العراق مصادر الطاقة [النفط] التي كانت ألمانيا بأمس الحاجة لها لإدامة آلتها الحربية. لقد عانى الشعب العراقي الأمرّين من تلك الحرب حيث أفتقد المواد الغذائية،والملابس، وغيرها من الحاجات المادية الأخرى، وأصبحت تلبية تلك الحاجات أمراً صعباً للغاية، واضطرت الحكومة إلى تطبيق نظام الحصص[الكوبونات] لكي تحصل الأُسر العراقية على حاجتها من المواد الغذائية والأقمشة لصنع الملابس، واشتهرت تلك الأيام بـ[ أيام الخبز الأسود] بسبب النقص الخطير في الحبوب، ورداءة نوعية الطحين. كما أن حكومة نوري السعيد كانت قد سخرت موارد البلاد لخدمة الإمبريالية البريطانية وحربها، مما أثار غضب الشعب العراقي وحقده على الإنكليز، والنظام الملكي. وفي تلك الأيام جرى اغتيال وزير المالية [ رستم حيدر] في 18 كانون الثاني 1940،على يد مفوض الشرطة [حسين فوزي توفيق] في مكتبه بالوزارة، وقد تم اعتقال القاتل. حاول نوري السعيد أن يستغل الحادث لتوجيه تهمة التحريض على القتل لعدد من الشخصيات السياسية المعارضة، حيث أقدم على اعتقال كل من الوزيرين السابقين[ صبيح نجيب ] و[إبراهيم كمال ]، والمحاميين المعروفين [ نجيب الراوي ] و[شفيق السعيدي] موجهاً لهم تهمة التحريض على قتل الوزير. وقام نوري السعيد بمقابلة القاتل في السجن وضغط عليه، ووعده بالتخفيف عنه لكي يعترف بأن صبيح نجيب، وإبراهيم كمال قد حرضاه على قتل [رستم حيدر]. (5) أثار تصرف نوري السعيد هذا حفيظة العديد من رؤساء الوزارات والوزراء السابقين، بالإضافة إلى وزير الداخلية في حكومة السعيد [ناجي شوكت] حيث وجدوا أن نوري السعيد يريد استخدام حادث القتل لتصفية عدد من خصومه السياسيين، ولذلك فقد لجئوا إلى الوصي عبد الإله، مستنكرين أعمال نوري السعيد بزج أسماء أولئك الذين اتهمهم بالتحريض على قتله، وكان من بين أولئك الذين قابلوا الوصي، وشكوه من تصرفات نوري السعيد كل من ناجي السويدي، وجميل المدفعي، وتوفيق السويدي، وكلهم من رؤساء الوزارات السابقين. (6) ورغم كل تلك الاحتجاجات حاول نوري السعيد إحالة هؤلاء المعتقلين إلى المجلس العرفي العسكري لمحاكمتهم بتهمة التحريض، إلا أن وزير الخارجية[ علي جودت الأيوبي ]، ووزير المواصلات والأشغال[ جلال بابان] عارضا بشدة محاولة نوري السعيد، وطالبا بإحالة القضية إلى محكمة مدنية. كما هدد وزير العدل [محمود صبحي الدفتري ] بالاستقالة إذا ما مضى السعيد بخططه، وقد أيد موقف الوزير اثنان آخران من الوزراء، وبذلك فشلت خطط نوري السعيد، وأصبح من المتعذر عليه الاستمرار في الحكم بتلك التشكيلة الوزارية، فتوجه باستقالة حكومته إلى الوصي في 18 شباط 1940. (6) استقالة وزارة نوري السعيد: قبل أن يقدم نوري السعيد استقالة حكومته إلى الوصي، دعا مساء يوم 14 شباط القادة العسكريين الذين كان يتوكأ عليهم، وهم العقداء [ صلاح الدين الصباغ ] و[ فهمي سعيد ] و [محمود سلمان ] و[ كامل شبيب ] و[ سعيد يحيى ] و [إسماعيل نامق ] إلى العشاء معه في داره، وفي أثناء المأدبة فاتحهم بموضوع وزارته وأوضاعها، بعد مقتل [رستم حيدر] معرباً عن رغبته في الاستقالة، وأبلغهم أنه اتفق مع [ طه الهاشمي ] على إسناد رئاسة الوزارة إلى [رشيد عالي الكيلاني]، وقد عبر قادة الجيش عن معارضتهم لاستقالة نوري السعيد ودعمهم له. لكن نوري السعيد عاد بعد يومين إلى فكرة الاستقالة، وفي الوقت نفسه قام وزير الدفاع [ طه الهاشمي ] بجمع قادة الجيش في 18 شباط وشرح لهم ضرورة استقالة الحكومة، وتأليف حكومة جديدة قوية ولما بلغ أسماع رئيس أركان الجيش [الفريق حسين فوزي] تلك التحركات، أستدعى أولئك القادة العسكريين، وأبلغهم أن في نية نوري السعيد الاستقالة، وتكليف[رشيد عالي الكيلاني] بتشكيل الوزارة الجديدة على أن يشغل نوري السعيد وزارة الخارجية، و[طه الهاشمي ] وزارة الدفاع ،وأبدى رئيس أركان الجيش الفريق[حسين فوزي]، وقائد الفرقة الأولى اللواء [أمين العمري] رغبتيهما في عدم إشراك هذين القطبين اللذين استخدما الجيش في المسائل السياسية، وضرورة إبعاد الجيش عن السياسة. (7) ولما علم نوري السعيد بتحركات الفريق حسين فوزي والفريق أمين العمري قرر سحب استقالة حكومته، وأصدر قراراً بإحالة كل من [حسين فوزي] و[أمين العمري] و[عزيز ياملكي] على التقاعد في الوقت الذي كان هؤلاء يخططون لعمل ضد حكومته، لكن السعيد كان أسرع منهم حيث وجه لهم ضربته، وعاد يمتلك السلطة والقوة من جديد حيث كلفه عبد الإله بتأليف الوزارة الجديدة. (8) ثانياً: نوري السعيد يؤلف الوزارة من جديد: حاول عبد الإله في بادئ الأمر تشكيل وزارة محايدة برئاسة الشيخ [محمد الصدر] رئيس مجلس الأعيان، إلا أن الصدر اعتذر عن هذه المهمة بسبب ضغوط العسكريين الموالين لنوري السعيد، كما اعتذر [رشيد عالي الكيلاني] عن المهمة لنفس السبب. أما نوري السعيد فقد ذهب لمقابلة الوصي عبد الإله وأبلغه أن الجيش معه، فلم يجد الوصي سبيلاً سوى تكليف نوري السعيد من جديد في 22 شباط 1940، وتم تشكيل وزارته الخامسة بنفس اليوم، لكن هذه الوزارة كانت قصيرة العمر، حيث لم تمكث في الحكم سوى خمسة أسابيع،عمل خلالها نوري السعيد جاهداً على إدانة المتهمين بالتحريض على قتل [رستم حيدر] لكنه لم يوفق في ذلك بعد أن طلبت منه الحكومة البريطانية إجراء محاكمة مدنية لهم . (9) واضطر نوري السعيد إلى سحب الدعوة من المجلس العرفي، وأحالها إلى المحاكم المدنية التي نظرت في الدعوة، وقررت براءتهم من التهمة الموجه لهم، إلا أنها حكمت على وزير الدفاع السابق [ صبيح نجيب] بالسجن لمدة سنة واحدة بسبب تهجمه على حكومة نوري السعيد، حيث اعتبرت المحكمة ذلك التهجم إثارة للرأي العام ضد الحكومة. أما القاتل فقد حكم علية بالإعدام، ونفذ الحكم به فجر يوم الأربعاء 27 آذار 1940، وقد تفوه القاتل قبيل تنفيذ الحكم بعبارات تثير الشكوك في أن يكون لنوري السعيد يد في تدبير اغتيال رستم حيدر، وبإعدامه أسدل الستار على هذه القضية التي أراد نوري السعيد استخدامها وسيلة للتنكيل بخصومه السياسيين، وأصبحت حكومة نوري السعيد في موقف ضعيف جداً بعد افتضاح اللعبة التي لعبها مما اضطره ذلك إلى تقديم استقالة حكومته إلى الوصي في 31 آذار 1940، حيث تم قبول الاستقالة في نفس اليوم، وباشر الوصي مشاوراته لتأليف وزارة جديدة حيث دعا رؤساء الوزارات السابقين السادة [علي جودت الأيوبي] و[توفيق السويدي] و[ناجي السويدي] و[جميل المدفعي] و[نوري السعيد] و[رشيد عالي الكيلاني] و[ناجي شوكت] وتباحث معهم في أمر تأليف وزارة ائتلافية تضم جميع الأطراف، وتستطيع مجابهة الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، حيث استقر الرأي على تكليف [ رشيد عالي الكيلاني]، وقيل آنذاك أن السفير البريطاني هو الذي أشار على الوصي بتأليف وزارة قومية تضم جميع الأطراف والتكتلات. (10) ثالثاً: رشيد عالي الكيلاني يؤلف وزارة جديدة: في 31 آذار 1940 صدرت الإرادة الملكية بتكليف رشيد عالي الكيلاني الذي كان يشغل منصب رئيس الديوان الملكي آنذاك بتأليف الوزارة الجديدة، واحتفظ الكيلاني بوزارة الداخلية، وأصبح نوري السعيد وزيراً للخارجية، وطه الهاشمي وزيراً للدفاع، فيما شغل ناجي السويدي وزارة المالية، وناجي شوكت وزارة العدل. وهكذا جاءت الوزارة الكيلانية الجديدة وهي تضم أربعة من رؤساء الوزارات السابقين، ومختلف الكتل، وحاولت تحسين صورتها أمام الرأي العام العراقي، فأقدمت على إلغاء الأحكام العرفية في الموصل وبغداد، وأطلقت سراح العديد من المعتقلين السياسيين الذين أدانتهم المجالس العرفية. لكن الحكومة بدأت باكورة أعمالها بإصدار مرسوم [ صيانة الأمن العام وسلامة الدولة] في 30 أيار 1940، وجاء هذا المرسوم أشد وطأة من المرسوم الذي أصدره نوري السعيد، والذي رفضته المحكمة العليا فيما بعد لمخالفته أحكام الدستور، في 11 أيلول 1939، حيث خول المرسوم الجديد صلاحية اعتقال الأشخاص المشتبه بكونهم يمثلون خطراً على الأمن العام ونفيهم، أو سجنهم لمدد تصل إلى 5 سنوات، وفرض المرسوم قيوداً جديدة على الصحف، وكافة وسائل النشر ومراقبة الرسائل البريدية، والتلفون، والبرقيات، ومراقبة المطبوعات والمطابع، وصلاحية غلقها، ومنع الاجتماعات والتجمعات، وتفريقها بالقوة، وغلق النوادي والجمعيات، ومنع التجول، وتفتيش الأشخاص والمساكن والمحلات، وغيرها من الإجراءات الأخرى المخالفة للدستور، وخول المرسوم وزير الداخلية صلاحية اتخاذ كل ما يلزم لتنفيذ هذا المرسوم، واعتبر هذا المرسوم لطخة سوداء في تاريخ الوزارة الكيلانية. لم تكد تمضي سوى مدة شهرين على تشكيل الوزارة الكيلانية حتى دبت الخلافات بين أركانها بسبب الموقف من إيطاليا التي أعلنت الحرب على بريطانيا وفرنسا في 10 حزيران 1940 ، ودخلت الحرب إلى جانب ألمانيا. فقد سارع السفير البريطاني إلى الاجتماع بنوري السعيدـ وزير الخارجية ـ وطلب منه قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيطاليا، وطلب منه أيضا أن يصله جواب الحكومة قبل الساعة الثانية عشرة من ظهر ذلك اليوم. (11) وعلى الفور قام نوري السعيد بإبلاغ رئيس الوزراء بطلب السفير البريطاني، وتقرر أن يجتمع مجلس الوزراء فوراً برئاسة الوصي عبد الإله لدراسة الطلب البريطاني، واتخاذا قرار بشأنه. وخلال النقاش الذي أجراه مجلس الوزراء ظهر انقسام شديد بين أعضائه، فقد انقسم المجلس إلى تيارين، التيار الأول دعا إلى إعلان قطع العلاقات مع إيطاليا فوراً، تنفيذاً لطلب بريطانيا وتزعم هذا التيار [نوري السعيد] وضم [محمد أمين زكي] و[صادق البصام] و[رؤوف البحراني] و[عمر نظمي] . أما التيار الثاني والأقوى بزعامة رئيس الوزراء[ رشيد عالي الكيلاني] وضم [ طه الهاشمي ] و[ناجي شوكت] و[ناجي السويدي] فقد دعا إلى التريث، وعدم التسرع في اتخاذ أي قرار، ولاسيما وأن الحرب قد اتخذت لها مساراً خطيراً، بعد أن استطاعت ألمانيا اجتياح معظم البلدان الأوربية، مؤكدين على ضرورة أن تراعي الحكومة مصلحة البلاد، وتراقب أوضاع الحرب وتطوراتها لكي لا تنعكس سلباً على العراق. تأزمت الخلافات داخل مجلس الوزراء بين التيارين، وهدد الوزير [محمد أمين زكي] بالاستقالة إذا لم تقرر الوزارة الاستجابة لطلب بريطانيا. غير أن مجلس الوزراء لم يتوصل إلى أي قرار، وتم الاتفاق على عقد جلسة أخرى مساء اليوم نفسه، وفي مقر مجلس الوزراء. وتم عقد الاجتماع في الموعد المقرر، وواصل مناقشة الموضوع، واتخذت الحكومة قرارها بالتريث في مسألة قطع العلاقات مع إيطاليا، مع الإقرار بتمسك الحكومة بمعاهدة التحالف مع بريطانيا، واستعدادها للقيام بما تمليه عليها معاهدة 1930 المعقودة مع بريطانيا. أثار قرار الحكومة غضب السفير البريطاني الذي أسرع لمقابلة رئيس الوزراء في 12 حزيران، وعبر له عن دهشة، وقلق بريطانيا من القرار، وتردد الحكومة في قطع العلاقات مع إيطاليا، وأبلغه بأن هذا الموقف من جانب الحكومة يؤثر تأثيراً بالغاً على صدقيه الحكومة في تنفيذ بنود معاهدة التحالف الموقعة عام 193. لكن الكيلاني أجابه على الفور أن الحكومة تقرر ما تراه موافقاً لمصلحة البلاد، فكان أن سأله السفير فيما إذا كان هذا الموقف يمثل رأيه الشخصي أم رأي الحكومة ؟ وقد رد عليه الكيلاني أن القرار قد اتخذته الحكومة، وأنا أرى شخصياً أن لا يورط العراق نفسه في عمل من شأنه أن يؤثر على حاضره ومستقبله، ويقلق الرأي العام العراقي. أثار تصرف رئيس الوزراء الكيلاني هذا غضب المستر [تشرشل ] رئيس الوزراء البريطاني حيث صرح قائلاً : {إن حكومة الكيلاني تتصرف بروح استقلالية لم يسبق لأي رئيس وزارة عراقية أن تصرف بمثلها من قبل }. (12) وحاولت الحكومة البريطانية الضغط على حكومة العراق بأساليبها العسكرية، فقد أبلغت السفارة البريطانية وزارة الخارجية العراقية بكتابها المرقم 284 في 21 حزيران 1940أن الحكومة البريطانية قررت إنزال قواتها العسكرية في البصرة، لغرض التوجه إلى حيفا، وطلبت أن تسمح الحكومة للقوات الجوية البريطانية بتأسيس معسكرات للاستراحة في البصرة وبغداد والموصل، وتأسيس خطوط مواصلات عبر الصحراء بين بغداد وحيفا،وقد أجابت الحكومة العراقية بالموافقة على الطلب البريطاني في 22 تموز،عملاً ببنود معاهدة 1930، وكان ذلك أكبر خطأ ارتكبته حكومة الكيلاني، فقد كان الهدف الحقيقي من جلب القوات البريطانية لغرض فرض الهيمنة البريطانية المطلقة على العراق، وإسقاط حكومته، كما سنرى فيما بعد. رابعاً: تطورات العلاقة العراقية الألمانية والعراقية البريطانية لم يمضِ سوى أسبوع واحد على دخول إيطاليا الحرب إلى جانب ألمانيا حتى استطاعت الأخيرة دحر القوات الفرنسية، واحتلال العاصمة الفرنسية باريس. وفي تلك الأيام وصل إلى العراق [الحاج أمين الحسيني ] مفتي فلسطين هرباً من ملاحقة القوات البريطانية له، وكان معروفاً عنه أنه كان على علاقة جيدة مع ألمانيا غريمة بريطانيا، وقد نصح الحسيني الكيلاني بأن يجري اتصالاً مع السفير الألماني في تركيا [فون بابن ] للوقوف على وجهة نظر ألمانيا تجاه مستقبل البلاد العربية، وسوريا على وجه الخصوص، حيث كانت تحت الانتداب الفرنسي. (13) جرى الاتفاق بين الكيلاني والحسيني أن ترسل الحكومة وفداً مؤلفاً من وزير الخارجية[نوري السعيد] ووزير العدل [ ناجي شوكت] إلى تركيا بحجة التباحث مع الحكومة التركية حول مستقبل سوريا بعد انهيار فرنسا،على أن يقوم ناجي شوكت بعد انتهاء المباحثات وعودة نوري السعيد بزيارة إلى [اسطنبول] لبضعة أيام بدعوى الراحة والاستجمام لغرض الالتقاء مع السفير الألماني [فون بابن] دون علم نوري السعيد لعدم ثقة الكيلاني به، وقد زود أمين الحسيني السيد ناجي شوكت برسالة إلى السفير [فون بابن ] الذي تربطه به علاقات وثيقة. وبعد سفر الوفد إلى تركيا أجرى محادثات مع الحكومة التركية حول مستقبل سوريا، بعد انهيار فرنسا، وقد عاد نوري السعيد إلى بغداد بعد انتهاء المباحثات، فيما توجه ناجي شوكت إلى اسطنبول، بحجه قضاء بضعة أيام فيها للراحة والاستجمام، والتقى بالسفير الألماني هناك وبحث معه موقف ألمانيا من البلاد العربية، وأبلغه أن العرب يطمحون إلى التخلص من الاستعمار البريطاني والفرنسي ، وهو يود معرفة موقف ألمانيا من الأماني العربية، وناشده أن تصدر ألمانيا وإيطاليا بياناً حول الموضوع، وقد وعده السفير الألماني بنقل ما دار في اللقاء إلى حكومته، وأن يبذل جهده لحمل الحكومة الألمانية على تحقيق الأماني العربية. وفي ختام اللقاء ترك إلى السفير العراقي [كامل الكيلاني] مهمة مواصلة اللقاءات مع السفير الألماني، وعاد إلى بغداد في 12 تموز، واطلع رفاقه الكيلاني، والهاشمي، وناجي السويدي على ما دار في ذلك اللقاء. (14) أما السفير[ فون بابن ] فقد توجه بعد اللقاء إلى ألمانيا ليجري اتصالاته مع الحكومة حول لقائه مع الوزير العراقي، واستطاع أن يقنع الحكومة بأن تصدر بياناً ألمانياً إيطالياً مشتركاً حول موقف دول المحور من البلاد العربية، ومستقبلها. ثم عاد إلى اسطنبول وأبلغ السفير العراقي كامل الكيلاني، شقيق رئيس الوزراء، بقرار الحكومة الألمانية، وقام السفير بدوره بإبلاغ أخيه بالأمر. وبناء على ذلك قرر رشيد عالي الكيلاني إرسال ناجي شوكت إلى اسطنبول مرة أخرى بحجة الراحة والاستجمام للقاء السفير[ فون بابن] وتقديم مسودة بالأسس التي تود الحكومة العراقية أن يتضمنها البيان، وكان في مقدمتها الاعتراف الصريح من جانب ألمانيا وإيطاليا باستقلال البلاد العربية، وحق العرب في إقامة وحدتهم القومية، ورفض إقامة كيان صهيوني في فلسطين. غادر ناجي شوكت إلى اسطنبول في 2 آب 1940، حيث التقى بالسفير الألماني، وسلمه مسودة البيان الذي تقترحه الحكومة العراقية، وطلب منه إرساله إلى حكومته، وأبلغه أن الحكومة العراقية بانتظار صدور البيان الألماني الإيطالي المنتظر، الذي يتضمن هذه الأسس التي نقلها إليه. وفي 23 تشرين الأول 1940 أذيع من راديو برلين وراديو روما البيان الموعود، لكن البيان جاء بعبارات عمومية لم تتضمن الأسس التي جاءت بها المسودة التي نقلها الوزير العراقي للسفير الألماني[ فون بابن] الذي أعلم السفير العراقي أن هذا البيان هو مجرد بداية !!. (15) تدهور العلاقات العراقية البريطانية : على اثر قرار حكومة الكيلاني بالتريث في قطع العلاقات مع إيطاليا رغم إلحاح السفير البريطاني، بدأت العلاقات العراقية البريطانية تأخذ بالتأزم، ولاسيما بعد أن وصل إلى علم الحكومة البريطانية الاتصالات التي أجراها ناجي شوكت مع السفير الألماني في تركيا [ فون بابن ]. لقد أدرك السفير البريطاني صعوبة التعاون مع حكومة الكيلاني، وأخذ يتحين الفرصة لإسقاطها، وبالمقابل أخذت حكومة الكيلاني تضيق على تحركات الإنكليز، ووسائل دعاياتهم ضد دول المحور متذرعة بعدم رغبة الحكومة بخلق مشاكل لها مع هذه الدول . وازدادت الأزمة تصاعداً عندما رفضت بريطانيا تزويد الجيش العراقي بالأسلحة التي كان بأمس الحاجة لها، حيث قيدت معاهدة 1930 العراق بشراء الأسلحة البريطانية فقط ، فلما وجدت حكومة الكيلاني أن الباب موصود أمامها للحصول على السلاح البريطاني لجأت إلى إيطاليا واليابان لشراء الأسلحة منهما، وكان رد الفعل البريطاني على خطوة حكومة الكيلاني أن امتنعت الحكومة البريطانية عن شراء القطن العراقي رغم تدني أسعاره، مما دفع بحكومة الكيلاني إلى عقد اتفاقية مع اليابان باعت بموجبها جميع محصول القطن، ومحصول التمور لها، مما أثار غضب الحكومة البريطانية إلى أقصى الحدود، ولاسيما وأن اليابان كانت قد دخلت الحرب إلى جانب ألمانيا. ومن جانب آخر أقدمت حكومة الكيلاني على إقامة العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي، مما أوصل العلاقات بين العراق وبريطانيا إلى أقصى درجات التأزم، بحيث أبلغ السفير البريطاني نوري السعيد بأن الحكومة البريطانية لم تعد تثق بحكومة الكيلاني، وأن على العراق أن يختار بين الاحتفاظ بحكومة الكيلاني أو الاحتفاظ بصداقة بريطانيا العظمى. (15) وهكذا بدأ الصراع المكشوف بين الحكومة البريطانية والسفير البريطاني وسارع الكيلاني إلى عقد جلسة لمجلس الوزراء لبحث التدخل البريطاني السافر بشؤون العراق الداخلية، وتقرر تقديم احتجاج رسمي إلى الحكومة البريطانية على تصرفات سفيرها في بغداد. (16) ولممارسة المزيد من الضغوط على حكومة الكيلاني لجأت بريطانيا إلى الولايات المتحدة داعية إياها للضغط على حكومة الكيلاني، حيث اتصل السفير الأمريكي بالكيلاني، وطلب منه التعاون مع الحكومة البريطانية، ومنع دعاية الكراهية لبريطانيا بين صفوف الشعب العراقي. وقد أكد الكيلاني للسفير الأمريكي أن الحكومة لا تنوي الإضرار بالمصالح البريطانية، وأنها حريصة على تطبيق بنود معاهدة 1930 لكن شائعات سرت بعد بضعة أيام تقول أن الحكومة العراقية تنوي إعادة العلاقات الدبلوماسية مع ألمانيا. لم يستطع نوري السعيد تحمل سياسة الكيلاني، وهو المتحمس إلى أبعد الحدود لتشديد ارتباط العراق بالعجلة البريطانية، فكتب مذكرة إلى الكيلاني، وبعث بنسخة منها إلى الوصي عبد الإله، وإلى السفير البريطاني ينتقد فيها سياسة الحكومة تجاه بريطانيا العظمى، ويتحدث عن فقدان الانسجام والتعاون بين أعضاء الوزارة، ويحذر من مغبة السير بهذا الطريق، ويدعو الحكومة إلى إعادة النظر في مجمل سياساتها. (17) أما الوصي عبد الإله فقد دعا لعقد جلسة لمجلس الوزراء برئاسته في البلاط، في 17 كانون الأول، لمناقشة مذكرة نوري السعيد، وسياسة الحكومة. وخلال الاجتماع بدت على الوصي علامات الانفعال من سياسة الكيلاني،حيث تحدث إليه قائلاً:{ إنني ألاحظ أن التآزر بين أعضاء الوزارة القائمة مفقود، والاختلافات بين أركانها في تزايد مستمر، ولاسيما فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، وعلاقات بلادنا بالحليفة بريطانيا العظمى}. (18) وقد رد السيد ناجي السويدي قائلاً أن ليس هناك من خلافات خطيرة تستوجب ذلك. لكن نوري السعيد أصر على موقفه من وجود الخلافات، وانتهى الاجتماع مع الوصي دون حدوث أي تغير. ولم يكد أعضاء مجلس الوزراء يغادرون البلاط الملكي حتى لحق رئيس الديوان الملكي السيد عبد القادر الكيلاني برشيد عالي الكيلاني ليطلب منه تقديم استقالته بناء على رغبة الوصي، حرصا على عدم إحراجه مع الإنكليز، وكان هذا التصرف من جانب الوصي بناء على طلب الحكومة البريطانية. وهكذا بدأت الأزمة بين حكومة الكيلاني والوصي عبد الإله، وقرر مجلس الوزراء إرسال وفد لمقابلة الوصي برئاسة رئيس الوزراء الكيلاني وعضوية كل من وزير الدفاع [طه الهاشمي] و ناجي شوكت ـ وزير المالية . وخلال اللقاء أبلغ الوفد الوصي أن طلب استقالة الوزارة عمل غير دستوري، وأن ليس من حقه بموجب الدستور أن يقيل الوزارة. (19) كان رشيد عالي الكيلاني في ذلك الوقت قد أمّن وقوف قادة الجيش العقداء الأربعة[ صلاح الدين الصباغ ] و[فهمي سعيد] و[محمود سلمان] و[كامل شبيب] إضافة إلى مفتي فلسطين الذي يتمتع بنفوذ كبير لدى الضباط القوميين. وفي 21 كانون الأول 1940، أعلن الكيلاني أمام مجلس النواب أن العراق دولة مستقلة، وعليه أن ينشد في كل تصرفاته مصالحه الوطنية، وأمانيه القومية، وينبغي أن لا ينجرف وراء ما لا يتلاءم مع هذه المصالح والأماني، وان الحكومة حريصة على عدم القيام بأي عمل يجر العراق إلى شرور الحرب والمساس بسلامة البلاد. وعلى أثر ذلك قطع السفير البريطاني أي صلة له بالحكومة ورئيسها وأخذت صلاته تجري مع الوصي بصورة مباشرة، متخطيا الحكومة الشرعية ورئيسها.اشتدت الأزمة داخل مجلس الوزراء، ولاسيما بين نوري السعيد المتحمس للإنكليز، وناجي شوكت المعارض لهم، واقترح طه الهاشمي لحل الأزمة أن يستقيل نوري السعيد وناجي شوكت من الوزارة، وبالفعل قدم نوري السعيد استقالته من الوزارة في 19 كانون الأول فيما قدم ناجي شوكت استقالته في 25 منه. لكن الوصي رفض التوقيع على الاستقالة مطالباً رشيد عالي الكيلاني بتقديم استقالة وزارته، غير أن تدخل العقداء الأربعة أجبر عبد الإله على توقيع استقالة الوزيرين، وأسندت وزارتيهما إلى ناجي السويدي، وعمر نظمي وكالة. (20) لم يرضِ هذا الإجراء السفير البريطاني الذي كان يلح على استقالة الوزارة، مشدداً ضغطه على الوصي عبد الإله، الذي أخذ يمتنع عن توقيع الإرادات الملكية والقوانين والمراسيم والأنظمة. وأخيراً أخذ يحرض الوزراء على الاستقالة من الحكومة، واستمر الوصي في ضغطه على الكيلاني بأن أرسل بطلب الوزير عمر نظمي في 25 كانون الأول 1940، وطلب منه إبلاغ الكيلاني بأنه سيستقيل من الوصاية إذا لم تقدم وزارة الكيلاني استقالتها حتى ظهر يوم الغد. (21) أما مجلس الوزراء فقد عقد اجتماعاً في اليوم التالي 26 كانون الأول لمناقشة الأزمة، ولم يحضر الوزيران المستقيلان، وخلال الاجتماع فاجأ الوزراء جميعاً رئيس الوزراء بتقديم استقالاتهم من الوزارة، ما عدا رؤوف البحراني، مما تسبب في إحراج الكيلاني الذي حاول جاهداً تثنيهم عن الاستقالة. (22) خامساً:أزمة خطيرة بين الوصي والكيلاني واستقالة الوزارة: تصاعدت الأزمة بين الوصي عبد الإله ورئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني بعد أن قدم الوزراء استقالاتهم، وحاول الوصي إرغام الكيلاني على تقديم استقالته عن طريق اللجوء إلى القوة العسكرية، حيث بادر لاستدعاء رئيس أركان الجيش، ومدير الشرطة العام، وطلب إليهم عدم إطاعة رئيس الوزراء، وأبلغهم أن الوزارة أصبحت غير شرعية. لكن الكيلاني لجأ إلى قادة الجيش [العقداء الأربعة] الذين قرروا إرسال مندوب عنهم إلى الوصي ليبلغه أن الجيش يريد بقاء الكيلاني على رأس الحكومة، وبالفعل قابل العقيد[محمود سلمان ] أحد العقداء الأربعة الوصي وأبلغه بالأمر. ورغم محاولات الوصي ثني قادة الجيش عن موقفهم لكنه فشل في إقناعهم، فقد قابل العقيد محمود سلمان الوصي للمرة الثانية بحضور الشيخ [محمد الصدر] رئيس مجلس الأعيان، وأبلغه بقرار قادة الجيش وقد نصح الشيخ الصدر الوصي بالرضوخ للأمر الواقع تجنياً لما قد لا يحمد عقباه، إذا ما أصر على موقفه من الكيلاني. (23) وهكذا تراجع الوصي ولو مؤقتاً، وأصدر إرادة ملكية بتعين [يونس السبعاوي] وزيراً للاقتصاد و[علي محمود الشيخ علي] وزيراً للعدلية في 28 كانون الثاني بناء على طلب الكيلاني وقادة الجيش. وفي اليوم التالي قدم ناجي السويدي استقالته من الوزارة،وأسرع الكيلاني إلى تعين [موسى الشابندر] وزيراً للخارجية والمحامي [ محمد علي محمود] وزيراً للمالية، واستصدر إرادة ملكية بتعيينهم في نفس اليوم المصادف 29 كانون الثاني 1941. حاول الكيلاني أن يوطد مركز حكومته باللجوء إلى حل البرلمان وأجراء انتخابات جديدة، وتوجه إلى عبد الإله طالباً منه التوقيع على الإرادة الملكية بحله. (24) طلب الوصي إمهاله حتى المساء لدراسة الأمر، وغادر الكيلاني البلاط على أمل أن يوقع على حل البرلمان، لكنه بدلاً من ذلك غادر الوصي بغداد سراً بعد خروج الكيلاني، وتوجه إلى الديوانية، حيث حاول استعداء قائد الفرقة الرابعة اللواء الركن [إبراهيم الراوي ] على حكومة الكيلاني. كما اتصل من هناك بقائد الفرقة الثانية في كركوك [ قاسم مقصود] لنفس الغرض، بالإضافة إلى مجموعة من السياسيين والوزراء السابقين وعدد من متصرفي الألوية الذين طلب منهم الوصي عدم إطاعة أوامر الكيلاني والعمل على إسقاط حكومته. كما فرَّ نوري السعيد إلى المحمودية، واختفى في مزرعة شقيق قرينته هادي العسكري جرياً على عادته أن يفعل ذلك عند حدوث أي أزمة يشم منها رائحة الخطر. (25) كاد الأمر أن يؤدي إلى حرب أهلية طرفاها الجيش لولا موقف القائدين الراوي ومقصود المتعقل، حيث أبلغا الوصي أنهما لا يودان زج الجيش في المشاكل السياسية، وأنهما كعسكريين يتلقيان الأوامر من رئيس أركان الجيش. أما الكيلاني فقد دعا مجلس الوزراء إلى عقد اجتماع عاجل لبحث الأزمة بعد هروب الوصي، وقد حضر الاجتماع قادة الجيش، وأمين الحسيني، ويونس السبعاوي، ومحمد أمين زكي، وتقرر في الاجتماع مواجهة الوزارة لمجلس النواب، وانتزاع الثقة بالوزارة منه، وقد دعا الحاضرون إلى صمود الوزارة بوجه محاولات الوصي، والسفير البريطاني لإسقاطها. وفي أثناء الاجتماع حضر كل من الشيخ [محمد الصدر] و[طه الهاشمي] وطلبا من الكيلاني معالجة الأمور قبل استفحالها، والحيلولة دون وزج الجيش في حرب أهلية، وتمكنا من إقناع الكيلاني لتقديم استقالة حكومته. (26) وبالفعل قدم الكيلاني استقالته في 31 كانون الثاني 1941 في برقية بعث بها إلى الوصي في الديوانية . بادر الوصي فور استلام البرقية إلى قبول الاستقالة، ودعا عدد من رؤساء الوزارات والوزراء السابقين، ورئيس مجلس الأعيان للبحث في تشكيل وزارة جديدة. وفي بغداد،عقد المدعوين للاجتماع بالوصي اجتماعاً فيما بينهم وتباحثوا في الأمر، وقد استقر رأيهم على أن يذهب كل من الشيخ [محمد الصدر] و[صادق البصام ] إلى الديوانية لمقابلة الوصي والوقوف على ما يريد. وبالفعل استقل الاثنان طائرة عسكرية نقلتهم إلى الديوانية، وتباحثا مع الوصي في سبل حل الأزمة، ثم اختلى الشيخ الصدر بالوصي، وأجرى معه نقاشاً حول خطورة الأزمة، وقد أقترح الشيخ محمد الصدر على الوصي تكليف [ طه الهاشمي ] بتأليف الوزارة الجديدة إذا ما أراد الخروج من الأزمة، وتجنب وقوع الحرب الأهلية. (27) سادساً:الوصي يكلف طه الهاشمي بتأليف الوزارة: على أثر اللقاء الذي تم بين الوصي والشيخ الصدر، استدعى الوصي السيد طه الهاشمي بحضور صادق البصام، وكلفه بتأليف الوزارة الجديدة،على الرغم من عدم اقتناعه به، ورضاه عنه، لكن الظروف الدقيقة والخطيرة ونصيحة الشيخ الصدر هي التي جعلته يكلف الهاشمي. وقد حاول الوصي أن يشهّد البصام على تعهد الهاشمي بتشتيت شمل قادة الجيش [ العقداء الأربعة ]، وحذره من المتصيدين في الماء العكر، والإيقاع مجدداً بينه وبينهم، ووعد الوصي بأنه سوف يسعى إلى لقاء القادة الأربعة به لتقديم الولاء والطاعة، لكن ذلك لم يتم بسبب نصيحة السفير البريطاني لعبد الإله بعدم استقبالهم. (28) تم تأليف الوزارة الجديدة في 31 كانون الثاني 1941،وعبّر السفير البريطاني في برقيته إلى وزارة الخارجية البريطانية عن سروره لإخراج الكيلاني من الحكم، ولكنه أعرب عن عدم اطمئنانه لطه الهاشمي، ووعد بأن يكون عمر الوزارة قصيراً، وأشاد السفير بدور نوري السعيد،والجميل الذي أسداه لبريطانيا،غير أنه قد فقد نفوذه في الآونة الأخيرة، ورأى أن يكون بعيداً عن الأنظار حالياً. (29) كان همْ السفارة البريطانية بعد استقالة حكومة الكيلاني هو التخلص من العقداء الأربعة بأي طريقة كانت لكي يستقر الوضع لصالح بريطانيا. أما الوصي فقد طلبت منه حكومة الهاشمي العودة إلى بغداد، وأرسلت لمرافقته كل من عمر نظمي،وزير الداخلية، ووكيل رئيس أركان الجيش،أمين زكي، إلا أن الوصي تردد في العودة خوفاً من وجود مؤامرة لقتله، مما اضطر الهاشمي إلى السفر إلى الديوانية وإقناعه بالعودة، وعاد الوصي بصحبة الهاشمي في 3 شباط 1941. سابعاً: حركة الكيلاني الانقلابية وموقف نوري السعيد: بدا الوضع السياسي بعد تشكيل حكومة الهاشمي يميل نوعاً ما إلى الهدوء بعد تلك العاصفة التي حدثت بين الكيلاني والوصي. لكن النار كانت لا تزال تحت الرماد، فقد كان عنصر الثقة بين الوصي والهاشمي شبه مفقود، كما كانت الثقة بين الكيلاني ومن ورائه العقداء الأربعة المسيطرين على الجيش وبين الوصي قد تلاشت. وكان الوصي ومن ورائه السفارة البريطانية يعمل في الخفاء من أجل تشتيت شمل قادة الجيش تمهيداً للتخلص منهم ومن الكيلاني، ومارست السفارة البريطانية ضغوطها على رئيس الوزراء من أجل إبعاد العقداء الأربعة عن أي تأثير سياسي في البلاد، كما ضغطوا على الهاشمي لقطع العلاقات مع إيطاليا، وكان الهاشمي يخشى رد فعل الشعب إن هو فعل ذلك. ونتيجة لتلك الضغوط أقدم الهاشمي بصفته وزيراً للدفاع وكالة بتاريخ 26 آذار 1941 على نقل العقيد [ كامل شبيب] إلى قيادة الفرقة الرابعة في الديوانية، ليحل مكانه صديق الوصي الذي أواه في الديوانية اللواء الركن [إبراهيم الراوي ] . كما أصدر قراراً آخر بنقل مقر قيادة الفرقة الثالثة التي يقودها العقيد [صلاح الدين الصباغ ] من بغداد إلى جلولاء. (30) كانت تلك الإجراءات التي اتخذها الهاشمي بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، كما يقول المثل، فلم يكد يبلغ القرار لقادة الجيش حتى قرروا على الفور التصدي له ورفضه، واتخاذ التدابير السريعة والضرورية لحل الأزمة بصورة جذرية. ففي مساء يوم 1 نيسان 1941، أنذر العقداء الأربعة قطعات الجيش في بغداد، وتم إبلاغها بما ينوون القيام به حتى إذا انتصف الليل، نزلت القوات العسكرية لتحتل المراكز الهامة والحساسة في بغداد، كدوائر البرق والبريد والهاتف والجسور ومداخل الطرق الرئيسية، وجميع المرافق العامة في بغداد، وتوجه العقيد [ فهمي سعيد ] وبرفقته وكيل رئيس أركان الجيش [محمد أمين زكي ] إلى دار رئيس الوزراء السيد [ طه الهاشمي ] وأجبروه على الاستقالة. واضطر الهاشمي إلى تحرير كتاب استقالة حكومته إلى الوصي وسلمها لهما حرصاً على عدم إراقة الدماء. (31) أما الوصي فقد أيقضه الخدم من النوم، وأبلغوه أن هناك أوضاع غير طبيعية في منطقة القصر، وأن الجيش متواجد في المنطقة، فما كان من الوصي إلا أن صمم على الهرب مرة أخرى، واستطاع الإفلات من قبضة الجيش، ولجأ إلى السفارة الأمريكية بعد أن تعذر عليه الوصول إلى السفارة البريطانية، وقامت السفارة الأمريكية بنقله إلى قاعدة الحبانية، ومن هناك تم نقله على متن طائرة حربية بريطانية إلى البصرة حيث نقل إلى البارجة الحربية البريطانية [ كوك شبير] الراسية قرب البصرة، وكان برفقته كل من [ علي جودت الأيوبي ] ومرافقه العسكري [عبيد عبد الله المضايفي ] ثم لحق بهم [ جميل المدفعي ]. (32) |