|
|
|
حامد الحمداني
أولاً:خلافات داخل مجلس الوزراء، واستقالة حكومة السعيد أدت سياسة نوري السعيد، وأساليبه القمعية التي استخدمها لفرض معاهدة 30 حزيران 1930 إلى خلافات عميقة في مجلسي النواب الوزراء، وأدت تلك الخلافات إلى استقالة السيد[ جميل المدفعي] من رئاسة مجلس النواب، ومن حزب نوري السعيد[حزب العهد] احتجاجاً على تصرفات الحكومة، وبالأخص وزير الداخلية [مزاحم الباجه جي ] إثر الهجوم العنيف الذي تعرض له في مجلس النواب من قبل نواب المعارضة، بسبب تصرفات الحكومة المخالفة للدستور، والمنتهكة للحريات، وقد بعث السيد المدفعي بكتاب إلى السعيد يعلن فيه استيائه من تصرفات وزير الداخلية غير القانونية، والتزام السعيد جانبها، وأعلن انسحابه من حزب العهد، وقد لخص المدفعي تصرفات وزير الداخلية [مزاحم الباجه جي ] بالتالي : 1 ـ تصرفاته المشينة خلال الإضراب الشعبي العام، مما كان سببا في توسيعه توسعاً خطيراً. 2 ـ تطبيقه قانون العشائر على ذوات ليسوا من العشائر، وبينهم من كبار رجال القانون. 3 ـ تضيقه على كبار رجال الأمة، وتعقيبهم بالجواسيس بصورة لم يسبق لها مثيل، ومطارداته الشبيبة الوطنية لمجرد ما يظهروه من الشعور الوطني، شأن الشباب في جميع بلاد الله. 4 ـ وضع المراقبة الشديدة على حرية المخابرة، خلافاً لما هو مضمون في القانون الأساسي الذي حلفنا اليمين على التمسك به.
5ـ
تطبيقه الذيل
الخاص
بالعقوبات
بحق رجال
عرفوا بمقدرتهم وإخلاصهم،
لكي
يتسنى له تعيين بعض محسوبيه،
ومروجي تصرفاته في
محله. 6 ـ تفسيره القوانين كما تشتيهه أغراضه، وهتكه شرف الرجال المخلصين 7 ـ إصدار الكتب التهديدية السرية المملوءة بالبذاءات، وهتك الحرمات،وعليه أرجو اعتباري مستقيلاً من الحزب، وسأقدم استقالتي رسمياً من رئاسة مجلس الأمة أيضاً، وتقبلوا احترامي. (1) جميل المدفعي ـ في 16 تشرين الأول 1931 وهكذا فضح المدفعي سلوك الحكومة المخزي، وانتهاكها للدستور، ونكثها لليمين باحترامه، والاعتداء على حقوق وحريات المواطنين التي نص عليها الدستور، واستغلال النفوذ بهذا الشكل المكشوف، فلم يعد أمام نوري السعيد إلا أن يقدم استقالة حكومته إلى الملك فيصل في 19 تشرين الأول 1931، و تم قبول الاستقالة. ثانياً:المندوب السامي يضغط على الملك لتكليف السعيد مجدداً لم يكد المندوب السامي يبلغه خبر استقالة نوري السعيد حتى سارع إلى الملك فيصل طالباً منه أن يعيد تكليف السعيد بتشكيل الحكومة الجديدة، ومارس ضغطاً على الملك لكي ينفذ طلبه، فلم يكن أمام الملك من بد إلا أن ينفذ مشيئة المندوب السامي كما أراد، حيث كانت هناك مهام خطيرة يتطلب تنفيذها من قبل شخصية قوية ومضمونة، ولقد اثبت نوري السعيد أنه هو لا غيره ذلك الرجل القوي القادر على القيام بتلك المهمات التي تنتظر الحكومة الجديدة، وهكذا رضخ الملك فيصل لمشيئة المندوب السامي وكلف نوري السعيد من جديد بتشكيل الوزارة، وباشر السعيد على الفور باختيار أعضاء وزارته بالتشاور مع المندوب السامي والملك فيصل في اليوم نفسه، وجاءت وزارته الثانية على الوجه التالي : 1 ـ نوري السعيد ـ رئيساً للوزراء 2 ـ ناجي شوكت ـ وزيراً للداخلية. 3ـ رستم حيدر ـ وزيراً للمالية . 4ـ جمال بابان ـ وزيراً للعدلية . 5ـ جعفر العسكري ـ وزيراً للدفاع والخارجية 6 ـ عبد الحسين الجلبي ـ وزيراً للمعارف 7ـ محمد أمين زكي ـ وزيراً للاقتصاد والمواصلات . كان عهد هذه الوزارة مليئاً بالأحداث التي كان على السعيد معالجتها وأبرزها: 1 ـ تمرد بعض قوات الليفي. 2 ـ اندلاع الثورة البارزانية. 3 ـ دخول العراق عصبة الأمم وسريان معاهدة 1930.
ثالثاً: معالجة تمرد قوات الليفي الآشورية: قوات الليفي الآشورية أنشأها البريطانيون لمساعدة قواتهم المحتلة للعراق في حفظ الأمن والنظام ، والقيام بدور الحراسة للمعسكرات والقواعد البريطانية، والقيام بدور الحراسة للمعسكرات والقواعد البريطانية. كان الآشوريون يطمحون بقيام دولة لهم في دهوك وبعض المناطق الأخرى في شمال العراق، لكن آمالهم خابت بعد صدور القرار بضم العراق إلى عصبة الأمم، وتجاهل بريطانيا تلك المطالب، مما أثار استياء قوات الليفي العاملة في خدمة القوات البريطانية، حيث استقال ما يزيد على 1300 فرداً منهم، وتقدموا للمندوب السامي بالمطالب التالية: 1 ـ الاعتراف بهم كشعب من أقدم مواطني العراق، وليسوا مجرد طائفة دينية أو عنصرية. 2ـ إيجاد كيان لهم في منطقة [ دهوك ]، والعمل على إعادة منطقة [حكاري] الواقعة تحت السيادة التركية، وإذا ما تعذر ذلك فيجب إيجاد موطن للآشوريين في العراق مفتوح لكل الآشوريين في داخل العراق وخارجه. 3ـ الاعتراف الرسمي بسلطة زعيمهم الديني [المار شمعون] الدينية والدنيوية. 4ـ عدم سحب السلاح منهم . 5ـ مطالب أخرى حول فتح مدارس ومستشفى ودار أوقاف آشورية. لكن المندوب السامي طلب منهم التراجع عن مواقفهم والعودة إلى الخدمة غير أنهم أصروا على ذلك، فما كان من السلطات البريطانية إلا أن تأتي بقوة عسكرية من الإنكليز المتواجدين في مصر لتحل محلهم، حيث تم نقلهم على عجل بواسطة الطائرات. فلما وجدت قوات الليفي أن بريطانيا عازمة على عدم تلبية مطالبهم، تراجع قسم كبير منهم وعاد إلى الخدمة، أما القسم الآخر الذي أصر على موقفه فقد قررت السلطات البريطانية إقصاءهم نهائياً. أما الحكومة العراقية فقد قررت في 2 تموز 1932، وبعد موافقة المندوب السامي، سحب السلاح من الليفي، ومنعت حمل أي سلاح إلا بإجازة رسمية، كما قررت وضع أفراد من الشرطة مع قوات الليفي في كافة المخافر. (2) رابعاً: السعيد يقمع الثورة البارزانية: حاولت الحكومة تثبيت نفوذها في منطقة كردستان، ولمنع أية محاولة من جانب بعض الزعماء الأكراد للتمرد على سلطة الحكومة، وكان من جملة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة قرارها بإقامة مخافر في منطقة [بازيان] المحصورة بين [الزيبار] و[عقرة] و[الزاب الأعلى]، والتي تتوسطها قرية [بارزان] حيث مقر سكن الشيخ احمد البارزاني،عميد الأسرة البارزانية المعروفة، والذي يتمتع بمركز ديني ودنيوي كبير في صفوف الأكراد. (3) رفض الشيخ احمد إقامة تلك المخافر، واعتبرت الحكومة أن موقفه هذا يشكل تحدياً لسلطتها، واتخذت قراراً بإقامة المخافر بالقوة، حيث أرسلت قوات عسكرية إلى المنطقة لفرض إقامتها بالقوة، مما تسبب في وقوع مصادمات عنيفة بين أتباع الشيخ احمد وقوات الحكومة في 9 كانون الأول 1930، وقد قتل ما يزيد على 50 فرداً من قوات الحكومة، وأصيب الكثير منهم بجراح، واستطاع أتباع البارزاني طرد بقية القوات التي أرسلتها الحكومة إلى المنطقة. أخذ البارزاني يوسع نفوذه في المنطقة، وإزاء ذلك الوضع قررت الحكومة تجريد حملة عسكرية كبيرة لإخضاع الشيخ [أحمد البارزاني] في شهر نيسان 1932، مستعينة بالقوة الجوية البريطانية التي شرعت طائراتها بقصف المنطقة، ومطاردة البارزانيين في 25 أيار1931 وكان القصف الجوي من الشدة بحيث دفع المقاتلين البارزانيين إلى الالتجاء إلى الجبال حيث المخابئ الآمنة، وبدأت قوات الحكومة حملتها ضدهم في 22 حزيران 1931، مما اجبر الشيخ أحمد بعد أن تشتت قواته على الفرار إلى تركيا، حيث سلم نفسه للسلطات التركية التي قامت بنقله إلى مدينة [ أدرنه]على الحدود البلغارية. وفي تلك الأيام حاول الإنكليز إسكان الآشوريين في منطقة بارزان، فلما علمت الحكومة التركية بالأمر، وهي التي تكن الكره الشديد للآشوريين الذين وقفوا إلى جانب بريطانيا إبان الحرب العالمية الأولى، سارعت إلى إعادة الشيخ احمد البارزاني إلى منطقة الحدود العراقية...وعندما بلغ الخبر إلى الحكومة العراقية، تقدمت بطلب إلى الحكومة التركية لتسليم الشيخ احمد. إلا أن الحكومة التركية رفضت الطلب، مشترطة إصدار عفو عام عنه وعن أتباعه، واضطرت الحكومة العراقية إلى إصدار العفو عنهم...وعليه فقد عاد الشيخ احمد وأتباعه إلى العراق، حيث أسكنتهم الحكومة في الموصل، ثم جرى نقلهم بعد ذلك إلى الناصرية فالحلة فالديوانية، ثم استقر بهم المطاف في مدينة السليمانية. خامساً: إدخال العراق في عصبة الأمم: بعد أن تسنى لبريطانيا فرض معاهدة 30 حزيران 1930، والتي ضمنت من خلالها الهيمنة التامة على مقدرات العراق اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، وحيث تصبح هذه المعاهدة نافذة حال دخول العراق عصبة الأمم كدولة مستقلة، تقدمت الحكومة البريطانية بطلب إلى عصبة الأمم في 13 أيار 1931، لقبول العراق عضواً فيه معلنة أن العراق أصبح يمتلك الأهلية ليكون دولة مستقلة وعضو فيها...جرى توزيع الطلب البريطاني على أعضاء عصبة الأمم في الجلسة التي عقدتها في حزيران 1931، وأجرى المجلس مذاكرة حول الطلب، وحول التقرير الذي قدمته بريطانيا عن العراق، فقرر المجلس في 4 كانون الأول تأليف لجنة لدرس التقرير وتقديم توصيانها في مدة أقصاها 30 كانون الأول. وبالفعل قدمت اللجنة في هذا التاريخ تقريرها الذي أوصت فيه بقبول العراق عضواً في العصبة بعد أن يوقع العراق على ميثاق العصبة، وعلى الشروط التي وضعتها عصبة الأمم، والمتعلقة بالضمانات اللازمة للحفاظ على حقوق الأقليات، وتقيد العراق بمبادئ العصبة. ..وافق العراق على شروط عصبة الأمم، وقدمت الحكومة العراقية الضمانات المطلوبة، والتي صادق عليها مجلس النواب، في جلسته بتاريخ 5 أيار 1932، وعند ذلك أعلنت عصبة الأمم في 31 كانون الثاني 1932عن قبول العراق عضواً في العصبة. (4) قدم الملك جورج، ملك بريطانيا، تهانيه إلى الملك فيصل بقبول العراق عضواً في العصبة، وأصبحت معاهدة 30 حزيران 1930 نافذة المفعول من تاريخ صدور قرار عصبة الأمم بقبول عضوية العراق...إلا أن استقلال العراق لم يكن سوى استقلالاً شكلياً محضاً، فقد قيّدته معاهدة 1930 بقيود ثقيلة جعلته في واقع الأمر تحت الحماية البريطانية لسنين طويلة. سادساًً:الملك فيصل يطلب من نوري السعيد تقديم استقالته: بعد أن أنجزت حكومة نوري السعيد المهام الموكولة لها، والمتمثلة بعقد معاهدة 30 حزيران 1930، وإدخال العراق في عصبة الأمم، ومنح العراق الاستقلال [الشكلي]، قدم نوري السعيد استقالة حكومته إلى الملك فيصل في 27 تشرين الأول 1932، وتم قبول الاستقالة في اليوم التالي، وكلف الملك فيصل السيد [ناجي شوكت] بتأليف الوزارة الجديدة في 3 تشرين الثاني 1932. ورغم أن استقالة السعيد جاءت بناء على طلبه كما جاء في كتابه الموجه إلى الملك، إلا أن الحقيقية كانت غير ذلك، وأن الملك فيصل هو الذي طلب منه تقديمها فقد جاء في البرقية التي طيرها المندوب السامي [هيوبرت همفري] إلى وزارة الخارجية البريطانية برقم 335 بتاريخ 29 تشرين الأول 1932 ما يلي : [ إن الملك هو الذي طلب من السعيد تقديم استقالة حكومته لأنه فقد ثقة الملك، ولما عرض على الملك استعداده لجمع نوري السعيد بالملك رفض الملك ذلك، وقرر الانفصال عن السعيد، ولم تفد توسلاتي وتوسلات المستشار [ كورنواليس] لتثني الملك عن قراره. (5) كان هدف الملك من طلب الاستقالة تقليص نفوذ نوري السعيد الذي تصاعد نجمه لدى الإمبرياليين البريطانيين بعد أن افلح في توقيع معاهدة 1930، وأصبح يتمتع بمنزلة كبيرة لدى المندوب السامي البريطاني والحكومة البريطانية، ونال ثقتهما، وأصبح يرى نفسه وكأنه الشخصية الوحيدة القادرة على إدارة شؤون البلاد...كما هدف الملك فيصل من التغير الوزاري استمالة ما يدعى بالمعارضة المعتدلة، بعد الذي سببته معاهدة 30 حزيران 1930 الجائرة، والمقيدة لاستقلال العراق من جهة...وهكذا جاءت حكومة [ناجي شوكت] وسطاً بين الاتجاه الموالي لبريطانيا والاتجاه المعارض لسياستها، وللمعاهدة...أما الرأي العام العراقي فقد كان بين متفائل ومتشائم من هذه الوزارة، ورأى البعض الأخر أن هذه الوزارة لا تعدو عن كونها وزارة انتقالية ليس إلا...أما وزارة الخارجية البريطانية فقد كان رأيها أن هذه الوزارة لن تدوم طويلاً، فبريطانيا لا ترضى إلا بوزارة تكون ألعوبة بأيديها، وهي لم تعترض على تشكيلها لكي تهدئ الأوضاع في البلاد بعد الذي سببته حكومة نوري السعيد بعقد معاهدة 30 حزيران 1930. كان على الوزارة الجديدة أن تلجأ إلى حل البرلمان الذي يتمتع فيه نوري السعيد بالأغلبية المطلقة لتقليم أظافره من جهة، ولإرضاء الشعب بعد أن زوّر نوري السعيد الانتخابات السابقة بشكل خطير...حاول نوري السعيد ثني ناجي شوكت عن حل البرلمان واعداً إياه بتأييد نواب حزبه للوزارة. غير أن الملك كان قد صمم على حل البرلمان، وأصدر الإرادة الملكية بحله في 8 تشرين الثاني 1932. حاول نوري السعيد عرقلة قرار حل البرلمان بأن أوعز إلى نواب حزبه بعدم حضور الجلسة التي تتلى فيها الإرادة الملكية بحله، لكن ذلك لم يمنع من مضي الحكومة والملك قدماً في حل البرلمان، وإجراء انتخابات جديدة. (6) أما نوري السعيد فقد عقد اجتماع لقيادة حزبه في 10 تشرين الأول بعد يومين من قرار الحل، وأصدرت القيادة بياناً يندد بالحل، وقررت كذلك إرسال مذكرة إلى الملك فيصل ادعت فيها عدم شرعية الحل، وفوضت نوري السعيد بمتابعة المذكرة...ولما بلغ الأمر للملك فيصل، قرر إبعاد نوري السعيد عن العراق بتعيينه ممثلاً للعراق في عصبة الأمم في 16 تشرين الثاني 1932. كان أمام حكومة ناجي شوكت مدة أربعة أشهر تبدأ من تاريخ حل البرلمان لإجراء انتخابات جديدة حسبما نص على ذلك القانون الأساسي بمادته الأربعين، ولذلك فقد سارعت الحكومة إلى تعين يوم 10 كانون الأول 1932 موعداً لانتخاب المنتخبين الثانويين، وجرت الانتخابات في جو من اللامبالاة من قبل الشعب الذي كان يدرك أن الحكومات المتعاقبة تجري الانتخابات حسبما تريد هي والمندوب السامي والملك، شاء الشعب أم أبى. ومع ذلك فقد رشح أعضاء من [ حزب الإخاء الوطني ] الذي يقوده الزعيم الوطني[ جعفر أبو التمن] بشكل فردي، وفاز معظم المرشحين في الانتخابات، ولكن عددهم كان قليلاً. كما رشح عدد من أعضاء [الحزب الوطني] بزعامة [يسين الهاشمي] على الرغم من حدوث انشقاق في قيادة الحزب بسبب مطالبة البعض منهم مقاطعة الانتخابات وفاز عدد من المرشحين . أما حزب نوري السعيد [ حزب العهد ] فقد كان حزب حكومة وبرلمان فلما ذهبت الوزارة وحُل البرلمان تلاشى الحزب، لكن عدد من أعضاء الحزب رشحوا في الانتخابات بصورة فردية، وفازوا فيها...كانت حصة الأسد كما هو جارٍ عادة في كل انتخابات للحكومة، فقد فازت كتلة الحكومة بـ 72 مقعداً في المجلس المؤلف من 88 مقعدا ودعيت كتلة رئيس الوزراء [الكتلة البرلمانية]، لكن هذه الكتلة بدأت بالتفكك عندما عقد المجلس اجتماعه في 8 آذار 1933، على أثر تواصل هجمات المعارضة على الحكومة. حاول ناجي شوكت بعد الانتخابات أن يوسع وزارته، ويدخل فيها عناصر ما كان يدعى بالمعارضة المعتدلة مثل [يسين الهاشمي] و[حكمت سليمان] لكن الملك لم يوافق على ذلك، وأثر بقاء الوزارة على حالها، وخيره بالبقاء على رأس الوزارة أو تكليف رشيد عالي الكيلاني بتأليف وزارة جديدة، فما كان من ناجي شوكت إلا أن قدم استقالة حكومته إلى الملك في 18 آذار 1933، وتم قبول الاستقالة، وكلف الملك السيد رشيد عالي الكيلاني بتأليف وزارة جديدة في 20 آذار 1933 . توثيق الحلقة الرابعة (1) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الثالث ـ ص 158 ـ عبد الرزاق الحسني. (2) المجلة العسكرية العراقية ـ العدد 68 ـ ص 115. (3) مذكرات ناجي شوكت المخطوطة ـ ص 162 . (4) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الثالث ـ ص 193 (5) نفس المصدر ـ ص 205 . (6) نفس المصدر ـ ص 212
أولاً: وفاة الملك فيصل الأول في ظروف غامضة: في الأول من أيلول 1933،وصل الملك فيصل إلى العاصمة السويسرية برن ] طلباً للاستشفاء، وكان الإعياء بادياً عليه، حيث نزل في فندق[bellevue] المطل على نهر[ الآر]،وهناك بدأ الملك رغم وضعه الصحي المتعب يستقبل مراسلي الصحف، والعديد من الأصدقاء، ويدلي بتصريحاته محاولاً الرد على الدعايات المضللة الموجه ضده، وضد العراق وحكومته على أثر الأحداث التي رافقت ثورة الآشوريين. كان القلق والانفعال باديين على وجه، وتميزت تصريحاته بشدة اللهجة وكان يضرب بيده على الطاولة بقوة وهو يتحدث مع الصحفيين، فقد كان قد تلقى سيلاً من التهديدات من الحكومة البريطانية بسبب قمع الحكومة العراقية، ونائب الملك [الأمير غازي] للحركة الآشورية، وقد طالبته الحكومة البريطانية بالعودة فوراً إلى بغداد، وأخذ زمام الأمر بيده وإلا فسوف يتعرض لنتائج وخيمة!!، وهذا نص آخر إنذار وجهته وزارة الخارجية البريطانية إليه: { إن استمرار الحركات العسكرية ضد الآشوريين، وإصرار الحكومة على موقفها، وعدم إصغائها لأوامر جلالتكم، قد أحدث تأثيراً سيئاً لدى الرأي العام البريطاني وغيره، ولذلك فإن لم تعودوا فوراً إلى العراق وتقبضوا بنفسكم على زمام الأمور، فان الحكومة البريطانية ستضطر إلى إعادة النظر في علاقاتها العهدية مع العراق }. (1) قضى الملك فيصل 3 أيام على تلك الحال وهو يزداد تعباً، وتزداد صحته تردياً. و في 7 أيلول أُصيب الملك بالآم حادة في بطنه، وحضر طبيبه الخاص على عجل، وتم حقنه بحقنة تحت الجلد، حيث أحس بنوع من الراحة...غير أن صحته تدهورت،عند منتصف الليل، وقد حضر إلى غرفته كل من [نوري السعيد ] و[رستم حيدر] و[تحسين قدري]،حيث وجدوه وهو في حالة خطيرة يلفظ أنفاسه الأخيرة، وكان آخر ما قاله: { أنا مرتاح، قمت بواجبي، وخدمت الأمة بكل قواي، ليسر الشعب بعدي بقوة واتحاد}. ثم شهق شهقة الموت. (2)وعلى الفور طّير[ نوري السعيد] و[رستم حيدر] برقية إلى الحكومة في بغداد وجاء فيها : { فجعت الأمة العراقية،عند منتصف الليل بوفاة سيدها وحبيبها جلالة الملك فيصل، وذلك نتيجة نوبة قلبية}!!. وخرج التقرير الطبي بان الوفاة ناجمة عن انسداد الشرايين، وقد أثار هذا الأمر الاستغراب في وقته، حيث أن هذا الأمر لا يحدث عادة إلا عند المتقدمين في العمر، والملك لم يكن قد بلغ الخمسين عاماً من العمر...وتم نقل جثمان الملك إلى بغداد في 14 أيلول حيث تم تشيعه في موكب رسمي، ودفن في المقبرة الملكية في الأعظمية. ثانياً : الشكوك تدور حول بريطانيا ونوري السعيد: ثارت الشكوك حول السبب الحقيقي للوفاة، حيث ذكر التقرير الطبي كما أسلفنا هو انسداد الشرايين، وانسداد الشرايين كما هو معروف يسبب آلاماً شديدة في الصدر، في حين أن الملك كان قد شعر في تلك الليلة بالآم حادة في البطن، وليس في الصدر، وعليه فقد كان هناك شك كبير في أن السبب الحقيقي للوفاة هو التسمم، وقيل أن الإنكليز ونوري السعيد هم الذين كانوا وراء العملية..ومما زاد في تلك الشكوك ما جاء في الوثائق البريطانية مؤخراً عن تصريح للسفير البريطاني [ هيمفريز]الذي جاء فيه : [ إن جعفر العسكري ونوري السعيد اتفقا على أن لا يتحملا أية مسؤولية في المستقبل إذا لم يطرأ تغيير كامل على نفسية الملك فيصل، وأن نوري السعيد مصر على أن لا يتقلد الحكم ما دام فيصل على العرش وأنه لا يمكن للعراق أن يتقدم على عهد ولي العهد [ الأمير غازي ]، فلا بد إذا من تغيير نظام الوراثة ليكون [الأمير زيد ] ملكاً بعد وفاة أخيه الملك فيصل ] . (3) وبوفاة الملك فيصل، اختفت فوراً مذكراته الخطيرة، ولم يعد أحد يعرف عنها شيئاً، وكل الشكوك كانت تشير إلى أن وراء عملية الاختفاء تلك كان نوري السعيد.
ثالثاً:
نوري السعيد يحاول إبعاد الأمير غازي عن المُلك: وعلى أثر وفاة الملك فيصل، حاول نوري السعيد إقناع رئيس الوزراء [رشيد عالي الكيلاني ] و[ رستم حيدر] وزير الاقتصاد والمواصلات، والمقرب جداً من العائلة المالكة استبعاد الأمير غازي عن تولي الملك بصفته ولياً للعهد، ودعوة [ الأمير زيد ] لتولي الملك، بدعوى أن الأمير غازي متخلف عقلياً، ولا يصلح لتولي الملك، لكن الكيلاني رفض رفضاً قاطعاً محاولات نوري السعيد، وأجرى على عجل مراسيم تحليف الأمير غازي اليمين القانونية أمام مجلسي النواب والأعيان، و جرى تتويجه رسمياً مساء يوم 8 أيلول 1933 ملكاً على العراق، وبذلك اسقط في يد نوري السعيد.(4)...وبمناسبة تسلم الملك غازي سلطاته الدستورية، وحسبما ينص الدستور، قدم السيد رشيد عالي الكيلاني استقالة حكومته إلى الملك الذي قبل بدوره الاستقالة، وكلفه من جديد بتأليف الوزارة الجديدة. رابعاًً: اضطراب الأوضاع في عهد الملك غازيأحدثت وفاة الملك فيصل الأول اختلالاً خطيراً في التوازن السياسي القائم في البلاد، وقد أدت تلك الظروف إلى تفاقم التنافس السياسي بين أولئك الضباط الشريفيين المخضرمين، ومحاولة كل واحد منهم الوصول إلى سدة الحكم مستخدمين البرلمان تارة وتحريك العشائر تارة أخرى، ووصل بهم الأمر إلى حد استخدام الجيش من أجل تحقيق مآربهم.(5) وقد وجد[ نوري السعيد] الفرصة السانحة لتوسيع نفوذه في إدارة شؤون البلاد، وسعى بكل جهوده للهيمنة على المسرح السياسي. فقد حاول السعيد بدعم من صهره وحليفه[ جعفر العسكري ] بعد فشله في منع الملك غازي من تسلم سلطاته الدستورية إلى احتوائه والتأثير عليه لدرجة وصلت إلى حد التدخل في أموره الشخصية، وكان من بين تلك المسائل الشخصية تدخله في منع زواجه من ابنة السيد[يسين الهاشمي ]، وفرض زواجه على[الأميرة عالية ] شقيقة عبد الإله، وذلك عن طريق تحريض عمه [الملك عبد الله]الذي تدخل لدى الملك وحمله على الزواج منها، وكانت تلك الزيجة التي تمت في كانون الثاني 1934غير ناجحة، وانتهت بهجر الملك غازي لها حتى مقتله. (6) حاول رشيد عالي الكيلاني حل البرلمان، وإجراء انتخابات جديدة تضمن له الأكثرية في المجلس، وتقدم بطلب إلى الملك غازي بهذه الرغبة، وتدخل نوري السعيد لدى السفارة البريطانية لمنع حل البرلمان، وسارع السفير البريطاني إلى توجيه تحذير إلى الملك غازي من مغبة الأقدام على حل البرلمان خوفاً من أن يأتي الكيلاني ببرلمان يضم أكثرية من الإخائيين. (7) كما حذر الملك[ عبد الله] ابن أخيه الملك غازي من الأقدام على هذه الخطوة، وجاء ذلك في رسالة بعث بها إليه وجاء فيها: { إن عليك أن لا تحل المجلس تحت أي ظرف كان، وإلا ستظهر الحاجة إلى إعادة الانتخاب من جديد، وعندها ستواجه مخاطر الصراعات الحزبية }. (8) وعليه فقد رفض الملك غازي طلب الكيلاني، وهكذا لم يكن أمام حكومة الكيلاني سوى تقديم استقالتها في 28 تشرين الأول 1933، وتم قبول الاستقالة في نفس اليوم ... لكن الملك آثر أن يبقي العلاقة مع الاخائيين، الذين عملوا معه جنباً إلى جنب، ، وعليه فقد كلف زعيمهم [ يسين الهاشمي] بتشكيل الوزارة الجديدة، لكنه اشترط عليه الإبقاء على المجلس النيابي الحالي . لكن[يسين الهاشمي] رفض هذا الشرط، وبالتالي رفض قبول المنصب وجرى تكليف السيد [جميل المدفعي ] بتأليف الوزارة الجديدة...ورغم أن الملك لم يكلف نوري السعيد بتشكيل الوزارة، وعهد بها إلى السيد [جميل المدفعي ] إلا أن السعيد شغل منصب وزير الخارجية، ووزير الدفاع وكالة في تلك الوزارة، وبذلك هيمن على أخطر وزارتين فيها مما يؤكد مدى تأثيره على إدارة الشؤون العامة للبلاد. (9) لقد تميزت الأوضاع العامة للبلاد على عهد الملك غازي بالاضطراب فقد حدث تمرد للعشائر في مختلف المناطق، وكان دور السياسيين في حدوثها وإذكائها بارزاً، من أجل تحقيق أهداف وغايات سياسية شخصية لا تمت إلى مصلحة البلاد، وقد استطاعت تلك الحركات إسقاط وزارتين متعاقبتين في خلال فترة وجيزة. وقد أكد السيد [ توفيق السويدي ] على دور السعيد في تأييد تلك الحركات حيث يقول : [ إن نوري السعيد وإن لم يكن قد اشترك اشتراكاً فعلياً في تلك الحركات العشائرية إلا أنه كان يؤيدها، وقد انتقد استخدام القوة لقمعها ]. (10) ويقول اللورد بيرد وود: { إن نوري السعيد وإن كان وزيراً للخارجية إلا أنه لا يستبعد تأييده لتلك الحركات بدليل عدم موافقته على استخدام القوة لقمعها، وهو وإن كان قد اشترك في الوزارتين إلا أنه كان من أشد المعارضين لها، إذ أنه كان يشعر أنه أحق من[جميل المدفعي] و[علي جودت الأيوبي] برئاسة الوزارة، وكان يأمل في تطور الأحداث الجارية لكي تلجأ إليه السفارة البريطانية، والطلب من الملك غازي لتكليفه بتأليف الوزارة. (11) وعندما استقالت حكومة المدفعي نتيجة للخلافات داخل مجلس الوزراء كلف الملك غازي رئيس الديوان الملكي السيد[علي جودت الأيوبي] بتأليف الوزارة التي دخلها نوري السعيد كوزير للخارجية. ولما شغر منصب رئاسة الديوان الملكي حاول السعيد ترشيح صهره [جعفر العسكري] لتولي المنصب، إلا أن الملك غازي رفض الترشيح وعيّن [رستم حيدر] رئيساً للديوان. أعتبر الشعب العراقي هذه الوزارة امتداداً للوزارة السابقة، وهاجمتها المعارضة بشدة، وقد وزعت في ذكرى تتويج الملك غازي، في 8 أيلول 1934 منشورات تندد بالحكومة وبالملك الذي حملته مسؤولية سوء الأوضاع الاقتصادية، مما أثار جزع الحكومة، التي حاولت من دون جدوى معرفة مصدر تلك المنشورات، وقد لجأت إلى إغلاق صحيفة الأهالي لمدة سنة، والمعتقد أن الحزب الشيوعي، الذي كان قد جرى تأسيسه في ذلك العام كان وراء تلك المنشورات، فقد شهدت البلاد نشاطاً واسعاً للشيوعيين في تلك الأيام، مما جعل الحكومة تشن حملة شعواء ضد العناصر المشتبه بهم، وإحالتهم إلى المحاكم بتهمة الانتماء لحزب غير مجاز. اشتدت المعارضة ضد الحكومة من قبل عدد من الشخصيات السياسية وبعض رؤساء العشائر الذين استبعدتهم الحكومة من مجلس النواب وتداعوا إلى عقد اجتماع لقادة المعارضة في دار السيد حكمت سليمان، وقد حضر الاجتماع كل من [رشيد عالي الكيلاني ] و[ياسين الهاشمي ] والعديد من رؤساء العشائر،الذين كونوا حلفاً معارضاً للحكومة، وقد جرى انتخاب ياسين الهاشمي زعيماً لهم، ووضعوا لهم ميثاقاً تضمن الإخلاص للملك، والمحافظة على الدستور، وحل المنازعات بين العشائر دون الرجوع إلى الحكومة، وعدم جواز الاشتراك في الحكم دون موافقة القائمين بهذا الحلف. (12) خامسا: مؤتمر للمعارضة في النجف:
أرادت المعارضة التي شكلت لها حلفاً في اجتماع الصليخ، الحصول على دعم رجال الدين، فدعت إلى عقد مؤتمر لها في النجف في 22 آذار 1935 بدار الشيخ [محمد حسين آل كاشف الغطاء ]،وقد حضر المؤتمر عدد كبير من الشخصيات السياسية الوطنية، ورؤساء العشائر والعديد من رجال الدين كان أبرزهم بالإضافة إلى السيد كاشف الغطاء كل من [عبد الواحد سكر ] و[جعفر أبو التمن ] و[محسن أبو طبيخ ] وكل من المحامين [ محمد أمين الجرجفجي ] و[ذيبان الغبان ] و[محمد عبد الحسين ] وعشرات غيرهم، وقد بلغ عدد الحاضرين أكثر من 200 شخصية سياسية ودينية، ورئيس عشيرة. جرى في المؤتمر بحث السبل الممكنة لإجراء الإصلاحات في البلاد وصيانة الدستور من تلاعب الوزارات المتعاقبة على سدة الحكم ومعالجة مشاكل الشعب الاقتصادية، وكُلف المحامون [أمين الجرجفجي] و[محمد عبد الحسين] و[ذيبان الغبان] بوضع ميثاق لتجمع قوى المعارضة المجتمعين في هذا المؤتمر. كما تم الاتفاق على رفع مذكرة إلى الملك غازي تتضمن مطالب المعارضة، والتي ورد فيها المطالب التالية: 1ـ إلغاء التمييز الطائفي، وتمثيل جميع الطوائف في الإدارة والبرلمان. 2ـ تعديل قانون الانتخاب المعمول به على درجتين، وجعله على درجة واحدة منعاً للتأثيرات الحكومية على المنتخبين الثانويين، وضماناً لمصداقية الانتخابات ومنع التلاعب فيها. 3 ـ إدخال عضو من الطائفة الشيعية في محكمة تمييز العراق أسوة ببقية الطوائف الأخرى. 4 ـ إطلاق حرية الصحافة، ورفع كافة القيود المفروضة عليها، وحصر الأشراف عليها بالقضاء. 5ـ تطهير جهاز الدولة من العناصر الفاسدة والمرتشية، والمعروفة بسوء السلوك والسمعة 6ـ مراعاة التوزيع العادل للخدمات الصحية، والثقافية وغيرها ،على كافة مناطق العراق. 7 ـ عدم التعرض لمن اشترك في الحركات الوطنية الحاضرة من أبناء الشعب والموظفين وأفراد الجيش والشرطة. 8 ـ إصلاح نظام إدارة الأوقاف. 9ـ تعديل وتعميم لجان تسوية حقوق الأراضي، والإسراع في تنفيذ قانون البنك الزراعي والصناعي . 10ـ إلغاء ضريبة الأرض والماء، واستبدال ضريبة [الكودة ] على المواشي بضريبة استهلاك. 11 ـ إلغاء القوانين التي تتعارض مع هذه المطالب. (13) لكنّ عدداً من رؤساء العشائر انشق عن إجماع المؤتمرين ورفضوا التوقيع على المذكرة بدعوى أن المذكرة شديدة اللهجة وتتضمن مطالب تعجيزية من الحكومة، وغادروا الاجتماع، وبعثوا بمذكرة إلى الملك والى الوزارة أعربوا فيها عن تأييدهم للسلطة...أدى ذلك المؤتمر والمذكرة المرفوعة للملك، إلى تصاعد الصراع بين الحكومة والمعارضة، وحاولت الحكومة توجيه ضربة للمعارضة، لكنها خافت من تمرد العشائر، فقد كادت الأمور تفلت من يد الحكومة، وتقع حرب بين العشائر والحكومة، وفي نهاية المطاف قدمت الحكومة الأيوبية استقالتها إلى الملك في 23 شباط 1935، وقد قبل الملك الاستقالة بعد يومين وكلف الملك غازي السيد [يسين الهاشمي] بتأليف الوزارة الجديدة. إلا أن الهاشمي اعتذر عن قبول التكليف بعد أن فرض الملك إشراك جميل المدفعي وعلي جودت الأيوبي في الحكومة، واستبعاد رشيد عالي الكيلاني الذي اتهم بإسقاط وزارتيهما عن طريق اتصالاته بالعشائر، ورفض الهاشمي شروط الملك، والتي هي من شروط السفير البريطاني حيث أشار السفير البريطاني على الملك تكليف السيد[ جميل المدفعي ] بتشكيل الوزارة الجديدة، واشترك السعيد في الوزارة كوزير للخارجية أيضاً. (14) سادساً: ثورة العشائر في الفرات الأوسط : جاءت وزارة المدفعي، وفي جوهر منهاجها اتخاذ الإجراءات لقمع المعارضة الشعبية والحزبية والعشائرية، وعلى ضوء ذلك قررت الحكومة تجريد حملة ضد العشائر التي وقفت ضد الحكومة السابقة، ونسقت جهودها مع المعارضة السياسية. كانت البلاد في حالة من الفوضى، فقد هاجت القبائل وتسلحت واستعدت لمجابهة حملة الحكومة، وقد تعطلت الزراعة، وتوقفت التجارة وانتشرت روح التمرد لدى العشائر، حيث وصل الأمر بهم إلى المطالبة بسقوط الوزارة الجديدة، وقامت قبائل [الأكرع ] باحتلال قلعة [الدغارة] الواقعة جنوب الحلة،على بعد 60 كم...كما قامت مجموعات من قبائل[ الفتلة ] بزعامة عبد الواحد سكر بتخريب القناطر والجسور المقامة على الأنهر الفصلية وأبو صخير والشامية بغية قطع الطريق على قوات الحكومة... وفي لواء ديالى قامت قبائل [ العزة ] التي يرأسها الشيخ حبيب الخيزران باحتلال [ منصورية الجبل ] في نفس اليوم، وبذلك اشتعلت ثورة العشائر في الديوانية وديالى. وبالنظر لتطور الأوضاع بهذا الشكل الخطير دعا رئيس الوزراء أعضاء حكومته إلى اجتماع عاجل حضره مستشار وزارة الداخلية المستر [كرونواليس ]، ورئيس الديوان الملكي، حيث بحثوا التطورات الحاصلة واتخذوا قراراً بتجريد حملة عسكرية كبيرة لقمع تمرد العشائر، وصدرت الأوامر لقوات الجيش في 13 آذار 1935 بالتحرك فوراً، كما طلب رئيس الوزراء من السفير البريطاني دعم قوات الجيش بالطائرات الحربية البريطانية. (15) لم تكدْ تتحرك قوات الجيش، وتظهر الطائرات البريطانية في سماء المنطقة حتى هبت قبائل المشخاب والشامية والرميثة وعفك والفتلة وغيرها من العشائر لدعم القبائل الثائرة مما أربك الحكومة وأقلقها كثيراً بسبب خطورة الموقف واحتمال تطوره. لم يكن الجيش العراقي ذلك اليوم من القوة والتسلح لكي يتمكن من أداء المهام المناطة به، فقد كان يتألف من 15 فوجاً، ولم يكن يملك سوى أسلحة بسيطة غير متطورة، ولم يكن بمستطاع القوة التي دفعت بها الحكومة لقمع ثورة العشائر، ولذلك اضطرت إلى سحب العديد من الأفواج من الألوية الأخرى وزجتها في المعركة. كانت الحكومة متخوفة جداً من ثورة العشائر هذه، فقد كانت تختلف كل الاختلاف عن سابقاتها من الثورات، كثورة الشيخ محمود الحفيد في السليمانية، وثورة الآشوريين، ذلك لأن معظم جنود الجيش هم من العشائر، وكان خوف الحكومة من حدوث تمرد في صفوف الجيش وانضمام المتمردون إلى ثورة العشائر. لجأت الحكومة بناء على نصيحة السفارة البريطانية إلى استمالة عدد من رؤساء العشائر من غير المنضمين إلى الثورة، ودفعهم للوقوف ضد العشائر الثائرة لكي تجعل الحكومة تلك الثورة وكأنها حرب أهلية بين العشائر، لكنهم فشلوا في الوقوف بوجه الثورة، واضطرت الحكومة إلى تعطيل مجلس النواب في 12 آذار، وذلك بغية منعه من مناقشة الأوضاع، هذا وقد وقف مجلس الأعيان ضد إجراءات الحكومة التي وصفها بالتهور، وعدم الحكمة. (16) أما السيد [جعفر أبو التمن ] فقد كتب مقالة في صحيفة [المبدأ] حلل فيه تطور الأحداث، ودعا الحكومة إلى التزام جانب الحكمة، وعدم التهور وإنقاذ البلاد من المخاطر الجسيمة التي يمكن أن تتعرض لها إذا ما استمرت المجابهة. كما دعا إلى إجراء إصلاحات جذرية في البلاد ومعالجة الأوضاع الاقتصادية والسياسية المتردية. (17) كما استنكر المحامون لجوء الحكومة إلى القوة، ودعوا إلى حقن الدماء وحل المشكلة بالطرق السلمية، ودعوا إلى تأليف حكومة وحدة وطنية...كما دعا الشيخ كاشف الغطاء إلى توقف حركات الجيش، وإجراء إصلاحات في البلاد، فيما دعا عبد الواحد سكر إلى استقالة الحكومة وتأليف حكومة جديدة تأخذ على عاتقها تهدئة الأوضاع، وتجري الإصلاحات اللازمة لمعالجة مشاكل الشعب. انهالت البرقيات على الملك غازي تستنكر لجوء الحكومة إلى القوة وتطلب من الملك إقالة الوزارة، ومعالجة الأمور بحكمة وتروي، ووجد الملك أن سياسة الحكومة يمكن أن تؤدي إلى كارثة، ولذلك فقد طلب من رئيس الديوان الملكي أن يبلغ رئيس الوزراء رغبته في أن تقوم الحكومة بإعادة النظر في سياستها نحو العشائر الثائرة، والعمل على معالجة الأمر بحكمة وتروي، فلما بُلغ الأمر إلى رئيس الوزراء أدرك انه لا يمكنه الاستمرار في الحكم فسارع إلى تقديم استقالة حكومته في 15 آذار 1935، وتم قبول الاستقالة بعد يومين من تقديمها. سابعا:تصاعد الثورة وتكليف يسين الهاشمي بتأليف الوزارة كلف الملك غازي السيد[ يسين الهاشمي] بتأليف الوزارة الجديدة لكي تأخذ على عاتقها تهدئة الأوضاع بصورة سلمية، وبدأ الهاشمي مشاوراته لتأليف الوزارة الجديدة. حاول الهاشمي إدخال حكمت سليمان في الوزارة، إلا أن حكمت أعتذر عن قبول المنصب استناداً لمقررات[مؤتمر الصليخ] مشترطاً موافقة رفاقه جعفر أبو التمن وكامل الجادرجي وعبد القادر إسماعيل، وبالفعل جرى الاتصال بهم، وتم الاتفاق على دخوله الوزارة، لكنه اشترط على الهاشمي إسناد وزارة الداخلية إليه مما سبب إحراجاً للهاشمي. وحاول الهاشمي إدخال رشيد عالي الكيلاني في الحكومة، إلا أن الكيلاني اشترط إسناد وزارة الداخلية إليه أيضاً، مما دفع السيد الهاشمي إلى الاعتذار عن تشكيل الوزارة. ولما كانت الأوضاع خطيرة جداً، وتتطلب سرعة تشكيل الوزارة، اضطر الملك غازي إلى الطلب من الهاشمي أن يشكل الوزارة كما يرتئ، وهكذا تشكلت الوزارة التي دخلها رشيد عالي الكيلاني وزيراً للداخلية، في حين عين نوري السعيد وزيراً للخارجية، وجعفر العسكري وزيراً للدفاع. (18) لم تكن السفارة البريطانية مرتاحة لمجيء وزارة يسين الهاشمي إلى الحكم بالنظر لمواقفه السابقة من معاهدة 1930 العراقية البريطانية، لكن الهاشمي طمأن السفير البريطاني قائلاً له: {إن لدينا الآن صديقاً جديداً كان عدواً لنا من قبل }!!. (19) كان من أولى المهام الملقاة على عاتق الحكومة معالجة مسألة ثورة العشائر، |