|
|
|
حامد الحمداني
أولاً:
حكومة السعدون تفشل في إقرار معاهدة عام 1922 الاسترقاقية كان على حكومة عبد المحسن السعدون تنفيذ المهام الموكلة لها بانتخاب المجلس التأسيسي، وإقرار المعاهدة، وإقرار القانون الأساسي، وقانون الانتخاب، ومن أجل تنفيذ هذه المهام فقد كان على الحكومة أن تهيئ الأجواء التي تمكنها من تنفيذ هذه المهام بعد تلك الموجة العارمة التي اجتاحت العراق احتجاجاً على بنود المعاهدة التي وقعتها حكومة النقيب مع المندوب السامي البريطاني [بيرسي كوكس ] وذلك عن طريق توجيه ضربة قاصمة للقادة الوطنيين المعارضين للمعاهدة، ولرجال الدين في النجف وكربلاء الذين وقفوا بصلابة ضدها . فقد قبضت السلطات الحكومية على الشيخ [مهدي الخالصي ] وولديه في 27 حزيران 1923، ونفتهم خارج العراق، كما نفت قريبيه الشيخين[علي تقي] و[سلمان الصفواني] وعطلت الحكومة عدد من الصحف المعارضة للمعاهدة، وقامت بحملة إرهاب للمواطنين لحملهم على المشاركة في الانتخابات المزمع أجراءها، والتي كان المندوب السامي يلح على إجرائها بأسرع وقت لغرض إقرار المعاهدة .(1) أثار عملية إبعاد الشيخ الخالصي وولديه وقريبيه موجة احتجاجات عارمة من قبل رجال الدين في النجف وكربلاء الذين هاجموا إجراءات الحكومة، وطالبوا بعودتهم إلى العراق . غير أن الحكومة بدلاً من أن تستجيب لمطالبهم واحتجاجاتهم أقدمت على إبعاد ما يزيد على 30 رجل دين أخر منهم إلى إيران، ووضعت تحت مراقبة الشرطة أكثر من 50 آخرين، وأشاعت جواً من الإرهاب في جميع أنحاء البلاد مما سبب في هيجان الشارع العراقي حيث خرجت الجماهير الشعبية تعلن رفضها للمعاهدة وتستنكر إجراءات الحكومة. وبسبب تلك المعارضة الشعبية الواسعة، وبسبب الضغوط التي مارسها المندوب السامي على حكومة السيد [ عبد المحسن السعدون ] لإقرار المعاهدة العراقية البريطانية لعام 1922، وعلى الرغم من الإجراءات القمعية التي اتخذتها ضد المعارضة الشعبية الواسعة وقادتها الوطنيين فإن السعدون فشل في تحقيق رغبة المندوب السامي بإقرارها بسبب بنودها المجحفة بحق العراق واستقلاله، حيث أعطت تلك البنود بريطانيا الهيمنة المطلقة على مقدرات العراق، وقد حاول المندوب السامي [برسي كوكس] فرضها مستخدماً كافة وسائل الضغط على الملك والحكومة معاً، مما اضطر السعدون إلى تقديم استقالة حكومته إلى الملك فيصل في 15 تشرين الأول 1923، حيث تم قبول الاستقالة على الفور، وعهد الملك تأليف الوزارة الجديدة إلى السيد جعفر العسكري الذي اختار بدوره صهره نوري السعيد وزيراً للدفاع، لكي تأخذ هذه الحكومة على عاتقها إقرار المعاهدة، وتم تشكيل الوزارة في 22 تشرين الثاني 1923. ثانياً : كيف تم إقرار المعاهدة ؟ في 2 نيسان 1924 قدم رئيس الوزراء[جعفر العسكري] المعاهدة العراقية البريطانية مع البروتوكول المرفق بها، والاتفاقيات المتفرعة عنها إلى المجلس التأسيسي طالباً منه إقرارها. وحاول رئيس الوزراء تبرير ضرورة إقرار المعاهدة بصورة مستعجلة بحجة تمكين بريطانيا من إدخال العراق إلى عصبة الأمم، وتأمين الاستقلال الوطني، وحسم مسألة الحدود العراقية التركية، وقضية ولاية الموصل التي سعت تركيا بكل جهودها لضمها إليها، واستخدمت بريطانيا هذه المشكلة وسيلة ضغط على الحكومة العراقية لقبول المعاهدة المفروضة على العراق، وهذا ما أعلن عنه بصراحة أمام أعضاء المجلس [عبد المحسن السعدون ]،رئيس المجلس رداً على اعتراضات النواب الوطنيين حيث قال: { أيها السادة: إن الإنكليز مصرون على ربط قضية الموصل بتوقيع المعاهدة، فإما المعاهدة، وإما خسارة ولاية الموصل }. (2)حاول رئيس الوزراء جعفر العسكري تمرير المعاهدة بأسرع ما يمكن بسبب إلحاح المندوب السامي البريطاني، لكن المعارضة طلبت توزيع لائحة المعاهدة على أعضاء المجلس لدراستها ومناقشتها، ولكي تعلن للشعب تفاصيلها، وجاء ذلك الاقتراح على لسان السيد[ ناجي السويدي] حيث جرى التصويت عليه وقبل الاقتراح وتم توزيع نسخ من المعاهدة، وطلب السيد ناجي السويدي تشكيل لجنة لتدقيق المعاهدة على أن تضم عضواً عن كل لواء، وبالفعل تم تشكيل اللجنة التي تألفت من النواب التالية أسماؤهم : 1 ـ ياسين الهاشمي 2 ـ عمر علوان 3 ـ زامل المناع 4 ـ حبيب الخيزران 5 ـ أصف أغا 6 ـ داؤد الجلبي 7 ـ فالح الصيهود 8 ـ محمد زكي 9 ـ عداي الجريان 10 ـ فهد الهذال 11ـ شريف أغا 12 ـ حبيب الطالباني 13 ـ المرزا فرج 14 ـ عبد الواحد سكر 15 ـ صالح شكارة . باشرت اللجنة اجتماعاتها لمناقشة بنود المعاهدة حيث عقدت 29 جلسة نهارية، و20 جلسة مسائية، ودرست خلالها بنود المعاهدة، والمراسلات والوثائق المتعلقة بها، ووضعت تقريرها الذي ضم 65 صفحة. في الوقت الذي كان المجلس التأسيسي يناقش بنود المعاهدة، كان الشارع العراق في حالة من الغليان الشديد، وكان العلماء والمحامون والمثقفون والأساتذة والطلاب ينظمون الاجتماعات والمظاهرات المطالبة بتعديل بنود المعاهدة بما يتفق وأماني الشعب في الحرية، والاستقلال الحقيقي، وكان لتلك المظاهرات والاحتجاجات أثرها الكبير على العديد من أعضاء المجلس الذين غيروا رأيهم، وطالبوا بتعديل بنود المعاهدة، وقد سبب هذا الموقف قلقاً شديداً للملك فيصل وللمندوب السامي البريطاني على حد سواء، وخاصة بعد إطلاق النار على أثنين من أعضاء المجلس المعروفين بولائهم للإنكليز وهما [ عداي الجريان ] و[سلمان البراك] مما خلق جواً من الرعب والقلق، ودفع عدد من أعضاء المجلس إلى تقديم استقالتهم، فيما امتنع البعض الآخر عن حضور جلسات المجلس بحجج مختلفة. لقد سرتْ إشاعات في بغداد تقول أن إطلاق النار كان مدبراً من قبل الحكومة لاتخاذه مبرراً للتنكيل بالمعارضة وقمعها، واعتقال العناصر النشطة المعارضة للمعاهدة، وقيل أن الذي أطلق النار على عضوي المجلس هو أحد أزلام نوري السعيد [شاكر القره غولي]،وبالتعاون مع [عبد الله سرية].(3) ولم تكتفِ الحكومة بكل ذلك بل لجأت إلى إغلاق العديد من صحف المعارضة كان من بينها[ الشعب] و[الاستقلال ] و[الناشئة] بغية كمّ الأصوات الوطنية المطالبة بتعديل بنود المعاهدة بما يتفق ومصالح الشعب والوطن . لكن إصرار المعارضة الشعبية على مواصلة الكفاح ضد المعاهدة وضد سياسة الحكومة، وتصاعد الأزمة التي نشأت عن محاولة فرض المعاهدة التي كانت تنذر بتطورات خطيرة أجبرت الحكومة على تقديم استقالتها . إلا أن الملك فيصل والمندوب السامي ضغطا على جعفر العسكري لكي يبقى في الحكم لحين إقرار المعاهدة . كان المندوب السامي يراقب عن كثب مناقشات المجلس التأسيسي لبنود المعاهدة، وخطب الموالين والمعارضين، كما كان يراقب ما تنشره الصحف المعارضة، وتملكه شعور بالغضب لإصرار عدد كبير من أعضاء المجلس على تعديل بنود المعاهدة، وعلى تأخر إبرامها، فبعث إلى الملك فيصل بمذكرة خطيرة تنم عن التهديد، في 26 نيسان 1924،وجاء في المذكرة : {حضرة صاحب الجلالة الملك فيصل المعظم، دام ملكه:
يا صاحب
الجلالة: كثيراً ما اقُترح في أثناء المباحثات بخصوص معاهدة التحالف بين بريطانيا العظمى والعراق،والاتفاقيات المتفرعة،أن يُطلب من الحكومة البريطانية أن توافق على تعديلات في بعض الأمور التي يداخل المجلس شك بخصوصها. فلي الشرف أن أبلغ جلالتكم أن الحكومة البريطانية لا يسعها الموافقة على أي تعديلات، لا في المعاهدة ولا في البروتوكولات، ولا في الاتفاقيات، والأمر متروك للمجلس التأسيسي في أن يقبلها [ أي المعاهدة والبروتوكولات والاتفاقيات ] أو يرفضها برمتها،على نحو ما يراه الأفضل لمصلحة العراق. إن السبب في قرار الحكومة البريطانية هذا هو أن إجراء التعديلات في المعاهدة والاتفاقيات بين توقيعها وإبرامها مخالف كل المخالفة للتعامل الدولي المقرر من أزمنة بعيدة في التاريخ، ويؤدي إلى جعل إتمام المعاهدات إتماماً نهائياً من المستحيلات تقريباً}. (4) كانت مذكرة المندوب السامي هذه بمثابة إنذار للملك فيصل، بضرورة إقرار المعاهدة دون تغير أو تأخير. وفي 16 أيار 1924 بعث المندوب السامي بمذكرة أخرى للملك فيصل،جاء فيها : {يا صاحب الجلالة: لقد قمت بإيقاف حكومة صاحب الجلالة البريطانية تمام الوقوف على ما قد بدا حديثاً في العراق من الآراء والرغائب فيما يتعلق بمعاهدة التحالف بين بريطانيا العظمى والعراق والاتفاقيات المتفرعة عنها، وقد فوضتني الآن حكومة صاحب الجلالة البريطانية،بأن أبلغ جلالتكم رسمياً ما يلي : { إن حكومة صاحب الجلالة البريطانية لا يسعها أن تقبل قبل الإبرام أي تعديلات ما في المعاهدة والاتفاقيات التي سبق توقيعها بالنيابة عن الحكومتين، ولكن ستكون بعد الإبرام مستعدة لأن تبحث بروح الاعتدال، في كل ما قد يُرغب فيه من تعديلات في الاتفاقية المالية، هذا ولاشك في أن جلالتكم ستتخذون الوسائل لنشر هذا الكتاب}. (5) صديق جلالتكم هنري. دوبس
ثالثاً:الشعب يتحدى والحكومة تطلق النار على المتظاهرين: في الوقت الذي أشتد فيه ضغط المندوب السامي وحكومته على الملك فيصل والحكومة والمجلس التأسيسي من أجل الإسراع بإقرار المعاهدة العراقية البريطانية دون تأخير، ودون إجراء أي تعديل أو تغير عليها، صعّد الشعب العراقي كفاحه ضد المعاهدة، وسير المظاهرات الصاخبة المطالبة بتعديل بنودها بما يحقق السيادة الحقيقية، والاستقلال التام للعراق . لقد أراد الشعب وقواه السياسية الوطنية تقديم الدعم الأقصى للنواب الوطنيين في المجلس التأسيسي ليكون موقفهم قوياً أثناء مناقشة بنود المعاهدة. ولما بلغ أسماع أبناء الشعب أن المعاهدة ستناقش يوم 29 أيار 1924 خرجت مظاهرة صاخبة تندد بالمعاهدة، وتطالب بتعديلها، وتوجهت المظاهرة إلى مقر المجلس التأسيسي وأحاطت به، وكانت أصوات الغضب المنبعثة من حناجر المتظاهرين قد أجبرت رئيس الوزراء للخروج والتحدث إلى قادة المظاهرة طالباً منهم التفرق، والاعتماد على المندوبين، واعداً إياهم بعدم التفريط بحقوق الشعب وحرية العراق واستقلاله. لكن حديثه لم ينجح في إقناع المتظاهرين، وحاولت الشرطة تفريقهم بالقوة، ولكنها فشلت في ذلك، ووقعت صِدامات عنيفة بينهم وبين المتظاهرين، مما دفع وزير الدفاع [نوري السعيد ] إلى استدعاء قوات الجيش لقمع حركة الاحتجاجات الشعبية، حيث جرت مصادمات عنيفة بين عناصر الجيش والمتظاهرين بعد أن استخدم الجيش الرصاص لتفريق المظاهرة، ووقوع إصابات عديدة في صفوف المتظاهرين العزل من السلاح، واستطاع الجيش تفريق المظاهرة. (6) سارعت الحكومة إلى إصدار بيان رسمي في محاولة منها لتبرير استدعاء الجيش، واستخدام السلاح ضد أبناء الشعب المطالب بحريته واستقلال وطنه، كما أصدر رئيس المجلس التأسيسي في 29 أيار 1924 بياناً لتطمين أبناء الشعب معلناً أن المجلس سوف لن يفرط بحقوق الشعب مهما كانت الأحوال، وطالباً من أبناء الشعب انتظار قرار المجلس بكل اطمئنان . وعلى اثر تلك الأحداث الدامية قرر المجلس تأجيل مناقشة المعاهدة إلى يوم السبت 3 أيار، لكن عدداً من المندوبين تغيبوا عن الحضور في ذلك اليوم، وكانت آثار الخوف والقلق بادية على وجوه الحاضرين منهم حتى أن الكثيرين منهم رفض الدخول إلى القاعة، مما اضطر رئيس المجلس إلى تأجيل الاجتماع إلى يوم 2 حزيران. وفيما بدأ الحاضرون في مغادرة بناية المجلس، حضر المندوب السامي [ هنري دوبس ] وبصحبته مستشار وزارة الداخلية المستر [كرونواليس ]، واضطر أعضاء المجلس إلى العودة إلى القاعة ليستمعوا إلى المندوب السامي.
تحدث
المندوب السامي أمام الأعضاء الحاضرين بلهجة تنم عن التهديد
والوعيد
قائلاً:
{ بلغني أن بعض النواب قدموا تقريراً يقولون فيه أن المجلس لا يقبل إبرام المعاهدة ما لم تعطي بريطانيا ضماناً بالتعديل على أساس تقرير اللجنة التي شكلها المجلس لدراسة بنود المعاهدة، وهذا يعني في حقيقة الأمر تعديل المعاهدة، وهذا ما تعتبره حكومتي رفضاً للمعاهدة، وعلى المجلس أن يلاحظ تأثير ذلك على سير المفاوضات مع تركيا حول ولاية الموصل، فقد أخذنا معلومات بأن السير[بيرسي كوكس ] عند وصوله إلى الاستانة شاهد تسهيلات في المعاملة لإبقاء ولاية الموصل للعراق. ولكن عند ما بلغ الأتراك سير أعمال المجلس التأسيسي العراقي تغيروا وصاروا يطلبون ولاية الموصل، وإنهم يرفضون إحالة الأمر إلى مجلس عصبة الأمم }. (7) كانت كلمة المندوب السامي أمام الحاضرين من أعضاء المجلس التأسيسي بمثابة إنذار لهم، فإما إقرار المعاهدة وإما سلخ ولاية الموصل من العراق، مستخدماً قضية الموصل ورقة ضغط كبرى لغرض إقرار المعاهدة. وقبل أن يغادر القاعة طلب إقرار المعاهدة بشكلها الحالي واعداً أعضاء المجلس بأجراء مفاوضات لتعديل ما طالبت به اللجنة في تقريرها شرط أن يكون ذلك بعد إقرار المعاهدة . وفي 2 حزيران 1924 أجتمع المجلس التأسيسي من جديد، وحضر الاجتماع 63 عضواً من مجموع 100، وبدأ المجلس بمناقشة بنود المعاهدة، وأثناء المناقشة حدثت مشادات عنيفة بين الأعضاء المؤيدين للحكومة والمعارضين لها، واسُتخدمت فيها أقسى العبارات. في تلك الساعات الحرجة كان الملك فيصل يشعر نفسه واقعاً بين نارين، نار المندوب السامي البريطاني وضغطه المتواصل لإبرام المعاهدة، بما فيها من مسٍ خطيرٍ بحقوق العراق ومستقبله، ونار المعارضة الشعبية العارمة والرافضة لتلك المعاهدة، وبقي في حيرة من أمره لا يدري ماذا يفعل، وكيف يرضي المندوب السامي، ويرضي الشعب العراقي في الوقت نفسه . وحاول الملك من خلال اللقاء الذي دعا إليه أعضاء المجلس التأسيسي يوم 9 حزيران 1924 الوصول إلى حل ما لهذه الأزمة حيث تحدث مع أعضاء المجلس قائلاً : {أنا لا أقول لكم أقبلوا المعاهدة أو ارفضوها، وإنما أقول لكم اعملوا ما ترونه الأنفع لمصلحة بلادكم فان أردتم رفضها فلا تتركوا فيصلاً معلقاً بين السماء والأرض، بل أوجدوا لنا طريقاً غير المعاهدة، فلا تضيعوا ما في أيديكم من وسيلة للمحافظة على كيانكم، وتحينوا الفرصة لتحصلوا على ما هو أكثر مما في أيديكم}. (8) وفي 10 حزيران 1924 عقد المجلس التأسيسي جلسته الثالثة والعشرين، وأعلن رئيس المجلس أن هناك اقتراحاً من عدد من أعضاء المجلس بتأجيل البت في المعاهدة إلى حين الانتهاء من مشكلة ولاية الموصل، ثم طلب رئيس الوزراء [جعفر العسكري ] الحديث طالباً من المجلس عدم تأجيل البت في المعاهدة بسبب أمور سياسية خارجية استوجبت ذلك، وكان رئيس الوزراء يشير بذلك إلى التهديدات البريطانية المتصاعدة للملك والحكومة لإقرار المعاهدة . لكن المجلس صوت على تأجيل الجلسة إلى اليوم التالي، وقد أثار قرار التأجيل المندوب السامي، الذي صمم على فرض المعاهدة فرضاً. فقد تحدث المندوب السامي مع الملك فيصل بالهاتف، وأعلمه بأنه سوف يكون عنده عصر ذلك اليوم لأمرٍ هام، فيما كان قد أعد مذكرة خطيرة يطلب فيها إصدار قانون بحل المجلس التأسيسي، وإصدار أمر باحتلال بناية المجلس . وعند وصول المندوب السامي إلى البلاط عصر ذلك اليوم سلم الملك فيصل المذكرة التالية : {لا تستطيع حكومة صاحب الجلالة البريطانية في مثل هذه الظروف أن تسمح باستمرار الحالة الراهنة التي ينشأ عنها خطر عظيم يهدد سلامة العراق الداخلية والخارجية، فأن المذاكرات الأخيرة للمجلس التأسيسي التي جرت في هذا اليوم لم تظهر أي اقتراب من الاتفاق، ولا أي أمل في اتخاذ المجلس قراراً صريحاً وسريعاً، لذا طُلب إليّ أن أوجه أنظار جلالتكم كشرط لاستمرار تأييد حكومة صاحب الجلالة البريطانية أن تصدروا فوراً بعد استشارة مجلس وزارتكم وبواسطته تعديلاً لقانون المجلس التأسيسي يخولكم حق فض المجلس في أي وقت شئتم خلال الأربعة أشهر من تاريخ افتتاح جلساته، وأن تأمروا بموجب هذا التعديل حل المجلس اعتباراً من الساعة الثانية عشرة من ليلة 10 على 11 حزيران. وأرى من واجبي أن اطلب من جلالتكم أن تبلغوا الأمر رسمياً، بواسطة رئيس وزرائكم إلى رئيس المجلس التأسيسي قبل الساعة السابعة من صباح اليوم الحادي عشر من حزيران، وأن تصدروا التعليمات بواسطة وزير الداخلية لغلق بناية المجلس فوراً، وإحاطتها وما يجاورها بقوة من الشرطة تكفي لتنفيذ هذا الأمر}. (9) حاول الملك فيصل وبحضور رئيس الوزراء [جعفر العسكري] وزعيم المعارضة [ياسين الهاشمي] إيجاد حل لهذه الأزمة مع المندوب السامي، وجرى بحث مستفيض حول السبل الممكنة لذلك، وقد طلب المندوب السامي أن يدعى المجلس التأسيسي إلى عقد جلسة له فوق العادة، وقبل منتصف الليل من هذا اليوم ويبرم المعاهدة كحل أخير ونهائي، وإلا يجب أن يحل المجلس. وعلى الفور أمر الملك باستدعاء رئيس المجلس إلى الحضور، وطلب إليه الملك والمندوب السامي أن يجمع أعضاء المجلس هذه الليلة ويقرّ المعاهدة دون تأخير. خرج رئيس المجلس وبصحبته رئيس الوزراء، واحد مرافقي الملك، وبقي المندوب السامي في البلاط ليواصل الضغط على الملك لإقرار المعاهدة قبل الساعة الثانية عشرة ليلاً، وصار مدير الشرطة يرافقه مرافق الملك وعدد من أفراد الشرطة يدورون على أعضاء المجلس ويرغمونهم على حضور الجلسة لأجل إقرار المعاهدة في تلك الليلة، فقد ذكر الحاج ناجي،أحد أعضاء المجلس أن الشرطة انتزعته من سريره وحشرته في السيارة وهو لا يعرف إن كانوا سيأخذونه إلى المشنقة أم إلى السجن، فقد كان من معارضي المعاهدة. (10) رابعاً:المجلس يجتمع ليلاً،ويقر المعاهدة تحت التهديد: استطاع مدير الشرطة ورجاله جمع 68 نائباً في ليلة 10 / 11 حزيران 1924 قبل منتصف الليل، وأعلن رئيس المجلس [ عبد المحسن السعدون ] عن افتتاح الجلسة، حيث تحدث إلى الحاضرين من أعضائه قائلاً:{كان مجلسكم العالي قد أجل جلسته إلى يوم الغد (الأربعاء) غير أن جلالة الملك أبلغني بأن فخامة المندوب السامي قد أبلغ جلالته بأنه لا يمكن تأجيل المذاكرات إلى الغد، لأنه يعد ذلك رفضاً للمعاهدة، وعليه فقد دعوتكم إلى الاجتماع، ومن وظيفتي أن أبلغكم ذلك}. (11) لم يكن أمام المجلس إلا إقرار المعاهدة في تلك الليلة، حيث جرى التصويت عليها على عجل، وتحت التهديد بحل المجلس، وقد وافق عليها 37 نائباً وعارضها 24، وامتنع عن التصويت 8 أعضاء، وبذلك أقرت المعاهدة من قبل المجلس التأسيسي . ُسرّ المندوب السامي لإقرار المعاهدة، وهرع إلى البلاط الملكي حيث اجتمع إلى الملك فيصل وأبلغه أن الحكومة البريطانية تعتبر تصويت المجلس على المعاهدة وذيولها على النحو الذي تم يفي بالشروط المطلوبة في المادة 18 من المعاهدة والتي تنص على أن المعاهدة لا تبرم من قبل الفريقين الساميين المتعاقدين إلا بعد قبولها من المجلس التأسيسي . ولا بد أن أشير هنا إلى أن الأعضاء الذين وافقوا على المعاهدة قد أضافوا فقرة تقول:{ وتصبح هذه المعاهدة واتفاقياتها لاغية لا حكم لها إذا لم تحافظ الحكومة البريطانية على بقاء ولاية الموصل ضمن العراق }. وبعد توقيع المعاهدة وحصول الإمبرياليين البريطانيين على الامتيازات النفطية صادقت عصبة الأمم في 16 كانون الأول 1925 على عائدية ولاية الموصل للعراق، وجعل حدود العراق وفقاً لما يسمى [ خط بروكسل ] ودعت عصبة الأمم العراق إلى عقد معاهدة مع بريطانيا تضمن استمرار الانتداب على العراق لمدة 25 سنة، وبالفعل تم إقرار المعاهدة الجديدة في البرلمان في 18 كانون الثاني 1926، رغم معارضة النواب الوطنيين الذين طلبوا إحالتها إلى لجنة برلمانية لدراستها ولكن دون جدوى . أما تركيا فقد خضعت للضغط البريطاني، ووافقت على بقاء ولاية الموصل ضمن العراق، وذلك بموجب المعاهدة العراقية البريطانية التركية المعقودة في 5 حزيران 1926،على أن تمنح الحكومة البريطانية تركيا نصف مليون ليرة بريطانية تعويضاً عن حصتها في البترول، بعد أن فشلت في إقناع بريطانيا بمنحها ولاية الموصل،لقاء منحها بريطانيا امتياز استخراج النفط واستثماره فيها، لكن الحكومة البريطانية رفضت العرض التركي لأنها وجدت مصلحتها في إعادة الولاية إلى العراق بعد أن ضمنت هيمنتها المطلقة على العراق سياسياً وعسكرياً واقتصادياً بموجب المعاهدة التي فرضتها على المجلس التأسيسي فرضاً . وقد وجدت من الضروري أن يطلع عليها القراء لما فيها من إجحاف بحق العراق وفيما يلي نصها:
خامساً: نص المعاهدة العراقية البريطانية لعام 1922
جلالة ملك بريطانيا جلالة ملك العراق بما أن جلالة ملك بريطانيا قد أعترف بفيصل أبن الحسين ملكاً دستورياً على العراق، وبما أن جلالة ملك العراق يرى من مصلحة العراق، ومما يؤول إلى تأمين سرعة تقدمه، أن يعقد مع جلالة ملك بريطانيا معاهدة على أسس التحالف. وبما أن جلالة ملك بريطانيا قد أقتنع بأن العلاقات بينه وبين جلالة ملك العراق يمكن تحديدها الآن بأحسن وجه، وهو عقد معاهدة تحالفيه كهذه، تفضيلاً لها على أي وسيلة أخرى، فبناء على ذلك قد عين المتعاقدان الساميان وكيلين عنهما مفوضين لأجل القيام بهذا الغرض وهما: من قِبل جلالة ملك المملكة المتحدة بريطانيا العظمى وأيرلندا والممتلكات البريطانية وراء البحار إمبراطور الهند السير [بيرسي كوكس ] المعتمد السامي البريطاني في العراق. ومن قبل جلالة ملك العراق صاحب السماحة والفخامة عبد الرحمن النقيب رئيس الوزارة العراقية، ونقيب أشراف بغداد اللذان بعد أن تبلغ كل منهما أوراق اعتماد الآخر، ووجداها طبقاً للأصول الصحيحة المرعية، قد اتفقا على ما يأتي: المادة الأولى: بناء على طلب جلالة ملك العراق يتعهد جلالة ملك بريطانيا بأن يقوم في أثناء مدة هذه المعاهدة، مع التزام نصوصها، ما يقتضي لدولة العراق من المشورة والمساعدة بدون أن يمس ذلك بسيادتها الوطنية، ويمثل جلالة ملك بريطانيا بمعتمد سامٍ، وقنصل جنرال تعاونه حاشية كافية. المادة الثانية : يتعهد جلالة ملك العراق بأن لا يعيّن مدة هذه المعاهدة موظفاً ما في العراق من تابعية غير عراقية في الوظائف التي تقتضي إرادة ملكية بدون موافقة جلالة ملك بريطانيا، وستعقد اتفاقية منفردة لضبط عدد الموظفين البريطانيين، وشروط استخدامهم على هذا الوجه في الحكومة العراقية. المادة الثالثة: يوافق جلالة ملك العراق على أن ينظم قانوناً أساسياً، ليعرض على المجلس التأسيسي العراقي، ويكفل تنفيذ هذا القانون الذي يجب أن لا يحتوي على ما يخالف نصوص هذه المعاهدة، وأن يأخذ بعين الاعتبار حقوق ورغائب ومصالح جميع السكان القاطنين في العراق، ويكفل للجميع حرية الوجدان التامة، وحرية ممارسة جميع أشكال العبادة بشرط أن لا تكون مخلة بالآداب والنظام العموميين، وكذلك يكفل أن لا يكون أي تمييز بين سكان العراق، بسبب القومية أو الدين أو اللغة، ويؤمن لجميع الطوائف عدم نكران أو مساس حقها بالاحتفاظ بمدارسها لتعليم أعضائها بلغاتها الخاصة،على أن يكون ذلك موافقاً لمقتضيات التعليم العامة التي تفرضها حكومة العراق، ويجب أن يعين هذا القانون الأساسي الأصول الدستورية، تشريعية كانت أم تنفيذية، التي ستتبع في اتخاذ القرارات في الشؤون المهمة المرتبطة بمسائل المالية، والعسكرية. المادة الرابعة: يوافق جلالة ملك العراق، وذلك من غير المساس بنصوص المادتين 17و 18 من هذه المعاهدة،على أن يستدل بما يقدمه جلالة ملك بريطانيا من المشورة بواسطة المعتمد السامي جميع الشؤون المهمة التي تمس بتعهدات جلالة ملك بريطانيا الدولية والمالية، وذلك طول مدة هذه المعاهدة، ويستشير جلالة ملك العراق المعتمد السامي الاستشارة التامة فيما يؤدي إلى سياسة مالية ونقدية سليمة، ويؤمن ثبات وحسن نظام مالية الحكومة العراقية مادامت تلك الحكومة مديونة لحكومة صاحب الجلالة البريطانية. المادة الخامسة: لجلالة ملك العراق حق التمثيل السياسي في لندن، وغيرها من العواصم والأماكن الأخرى، مما يتم الاتفاق بين الفريقين الساميين المتعاقدين، وفي الأماكن التي لا ممثل فيها لجلالة ملك العراق، يوافق جلالته على أن يعهد إلى جلالة ملك بريطانيا بحماية الرعايا العراقيين فيها، و جلالة ملك العراق هو الذي يصدر التصديق على أوراق اعتماد ممثلي الدول الأجنبية في العراق بعد موافقة جلالة ملك بريطانيا على تعينهم. المادة السادسة: يتعهد جلالة ملك بريطانيا بأن يسعى بإدخال العراق في عضوية عصبة الأمم في أقرب ما يمكن. المادة السابعة: يتعهد جلالة ملك بريطانيا بأن يقدم من الإمداد والمساعدة لقوات جلالة ملك العراق المسلحة ما يتفق عليه من وقت لآخر الفريقان المتعاقدان الساميان، وتعقد بينهما اتفاقية منفردة لتعيين مقدار هذا الإمداد، وهذه المساعدة وشروطها، وتبلغ هذه الاتفاقية إلى مجلس جمعية الأمم. لمادة الثامنة: لا يتنازل عن أراضى ما في العراق، ولا تؤجر إلى أي دولة أجنبية، ولا توضع تحت سلطتها بأي طريقة كانت. على أن هذا لا يمنع جلالة ملك العراق من أن يتخذ ما يلزم من التدابير لإقامة الممثلين السياسيين، ولآجل القيام بمقتضيات المادة السابقة. المادة التاسعة : يتعهد جلالة ملك العراق بقبول الخطة الملائمة التي يشير بها جلالة ملك بريطانيا، ويكفل تنفيذها في أمور العدلية لتأمين مصالح الأجانب، بسبب عدم تطبيق الامتيازات والصيانات التي كان يتمتع بها هؤلاء بموجب الامتيازات الأجنبية،أو العرف، ويجب أن توضع نصوص هذه الخطة في اتفاقية منفردة، وتبلغ إلى مجلس جمعية الأمم. المادة العاشرة: يوافق الفريقان الساميان المتعاقدان، على عقد اتفاقية منفردة، لتأمين تنفيذ المعاهدات أو الاتفاقات ،أو التعهدات، التي قد تعهد جلالة ملك بريطانيا بأن تكون نافذة فيما يتعلق بالعراق، وجلالة ملك العراق متعهد بأن يهيئ المواد التشريعية اللازمة لتنفيذها، وتبلغ هذه الاتفاقات إلى مجلس جمعية الأمم. المادة الحادي عشرة : يجب أن لا يكون ميّزة ما في العراق للرعايا البريطانيين، أو لغيرهم من رعايا الدول الأجنبية الأخرى، على رعايا أية دولة هي عضو في جمعية الأمم، أو رعايا أي دولة مما قد وافق جلالة ملك بريطانيا ،بموجب معاهدة، على أن يضمن لها عين الحقوق التي تتمتع بها فيما لو كانت من أعضاء الجمعية المذكورة، وتشمل كلمة رعايا الدولة الشركات المؤلفة بموجب قوانين تلك الدولة في الأمور المتعلقة بالضرائب، أو التجارة، أو الملاحة، أو ممارسة الصناعة والمهن، أو معاملة السفن التجارية، أو السفن الهوائية الملكية، وكذلك يجب أن لا تكون ميزة ما في العراق لدولة ما من الدول المذكورة على الأخرى فيما يتعلق بمعاملة البضائع الصادرة منها أو المصدرة إليها، ويجب أن تطلق حرية مرور البضائع وسط أراضي العراق بموجب شروط عادلة. المادة الثانيةعشرة: لا تتخذ وسيلة ما في العراق لمنع أعمال التبشير،أو المداخلة فيها ،أو لتميّز مبشر على غيره بسبب اعتقاده الديني أو جنسيته على أن لا تخل تلك الأعمال بالنظام العام، وحسن إدارة الحكومة. المادة الثالثة عشرة : يتعهد جلالة ملك العراق بأن يساعد بقدر ما تسمح به الأحوال الاجتماعية والدينية وغيرها على تنفيذ كل خطة عامة تتخذها جمعية الأمم لمنع الأمراض ومقاومتها، ويدخل في ذلك أمراض الحيوانات والنباتات. المادة الرابعة عشرة : يتعهد جلالة ملك العراق بأن يتخذ الوسائل اللازمة لسن نظام الآثار القديمة في خلال اثنتي عشر شهراً من تاريخ العمل بهذه المعاهدة، ويكفل تنفيذه. ويكون هذا النظام مؤسساً على القواعد الملحقة بالمادة 421 من معاهدة الصلح الموقع عليها في [سيفر] في 10 آب 1920، فيقوم مقام النظام العثماني السابق للآثار القديمة، ويضمن المساواة في مسائل تحري الآثار القديمة بين رعايا جميع الدول، من أعضاء جمعية الأمم، ورعايا أية دولة مما قد وافق جلالة ملك بريطانيا بموجب معاهدة،على أن يضمن لها عين الحقوق التي تتمتع بها فيما لو كانت من ضمن أعضاء جمعية الأمم. المادة الخامسة عشرة: تعقد اتفاقية لتسوية العلاقات المالية بيم الفريقين الساميين ينص فيها من جهة على تسليم حكومة جلالة ملك بريطانيا إلى حكومة العراق ما يتفق عليه من المرافق العمومية، وعلى تقديم حكومة جلالة ملك بريطانيا مساعدة مالية حسبما تقتضيه الحاجة في العراق من وقت إلى آخر، وينص من جهة أخرى على تصفية حكومة العراق تدريجياً جميع الديون المتكبدة في هذا السبيل، وتبلغ هذه الاتفاقية إلى مجلس جمعية الأمم. المادة السادسة عشرة: يتعهد جلالة ملك بريطانيا، على قدر ما تسمح به تعهداته الدولية، بان لا يضع عقبة ما في سبيل ارتباط دولة العراق، لمقاصد جمركية وغيرها، مع من يرغب من ذلك من الدول العربية المجاورة. المادة السابعة عشرة: في حالة وقوع خلاف بين الفريقين المتعاقدين الساميين فيما يتعلق بتفسير نصوص هذه المعاهدة، يعرض الأمر على محكمة العدل الدولية الدائمة المنصوص عليها في المادة 14 من عهد جمعية الأمم، وإذا وجد في حالة كهذه أن هناك تناقضاً في المعاهدة بين النص الإنكليزي والنص العربي، يعتبر النص الإنكليزي المعول عليه. المادة الثامنة عشرة: تصبح هذه المعاهدة نافذة العمل حال ما تُصدّق من قبل الفريقين المتعاقدين الساميين بعد قبولها من المجلس التأسيسي، وتظل معمولا ًبها لمدة عشرين سنة، وعند انتهاء هذه المدة تفحص الحالة، فإذا إرتأ الفريقان الساميان المتعاقدان أنه لم يبقَ حاجة إليها يصار إلى إنهائها ،ويكون أمر الإنهاء عرضة للتثبيت من قبل جمعية الأمم، ما لم تدخل المادة السادسة في حيز التنفيذ قبل ذلك التاريخ، وفي الحالة الأخيرة يجب أن يبلغ إشعار الإنهاء إلى مجلس جمعية الأمم، ولا مانع للفريقين الساميين المتعاقدين من إعادة النظر من وقت لأخر في شروط هذه المعاهدة، وشروط الاتفاقية المنفردة الناشئة عن المواد 7، 15، 17، بقصد إدخال ما يترائى مناسبته من التعديلات، حسبما تقتضيه الظروف الراهنة آنئذٍ، وكل تعديل يتفق عليه الفريقان الساميان المتعاقدان يجب أن يبلغ إلى مجلس جمعية الأمم، ويجب أن تتبادل تواقيع التصديق في بغداد. وقد وضعت هذه المعاهدة بالإنكليزية والعربية، وستبقى صورة منها بكل من اللغتين في خزانة سجلات حكومة صاحب الجلالة البريطانية. وللبيان قد وقع الوكيلان المفاوضان المختصان على هذه المعاهدة وثبتا ختميهما ع، الموافقلت في بغداد عن نسختين اثنتين، في اليوم العاشر من شهر تشرين الأول سنة 1922،الموافق لليوم التاسع عشر من شهر صفر سنة 1341هجرية . بيرسي كوكس عبد الرحمن النقيب المعتمد السامي لجلالة ملك بريطانيا رئيس وزراء العراق
توثيق الحلقة الثانية (1)العراق ـ الكتاب الأول ـ ص 356 ـ حنا بطاطو . (2) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الأول ـ ص 38 ـ عبد الرزاق الحسني. (3) العراق ـ الكتاب الأول ـ ص 369 ـ حنا بطاطو . (4) المصدر السابق. (5)نفس المصدر السابق ـ ص370 . (6) صحيفة العالم العربي ـ العدد 58 ـ في 1 حزيران 1924 . (7)نفس المصدر ـ العدد 65 ـ في 10 حزيران 1924 . (8)تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الأول ـ ص 228 ـ عبد الرزاق الحسني. (9)نفس المصدر السابق . (10) مجموعة مذكرات المجلس التأسيسي ، المجلد الأول ـ ص 431 . (11)تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الأول ـ ص 232 ـ الحسني.
أولاً :
جعفر العسكري يفشل في إقرار المعاهدة: كان رئيس الوزراء السيد جعفر العسكري قد أخذ على عاتقه إقرار معاهدة 1930، حيث كان قد سافر إلى لندن لوضع مسودة المعاهدة والتوقيع عليها بالأحرف الأولى كي تعرض على البرلمان لإقرارها. لكن العسكري وجد نفسه في موقف صعب بعد عودته إلى بغداد. فقد استقال كل من وزير الداخلية [رشيد عالي الكيلاني]، ووزير المالية [يسين الهاشمي]،كما وجد البلاد في حالة من الغليان الشديد احتجاجاً على تلك المعاهدة التي لم تختلف في جوهرها عن سابقاتها معاهدة 1922 ومعاهدة 1926. فلازالت بريطانيا تقيد العراق بقيود ثقيلة في سائر المجالات العسكرية والاقتصادية والمالية، وتتدخل بشؤون العراق صغيرها وكبيرها. وهكذا وجد رئيس الوزراء أن مواجهة مجلس النواب بهذه المعاهدة قد بات أمراً صعباً للغاية، فلم يجد ُبد من تقديم استقالة حكومته إلى الملك فيصل في 8 كانون الثاني 1928، وقد تم قبول الاستقالة وكلف الملك السيد عبد المحسن السعدون بتأليف وزارته الثالثة في 14 كانون الثاني 1928. (1) ثانياً:عبد المحسن السعدون يفشل في إقرار المعاهدة وانتحاره كان في مقدمة المهام الملقاة على عاتق هذه الحكومة بطبيعة الحال هو إقرار المعاهدة الجديدة في مجلس النواب، والشروع في مفاوضات لتعديل الاتفاقيتين العسكرية والمالية. وحيث أن الحكومة الجديدة لا تضمن الأكثرية في المجلس، ولوجود معارضة قوية من قبل العديد من النواب للمعاهدة المذكورة، فقد طلب رئيس الوزراء من الملك فيصل إصدار الإرادة الملكية بحل المجلس وإجراء انتخابات جديدة. وتم للسعد ون ما أراد، وصدرت الإرادة الملكية بحل المجلس في 18كانون الثاني1928، وقامت الحكومة بحملة تنقلات واسعة في الجهاز الإداري بين كبار الموظف قبل إجراء الانتخابات العامة لتأمين حصول الحكومة على الأكثرية اللازمة لإقرار المعاهدة. لكن أحداث خطيرة وقعت في العراق في أول عهد الوزارة، فقد قبضت الحكومة على الشيخ [ضاري الشعلان ] الذي اتهم هو وأولاده بقتل الكولونيل [ لجمان ] بعد قرار السلطات البريطانية بالقبض عليه ومحاكمته أبان ثورة العشرين، واضطر الشيخ ضاري إلى الهرب، لكنه وقع في قبضة الحكومة في 3 تشرين الثاني 1927 نتيجة وشاية، فأحيل إلى المحاكمة وهو في حالة صحية سيئة، وحكم عليه بالإعدام ثم جرى تخفيض الحكم إلى السجن المؤبد، ولم يمضِ على سجن الشيخ ضاري سوى بضعة أيام حتى فارق الحياة في سجنه. أدى موت الشيخ ضاري إلى هياج الجماهير الشعبية التي خرجت في مظاهرات صاخبة واقتحمت المستشفى، وانتزعت جثة الفقيد، وسارت به في مظاهرة عارمة وهي تندد بالحكومة وبالاستعمار البريطاني، وكان ذلك أول صدمة تلقتها الحكومة السعدونية.(2) وجاءت زيارة الصهيوني البريطاني المعروف [السير الفرد موند] إلى العراق في 8 شباط 1928، واستقباله من قبل المندوب السامي، وكبار الشخصيات اليهودية المتحمسة للحركة الصهيونية لتزيد في الطين بله، فقد أثار مقدمه إلى العراق موجة من السخط العارم لدى أبناء الشعب الذين هبوا في مظاهرة صاخبة منددين بالصهيونية والاستعمار البريطاني وبالحكومة، واستخدمت الحكومة القوة لتفريق المتظاهرين فوقعت مصادمات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الشرطة، وأصيب خلال المصادمات العديد من المتظاهرين وأفراد الشرطة.(3) لقد كانت المظاهرة من السعة بحيث ضمت أكثر من عشرين ألفاً سارت نحو محطة قطار الكرخ، حيث كان من المقرر أن يمر من هناك موكب الزائر الصهيوني، واضطرت الحكومة إلى تغير مسار الموكب نحو الكاظمية فالأعظمية، حيث نزل [الفرد موند] عند المندوب السامي البريطاني. وقامت الحكومة بحملة واسعة ضد العناصر الوطنية التي ساهمت في المظاهرة، وأغلقت [نادي التضامن] الذي اتهمت الحكومة المشرفين عليه بالتحريض على التظاهر، وأصدرت أمراً بمنع التجمعات والمظاهرات بدون موافقة السلطة. كما قررت وزارة المعارف طرد عدد كبير من الطلاب والمدرسين وأحالت قسم منهم إلى المحاكمة، وأعلن وزير المعارف [ توفيق السويدي] أن الحكومة عازمة على منع المظاهرات حتى ولو تطلب الأمر إطلاق الرصاص على الطلاب المتظاهرين المخالفين للقرار. أما المندوب السامي فقد قدم احتجاجاً للملك على قيام المظاهرات المنددة بالصهيونية وببريطانيا، لكن المظاهرات تجددت يوم 10 شباط حيث انطلقت من جامع [الحيدرخانه ] مظاهرة كبيرة تهتف بسقوط الصهيونية وسقوط وعد [بلفور] والاستعمار البريطاني، وجرى صدام عنيف مع رجال الشرطة التي استطاعت تفريق المظاهرة بعد جهد كبير، واعتقلت عدد من الخطباء وإحالتهم إلى المحاكمة. ولما كان مجلس النواب قد حُلّ، ولإصرار الحكومة على إعادة الأمن وقمع المظاهرات فقد لجأت إلى إصدار المراسيم العقابية ضد كل من يحاول التظاهر، ونصت تلك المراسيم على جلد المتظاهرين، ووضعهم تحت مراقبة الشرطة، والطرد من المدارس والوظائف، والأبعاد والنفي وغيرها من المراسيم المنافية لروح الدستور، وقد أثارت هذه المراسيم موجة احتجاجات عاتية من قبل الأحزاب السياسية والصحافة التي وصفتها بأنها مراسيم جائرة. وعلى أثر ذلك استقال وزير العدل [ حكمت سليمان ] من منصبه احتجاجاً على حضور المستشار البريطاني لوزارة العدل جلسة مجلس الوزراء، والتي قرر خلالها المجلس إصدار تلك المراسيم، ودور المستشار البريطاني في إصدارها، ونتيجة لكل تلك الضغوط اضطرت الحكومة إلى إلغاء تلك المراسيم في 17 أيار 1928. (4) وفي 22 كانون الثاني 1928 شرعت الحكومة في الأعداد للانتخابات الجديدة لمجلس النواب، وعبأت المعارضة قواها لخوضها، وبدأت الحكومة تمارس ضغوطها للتأثير على سير الانتخابات للخروج بمجلس يؤيد سياستها، ويقر المعاهدة الجديدة مما أثار موجة من الاحتجاجات لدى المعارضة التي أعلنت أن الحكومة تعين النواب في واقع الأمر، وتقوم بتهديد الأهالي للتصويت لمرشحيها. تم انتخاب المجلس في 9 أيار 1928 بالشكل الذي أرادته الحكومة بعد أن استخدمت كل وسائل التزوير والترهيب، واحتج حزبا [ الاستقلال ] و الحزب [الوطني] على نتائج الانتخاب في مذكرة رفعاها إلى رئيس الوزراء. تم دعوة المجلس الجديد للاجتماع يوم 13 أيار 1928، حيث ألقى الملك فيصل خطاب العرش، والذي حاول فيه تبرير حل المجلس وإجراء انتخابات جديدة بالرجوع إلى رغبات الأمة !! في بعض الأمور الخطيرة، وكان الملك يقصد بذلك إقرار المعاهدة الجديدة، والتفاوض على تعديل الاتفاقيتين العسكرية والمالية. ولما رأت بعض الشخصيات الوطنية ما تنوي الحكومة الأقدام عليه قررت تجميع صفوفها، وتأسيس حزب سياسي معارض يقف ضد تلك المعاهدة فكان تأليف [الحزب الوطني ] بقيادة الشخصية الوطنية البارزة [جعفر أبو التمن ]، وضمت قيادة الحزب كل من السادة [محمد مهدي البصير] و[علي محمود الشيخ علي] و[أحمد عزت الأعظمي] و[عبد الغفور البدري] [ومولود مخلص] و[بهجت زينل] و[محمود رامز] . وبعض الشخصيات الوطنية الأخرى.(5) قررت الحكومة السعدونية بدء المفاوضات مع بريطانيا في 11 تشرين الأول 1928 حول تعديل الاتفاقيتين العسكرية والمالية، وفوضت وزراء الدفاع والمالية والمعارف للتفاوض مع الجانب البريطاني، فيما فوضت بريطانيا من جانبها المندوب السامي ومارشال الجو [ أدور ولنكتون]، والسكرتير المالي لدار الاعتماد، وقد تقدم الوفد البريطاني بمسودة اتفاقيتين جديدتين لكي تحلان محل الاتفاقيتين الملحقتين بمعاهدة 1922. لكن الوفد العراقي المفاوض وجد أن هاتين المسودتين لا تختلفان في جوهرهما عن سابقتيهما، ولذلك اعترض عليهما، وقدم من جانبه مسودتان جديدتان تضمنتا المطالب التي تحقق طموحات العراق في التحرر من التبعية البريطانية عسكريا ومالياً. فقد تضمنت مسودة الاتفاقية العسكرية الطلب بأن يكون من مسؤولية الجيش العراقي الحفاظ على أمنه الداخلي والخارجي، مع تحديد عدد الضباط البريطانيين في الجيش، وأن يعهد بإدارة الأحكام العرفية إلى ضابط عراقي بدلاً من البريطاني. أما مسودة الاتفاقية المالية فقد تضمنت طلب العراق تملك السكك الحديدية التي كانت تحت السيطرة البريطانية، وعدم تحمل الجانب العراقي نفقات المندوبية البريطانية. أثارت المسودتين المقدمتين من الجانب العراقي غضب المندوب السامي البريطاني الذي أعلن على الفور رفض قبولهما، مما تسبب في وقوع أزمة بين الحكومة العراقية والمندوب السامي، وسارعت الحكومة إلى إرسال مذكرة للمندوب السامي في 27 كانون الأول أوضحت له فيها وجهة نظرها في المفاوضات الجارية وضمنتها المطالب التالية: 1ـ ضرورة تولي الجيش العراقي مسؤولية الدفاع عن الوطن. 2 ـ انتخاب قائد القوات المشتركة [البريطاني] من قبل الملك فيصل. 3 ـ إدارة الأحكام العرفية من قبل ضابط عراقي . 4 ـ رفض سلطة قائد القوة الجوية البريطاني على الجيش العراقي. 5 ـ تقليص عدد الضباط البريطانيين في الجيش العراقي . 6 ـ رفض الفقرة الخاصة بالدفاع البحري عن العراق . أما ما يخص الاتفاقية المالية فإن الحكومة ترى ما يلي: 1 ـ أن العراق هو المسؤول عن مالية قواته البرية والجوية، وإن ما تقدمه الحكومة البريطانية من مساعدة يذهب إلى رواتب العدد الكبير من الضباط البريطانيين الذين لا ضرورة لبقائهم . 2ـ إن إمكانية الحكومة العراقية لا تسمح بدفع نفقات دار المندوبية البريطانية . 3 ـ يجب تعديل اتفاقية الرسوم الجمركية بما يتفق ومصالح العراق. 4ـ ضرورة تملك العراق للسكك الحديدية، والحكومة العراقية على استعداد لدفع تعويض للحكومة البريطانية. 5 ـ تحديد فترة زمنية لنفاذ الاتفاقية المالية. و في الختام أبلغت الحكومة المندوب السامي في مذكرتها بأنها سوف لا تقدم المعاهدة الجديدة إلى مجلس الأمة قبل تعديل هاتين الاتفاقيتين المذكورتين. (6) أما المندوب السامي، وبعد إطلاعه على مذكرة الحكومة العراقية، فقد سارع إلى الرد بعنف على ما جاء في مذكرة الحكومة، وخصوصاً فيما أعلنته حول عدم تقديم المعاهدة الجديدة إلى مجلس النواب قبل تعديل الاتفاقيتين العسكرية والمالية، ودعا المندوب السامي الحكومة العراقية إلى أن تعلن أن أحكام الاتفاقيتين نافذة طالما لم يتوصل الجانبان لاتفاقيات جديدة. سارع السعدون بعد تلقي مذكرة المندوب السامي إلى عقد جلسة لمجلس الوزراء ودعا قادة المعارضة السادة [رشيد عالي الكيلاني] و[جعفر أبو التمن] و[ياسين الهاشمي] لحضور الجلسة، وأطلعهم على مذكرة المندوب السامي، وطلب مشورتهم فيما يمكن عمله، وقد أشاروا عليه بالاستقالة مؤكدين له أن لا أحد سيقدم على تشكيل وزارة جديدة. وبعد هذا اللقاء جمع السعدون قادة حزبه [ حزب التقدم ] وعرض عليهم الأمر، وقد اتخذ قادة الحزب قراراً بدعم موقف السعدون. وبناء عليه سارع السعدون إلى إرسال مذكرة جوابية إلى المندوب السامي أعلن فيها أن الشعب العراقي ومجلس الأمة لا يرضيان بأقل من تحقيق المطالب التي تقدمت بها وزارته، وأن الحكومة غير مستعدة لتعلن الاتفاق على استمرار سريان مفعول الاتفاقيتين العسكرية والمالية السابقتين إلى أجل غير مسمى، وأن إقدام الحكومة على خطوة كهذه معناه الرجوع إلى الوراء، وأن ذلك مخل بكرامة الحكومة ومدعاة إلى القول بحقها أقوال شتى، وعليه فلم يعد أمام الوزارة غير تقديم استقالتها، وسوف أقدم استقالتي بداعي الأسباب الصحية، وعدم الإدلاء بأي بيان عن المفاوضات لمجلس الأمة لكي لا يحدث ما لا يحمد عقباه، ويتخذ المجلس قراراً مخالفاً لخطة الوزارة المقبلة. سارع المندوب السامي إلى إبلاغ وزير المستعمرات البريطاني برقياً في 19 كانون الثاني 1929عن الموقف المتأزم، وعن عزم الحكومة السعدونية على الاستقالة. وحالما قرأ الوزير البريطاني الرسالة كتب إلى السعدون مذكرة مستعجلة رجاه فيها الاستمرار في الحكم رغم فشل الطرفين في التوصل إلى اتفاق بشأن الاتفاقيتين العسكرية والمالية، واعداً إياه بمعاضدة بريطانـيا لــدخول العـراق إلى عصبة الأمم، وإمكانية تحقيق بعض المطالب التي تقدمت بها حكومته.إلا أن السـعدون رد على مـذكرة وزيـر المستعمرات البريطاني بمذكرة أرسلها له في 19 كانون الثاني 1929 معرباً له عن رفضه الاستمرار في تحمل المسؤولية. قدم السعدون استقالة حكومته إلى الملك في 20 كانون الثاني 1929 واضطر الملك إلى قبول الاستقالة على مضض طالباً منه تسيير أمور الحكم حتى تؤلف وزارة جديدة. لم يتمكن الملك فيصل من تشكيل وزارة جديدة لمدة ثلاثة أشهر من تاريخ استقالة وزارة السعدون، بسبب الموقف البريطاني المتعنت من تعديل الاتفاقيتين العسكرية والمالية، ولما وجد المعتمد السامي أن الأمر قد طال، ولتخوفه من خطورة الأزمة أسرع إلى مقابلة الملك فيصل طالباً منه الإسراع بتأليف الوزارة بأسرع ما يمكن، وقد رد عليه الملك انه لا يستطيع تكليف أحد بتأليف الوزارة طالما بقي الموقف البريطاني على حاله. وسارع السعدون إلى دعم موقف الملك بغية إحراج المندوب السامي، فبعث إلى الملك برسالة أبلغه فيها بأنه لا يستطيع الاستمرار في تسيير دفة الحكم أكثر من هذه المدة، وطلب من الملك قبول الاستقالة والانسحاب راجياً الملك أن يكلف أحداً بتشكيل الوزارة. (7) وفي تلك الأيام أنتقل الحكم في بريطانيا من حزب المحافظين إلى حزب العمال، وقررت الحكومة العمالية الجديدة نقل المندوب السامي [ هنري دوبس ] على أثر المشادة الكلامية التي حصلت بينه وبين الملك، وبذلك انتهت خدماته في العراق، وغادر بغداد في 1 شباط 1929، وقررت الحكومة البريطانية تعيين السير[جلبرت كلايتي] خلفاً له، والذي وصل بغداد في 2 آذار 1929. تأمل الشعب العراقي أن يحصل تغير في السياسة البريطانية تجاه العراق بعد انتقال الحكم إلى حزب العمال وتغير المندوب السامي. فقد وعد المندوب السامي الجديد في خطابه الموجه إلى الملك فيصل أن يعمل على تحقيق ما يصبو إليه العراق !!، ودعاه إلى المحافظة على الثقة والاعتماد المتبادلين.كما سارع المندوب السامي الجديد إلى لقاء رئيس الوزراء المستقيل عبد المحسن السعدون راجياً إياه العدول عن الاستقالة والاستمرار في الحكم. لكن السعدون أبلغه أنه لا يستطيع الاستمرار في الحكم طالما أصرت بريطانيا على عدم الاستجابة لمطالب العراق الوطنية المشروعة. وعلى اثر تلك المقابلة سارع المندوب السامي إلى إعلام الحكومة البريطانية بالموقف، ووجدت الحكومة البريطانية أن بقاء التوتر بينها وبين الشعب العراقي ليس في صالح بريطانيا، وأن استمرار التوتر ينذر بأخطار كبيرة، فكتبت إلى مندوبها السامي تعلمه أن الوزارة عازمة على إدخال العراق في عصبة الأمم شرط أن تضمن المصالح البريطانية من خلال تعهدات ترتبط بها حكومة العراق مع بريطانيا، وأنها مستعدة للنظر في مطالب العراق فيما يخص الاتفاقيتين العسكرية والمالية، وعليه فقد سارع المندوب السامي إلى إبلاغ الملك فيصل بمضمون رسالة وزير المستعمرات البريطانية في 21 نيسان 1929. حاول الملك فيصل تكليف نوري السعيد بتشكيل الوزارة الجديدة، إلا أن السعدون أبلغ الملك أن أعضاء حزبه في البرلمان لا يستطيعون منح الثقة لنوري السعيد، ولما لم يجد الملك مفراً من ذلك عهد إلى توفيق السويدي بتأليف الوزارة الجديدة في 28 نيسان 1929 على أمل إنقاذ الموقف، وجرى تأليف الوزارة على عجل. (8) جاءت الوزارة الجديدة من هيئة الوزارة السعدونية السابقة، ومستندة إلى حزب السعدون الذي يتمتع بالأغلبية في مجلس النواب، لكن الحزب وضع أمام الوزارة شرط إجراء التعديلات المطلوبة على الاتفاقيتين المالية والعسكرية كي تنال ثقة البرلمان. أثار تشكيل توفيق السويدي للوزارة موجة من الغضب الشعبي، وغضب أحزاب المعارضة على حد سواء، ولذلك فقد كان عمر الوزارة قصيراً، ولم تستطع أن تقدم شيئاً يذكر سوى تصديها للمظاهرات الوطنية التي قامت في بغدد في 30 آب 1929 احتجاجاً على الجرائم التي ارتكبها الصهاينة وقوات الاحتلال البريطاني في فلسطين ضد السكان العرب في ذلك الشهر، حيث تصدت الشرطة للمظاهرات وقمعتها بالقوة، وقامت الحكومة بتعطيل صحيفتي {النهضة } و{الوطن }، وتوجيه إنذار لصحيفة {العالم العربي } بسبب نشر المقالات المنددة بوعد [بلفور] وجرائم الصهاينة في فلسطين، واحتج الحزب الوطني على أساليب الحكومة القمعية، وقمعها للحريات العامة. وبسبب الموقف الشعبي وموقف أحزاب المعارضة من الحكومة لم يجد توفيق السويدي بُداً من تقديم استقالة حكومته إلى الملك فيصل في 25 آب 1929 ولم يمضِ على تشكيلها سوى أقل من أربعة أشهر كي تعقبها وزارة السعدون الرابعة، حيث كلفه الملك فيصل بتأليف الوزارة الجديدة في 19 أيلول 1929. وخلال الفترة الزمنية التي تلت استقالة حكومة السويدي وتأليف حكومة عبد المحسن السعدون توفي المندوب السامي [ جلبرت كلايتي] بالسكتة القلبية في بغداد مساء يوم الأربعاء 11 أيلول 1929. شكل عبد المحسن السعدون وزارته الرابعة في 19 أيلول 1929 مبدياً أول ملاحظاته عن الوضع السياسي حيث أشار فيها إلى أن بريطانيا قد وافقت على العمل لإدخال العراق في عصبة الأمم دون قيد أو شرط عام 1932. كما أعلن عن رغبة بريطانيا في عقد معاهدة جديدة لتنظيم العلاقة بين البلدين، على نفس الأسس التي أقتُرح للاتفاق المصري البريطاني، وأشار إلى أن هذا الموقف يعتبر تراجعاً من بريطانيا عن مواقفها السابقة المتصلبة تجاه المطالب العراقية المشروعة في التحرر والاستقلال الوطني والسيادة الحقيقية، وقد وضع السعدون في مقدمة قائمة المهام لوزارته الأمور التالية: 1 ـ العمل على عقد معاهدة جديدة وتطبيقها لتسريع دخول العراق في عصبة الأم قبل عام 1932، وإزالة أي صبغة للاحتلال البريطاني في صلب المعاهدة الجديدة. 2 ـ إنهاء مسؤولية بريطانيا الدفاعية عن العراق، وإناطتها بالجيش العراقي، وتطبيق قانون التجنيد الإلزامي، لبناء جيش كبير وقوي يستطيع القيام بالمهام المطلوبة منه. 3 ـ تقليص عدد الضباط البريطانيين في الجيش العراقي، وتقليص عدد المفتشين البريطانيين، والموظفين الذين لا تستدعي الحاجة إلى بقائهم، واستبدالهم بموظفين عراقيين. 4ـ إعادة النظر في التعريفة الجمركية، وتشجيع الصناعات الوطنية وصمودها أمام المنافسة الأجنبية. وبالنظر لوفاة المندوب السامي [ جلبرت كلايتي ] المفاجئة بالسكتة القلبية قررت الحكومة البريطانية تعيين السير [ فرانسيس هيمفريز] ليحل محله كمندوب سامٍ لها في العراق، في 7 تشرين الأول 1929، ووصل بالفعل إلى بغداد لتسلم مهام منصبه في 10 كانون الأول من السنة نفسها، وأعلنت الحكومة البريطانية في الوقت نفسه عن عزمها على ترشيح العراق لدخول عصبة الأمم سنة 1932. قررت حكومة السعدون الشروع بإجراء المفاوضات لوضع معاهدة جديدة تلبي طموح الشعب العراقي، وألّفت وفدها المفاوض من السادة وزراء الدفاع والمالية والداخلية، وسارع السعدون إلى طرح برنامج حكومته أمام مجلس النواب في أول لقاء له مع المجلس بعد تأليف وزارته. لكن المعارضة هاجمته بشدة، واتهمته بالتراجع عن مواقفه السابقة التي أصر فيها على المطالب العراقية المشروعة فيما يخص المعاهدة، وتعديل الاتفاقيتين العسكرية والمالية. وجاء ردّ ه على نواب المعارضة بنفس الدرجة من العنف عندما أنتقد النواب قبوله لتصريح الحكومة البريطانية السالف الذكر، وعما سيحصل إذا تغيرت الحكومة العمالية، وتراجعت بريطانيا عن التصريح حيث قال: {إذا حصل ذلك فإني اعتقد أن نيل الاستقلال تابع إلى جرأة الأمة، فالأمة التي تريد الاستقلال يجب أن تتهيأ له، ولا يكون ذلك بالكلام والأقوال الفارغة، فالاستقلال يؤخذ بالقوة والتضحية، وهذا ما أحببت أن أقوله}. انتحار عبد المحسن السعدون:
كان لكلام
عبد المحسن السعدون في مجلس النواب دوي كبير لدى الجانب المعارض والجانب
الموالي لبريطانيا على حد سواء، ففي
الوقت الذي ثمّنَ
المعارضون ما
قاله
من أن الاستقلال يؤخذ بالقوة،
ومطالبته الشعب بالتهيؤ له
والتضحية في سبيله، فإن
الموالين لبريطانيا قد أغضبهم حديثه، وسعى
البعض منهم للوشاية به
لدى
وكيل المندوب السامي البريطاني [ الميجر يانك ] لذي سارع إلى معاتبته،
وتقريعه بكلمات خشنة وعنيفة أثارت في نفسه الحزن العميق لدرجة لم يعد
يتحملها، ودفعته
إلى الانتحار في 13 تشرين الثاني 1929، حيث أطلق على نفسه الرصاص تاركا
رفاقه، والملك
فيصل، ووكيل
المندوب السامي في حالة من الذهول الشديد، والقلق
العميق مما يمكن أن يحدثه انتحاره من رد فعل لدى الشعب،
وقد
ترك وصيته لأبنه [علي ] شرح فيها أسباب أقدامه على الانتحار، وأوصاه
بوالدته و أخوته الصغار،
وهذه
نص الوصية:
{ ولدي وعيني، ومستندي علي: اعفِِ عني لما ارتكبته من جناية، لأني سئمت هذه الحياة التي لم أجد فيها لذةً، وذوقاً، وشرفاً. فالأمة تنتظر مني خدمة، والإنكليز لا يوافقون، وليس لي ظهير. العراقيون طلاب الإستقلال ضعفاء وعاجزون، وبعيدون كثيراً عن الاستقلال، وهم عاجزون عن تقدير أرباب الناموس أمثالي. يظنون أني خائن للوطن، وعبد للإنكليز؟ ما أعظم هذه المصيبة !! أنا الفدائي الأشد إخلاصاً لوطني، قد كابدت أنواع الإحتقارات، وتحملت المذلات مضضاً في سبيل هذه البقعة المباركة التي عاش بها آبائي وأجدادي مرفهين .ولدي نصيحتي الأخيرة لك هي : 1 ـ أن ترحم أخوتك الصغار، الذين سيبقون يتامى، وتحترم والدتك، وتخلص لوطنك. 2 ـ أن تخلص للملك فيصل وذريته إخلاصاً مطلقاً. أعفِ عني يا ولدي علي} . (10) التوقيع عبد المحسن السعدون
سارعت الحكومة إلى إذاعة نبأ الفاجعة، وجرى تشيع مهيب للفقيد إلى المقبرة الكيلانية في باب الشيخ، وسار خلف جنازته جميع الشخصيات السياسية، وجمع غفير جداً من أبناء الشعب، وهم يعبرون عن الأسى والحزن العميق لانتحاره، وانهالت برقيات التعازي من شتى أنحاء العالم. أما وكيل المندوب السامي فقد أحتج على الحكومة بشدة بسبب سماحها بنشر وصية السعدون، معتبراً ذلك العمل تحريضاً على بريطانيا وسياستها تجاه العراق، وتثير هيجاناً لدى الرأي العام العراقي، لكن الملك فيصل والحكومة حاولوا بكل خنوع تبرير نشر الوصية إرضاءً لوكيل المندوب السامي البريطاني. (11)
بعد إتمام
مراسيم تشيع الفقيد أصبحت الوزارة في حكم المستقيلة، وتحتم
تشكيل وزارة جديدة تحاول تهدئة الغليان الشعبي الذي أحدثه انتحار |